سورة
اية:

فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن استعجال الكفار وقوع بأس اللّه بهم، وحلول غضبه عليهم، استبعاداً وتكذيباً وعناداً { ويقولون متى هذا الفتح} أي متى تنصر علينا يا محمد؟ كما تزعم أن لك وقتاً تدال علينا وينتقم لك منا، فمتى يكون هذا؟ ما نراك أنت وأصحابك إلا مختفين خائفين ذليلين، قال اللّه تعالى: { قل يوم الفتح} أي إذا حل بكم بأس اللّه وسخطه وغضبه في الدنيا وفي الأخرى { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون} ، كما قال تعالى: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم} الآيتين. والمراد بالفتح القضاء والفصل، كقوله: { فافتح بيني وبينهم فتحاً} الآية، وكقوله: { قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق} الآية، ثم قال تعالى: { فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون} أي أعرض عن هؤلاء المشركين، وبلّغ ما أنزل إليك من ربك، كقوله تعالى: { اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو} الآية، وانتظر فإن اللّه سينجز لك ما وعدك، وسينصرك على من خالفك، إنه لا يخلف الميعاد، وقوله: { إنهم منتظرون} أي أنت منتظر وهم منتظرون، ويتربصون بكم الدوائر { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون} وسترى عاقبة صبرك عليهم، وعلى أداء رسالة اللّه في نصرتك وتأييدك، وسيجدون غب ما ينتظرونه فيك وفي أصحابك، من وبيل عقاب اللّه لهم، وحلول عذابه بهم وحسبنا اللّه ونعم الوكيل. [آخر تفسير سورة السجدة ولله الحمد والمنة]

تفسير الجلالين

{ فأعرض عنهم وانتظر } إنزال العذاب بهم { إنهم منتظرون } بك حادث موت أو قتل فيستريحون منك، وهذا قبل الأمر بقتالهم.

تفسير الطبري

وَقَوْله { فَأَعْرِض عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } يَقُول لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَعْرِضْ يَا مُحَمَّد عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ , الْقَائِلِينَ لَك : مَتَى هَذَا الْفَتْح , الْمُسْتَعْجِلِيكَ بِالْعَذَابِ , وَانْتَظِرْ مَا اللَّه صَانِع بِهِمْ , إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ مَا تَعِدهُمْ مِنَ الْعَذَاب وَمَجِيء السَّاعَة. كَمَا : 21574 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة . آخِر تَفْسِير سُورَة السَّجْدَة , وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .وَقَوْله { فَأَعْرِض عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } يَقُول لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَأَعْرِضْ يَا مُحَمَّد عَنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ , الْقَائِلِينَ لَك : مَتَى هَذَا الْفَتْح , الْمُسْتَعْجِلِيكَ بِالْعَذَابِ , وَانْتَظِرْ مَا اللَّه صَانِع بِهِمْ , إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ مَا تَعِدهُمْ مِنَ الْعَذَاب وَمَجِيء السَّاعَة. كَمَا : 21574 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ } يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة . آخِر تَفْسِير سُورَة السَّجْدَة , وَلِلَّهِ الْحَمْد وَالْمِنَّة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { فأعرض عنهم} معناه فأعرض عن سفههم ولا تجبهم إلا بما أمرت به. { وانتظر إنهم منتظرون} أي انتظر يوم الفتح، يوم يحكم الله لك عليهم. ابن عباس { فأعرض عنهم} أي عن مشركي قريش مكة، وأن هذا منسوخ بالسيف في "براءة" في قوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} التوبة : 5]. "وانتظر" أي موعدي لك. قيل : يعني يوم بدر. { إنهم منتظرون} أي ينتظرون بكم حوادث الزمان. وقيل : الآية غير منسوخة؛ إذ قد يقع الإعراض مع الأمر بالقتال كالهدنة وغيرها. وقيل : أعرض عنهم بعدما بلغت الحجة، وانتظر إنهم منتظرون. إن قيل : كيف ينتظرون القيامة وهم لا يؤمنون؟ ففي هذا جوابان : أحدهما : أن يكون المعنى إنهم منتظرون الموت وهو من أسباب القيامة؛ فيكون هذا مجازا. والآخر : أن فيهم من يشك وفيهم من يؤمن بالقيامة؛ فيكون هذا جوابا لهذين الصنفين. والله أعلم. وقرأ ابن السميقع { إنهم منتظرون} بفتح الظاء. ورويت عن مجاهد وابن محيصن. قال الفراء : لا يصح هذا إلا بإضمار، مجازه : إنهم منتظرون بهم. قال أبو حاتم : الصحيح الكسر؛ أي انتظر عذابهم إنهم منتظرون هلاكك. وقد قيل : إن قراءة ابن السميقع (بفتح الظاء) معناها : وانتظر هلاكهم فإنهم أحقاء بأن ينتظر هلاكهم؛ يعني أنهم هالكون لا محالة، وانتظر ذلك فإن الملائكة في السماء ينتظرونه؛ ذكره الزمخشري. وهو معنى قول الفراء. والله أعلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة السجدة الايات 27 - 30

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا المعنى كما نقول في العامية (اديني عرض كتافك) أي: انصرف عنهم، فلم يَعُدْ بينك وبينهم لقاءٌ، ولا جدوى من مناقشتهم والتناظر معهم فقد استنفدوا كل وسائل الإقناع، ولم يَبْقَ لهم إلا السيف يردعهم، على حَدِّ قول الشاعر:
أنَاةٌ فإنْ لَمْ تُغْنِ عَقِّبْ بعدَها وَعيداً   فَإنْ لَمْ يُغْنِ أَغَنَتْ عَزَائمهُ
فقد بلَّغهم رسول الله وأنذرهم، لقد بشَّرهم بالجنة لمن آمن، وحذرهم النار لمن كفر فلم يسمعوا. إذن:
فَمَا هُوَ إلاَّ الوَحْي أو حَدّ مُرْهَف   
فالعاقل الوحي يقنعه، والجاهل السيف يردعه.

وقوله سبحانه: { وَٱنتَظِرْ.. } [السجدة: 30] أمر من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، أي: انتظر وعدي لك بالنصر والغلبة، وقلنا: إن وعد الله محقق، حيث لا توجد قوة أخرى تمنعه من إنفاذ وعده، أما الإنسان فعليه حين يَعِد أنْ يتنبه إلى بشريته، وأنه لا يملك شيئاً من أسباب تنفيذ ما وعد به.

لذلك يُعلِّمنا ربنا:
{  وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ... }
[الكهف: 24] وتعليق أمرك على مشيئة الله عز وجل يحميك أن تكون كاذباً إذا لم تَفِ بما وعدتَ به، فأسباب الوفاء بالوعد لا يملكها البشر، إنما يملكها خالق البشر سبحانه، فإذا وعد فاعلم أن وعده متحقق لا محالة.

وقلنا: إنك حين تقول لصاحبك مثلاً: سأقابلك غداً أو سأفعل لك كذا وكذا، نعم أنت صادق وتنوي الوفاء، لكنك لا تملك في الغد سبباً واحداً من أسباب الوفاء، فلربما طرأ لك طارئ، أو منعك مانع، وربما تغيَّر رأيك..الخ.

وفَرْق بين انتظار رسول الله حين ينفذ أمر ربه { وَٱنتَظِرْ } [السجدة: 30] وبين { إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ } [السجدة: 30] فانتظار رسول الله لشيء محقق، له رصيد من القوة والقدرة، أما انتظارهم فتسويل نفس ووسوسة شيطان، لا رصيد لها من قوة وإنقاذ.

ومعنى
{  إِنَّهُمْ مُّنتَظِرُونَ }
[السجدة: 31] أي: ينتظرون أن يحدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يمنعه من تبليغ رسالة ربه، وهذا حمق منهم، فقد كان عليهم أن يعلموا أن الرسول مُؤيَّد من الله مُرْسَل من قِبَله لهدايتهم، وما كان الله تعالى ليرسل رسولاً ثم يُسْلمه أو يخذله، فسنة الله في الرسل أن لهم الغلبة مهما قويتْ شوكة المعاندين لهم.

إذن: لا سبيلَ إلى ذلك، ولا سبيلَ أيضاً إلى الخلاص منه أو حتى تخويفه ليرتدع، ويدع ما يدعو إليه من منهج ربه.

وقد ورد هذا الانتظار في موضع آخر بلفظ (التربص) في قوله تعالى:
{  تَرَبَّصُواْ فَإِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ ٱلْمُتَرَبِّصِينَ }
[الطور: 31]

وفي قوله تعالى:
{  قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى ٱلْحُسْنَيَيْنِ... }
[التوبة: 52] أي: ماذا تنتظرون منا ونحن أمام حُسْنيين: إما النصر والغلبة عليكم، وساعتها ندحركم ونُذلكم. أو الشهادة التي تضمن لنا حياة النعيم الباقية الخالدة
{  وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ ٱللَّهُ بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوۤاْ... }
[التوبة: 52]

يعني: تربَّصوا بنا، فنحن أيضاً نتربص بكم، لكن فَرْق بين تربُّصنا وتربُّصكم.

وهذه السورة سميت (السجدة) أولاً: لأن بها سجدة تلاوة ينبغي أن نسجد الله شكراً عندها، والسجود يمثل منتهى الخضوع للحق - تبارك وتعالى - فإذا جاءت هذه الآية التي تهز كيان الإنسان يعلمنا ربنا أن ننفعل لهزَّة الكيان، وأن نسارع بالسجود، ولا ننتظر سجودنا بعد ذلك في الصلاة.

فكأن في هذه الآية آمراً قوياً وسراً عظيماً استدعى أنْ نُخرِج السجود عن موقعه بأمر مَنْ شرع السجود الأول. إذن: لا بُدَّ أن في آيات سجود التلاوة طاقاتٍ جميلة من نِعَم الله تُذكِّرني به.

والحق سبحانه يريد أنْ يشعر الخَلْق أنهم يستقبلون نعماً جديدة، لا يكفي في شكرها السجود الرتيب الذي نعرفه، فيشرع لها سجوداً خاصاً بها.

وفي السورة أيضاً بعض الإشارات التي وقف عليها العارفون وقالوا: إنها تضع نماذج لصيانة النفس الإنسانية، وعدم بُعْدها عن حكمة خالقها، ومن هذه الإشارات أن العين ترى الأشياء فتقول: هذا حسن، وهذا قبيح، ذلك من مجرد الشكل الخارجي، لكن على المرء أنْ يتأمل الأشياء ويعرف معنى القبح.

القبح ليس ما قَبُحَ في نظرك، إنما القبيح الذي يُخرِج الحُسْن التكليفي عن مناطه؛ لأن الخالق - عز وجل - خلق كل شيء جميلاً، كما قال سبحانه:
{  ٱلَّذِيۤ أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ... }
[السجدة: 7]

فإذا قَبُحَ الشيء في نظرك فاعلم أنك نظرتَ إلى جانب الشكل، وأهملتَ جوانب أخرى، وقُلْ إنني لم أتوصل إلى سرِّ الجمال فيه.

وسبق أنْ قُلْنا: إن الخالق سبحانه نثر المواهب بين خَلْقه بحيث تجد مجموع مواهب كل إنسان تساوي مجموع مواهب كل إنسان، فلا تنظر إلى جانب واحد فتقول: هذا غني، وهذا فقير، لكن انظر إلى الجوانب الأخرى.

ويُرْوَى أن سيدنا نوحاً عليه السلام رأى كلباً أجرب فبصق عليه، فأنطق الله الكلب الأجرب، وقال له: أتعيبني أم تعيب خالقي؟ والمعنى أنه خلقني لحكمة، ولمعنى من المعاني.

وصدق القائل:
للِقُبْح وَقْتٌ فِيهِ يَظْهر حُسْنُه   وَيُحمد مَنْ غشَّ البناءَ لَدَى الهَدْم
كذلك نثر الحق سبحانه حكمه، ونثر خيره في كتابه، فلا تغنى آية عن آية، ولا تغني كلمة عن كلمة، ولا حرف عن حرف، لكن البصائر التي تَتلَقَّى عن الله هي التي تستطيع أنْ تقف على أسرار الله.


www.alro7.net