سورة
اية:

جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ ۚ كَذَٰلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ

تفسير بن كثير

هذا خبر عن السعداء بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء، فإن أولئك قيل لهم: { ماذا أنزل ربكم} قالوا: معرضين عن الجواب، لم ينزل شيئا إنما هذا أساطير الأولين، وهؤلاء قالوا: خيرا أي أنزل خيرا، أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به، ثم أخبر عما وعد اللّه عباده فيما أنزله على رسله، فقال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} الآية، كقوله تعالى: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} أي من أحسن عمله في الدنيا أحسن اللّه إليه عمله في الدنيا والآخرة، ثم أخبر بأن دار الآخرة خير، أي من الحياة الدنيا والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا، كقوله: { وما عند اللّه خير للأبرار} ، وقال تعالى: { والآخرة خير وأبقى} ، وقال لرسوله صلى اللّه عليه وسلم: { وللآخرة خير لك من الأولى} ، ثم وصف الدار الآخرة فقال: { ولنعم دار المتقين} ، وقوله: { جنات عدن} بدل من دار المتقين، أي لهم في الآخرة جنات عدن أي مقام يدخلونها، { تجري من تحتها الأنهار} أي بين أشجارها وقصورها، { لهم فيها ما يشاءون} ، كقوله تعالى: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون} ، وفي الحديث: (إن السحابة لتمر بالملأ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم، فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليه، حتى إن منهم ليقول: أمطرينا كواعب أترابا فيكون ذلك)، { كذلك يجزي اللّه المتقين} ، أي كذلك يجزي اللّه كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله. ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار أنهم طيبون، أي مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء، وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة، كقوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} . وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى: { يثبت اللّه الذين آمنوا بالقول الثابت} . الآية.

تفسير الجلالين

{ جنات عدن } إقامة مبتدأ خبره { يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءُون كذلك } الجزاء { يجزي الله المتقين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { جَنَّات عَدْن يَدْخُلُونَهَا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { جَنَّات عَدْن } بَسَاتِين لِلْمَقَامِ , وَقَدْ بَيَّنَّا اِخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى عَدْن فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . { يَدْخُلُونَهَا } يَقُول : يَدْخُلُونَ جَنَّات عَدْن . وَفِي رَفْع " جَنَّات " أَوْجُه ثَلَاث : أَحَدهَا : أَنْ يَكُون مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاء , وَالْآخَر : بِالْعَائِدِ مِنْ الذِّكْر فِي قَوْله : " يَدْخُلُونَهَا " , وَالثَّالِث : عَلَى أَنْ يَكُون خَبَرًا لِنِعْمَ , فَيَكُون الْمَعْنَى إِذَا جُعِلَتْ خَبَرًا لِنِعْمَ : وَلَنِعْمَ دَار الْمُتَّقِينَ جَنَّات عَدْن , وَيَكُون " يَدْخُلُونَهَا " فِي مَوْضِع حَال , كَمَا يُقَال : نِعْمَ الدَّار دَار تَسْكُنهَا أَنْتَ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون إِذَا كَانَ الْكَلَام بِهَذَا التَّأْوِيل " يَدْخُلُونَهَا " مِنْ صِلَة " جَنَّات عَدْن " . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { جَنَّات عَدْن يَدْخُلُونَهَا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { جَنَّات عَدْن } بَسَاتِين لِلْمَقَامِ , وَقَدْ بَيَّنَّا اِخْتِلَاف أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى عَدْن فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . { يَدْخُلُونَهَا } يَقُول : يَدْخُلُونَ جَنَّات عَدْن . وَفِي رَفْع " جَنَّات " أَوْجُه ثَلَاث : أَحَدهَا : أَنْ يَكُون مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاء , وَالْآخَر : بِالْعَائِدِ مِنْ الذِّكْر فِي قَوْله : " يَدْخُلُونَهَا " , وَالثَّالِث : عَلَى أَنْ يَكُون خَبَرًا لِنِعْمَ , فَيَكُون الْمَعْنَى إِذَا جُعِلَتْ خَبَرًا لِنِعْمَ : وَلَنِعْمَ دَار الْمُتَّقِينَ جَنَّات عَدْن , وَيَكُون " يَدْخُلُونَهَا " فِي مَوْضِع حَال , كَمَا يُقَال : نِعْمَ الدَّار دَار تَسْكُنهَا أَنْتَ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون إِذَا كَانَ الْكَلَام بِهَذَا التَّأْوِيل " يَدْخُلُونَهَا " مِنْ صِلَة " جَنَّات عَدْن " .' وَقَوْله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا الْأَنْهَار .وَقَوْله : { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا الْأَنْهَار .' { لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } يَقُول : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فِي جَنَّات عَدْن مَا يَشَاءُونَ مِمَّا تَشْتَهِي أَنْفُسهمْ وَتَلَذّ أَعْيُنهمْ . { لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ } يَقُول : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا فِي جَنَّات عَدْن مَا يَشَاءُونَ مِمَّا تَشْتَهِي أَنْفُسهمْ وَتَلَذّ أَعْيُنهمْ .' { كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّه الْمُتَّقِينَ } يَقُول : كَمَا يَجْزِي اللَّه هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِمَا وَصَفَ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس أَنَّهُ جَزَاهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , كَذَلِكَ يَجْزِي الَّذِينَ اِتَّقَوْهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه . { كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّه الْمُتَّقِينَ } يَقُول : كَمَا يَجْزِي اللَّه هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا بِمَا وَصَفَ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس أَنَّهُ جَزَاهُمْ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة , كَذَلِكَ يَجْزِي الَّذِينَ اِتَّقَوْهُ بِأَدَاءِ فَرَائِضه وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} أي قالوا : أنزل خيرا؛ وتم الكلام. و { ماذا} على هذا اسم واحد. وكان يرد الرجل من العرب مكة في أيام الموسم فيسأل المشركين عن محمد عليه السلام فيقولون : ساحر أو شاعر أو كاهن أو مجنون. ويسأل المؤمنين فيقولون : أنزل الله عليه الخير والهدى، والمراد القرآن. وقيل : إن هذا يقال لأهل الإيمان يوم القيامة. قال الثعلبي : فإن قيل : لم ارتفع الجواب في قوله { أساطير الأولين} [النحل : 24] وانتصب في قوله { خيرا} فالجواب أن المشركين لم يؤمنوا بالتنزيل، فكأنهم قالوا : الذي يقوله محمد هو أساطير الأولين. والمؤمنين آمنوا بالنزول فقالوا : أنزل خيرا، وهذا مفهوم معناه من الإعراب، والحمد لله. قوله تعالى { للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة} قيل : هو من كلام الله عز وجل. وقيل : هو من جملة كلام الذين اتقوا. والحسنة هنا : الجنة؛ أي من أطاع الله فله الجنة غدا. وقيل { للذين أحسنوا} اليوم حسنة في الدنيا من النصر والفتح والغنيمة { ولدار الآخرة خير} أي ما ينالون في الآخرة من ثواب الجنة خير وأعظم من دار الدنيا؛ لفنائها وبقاء الآخرة. { ولنعم دار المتقين} فيه وجهان : قال الحسن : المعنى ولنعم دار المتقين الدنيا؛ لأنهم نالوا بالعمل فيها ثواب الآخرة ودخول الجنة. وقيل : المعنى ولنعم دار المتقين الآخرة؛ وهذا قول الجمهور. وعلى هذا تكون { جنات عدن} بدلا من الدار فلذلك ارتفع. { جنات عدن} بدلا من الدار فلذلك ارتفع. وقيل : ارتفع على تقدير هي جنات، فهي مبينة لقوله { دار المتقين} . أو تكون مرفوعة بالابتداء، التقدير : جنات عدن نعم دار المتقين. { يدخلونها} في موضع الصفة، أي مدخولة. وقيل { جنات} رفع بالابتداء، وخبره { يدخلونها} وعليه يخرج قول الحسن. والله أعلم. { تجري من تحتها الأنهار} تقدم. { لهم فيها ما يشاءون} أي مما تمنوه وأرادوه. { كذلك يجزي الله المتقين} أي مثل هذا الجزاء يجزي الله المتقين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 27 - 31


سورة النحل الايات 31 - 36

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والجنات: تعني البساتين التي بها الأشجار والأزهار والثمار والخضرة، مما لا عَيْن رأتْ، ولا أذُن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.. ليس هذا وفقط.. هذه الجنة العمومية التي يراها كل مَنْ يدخلها.. بل هناك لكل واحد قصر خاص به، بدليل قوله تعالى:
{  وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ ٱلْفَوْزُ ٱلْعَظِيمُ }
[الصف: 12].

إذن: هنا قَدْر مشترك للجميع:

{ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } [النحل: 31].

ومعنى قوله تعالى: { جَنَّاتُ عَدْنٍ... } [النحل: 31].

أي: جنات إقامة دائمة؛ لأن فيها كل ما يحتاجه الإنسان، فلا حاجه له إلى غيرها.. هَبْ أنك دخلْتَ أعظم حدائق وبساتين العالم ـ هايد بارك مثلاً ـ فقصارى الأمر أنْ تتنزَّه به بعض الوقت، ثم يعتريك التعب ويصيبك المَلل والإرهاق فتطلب الراحة من هذه النزهة.. أما الجنة فهي جنة عدن، تحب أن تقيم فيها إقامة دائمة.

ويصف الحق سبحانه هذه الجنات فيقول:

{ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } [النحل: 31].

وفي آية أخرى يقول سبحانه:
{  تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ }
[التوبة: 100].

ومعنى " تجري تحتها " أي: أنها تجري تحتها، وربما تأتي من مكان آخر.. وقد يقول هنا قائل: يمكن أن يُمنع عنك جريان هذه الأنهار؛ لذلك جاءت الآية:

{ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ } [النحل: 31].

أي: ذاتية في الجنة لا يمنعها عنك مانع.

ثم يقول تعالى:

{ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ.. } [النحل: 31].

والمشيئة هنا ليست بإرادة الدنيا ومشيئتها، وإنما مشيئة بالمزاج الخصب الذي يتناسب مع الآخرة ونعيمها.. فمثلاً: إذا دخلتَ على إنسان رقيق الحال فَلَك مشيئة على قدر حالته، وإذا دخلتَ على أحد العظماء أو الأثرياء كانت لَكَ مشيئة أعلى.. وهكذا.

إذن: المشيئات النفسية تختلف باختلاف المشَاء منه، فإذا كان المشَاء منه هو الله الذي لا يُعجزه شيء تكون مشيئتُك مُطلقة، فالمشيئة في الآية ليستْ كمشيئة الدنيا؛ لأن مشيئة الدنيا تتحدَّد ببيئة الدنيا.. أما مشيئة الآخرة فهي المشيئة المتفتحة المتصاعدة المرتقية كما تترقى المشيئات عند البشر في البشر حَسْب مراتبهم ومراكزهم.

ويُرْوى أنه لما أُسِرَتْ بنت أحد ملوك فارس عند رجل، وأرادوا شراءها منه وعرضوا عليه ما يريد، فقال: أريد فيها ألف دينار، فأعطوه الألف دينار وأخذوها منه.. فقال له أحدهم: إنها ابنةُ الملك، ولو كنت طلبتَ منه كذا وكذا لم يبخل عليك فقال: والله لو علمتُ أن وراء الألف عدداً لَطلبْته.. فقد طلب قصارى ما وصل إليه علمه.

لذلك لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرح لنا هذا النص القرآني:

{ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآؤونَ... } [النحل: 31].

وكذلك قوله تعالى:
{  وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ٱلأَنْفُسُ وَتَلَذُّ ٱلأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }
[الزخرف: 71].

قال: " فيها ما لا عَيْن رأت، ولا أذن سمعتْ، ولا خطر على قَلْب بشر ".

إذن: تحديد الإطار للآية بقدر ما هم فيه عند ربهم.

{ كَذَلِكَ يَجْزِي ٱللَّهُ ٱلْمُتَّقِينَ } [النحل: 31].

أي: هكذا الجزاء الذي يستحقونه بما قدموا في الدنيا، وبما حرَمَوا منه أنفسهم من مُتَع حرام.. وقد جاء الآن وقْتُ الجزاء، وهو جزاءٌ أطول وأَدْوم؛ لذلك قال الحق تبارك وتعالى في آية أخرى:
{  كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَآ أَسْلَفْتُمْ فِي ٱلأَيَّامِ ٱلْخَالِيَةِ }
[الحاقة: 24].

ثم يقول الحق تبارك وتعالى: { ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ... }.


www.alro7.net