سورة
اية:

وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن المجرمين، أنهم كانوا في الدار الدنيا يضحكون من المؤمنين، أي يستهزئون بهم ويحتقرونهم، وإذا مروا بالمؤمنين يتغامزون عليهم أي محتقرين لهم { وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين} أي وإذا انقلب: أي رجع هؤلاء المجرمون إلى منازلهم انقلبوا إليها فاكهين، أي مهما طلبوا وجدوا، ومع هذا ما شكروا نعمة اللّه عليهم، بل اشتغلوا بالقوم المؤمنين يحقرونهم ويحسدونهم { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} أي لكونهم على غير دينهم، قال اللّه تعالى: { وما أرسولا عليهم حافظين} أي وما بعث هؤلاء المجرمون، حافظين على هؤلاء المؤمنين، ما يصدر عنهم من أعمالهم وأقوالهم، ولا كلفوا بهم، فلم اشتغلوا بهم وجعلوهم نصب أعينهم؟ كما قال تعالى: { إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين. فاتخذتموهم سخرياً حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون} ، ولهذا قال ههنا: { فاليوم} يعني يوم القيامة { الذين آمنوا من الكفار يضحكون} أي في مقابلة ما ضحك بهم أولئك { على الأرائك ينظرون} أي إلى اللّه عزَّ وجلَّ، ينظرون إلى ربهم في دار كرامته، وقوله تعالى: { هل ثوّب الكفار ما كانوا يفعلون} ؟ أي هل جوزي الكفار على ما كانوا يقابلون به المؤمنين، من الاستهزاء والسخرية أم لا، يعني قد جوزوا أوفر الجزاء وأتمه وأكمله.

تفسير الجلالين

{ وإذا مروا } أي المؤمنون { بهم يتغامزون } يشير المجرمون إلى المؤمنين بالجفن والحاجب استهزاء.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إِذَا مَرَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ; يَقُول : كَانَ بَعْضهمْ يَغْمِز بَعْضًا بِالْمُؤْمِنِ , اِسْتِهْزَاء بِهِ وَسُخْرِيَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَانَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَجْرَمُوا إِذَا مَرَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ; يَقُول : كَانَ بَعْضهمْ يَغْمِز بَعْضًا بِالْمُؤْمِنِ , اِسْتِهْزَاء بِهِ وَسُخْرِيَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن الذين أجرموا} وصف أرواح الكفار في الدنيا مع المؤمنين باستهزائهم بهم والمراد رؤساء قريش من أهل الشرك. روى ناس عن ابن عباس قال : هو الوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد يغوث، والعاص بن هشام، وأبو جهل، والنضر بن الحارث؛ وأولئك { كانوا من الذين آمنوا} من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم مثل عمار، وخباب وصهيب وبلال { يضحكون} على وجه السخرية. { وإذا مروا بهم} عند إتيانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم { يتغامزون} يغمز بعضهم بعضا، ويشيرون بأعينهم. وقيل : أي يعيرونهم بالإسلام ويعيبونهم به يقال : غمزت الشيء بيدي؛ قال : وكنت إذا غمزت فتاة قوم ** كسرت كعوبها أو تستقيما وقالت عائشة : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد غمزني، فقبضت رجلي. الحديث؛ وقد مضى في النساء . وغمزته بعيني. وقيل : الغمز : بمعنى العيب، يقال غمزه : أي عابه، وما في فلان غمزة أي عيب. وقال مقاتل : نزلت في علي بن أبي طالب جاء في نفر من المسلمين إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلمزهم المنافقون، وضحكوا عليهم وتغامزوا. قوله تعالى { وإذا انقلبوا} أي أنصرفوا إلى أهلهم وأصحابهم وذويهم { انقلبوا فكهين} أي معجبين منهم. وقيل : معجبون بما هم عليه من الكفر، متفكهون بذكر المؤمنين. وقرأ ابن القعقاع وحفص والأعرج والسلمي { فكهين} بغير ألف. الباقون بألف. قال الفراء : هما لغتان مثل طمع وطامع وحذر وحاذر، وقد تقدم في سورة [الدخان] والحمد لله. وقيل : الفكه : الأشر البطر والفاكه : الناعم المتنعم. { وإذا رأوهم} أي إذا رأى هؤلاء الكفار أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم { قالوا إن هؤلاء لضالون} في اتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم { وما أرسلوا عليهم حافظين} لأعمالهم، موكلين بأحوالهم، رقباء عليهم. قوله تعالى { فاليوم} يعني هذا اليوم الذي هو يوم القيامة { الذين آمنوا} بمحمد صلى الله عليه وسلم { من الكفار يضحكون} كما ضحك الكفار منهم في الدنيا. نظيره في آخر سورة { المؤمنين} وقد تقدم. وذكر ابن المبارك : أخبرنا محمد بن بشار عن قتادة في قوله تعالى { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون} قال : ذكر لنا أن كعبا كان يقول إن بين الجنة والنار كوى، فإذا أراد المؤمن أن ينظر إلى عدو كان له في الدنيا اطلع من بعض الكوى؛ قال الله تعالى في آية أخرى { فاطلع فرآه في سواء الجحيم} [الصافات : 55] قال : ذكر لنا أنه أطلع فرأى جماجم القوم تغلي. وذكر ابن المبارك أيضا : أخبرنا الكلبي عن أبي صالح في قوله تعالى { الله يستهزئ بهم} [البقرة : 15] قال : يقال لأهل النار وهم في النار : أخرجوا، فتفتح لهم أبواب النار، فإذا رأوها قد فتحت أقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم؛ فذلك قوله { الله يستهزئ بهم} [البقرة : 15] ويضحك منهم المؤمنون حين غلقت دونهم فذلك قوله تعالى { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون. على الأرائك ينظرون. هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون} قد مضى هذا في أول سورة [البقرة ]. ومعنى { هل ثوب} أي هل جوزي بسخريتهم في الدنيا بالمؤمنين إذا فعل بهم ذلك. وقيل : إنه متعلق بـ { ينظرون} أي ينظرون : هل جوزي الكفار؟ فيكون معنى هل [التقرير] وموضعها نصبا بـ { ينظرون} . وقيل : استئناف لا موضع له من الأعراب. وقيل : هو إضمار على القول، والمعنى؛ يقول بعض المؤمنين لبعض { هل ثوب الكفار} أي أثيب وجوزي. وهو من ثاب يثوب أي رجع؛ فالثواب ما يرجع على العبد في مقابلة عمله، ويستعمل في الخير والشر. تمت السورة والله أعلم.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي - صوتي

المطفّفين من اية 4 الى 31


www.alro7.net