سورة
اية:

وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ

تفسير بن كثير

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: { ليثبتوك} ليقيدوك؛ وقال عطاء وابن زيد: ليحبسوك، وقال السدي: الإثبات هو الحبس والوثاق، وهذا يشمل ما قاله هؤلاء وهؤلاء، وهو مجمع الأقوال، وهو الغالب من صنيع من أراد غيره بسوء، وقال عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: لما ائتمروا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمه أبو طالب: هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال: (يريدون أن يسجنوني أو يقتلوني أو يخرجوني)، قال: من أخبرك بهذا؟ قال: (ربي) قال: نعم الرب ربك استوص به خيراً، قال: (أنا أستوصي به؟ بل هو يستوصي بي)، قال فنزلت: { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك} ""قال ابن كثير: ذكر أبي طالب في هذا غريب جداً بل منكر، لأن الآية مدنية واجتماع قريش وائتمارهم كان ليلة الهجرة وكان ذلك بعد موت أبي طالب بنحو ثلاث سنين""الآية. والدليل على صحة ما قلنا، ما روى محمد بن إسحاق صاحب المغازي عن مجاهد عن ابن عباس: أن نفراً من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة، فاعترضهم إبليس في صورة شيخ جليل، فلما رأوه قالوا له من أنت؟ قال شيخ من أهل نجد سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم، ولن يعدمكم رأيي ونصحي قالوا: أجل ادخل فدخل معهم، فقال: انظروا في شأن هذا الرجل، واللّه ليوشكن أن يواثبكم في أمركم بأمره، فقال قائل منهم: احبسوه في وثاق ثم تربصوا به ريب المنون حتى يهلك كما هلك من كان قبله من الشعراء زهير والنابغة، قال: فصرخ عدو اللّه فقال: واللّه ما هذا برأي، واللّه ليخرجنه ربه من محبسه إلى أصحابه، فليوشكن أن يثبوا عليه حتى يأخذوه من أيديكم فيمنعوه منكم، فما آمن عليكم أن يخرجوكم من بلادكم، قالوا صدق الشيخ فانظروا في غير هذا، قال قائل منهم: أخرجوه من بين أظهركم فتستريحوا منه، فإنه إذا خرج لن يضركم ما صنع إذا غاب عنكم أذاه؛ فقال الشيخ النجدي: واللّه ما هذا لكم برأي ألم تروا حلاوة قوله، وطلاقة لسانه، وأخذ القلوب ما تسمع من حديثه؟ واللّه لئن فعلتم ثم استعرض العرب ليجتمعن عليه، ثم ليأتين إليكم حتى يخرجكم من بلادكم ويقتل أشرافكم، قالوا صدق واللّه، فانظروا رأياً غير هذا، فقال أبو جهل لعنه اللّه: واللّه لأشيرن عليكم برأي ما أراكم أبصرتموه بعد، لا أرى غيره، قالوا: وما هو؟ قال: تأخذون من كل قبيلة غلاماً شاباً وسيطاً نهداً، ثم يعطى كل غلام منهم سيفاً صارماً، ثم يضربونه ضربة رجل واحد، فإذا قتلوه تفرق دمه في القبائل كلها، فما أظن هذا الحي من بني هاشم يقوون على حرب قريش كلها، فإنهم إذا رأوا ذلك قبلوا العقل الدية واسترحنا وقطعنا عنا أذاه، قال: فقال الشيخ النجدي: هذا واللّه الرأي، القول ما قال الفتى، ولا أرى غيره؛ قال: فتفرقوا على ذلك وهم مجمعون له، فأتى جبريل النبي صلى اللّه عليه وسلم فأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه، وأخبره بمكر القوم، فلم يبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيته تلك الليلة، وأذن اللّه له عند ذلك بالخروج، وأنزل اللّه عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمه عليه وبلاءه عنده: { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر اللّه والله خير الماكرين} ، وأنزل في قولهم تربصوا به ريب المنون: { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} . قال ابن إسحاق: أتاه جبريل عليه السلام فأمره أن لا يبيت في مكانه الذي كان يبيت فيه، فدعا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم علي بن أبي طالب فأمره أن يبيت على فراشه ويتسجى ببرد له أخضر، ففعل ثم خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على القوم، وهم على بابه، وخرج معه بحفنة من تراب فجعل يذروها على رؤوسهم، وأخذ اللّه بأبصارهم عن نبيه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقرأ: { يسن والقرآن الحكيم - إلى قوله - فأغشيناهم فهم لا يبصرون} . وقد روى ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال: دخلت فاطمة على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهي تبكي، قال: (ما يبكيك يا بنية؟) قالت: يا أبت ومالي لا أبكي وهؤلاء الملأ من قريش في الحِجْر يتعاهدون باللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى لو قد رأوك لقاموا إليك فيقتلونك، وليس منهم إلا من قد عرف نصيبه من دمك، فقال: (يا بنية ائتني بوضوء)، فتوضأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، ثم خرج إلى المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هو ذا، فطأطأوا رؤوسهم، وسقطت رقابهم بين أيديهم، فلم يرفعوا أبصارهم، فتناول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قبضة من تراب فحصبهم بها، وقال: (شاهت الوجوه)، فما أصاب رجلاً منهم حصاة من حصياته إلا قتل يوم بدر كافراً ""قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ولا أعرف له علة"". وعن ابن عباس في قوله: { وإذ يمكر بك} الآية. قال: تشاورت قريش ليلة بمكة فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق يريدون النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقال بعضهم: بل اقتلوه، وقال بعضهم: بل أخرجوه، فأطلع اللّه نبيه صلى اللّه عليه وسلم على ذلك فبات علي رضي اللّه عنه على فراش رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون علياً يحسبونه النبي صلى اللّه عليه وسلم، فلما أصبحوا ثاروا إليه، فلما رأوا علياً رد اللّه تعالى مكرهم، فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري، فاقتصوا أثره، فلما بلغوا الجبل اختلط عليهم، فصعدوا في الجبل، فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ههنا لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فمكث فيه ثلاث ليال ""رواه الإمام أحمد في المسند"". وقال عروة بن الزبير في قوله: { ويمكرون ويمكر الله} أي فمكرت بهم بكيدي المتين حتى خلصتك منهم.

تفسير الجلالين

{ و } اذكر يا محمد { إذ يمكر بك الذين كفروا } وقد اجتمعوا للمشاورة في شأنك بدار الندوة { ليثبتوك } يوثقوك ويحبسوك { أو يقتلوك } كلهم قَتلَة رجل واحد { أو يخرجوك } من مكة { ويمكرون } بك { ويمكرُ الله } بهم بتدبير أمرك بأن أوحى إليك ما دبروه وأمرك بالخروج { والله خير الماكرين } أعلمهم به .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُذَكِّره نِعَمه عَلَيْهِ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد , إِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك كَيْ يُثْبِتُوك . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { لِيُثْبِتُوك } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لِيُقَيِّدُوك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12383 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } يَعْنِي : لِيُوثِقُوك . 12384 - قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لِيُثْبِتُوك } لِيُوثِقُوك . 12385 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } الْآيَة , يَقُول : لِيَشُدُّوك وَثَاقًا , وَأَرَادُوا بِذَلِكَ نَبِيّ اللَّه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِمَكَّة . 12386 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَمِقْسَم , قَالَا : قَالُوا : أَوْثَقُوهُ بِالْوَثَاقِ ! 12387 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لِيُثْبِتُوك } قَالَ : الْإِثْبَات : هُوَ الْحَبْس وَالْوَثَاق . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ الْحَبْس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12388 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : سَأَلْت عَطَاء عَنْ قَوْله : { لِيُثْبِتُوك } قَالَ : يَسْجُنُوك . وَقَالَهَا عَبْد اللَّه بْن كَثِير . 12389 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : قَالُوا : اُسْجُنُوهُ ! وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : لِيَسْحَرُوك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12390 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بِالْوَسْاوِسِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَجِيد بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ الْمُطَّلِب بْن أَبِي وَدَاعَة : أَنَّ أَبَا طَالِب قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَأْتَمِر بِهِ قَوْمك ؟ قَالَ : " يُرِيدُونَ أَنْ يَسْحَرُونِي وَيَقْتُلُونِي وَيُخْرِجُونِي " فَقَالَ : مَنْ أَخْبَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : " رَبِّي " قَالَ : نِعْمَ الرَّبّ رَبّك , فَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا أَسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي خَيْرًا " . فَنَزَلَتْ : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك } الْآيَة . 12391 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ عَطَاء : سَمِعْت عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : لَمَّا اِئْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْتُلُوهُ أَوْ يُثْبِتُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ , قَالَ لَهُ أَبُو طَالِب : هَلْ تَدْرِي مَا اِئْتَمَرُوا لَك ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَأَخْبَرَهُ . قَالَ : مَنْ أَخْبَرَك ؟ قَالَ : " رَبِّي " . قَالَ : نِعْمَ الرَّبّ رَبّك , اِسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا ! قَالَ : " أَنَا أَسْتَوْصِي بِهِ , أَوْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي ؟ " . وَكَانَ مَعْنَى مَكْر قَوْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ لِيُثْبِتُوهُ , كَمَا : 12392 - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى الْأُمَوِيّ , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : وَحَدَّثَنِي الْكَلْبِيّ , عَنْ زَاذَان مَوْلَى أُمّ هَانِئ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْش مِنْ أَشْرَاف كُلّ قَبِيلَة , اِجْتَمَعُوا لِيَدْخُلُوا دَار النَّدْوَة , فَاعْتَرَضَهُمْ إِبْلِيس فِي صُورَة شَيْخ جَلِيل ; فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : شَيْخ مِنْ نَجْد , سَمِعْت أَنَّكُمْ اِجْتَمَعْتُمْ , فَأَرَدْت أَنْ أَحْضُركُمْ وَلَنْ يَعْدَمكُمْ مِنِّي رَأْي وَنُصْح . قَالُوا : أَجَلْ اُدْخُلْ ! فَدَخَلَ مَعَهُمْ , فَقَالَ : اُنْظُرُوا فِي شَأْن هَذَا الرَّجُل , وَاَللَّه لَيُوشِكَن أَنْ يُوَاثِبكُمْ فِي أُمُوركُمْ بِأَمْرِهِ ! قَالَ : فَقَالَ قَائِل : اِحْبِسُوهُ فِي وَثَاق , ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ رِيَب الْمَنُون حَتَّى يَهْلِك كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْله مِنْ الشُّعَرَاء , زُهَيْر وَالنَّابِغَة , إِنَّمَا هُوَ كَأَحَدِهِمْ ! قَالَ : فَصَرَخَ عَدُوّ اللَّه الشَّيْخ النَّجْدِيّ , فَقَالَ : وَاَللَّه مَا هَذَا لَكُمْ رَأْي , وَاَللَّه لَيُخْرِجَنهُ رَبّه مِنْ مَحْبِسه إِلَى أَصْحَابه فَلَيُوشَكَن أَنْ يَثِبُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ فَيَمْنَعُوهُ مِنْكُمْ , فَمَا آمَن عَلَيْكُمْ أَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ بِلَادكُمْ ! قَالُوا : فَانْظُرُوا فِي غَيْر هَذَا . قَالَ : فَقَالَ قَائِل : أَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْن أَظْهُركُمْ تَسْتَرِيحُوا مِنْهُ , فَإِنَّهُ إِذَا خَرَجَ لَنْ يَضُرّكُمْ مَا صَنَعَ وَأَيْنَ وَقَعَ إِذَا غَابَ عَنْكُمْ أَذَاهُ وَاسْتَرَحْتُمْ وَكَانَ أَمْره فِي غَيْركُمْ ! فَقَالَ الشَّيْخ النَّجْدِيّ : وَاَللَّه مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ , أَلَمْ تَرَوْا حَلَاوَة قَوْله وَطَلَاقَة لِسَانه وَأَخْذ الْقُلُوب مَا تَسْمَع مِنْ حَدِيثه ؟ وَاَللَّه لَئِنْ فَعَلْتُمْ ثُمَّ اِسْتَعْرَضَ الْعَرَب , لَتَجْتَمِعَن عَلَيْكُمْ , ثُمَّ لَيَأْتِيَن إِلَيْكُمْ حَتَّى يُخْرِجكُمْ مِنْ بِلَادكُمْ وَيَقْتُل أَشْرَافكُمْ ! قَالُوا : صَدَقَ وَاَللَّه , فَانْظُرُوا رَأْيًا غَيْر هَذَا قَالَ : فَقَالَ أَبُو جَهْل : وَاَللَّه لَأُشِيرَنَّ عَلَيْكُمْ بِرَأْيٍ مَا أُرَاكُمْ أَبْصَرْتُمُوهُ بَعْدَمَا أَرَى غَيْره . قَالُوا : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : نَأْخُذ مِنْ كُلّ قَبِيلَة غُلَامًا وَسَطًا شَابًّا نَهْدًا , ثُمَّ يُعْطَى كُلّ غُلَام مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا , ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ ضَرْبَة رَجُل وَاحِد , فَإِذَا قَتَلُوهُ تَفَرَّقَ دَمه فِي الْقَبَائِل كُلّهَا , فَلَا أَظُنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ بَنِي هَاشِم يَقْدِرُونَ عَلَى حَرْب قُرَيْش كُلّهَا , فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا ذَلِكَ قَبِلُوا الْعَقْل وَاسْتَرَحْنَا وَقَطَعْنَا عَنَّا أَذَاهُ . فَقَالَ الشَّيْخ النَّجْدِيّ : هَذَا وَاَللَّه الرَّأْي , الْقَوْل مَا قَالَ الْفَتَى , لَا أَرَى غَيْره . قَالَ : فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ . قَالَ : فَأَتَى جِبْرِيل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيت فِي مَضْجَعه الَّذِي كَانَ يَبِيت فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَة , وَأَذِنَ اللَّه لَهُ عِنْد ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ بَعْد قُدُومه الْمَدِينَة الْأَنْفَال يُذَكِّرهُ نِعَمه عَلَيْهِ وَبَلَاءَهُ عِنْده : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } ; وَأَنْزَلَ فِي قَوْلهمْ : " تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْب الْمَنُون " حَتَّى يَهْلِك كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْله مِنْ الشُّعَرَاء : { أَمْ يَقُولُونَ شَاعِر نَتَرَبَّص بِهِ رَيْب الْمَنُون } 52 30 وَكَانَ يُسَمَّى ذَلِكَ الْيَوْم : " يَوْم الزَّحْمَة " لِلَّذِي اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ الرَّأْي . 12393 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَمِقْسَم , فِي قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } قَالَا : تَشَاوَرُوا فِيهِ لَيْلَة وَهُمْ بِمَكَّة , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِذَا أَصْبَحَ فَأَوْثِقُوهُ بِالْوَثَاقِ ! وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ اُقْتُلُوهُ ! وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ أَخْرِجُوهُ ! فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَأَوْا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَرَدَّ اللَّه مَكْرهمْ . 12394 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر إِلَى الْغَار , أَمَرَ عَلِيَّ بْن أَبِي طَالِب , فَنَامَ فِي مَضْجَعه , فَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَهُ . فَإِذَا رَأَوْهُ نَائِمًا حَسِبُوا أَنَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَرَكُوهُ . فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ , فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبك ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . قَالَ : فَرَكِبُوا الصَّعْب وَالذَّلُول فِي طَلَبه . 12395 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُثْمَان الْجُرَيْرِيّ أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } قَالَ : تَشَاوَرَتْ قُرَيْش لَيْلَة بِمَكَّة , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ ! يُرِيدُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ اُقْتُلُوهُ ! وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ أَخْرِجُوهُ ! فَأَطْلَعَ اللَّه نَبِيّه عَلَى ذَلِكَ , فَبَاتَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى فِرَاش النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَة , وَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ , وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا , يَحْسَبُونَ أَنَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ , فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , رَدَّ اللَّه مَكْرهمْ , فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبك ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . فَاقْتَصُّوا أَثَره ; فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَل وَمَرُّوا بِالْغَارِ , رَأَوْا عَلَى بَابه نَسْج الْعَنْكَبُوت , قَالُوا : لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْج عَلَى بَابه ! فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثًا . 12396 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } قَالَ : اِجْتَمَعَتْ مَشْيَخَة قُرَيْش يَتَشَاوَرُونَ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا أَسْلَمَتْ الْأَنْصَار وَفَرَقُوا أَنْ يَتَعَالَى أَمْره إِذَا وَجَدَ مَلْجَأ لَجَأَ إِلَيْهِ . فَجَاءَ إِبْلِيس فِي صُورَة رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد , فَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي دَار النَّدْوَة ; فَلَمَّا أَنْكَرُوهُ قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا كُلّ قَوْمنَا أَعْلَمْنَاهُمْ مَجْلِسنَا هَذَا ! قَالَ : أَنَا رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد أَسْمَع مِنْ حَدِيثكُمْ وَأُشِير عَلَيْكُمْ . فَاسْتَحْيَوْا فَخَلَّوْا عَنْهُ . فَقَالَ بَعْضهمْ : خُذُوا مُحَمَّدًا إِذَا اِصْطَبَحَ عَلَى فِرَاشه , فَاجْعَلُوهُ فِي بَيْت نَتَرَبَّص بِهِ رَيْب الْمَنُون - وَالرَّيْب : هُوَ الْمَوْت , وَالْمَنُون : هُوَ الدَّهْر - قَالَ إِبْلِيس : بِئْسَمَا قُلْت , تَجْعَلُونَهُ فِي بَيْت فَيَأْتِي أَصْحَابه فَيُخْرِجُونَهُ فَيَكُون بَيْنكُمْ قِتَال ! قَالُوا : صَدَقَ الشَّيْخ . قَالَ : أَخْرِجُوهُ مِنْ قَرْيَتكُمْ ! قَالَ إِبْلِيس : بِئْسَمَا قُلْت , تُخْرِجُونَهُ مِنْ قَرْيَتكُمْ وَقَدْ أَفْسَدَ سُفَهَاءَكُمْ فَيَأْتِي قَرْيَة أُخْرَى فَيُفْسِد سُفَهَاءَهُمْ فَيَأْتِيكُمْ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال . قَالُوا : صَدَقَ الشَّيْخ . قَالَ أَبُو جَهْل , وَكَانَ أَوْلَاهُمْ بِطَاعَةِ إِبْلِيس : بَلْ نَعْمِد إِلَى كُلّ بَطْن مِنْ بُطُون قُرَيْش , فَنُخْرِج مِنْهُمْ رَجُلًا فَنُعْطِيهِمْ السِّلَاح , فَيَشُدُّونَ عَلَى مُحَمَّد جَمِيعًا فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَة رَجُل وَاحِد , فَلَا يَسْتَطِيع بَنُو عَبْد الْمُطَّلِب أَنْ يَقْتُلُوا قُرَيْشًا , فَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا الدِّيَة . قَالَ إِبْلِيس : صَدَقَ , وَهَذَا الْفَتَى هُوَ أَجْوَدكُمْ رَأْيًا . فَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ , وَأَخْبَرَ اللَّه رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَامَ عَلَى الْفِرَاش , وَجَعَلُوا عَلَيْهِ الْعُيُون . فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْض اللَّيْل , اِنْطَلَقَ هُوَ وَأَبُو بَكْر إِلَى الْغَار , وَنَامَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب عَلَى الْفِرَاش , فَذَلِكَ حِين يَقُول اللَّه : { لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك } وَالْإِثْبَات : هُوَ الْحَبْس وَالْوَثَاق , وَهُوَ قَوْله : { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض لِيُخْرِجُوك مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } 17 76 يَقُول : يُهْلِكهُمْ . فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة لَقِيَهُ عُمَر , فَقَالَ لَهُ : مَا فَعَلَ الْقَوْم ؟ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُمْ قَدْ أُهْلِكُوا حِين خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ , وَكَذَلِكَ كَانَ يَصْنَع بِالْأُمَمِ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَخِّرُوا بِالْقِتَالِ " . 12397 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك } قَالَ : كُفَّار قُرَيْش أَرَادُوا ذَلِكَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَخْرُج مِنْ مَكَّة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد نَحْوه . * - حَدَّثَنِي اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا هَانِئ بْن سَعِيد , عَنْ حَجَّاج , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد نَحْوه ; إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَعَلُوا ذَلِكَ بِمُحَمَّدٍ . 12398 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك } الْآيَة , هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَرُوا بِهِ وَهُوَ بِمَكَّة 12399 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : اِجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : اُقْتُلُوا هَذَا الرَّجُل ! فَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يَقْتُلهُ رَجُل إِلَّا قُتِلَ بِهِ ! قَالُوا : خُذُوهُ فَاسْجُنُوهُ وَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدِيدًا ! قَالُوا : فَلَا يَدَعكُمْ أَهْل بَيْته . قَالُوا : أَخْرِجُوهُ ! قَالُوا : إِذًا يَسْتَغْوِي النَّاس عَلَيْكُمْ . قَالَ : وَإِبْلِيس مَعَهُمْ فِي صُورَة رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد . وَاجْتَمَعَ رَأْيهمْ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ يَطُوف الْبَيْت وَيَسْتَسْلِم أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ فَيَغْمُوهُ وَيَقْتُلُوهُ , فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَهْله مَنْ قَتَلَهُ , فَيَرْضَوْنَ بِالْعَقْلِ فَيَقْتُلهُ وَنَسْتَرِيح وَنَعْقِلهُ . فَلَمَّا أَنْ جَاءَ يَطُوف بِالْبَيْتِ اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ , فَغَمُّوهُ . فَأَتَى أَبُو بَكْر , فَقِيلَ لَهُ ذَاكَ , فَأَتَى فَلَمْ يَجِد مَدْخَلًا ; فَلَمَّا أَنْ لَمْ يَجِد مَدْخَلًا , قَالَ : { أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبّكُمْ } ؟ 40 28 قَالَ : ثُمَّ فَرَّجَهَا اللَّه عَنْهُ ; فَلَمَّا أَنْ كَانَ اللَّيْل أَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ : مَنْ أَصْحَابك ؟ فَقَالَ : فُلَان وَفُلَان وَفُلَان . فَقَالَ : لَا نَحْنُ أَعْلَم بِهِمْ مِنْك يَا مُحَمَّد , هُوَ نَامُوس لَيْل ! قَالَ : وَأَخَذَ أُولَئِكَ مِنْ مَضَاجِعهمْ وَهُمْ نِيَام . فَأَتَى بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَّمَ أَحَدهمْ إِلَى جِبْرِيل , فَكَحَّلَهُ , ثُمَّ أَرْسَلَهُ , فَقَالَ : " مَا صُورَته يَا جِبْرِيل ؟ " قَالَ : كُفِيته يَا نَبِيّ اللَّه . ثُمَّ قَدِمَ آخَر فَنَقَرَ فَوْق رَأْسه . بِعَصًا نَقْرَة , ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَقَالَ : " مَا صُورَته يَا جِبْرِيل ؟ " فَقَالَ : كُفِيته يَا نَبِيّ اللَّه . ثُمَّ أُتِيَ بِآخَر فَنَقَرَ فِي رُكْبَته , فَقَالَ : " مَا صُورَته يَا جِبْرِيل ؟ " قَالَ : كُفِيته . ثُمَّ أُتِيَ بِآخَر , فَسَقَاهُ مَذْقَة , فَقَالَ : " مَا صُورَته يَا جِبْرِيل ؟ " قَالَ : كُفِيته يَا نَبِيّ اللَّه . وَأُتِيَ بِالْخَامِسِ , فَلَمَّا غَدَا مِنْ بَيْته مَرَّ بِنِبَالٍ , فَتَعَلَّقَ مِشْقَص بِرِدَائِهِ فَالْتَوَى , فَقَطَعَ الْأَكْحَل مِنْ رِجْله . وَأَمَّا الَّذِي كُحِّلَتْ عَيْنَاهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ عَمِيَ ; وَأَمَّا الَّذِي سُقِيَ مَذْقَة فَأَصْبَحَ وَقَدْ اِسْتَسْقَى بَطْنه ; وَأَمَّا الَّذِي نُقِرَ فَوْق رَأْسه فَأَخَذَتْهُ النَّقَدَة - وَالنَّقَدَة : قُرْحَة عَظِيمَة أَخَذَتْهُ فِي رَأْسه - وَأَمَّا الَّذِي طُعِنَ فِي رُكْبَته , فَأَصْبَحَ وَقَدْ أُقْعِدَ . فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } . 12400 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَوْله : { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } أَيْ فَمَكَرْت لَهُمْ بِكَيْدِي الْمَتِين حَتَّى خَلَّصْتُك مِنْهُمْ . 12401 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا } قَالَ : هَذِهِ مَكِّيَّة . قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ مُجَاهِد : هَذِهِ مَكِّيَّة . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد نِعْمَتِي عِنْدك بِمَكْرِي بِمَنْ حَاوَلَ الْمَكْر بِك مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك , بِإِثْبَاتِك , أَوْ قَتْلك , أَوْ إِخْرَاجك مِنْ وَطَنك , حَتَّى اِسْتَنْقَذْتُك مِنْهُمْ وَأَهْلَكْتهمْ , فَامْضِ لِأَمْرِي فِي حَرْب مَنْ حَارَبَك مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَتَوَلَّى عَنْ إِجَابَة مَا أَرْسَلْتُك بِهِ مِنْ الدِّين الْقَيِّم , وَلَا يُرْعِبَنك كَثْرَة عَدَدهمْ , فَإِنَّ رَبّك خَيْر الْمَاكِرِينَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَعَبَدَ غَيْره وَخَالَفَ أَمْره وَنَهْيه . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمَكْر فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُذَكِّره نِعَمه عَلَيْهِ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد , إِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك كَيْ يُثْبِتُوك . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { لِيُثْبِتُوك } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : لِيُقَيِّدُوك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12383 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } يَعْنِي : لِيُوثِقُوك . 12384 - قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لِيُثْبِتُوك } لِيُوثِقُوك . 12385 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } الْآيَة , يَقُول : لِيَشُدُّوك وَثَاقًا , وَأَرَادُوا بِذَلِكَ نَبِيّ اللَّه النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَوْمئِذٍ بِمَكَّة . 12386 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَمِقْسَم , قَالَا : قَالُوا : أَوْثَقُوهُ بِالْوَثَاقِ ! 12387 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { لِيُثْبِتُوك } قَالَ : الْإِثْبَات : هُوَ الْحَبْس وَالْوَثَاق . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ الْحَبْس . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12388 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : سَأَلْت عَطَاء عَنْ قَوْله : { لِيُثْبِتُوك } قَالَ : يَسْجُنُوك . وَقَالَهَا عَبْد اللَّه بْن كَثِير . 12389 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : قَالُوا : اُسْجُنُوهُ ! وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَاهُ : لِيَسْحَرُوك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ . 12390 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبَصْرِيّ الْمَعْرُوف بِالْوَسْاوِسِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَجِيد بْن أَبِي رَوَّاد , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ الْمُطَّلِب بْن أَبِي وَدَاعَة : أَنَّ أَبَا طَالِب قَالَ لِرَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا يَأْتَمِر بِهِ قَوْمك ؟ قَالَ : " يُرِيدُونَ أَنْ يَسْحَرُونِي وَيَقْتُلُونِي وَيُخْرِجُونِي " فَقَالَ : مَنْ أَخْبَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : " رَبِّي " قَالَ : نِعْمَ الرَّبّ رَبّك , فَاسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا ! فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَنَا أَسْتَوْصِي بِهِ ؟ بَلْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي خَيْرًا " . فَنَزَلَتْ : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك } الْآيَة . 12391 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَالَ عَطَاء : سَمِعْت عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : لَمَّا اِئْتَمَرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَقْتُلُوهُ أَوْ يُثْبِتُوهُ أَوْ يُخْرِجُوهُ , قَالَ لَهُ أَبُو طَالِب : هَلْ تَدْرِي مَا اِئْتَمَرُوا لَك ؟ قَالَ : " نَعَمْ " . قَالَ : فَأَخْبَرَهُ . قَالَ : مَنْ أَخْبَرَك ؟ قَالَ : " رَبِّي " . قَالَ : نِعْمَ الرَّبّ رَبّك , اِسْتَوْصِ بِهِ خَيْرًا ! قَالَ : " أَنَا أَسْتَوْصِي بِهِ , أَوْ هُوَ يَسْتَوْصِي بِي ؟ " . وَكَانَ مَعْنَى مَكْر قَوْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِ لِيُثْبِتُوهُ , كَمَا : 12392 - حَدَّثَنَا سَعِيد بْن يَحْيَى الْأُمَوِيّ , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ عَبْد اللَّه بْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : وَحَدَّثَنِي الْكَلْبِيّ , عَنْ زَاذَان مَوْلَى أُمّ هَانِئ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْش مِنْ أَشْرَاف كُلّ قَبِيلَة , اِجْتَمَعُوا لِيَدْخُلُوا دَار النَّدْوَة , فَاعْتَرَضَهُمْ إِبْلِيس فِي صُورَة شَيْخ جَلِيل ; فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : شَيْخ مِنْ نَجْد , سَمِعْت أَنَّكُمْ اِجْتَمَعْتُمْ , فَأَرَدْت أَنْ أَحْضُركُمْ وَلَنْ يَعْدَمكُمْ مِنِّي رَأْي وَنُصْح . قَالُوا : أَجَلْ اُدْخُلْ ! فَدَخَلَ مَعَهُمْ , فَقَالَ : اُنْظُرُوا فِي شَأْن هَذَا الرَّجُل , وَاَللَّه لَيُوشِكَن أَنْ يُوَاثِبكُمْ فِي أُمُوركُمْ بِأَمْرِهِ ! قَالَ : فَقَالَ قَائِل : اِحْبِسُوهُ فِي وَثَاق , ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ رِيَب الْمَنُون حَتَّى يَهْلِك كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْله مِنْ الشُّعَرَاء , زُهَيْر وَالنَّابِغَة , إِنَّمَا هُوَ كَأَحَدِهِمْ ! قَالَ : فَصَرَخَ عَدُوّ اللَّه الشَّيْخ النَّجْدِيّ , فَقَالَ : وَاَللَّه مَا هَذَا لَكُمْ رَأْي , وَاَللَّه لَيُخْرِجَنهُ رَبّه مِنْ مَحْبِسه إِلَى أَصْحَابه فَلَيُوشَكَن أَنْ يَثِبُوا عَلَيْهِ حَتَّى يَأْخُذُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ فَيَمْنَعُوهُ مِنْكُمْ , فَمَا آمَن عَلَيْكُمْ أَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ بِلَادكُمْ ! قَالُوا : فَانْظُرُوا فِي غَيْر هَذَا . قَالَ : فَقَالَ قَائِل : أَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْن أَظْهُركُمْ تَسْتَرِيحُوا مِنْهُ , فَإِنَّهُ إِذَا خَرَجَ لَنْ يَضُرّكُمْ مَا صَنَعَ وَأَيْنَ وَقَعَ إِذَا غَابَ عَنْكُمْ أَذَاهُ وَاسْتَرَحْتُمْ وَكَانَ أَمْره فِي غَيْركُمْ ! فَقَالَ الشَّيْخ النَّجْدِيّ : وَاَللَّه مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ , أَلَمْ تَرَوْا حَلَاوَة قَوْله وَطَلَاقَة لِسَانه وَأَخْذ الْقُلُوب مَا تَسْمَع مِنْ حَدِيثه ؟ وَاَللَّه لَئِنْ فَعَلْتُمْ ثُمَّ اِسْتَعْرَضَ الْعَرَب , لَتَجْتَمِعَن عَلَيْكُمْ , ثُمَّ لَيَأْتِيَن إِلَيْكُمْ حَتَّى يُخْرِجكُمْ مِنْ بِلَادكُمْ وَيَقْتُل أَشْرَافكُمْ ! قَالُوا : صَدَقَ وَاَللَّه , فَانْظُرُوا رَأْيًا غَيْر هَذَا قَالَ : فَقَالَ أَبُو جَهْل : وَاَللَّه لَأُشِيرَنَّ عَلَيْكُمْ بِرَأْيٍ مَا أُرَاكُمْ أَبْصَرْتُمُوهُ بَعْدَمَا أَرَى غَيْره . قَالُوا : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : نَأْخُذ مِنْ كُلّ قَبِيلَة غُلَامًا وَسَطًا شَابًّا نَهْدًا , ثُمَّ يُعْطَى كُلّ غُلَام مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا , ثُمَّ يَضْرِبُونَهُ ضَرْبَة رَجُل وَاحِد , فَإِذَا قَتَلُوهُ تَفَرَّقَ دَمه فِي الْقَبَائِل كُلّهَا , فَلَا أَظُنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ بَنِي هَاشِم يَقْدِرُونَ عَلَى حَرْب قُرَيْش كُلّهَا , فَإِنَّهُمْ إِذَا رَأَوْا ذَلِكَ قَبِلُوا الْعَقْل وَاسْتَرَحْنَا وَقَطَعْنَا عَنَّا أَذَاهُ . فَقَالَ الشَّيْخ النَّجْدِيّ : هَذَا وَاَللَّه الرَّأْي , الْقَوْل مَا قَالَ الْفَتَى , لَا أَرَى غَيْره . قَالَ : فَتَفَرَّقُوا عَلَى ذَلِكَ وَهُمْ مُجْمِعُونَ لَهُ . قَالَ : فَأَتَى جِبْرِيل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَبِيت فِي مَضْجَعه الَّذِي كَانَ يَبِيت فِيهِ تِلْكَ اللَّيْلَة , وَأَذِنَ اللَّه لَهُ عِنْد ذَلِكَ بِالْخُرُوجِ , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ بَعْد قُدُومه الْمَدِينَة الْأَنْفَال يُذَكِّرهُ نِعَمه عَلَيْهِ وَبَلَاءَهُ عِنْده : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } ; وَأَنْزَلَ فِي قَوْلهمْ : " تَرَبَّصُوا بِهِ رَيْب الْمَنُون " حَتَّى يَهْلِك كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْله مِنْ الشُّعَرَاء : { أَمْ يَقُولُونَ شَاعِر نَتَرَبَّص بِهِ رَيْب الْمَنُون } 52 30 وَكَانَ يُسَمَّى ذَلِكَ الْيَوْم : " يَوْم الزَّحْمَة " لِلَّذِي اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ الرَّأْي . 12393 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة وَمِقْسَم , فِي قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } قَالَا : تَشَاوَرُوا فِيهِ لَيْلَة وَهُمْ بِمَكَّة , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِذَا أَصْبَحَ فَأَوْثِقُوهُ بِالْوَثَاقِ ! وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ اُقْتُلُوهُ ! وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ أَخْرِجُوهُ ! فَلَمَّا أَصْبَحُوا رَأَوْا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فَرَدَّ اللَّه مَكْرهمْ . 12394 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي , عَنْ عِكْرِمَة , قَالَ : لَمَّا خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر إِلَى الْغَار , أَمَرَ عَلِيَّ بْن أَبِي طَالِب , فَنَامَ فِي مَضْجَعه , فَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَهُ . فَإِذَا رَأَوْهُ نَائِمًا حَسِبُوا أَنَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَرَكُوهُ . فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا هُمْ بِعَلِيٍّ , فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبك ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . قَالَ : فَرَكِبُوا الصَّعْب وَالذَّلُول فِي طَلَبه . 12395 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنِي عُثْمَان الْجُرَيْرِيّ أَنَّ مِقْسَمًا مَوْلَى اِبْن عَبَّاس أَخْبَرَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } قَالَ : تَشَاوَرَتْ قُرَيْش لَيْلَة بِمَكَّة , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِذَا أَصْبَحَ فَأَثْبِتُوهُ بِالْوَثَاقِ ! يُرِيدُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ اُقْتُلُوهُ ! وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ أَخْرِجُوهُ ! فَأَطْلَعَ اللَّه نَبِيّه عَلَى ذَلِكَ , فَبَاتَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى فِرَاش النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيْلَة , وَخَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَحِقَ بِالْغَارِ , وَبَاتَ الْمُشْرِكُونَ يَحْرُسُونَ عَلِيًّا , يَحْسَبُونَ أَنَّهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَلَمَّا أَصْبَحُوا ثَارُوا إِلَيْهِ , فَلَمَّا رَأَوْهُ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , رَدَّ اللَّه مَكْرهمْ , فَقَالُوا : أَيْنَ صَاحِبك ؟ قَالَ : لَا أَدْرِي . فَاقْتَصُّوا أَثَره ; فَلَمَّا بَلَغُوا الْجَبَل وَمَرُّوا بِالْغَارِ , رَأَوْا عَلَى بَابه نَسْج الْعَنْكَبُوت , قَالُوا : لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْج عَلَى بَابه ! فَمَكَثَ فِيهِ ثَلَاثًا . 12396 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } قَالَ : اِجْتَمَعَتْ مَشْيَخَة قُرَيْش يَتَشَاوَرُونَ فِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَمَا أَسْلَمَتْ الْأَنْصَار وَفَرَقُوا أَنْ يَتَعَالَى أَمْره إِذَا وَجَدَ مَلْجَأ لَجَأَ إِلَيْهِ . فَجَاءَ إِبْلِيس فِي صُورَة رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد , فَدَخَلَ مَعَهُمْ فِي دَار النَّدْوَة ; فَلَمَّا أَنْكَرُوهُ قَالُوا : مَنْ أَنْتَ ؟ فَوَاَللَّهِ مَا كُلّ قَوْمنَا أَعْلَمْنَاهُمْ مَجْلِسنَا هَذَا ! قَالَ : أَنَا رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد أَسْمَع مِنْ حَدِيثكُمْ وَأُشِير عَلَيْكُمْ . فَاسْتَحْيَوْا فَخَلَّوْا عَنْهُ . فَقَالَ بَعْضهمْ : خُذُوا مُحَمَّدًا إِذَا اِصْطَبَحَ عَلَى فِرَاشه , فَاجْعَلُوهُ فِي بَيْت نَتَرَبَّص بِهِ رَيْب الْمَنُون - وَالرَّيْب : هُوَ الْمَوْت , وَالْمَنُون : هُوَ الدَّهْر - قَالَ إِبْلِيس : بِئْسَمَا قُلْت , تَجْعَلُونَهُ فِي بَيْت فَيَأْتِي أَصْحَابه فَيُخْرِجُونَهُ فَيَكُون بَيْنكُمْ قِتَال ! قَالُوا : صَدَقَ الشَّيْخ . قَالَ : أَخْرِجُوهُ مِنْ قَرْيَتكُمْ ! قَالَ إِبْلِيس : بِئْسَمَا قُلْت , تُخْرِجُونَهُ مِنْ قَرْيَتكُمْ وَقَدْ أَفْسَدَ سُفَهَاءَكُمْ فَيَأْتِي قَرْيَة أُخْرَى فَيُفْسِد سُفَهَاءَهُمْ فَيَأْتِيكُمْ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَال . قَالُوا : صَدَقَ الشَّيْخ . قَالَ أَبُو جَهْل , وَكَانَ أَوْلَاهُمْ بِطَاعَةِ إِبْلِيس : بَلْ نَعْمِد إِلَى كُلّ بَطْن مِنْ بُطُون قُرَيْش , فَنُخْرِج مِنْهُمْ رَجُلًا فَنُعْطِيهِمْ السِّلَاح , فَيَشُدُّونَ عَلَى مُحَمَّد جَمِيعًا فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَة رَجُل وَاحِد , فَلَا يَسْتَطِيع بَنُو عَبْد الْمُطَّلِب أَنْ يَقْتُلُوا قُرَيْشًا , فَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا الدِّيَة . قَالَ إِبْلِيس : صَدَقَ , وَهَذَا الْفَتَى هُوَ أَجْوَدكُمْ رَأْيًا . فَقَامُوا عَلَى ذَلِكَ , وَأَخْبَرَ اللَّه رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَامَ عَلَى الْفِرَاش , وَجَعَلُوا عَلَيْهِ الْعُيُون . فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْض اللَّيْل , اِنْطَلَقَ هُوَ وَأَبُو بَكْر إِلَى الْغَار , وَنَامَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب عَلَى الْفِرَاش , فَذَلِكَ حِين يَقُول اللَّه : { لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك } وَالْإِثْبَات : هُوَ الْحَبْس وَالْوَثَاق , وَهُوَ قَوْله : { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض لِيُخْرِجُوك مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } 17 76 يَقُول : يُهْلِكهُمْ . فَلَمَّا هَاجَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَة لَقِيَهُ عُمَر , فَقَالَ لَهُ : مَا فَعَلَ الْقَوْم ؟ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُمْ قَدْ أُهْلِكُوا حِين خَرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ , وَكَذَلِكَ كَانَ يَصْنَع بِالْأُمَمِ , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَخِّرُوا بِالْقِتَالِ " . 12397 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك } قَالَ : كُفَّار قُرَيْش أَرَادُوا ذَلِكَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَخْرُج مِنْ مَكَّة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد نَحْوه . * - حَدَّثَنِي اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا هَانِئ بْن سَعِيد , عَنْ حَجَّاج , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد نَحْوه ; إِلَّا أَنَّهُ قَالَ : فَعَلُوا ذَلِكَ بِمُحَمَّدٍ . 12398 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك } الْآيَة , هُوَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَرُوا بِهِ وَهُوَ بِمَكَّة 12399 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك } إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : اِجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا فِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : اُقْتُلُوا هَذَا الرَّجُل ! فَقَالَ بَعْضهمْ : لَا يَقْتُلهُ رَجُل إِلَّا قُتِلَ بِهِ ! قَالُوا : خُذُوهُ فَاسْجُنُوهُ وَاجْعَلُوا عَلَيْهِ حَدِيدًا ! قَالُوا : فَلَا يَدَعكُمْ أَهْل بَيْته . قَالُوا : أَخْرِجُوهُ ! قَالُوا : إِذًا يَسْتَغْوِي النَّاس عَلَيْكُمْ . قَالَ : وَإِبْلِيس مَعَهُمْ فِي صُورَة رَجُل مِنْ أَهْل نَجْد . وَاجْتَمَعَ رَأْيهمْ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ يَطُوف الْبَيْت وَيَسْتَسْلِم أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ فَيَغْمُوهُ وَيَقْتُلُوهُ , فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَهْله مَنْ قَتَلَهُ , فَيَرْضَوْنَ بِالْعَقْلِ فَيَقْتُلهُ وَنَسْتَرِيح وَنَعْقِلهُ . فَلَمَّا أَنْ جَاءَ يَطُوف بِالْبَيْتِ اِجْتَمَعُوا عَلَيْهِ , فَغَمُّوهُ . فَأَتَى أَبُو بَكْر , فَقِيلَ لَهُ ذَاكَ , فَأَتَى فَلَمْ يَجِد مَدْخَلًا ; فَلَمَّا أَنْ لَمْ يَجِد مَدْخَلًا , قَالَ : { أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُول رَبِّيَ اللَّه وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبّكُمْ } ؟ 40 28 قَالَ : ثُمَّ فَرَّجَهَا اللَّه عَنْهُ ; فَلَمَّا أَنْ كَانَ اللَّيْل أَتَاهُ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فَقَالَ : مَنْ أَصْحَابك ؟ فَقَالَ : فُلَان وَفُلَان وَفُلَان . فَقَالَ : لَا نَحْنُ أَعْلَم بِهِمْ مِنْك يَا مُحَمَّد , هُوَ نَامُوس لَيْل ! قَالَ : وَأَخَذَ أُولَئِكَ مِنْ مَضَاجِعهمْ وَهُمْ نِيَام . فَأَتَى بِهِمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدَّمَ أَحَدهمْ إِلَى جِبْرِيل , فَكَحَّلَهُ , ثُمَّ أَرْسَلَهُ , فَقَالَ : " مَا صُورَته يَا جِبْرِيل ؟ " قَالَ : كُفِيته يَا نَبِيّ اللَّه . ثُمَّ قَدِمَ آخَر فَنَقَرَ فَوْق رَأْسه . بِعَصًا نَقْرَة , ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَقَالَ : " مَا صُورَته يَا جِبْرِيل ؟ " فَقَالَ : كُفِيته يَا نَبِيّ اللَّه . ثُمَّ أُتِيَ بِآخَر فَنَقَرَ فِي رُكْبَته , فَقَالَ : " مَا صُورَته يَا جِبْرِيل ؟ " قَالَ : كُفِيته . ثُمَّ أُتِيَ بِآخَر , فَسَقَاهُ مَذْقَة , فَقَالَ : " مَا صُورَته يَا جِبْرِيل ؟ " قَالَ : كُفِيته يَا نَبِيّ اللَّه . وَأُتِيَ بِالْخَامِسِ , فَلَمَّا غَدَا مِنْ بَيْته مَرَّ بِنِبَالٍ , فَتَعَلَّقَ مِشْقَص بِرِدَائِهِ فَالْتَوَى , فَقَطَعَ الْأَكْحَل مِنْ رِجْله . وَأَمَّا الَّذِي كُحِّلَتْ عَيْنَاهُ فَأَصْبَحَ وَقَدْ عَمِيَ ; وَأَمَّا الَّذِي سُقِيَ مَذْقَة فَأَصْبَحَ وَقَدْ اِسْتَسْقَى بَطْنه ; وَأَمَّا الَّذِي نُقِرَ فَوْق رَأْسه فَأَخَذَتْهُ النَّقَدَة - وَالنَّقَدَة : قُرْحَة عَظِيمَة أَخَذَتْهُ فِي رَأْسه - وَأَمَّا الَّذِي طُعِنَ فِي رُكْبَته , فَأَصْبَحَ وَقَدْ أُقْعِدَ . فَذَلِكَ قَوْل اللَّه : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } . 12400 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , قَوْله : { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُر اللَّه وَاَللَّه خَيْر الْمَاكِرِينَ } أَيْ فَمَكَرْت لَهُمْ بِكَيْدِي الْمَتِين حَتَّى خَلَّصْتُك مِنْهُمْ . 12401 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { وَإِذْ يَمْكُر بِك الَّذِينَ كَفَرُوا } قَالَ : هَذِهِ مَكِّيَّة . قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ مُجَاهِد : هَذِهِ مَكِّيَّة . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذَنْ : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد نِعْمَتِي عِنْدك بِمَكْرِي بِمَنْ حَاوَلَ الْمَكْر بِك مِنْ مُشْرِكِي قَوْمك , بِإِثْبَاتِك , أَوْ قَتْلك , أَوْ إِخْرَاجك مِنْ وَطَنك , حَتَّى اِسْتَنْقَذْتُك مِنْهُمْ وَأَهْلَكْتهمْ , فَامْضِ لِأَمْرِي فِي حَرْب مَنْ حَارَبَك مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَتَوَلَّى عَنْ إِجَابَة مَا أَرْسَلْتُك بِهِ مِنْ الدِّين الْقَيِّم , وَلَا يُرْعِبَنك كَثْرَة عَدَدهمْ , فَإِنَّ رَبّك خَيْر الْمَاكِرِينَ بِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَعَبَدَ غَيْره وَخَالَفَ أَمْره وَنَهْيه . وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْمَكْر فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .'

تفسير القرطبي

هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة؛ فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه، ورصدوه على باب منزل طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج؛ فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه، ودعا الله عز وجل أن يعمى عليهم أثره، فطمس الله على أبصارهم، فخرج وقد غشيهم النوم، فوضع على رءوسهم ترابا ونهض. فلما أصبحوا خرج عليهم علي فأخبرهم أن ليس في الدار أحد، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا. الخبر مشهور في السيرة وغيرها. ومعنى { ليثبتوك} ليحبسوك؛ يقال : أثبته إذا حبسته. وقال قتادة { ليثبتوك} وثاقا. وعنه أيضا وعبدالله بن كثير : ليسجنوك. وقال أبان بن تغلب وأبو حاتم : ليثخنوك بالجراحات والضرب الشديد. قال الشاعر : فقلت ويحكما ما في صحيفتكم ** قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا { أو يقتلوك أو يخرجوك} عطف. { ويمكرون} مستأنف. والمكر : التدبير في الأمر في خفية. { والله خير الماكرين} ابتداء وخبر. والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 27 - 30


سورة الانفال الايات 30 - 36

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونلحظ أنه سبحانه وتعالى لم يأت بمادة الذكر في جانب النبي صلى الله عليه وسلم. ولم يقل له: واذكر إذ يمكر بك الذين كفروا؛ لكنه في جانب الصحابة جاء بمادة الذكر حيث قال: واذكروا إذ أنتم قليل، فما السبب؟

ذلك لأنه لا يطرأ على البال أن يغفل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذكر الله تعالى؛ لأن الذكر هو مهمته عليه الصلاة والسلام، وسبحانه وتعالى القائل:
{  فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ }
[الغاشية: 21].

هذا الذكر والتذكير هما وظيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويختلف هذا عن مهمة الإيمان في حياة المؤمنين؛ لأن الإيمان بالنسبة لهم إنما ليعدل من حياتهم. لذلك جاء هنا بالظرف فقط.

{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ } [الأنفال: 30].

وهذا كله شرط وحيثية لقولة تعالى:
{  وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ }
[الأنفال: 29].

والمكر هو التَّبْييت بشيءٍ خفِيً يضرّ بالخَصْم. والذي يمكر ويبيت شيئاً خفيّاً بالنسبة لعدوه، لا يملك قدرة على المواجهة، فيبيت من ورائه، ولو كانت عنده قدرة على المواجهة فلن يمكر؛ لذلك لا يمارس المكر إلا الضعيف. ونجد ربنا سبحانه وتعالى يقول:
{  إِنَّ كَيْدَ ٱلشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً }
[النساء: 76].

ثم نجده سبحانه وتعالى يقول:
{  إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ }
[يوسف: 28].

وما دام كيدهن عظيما فضعفهن أعظم. ولذلك نجد الشاعر العربي يقول:
وضعيفة فإذا أصابَتْ فرصةً   قَتَلتْ كذلك قُدْرَةُ الضُّعفاءِ
لأن الضعيف إن أصاب فرصة استغلها حيث يظن أنه قد لا تتاح له فرصة ثانية؛ لذلك يندفع إلى قتل خصمه. أمَّا القوي فهو يثق في نفسه وقدراته ولذلك يعطي خصمه فرصة ثانية وثالثة، ثم يعاقب خصمه على قدر ما أساء إليه.

{ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } [الأنفال: 30].

أي يذكرون الكيد والتبييت لك بالمكر، لكنهم لا يعلمون أن مَنْ أرسلك يا رسول الله لا تخفى عليه خافية، فقد يقدرون على المكر لمن هم في مثلهم من القدرة، لكنك يا رسول الله محاط بعناية الله تعالى وقدرته وحامل لرسالته فأنت في حفظه ورعايته.

إذن فلست وحدك لأنك تأوي إلى الله، ويكشف الله لك كل مكرهم، وهذا المكر والتبييت مكشوف ومفضوح من الله؛ لذلك يقول لك المولى سبحانه وتعالى:

{ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَيْرُ ٱلْمَاكِرِينَ } [الأنفال: 30].

والمكر منهم له وسائل وغايات، هم يمكرون ليثبتوك، ويمكرون ليقتلوك، ويمكرون ليخرجوك. وكل لقطة من الثلاثة لها سبب. فحين علم كفار قريش أن أهل المدينة من الأوس والخزرج قد بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن ينصروه؛ هنا فزع كفار قريش وأرادوا أن يضعوا حّداً لهذه المسألة، فاجتمعوا في دار الندوة يريدون أن يجدوا حلاً يوقف رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليهم أعرابي فوجدهم يتشاورون؛ وقالوا لنثبته، والتثبيت ضد الحركة، وقوله: " ليثبتوك " أي ليقيدوا حركتك في الدعوة؛ لأن هذه الدعوة تزلزلهم.ولولا الرسالة، لظلوا على الترحيب بك يا رسول الله، فقد كنت في نظرهم الصادق والأمين، ولم يرهقهم إلا التحرك الأخير لإشاعة منهج الله تعالى في الأرض، لذلك أرادوا أن يقيدوا حركته صلى الله عليه وسلم.

والتقييد إما أن يكون بأن تمنع المتحرك عن الحركة، وإمّا أن تقيد المتحرك نفسه فتحدد مجال حركته. إذن فالتثبيت يكون بالقيد أو السجن، وقيل لهم: إن هذا رأي غير صائب لأنكم لو قيدتموه أو سجنتموه فسوف يقوم قومه ويغيرون عليكم، أو يحتالون ليفكوا عنه القيد أو السجن، وقد سبق لكم أن حاصرتموه فلم تفلحوا، وقال آخر: نخرجه من بلادنا، وناقشوا هذا الأمر فلم يجدوه صواباً، وقالوا: إنه إن خرج، فلسوف يؤثر فيمن يخرج إليهم تأثيراً يجعل له منهم أتباعاً، يأتون إلينا من بعد ذلك ليقاتلونا، وأشار الأعرابي بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن كبار قريش قالوا: نخاف من قومه أن يأخذوا بثأره، فاقترح أبو جهل قائلا: نأخذ من كل قبيلة من قبائلنا فتى جلداً قويّاً، وبعد ذلك يذهبون إلى محمد وهو في فراشه ويضربونه ضربة رجل واحد، فإذا مات تفرق دمه في القبائل، ولن تستطيع قبيلة محمد أن تواجه القبائل كلها، فيرضون بالدية، وندفعها لهم وننهي هذا الأمر.

هكذا ناقش القوم تثبيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقييد حركته أو إخراجه من بلده أو قتله، وكل هذا بمكر وتبييت. وكشف الله لرسوله كل ذلك وأخرجه من مكة مهاجراً إلى المدينة ليوضح لهم أنه سبحانه خير الماكرين حقّاً وصدقاً.

ويقول الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك: { وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا... }


www.alro7.net