سورة
اية:

هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ۚ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ۖ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ويوم نحشرهم} أي أهل الأرض كلهم من جن وإنس وبر وفاجر، كقوله: { وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا} ، { ثم نقول للذين أشركوا} الآية، أي الزموا أنتم وهم مكاناً معيناً، امتازوا فيه عن مقام المؤمنين، كقوله تعالى: { وامتازوا اليوم أيها المجرمون} ، وقوله: { ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون} ، وفي الآية الأخرى: { يومئذ يصدعون} أي يصيرون صدعين؛ وهذا يكون إذا جاء الرب تبارك وتعالى لفصل القضاء، { مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم} أي أنهم أنكروا عبادتهم وتبرؤوا منهم، كقوله: { كلا سيكفرون بعبادتهم} الآية، وقوله: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا} ، وقوله: { وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء} الآية، { فكفى باللّه شهيدا بيننا وبينكم} الآية، أي ما كنا نشعر بها ولا نعلم بها، وإنما كنتم تعبدوننا من حيث لا ندري بكم واللّه شهيد بيننا وبينكم أنا ما دعوناكم إلى عبادتنا ولا أمرناكم بها ولا رضينا منكم بذلك، وفي هذا تبكيت عظيم للمشركين الذين عبدوا مع اللّه غيره وقد تركوا عبادة الحي القيوم القادر على كل شيء، العليم بكل شيء، وقد أرسل رسله آمراً بعبادته وحده لا شريك له ناهياً عن عبادة ما سواه، كما قال تعالى: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} ، وقال: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون؟} ، وقوله تعالى: { هنالك تبلوا كل نفس ما أسلفت} أي في موقف الحساب يوم القيامة تختبر كل نفس وتعلم ما سلف من عملها من خير وشر، كقوله تعالى: { يوم تبلى السرائر} ، وقال تعالى: { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} ، وقال تعالى: { ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك} ، وقوله: { وردوا إلى اللّه مولاهم الحق} أي ورجعت الأمور كلها إلى اللّه الحكم العدل، ففصلها وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، { وضل عنهم} أي ذهب عن المشركين، { ما كانوا يفترون} أي ما كانوا يعبدون من دون اللّه افتراء عليه.

تفسير الجلالين

{ هنالك } أي ذلك اليوم { تبلوا } من البلوى، وفي قراءة بتاءين من التلاوة { كل نفس ما أسلفت } قدمت من العمل { وردوا إلى الله مولاهم الحق } الثابت الدائم { وضل } غاب { عنهم ما كانوا يفترون } عليه من الشركاء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْس } بِالْبَاءِ , بِمَعْنَى : عِنْد ذَلِكَ تُخْتَبَر كُلّ نَفْس بِمَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ . وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَؤُهُ وَيَتَأَوَّلهُ كَذَلِكَ مُجَاهِد . 13686 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } قَالَ : تُخْتَبَر . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة وَبَعْض أَهْل الْحِجَاز : " تَتْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ " بِالتَّاءِ . وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ وَتَأْوِيله : هُنَالِكَ تَتْبَع كُلّ نَفْس مَا قَدَّمَتْ فِي الدُّنْيَا لِذَلِكَ الْيَوْم . وَرُوِيَ بِنَحْوِ ذَلِكَ خَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْه وَسَنَد غَيْر مُرْتَضَى أَنَّهُ قَالَ : " يُمَثَّل لِكُلِّ قَوْم مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , فَيَتْبَعُونَهُمْ حَتَّى يُورِدُوهُمْ النَّار " قَالَ : ثُمَّ تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَة : { هُنَالِكَ تَتْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مَعْنَاهُ : تَتْلُو كِتَاب حَسَنَاته وَسَيِّئَاته , يَعْنِي تَقْرَأ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَنُخْرِج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا } 17 13 وَقَالَ آخَرُونَ : تَبْلُو : تُعَايِن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13687 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } قَالَ : مَا عَمِلَتْ . تَبْلُو : تُعَايِنهُ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَئِمَّة مِنْ الْقُرَّاء , وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنْ مَنْ تَبِعَ فِي الْآخِرَة مَا أَسْلَفَ مِنْ الْعَمَل فِي الدُّنْيَا , هَجَمَ بِهِ عَلَى مَوْرِده , فَيُخْبَر هُنَالِكَ مَا أَسْلَفَ مِنْ صَالِح أَوْ سَيِّئ فِي الدُّنْيَا , وَإِنَّ مِنْ خَيْر مَنْ أَسْلَفَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَاله فِي الْآخِرَة , فَإِنَّمَا يُخْبَر بَعْد مَصِيره إِلَى حَيْثُ أَحَلَّهُ مَا قَدَّمَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِلْمه , فَهُوَ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ مُتَّبِع مَا أَسْلَفَ مِنْ عَمَله مُخْتَبِر لَهُ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ كَمَا وَصَفْنَا فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْس } بِالْبَاءِ , بِمَعْنَى : عِنْد ذَلِكَ تُخْتَبَر كُلّ نَفْس بِمَا قَدَّمَتْ مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ . وَكَانَ مِمَّنْ يَقْرَؤُهُ وَيَتَأَوَّلهُ كَذَلِكَ مُجَاهِد . 13686 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } قَالَ : تُخْتَبَر . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْكُوفَة وَبَعْض أَهْل الْحِجَاز : " تَتْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ " بِالتَّاءِ . وَاخْتَلَفَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ وَتَأْوِيله : هُنَالِكَ تَتْبَع كُلّ نَفْس مَا قَدَّمَتْ فِي الدُّنْيَا لِذَلِكَ الْيَوْم . وَرُوِيَ بِنَحْوِ ذَلِكَ خَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ وَجْه وَسَنَد غَيْر مُرْتَضَى أَنَّهُ قَالَ : " يُمَثَّل لِكُلِّ قَوْم مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه يَوْم الْقِيَامَة , فَيَتْبَعُونَهُمْ حَتَّى يُورِدُوهُمْ النَّار " قَالَ : ثُمَّ تَلَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَة : { هُنَالِكَ تَتْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } . وَقَالَ بَعْضهمْ : بَلْ مَعْنَاهُ : تَتْلُو كِتَاب حَسَنَاته وَسَيِّئَاته , يَعْنِي تَقْرَأ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَنُخْرِج لَهُ يَوْم الْقِيَامَة كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا } 17 13 وَقَالَ آخَرُونَ : تَبْلُو : تُعَايِن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13687 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { هُنَالِكَ تَبْلُو كُلّ نَفْس مَا أَسْلَفَتْ } قَالَ : مَا عَمِلَتْ . تَبْلُو : تُعَايِنهُ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَئِمَّة مِنْ الْقُرَّاء , وَهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ; وَذَلِكَ أَنْ مَنْ تَبِعَ فِي الْآخِرَة مَا أَسْلَفَ مِنْ الْعَمَل فِي الدُّنْيَا , هَجَمَ بِهِ عَلَى مَوْرِده , فَيُخْبَر هُنَالِكَ مَا أَسْلَفَ مِنْ صَالِح أَوْ سَيِّئ فِي الدُّنْيَا , وَإِنَّ مِنْ خَيْر مَنْ أَسْلَفَ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَعْمَاله فِي الْآخِرَة , فَإِنَّمَا يُخْبَر بَعْد مَصِيره إِلَى حَيْثُ أَحَلَّهُ مَا قَدَّمَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عِلْمه , فَهُوَ فِي كِلْتَا الْحَالَتَيْنِ مُتَّبِع مَا أَسْلَفَ مِنْ عَمَله مُخْتَبِر لَهُ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ كَمَا وَصَفْنَا فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ .' وَأَمَّا قَوْله : { وَرُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلَاهُمْ الْحَقّ } فَإِنَّهُ يَقُول : وَرَجَعَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَوْمئِذٍ إِلَى اللَّه الَّذِي هُوَ رَبّهمْ وَمَالِكهمْ الْحَقّ لَا شَكَّ فِيهِ دُون مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَهُمْ أَرْبَاب مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد .وَأَمَّا قَوْله : { وَرُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلَاهُمْ الْحَقّ } فَإِنَّهُ يَقُول : وَرَجَعَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَوْمئِذٍ إِلَى اللَّه الَّذِي هُوَ رَبّهمْ وَمَالِكهمْ الْحَقّ لَا شَكَّ فِيهِ دُون مَا كَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ لَهُمْ أَرْبَاب مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد .' يَقُول : وَبَطَلَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَتَخَرَّصُونَ مِنْ الْفِرْيَة وَالْكَذِب عَلَى اللَّه بِدَعْوَاهُمْ أَوْثَانهمْ أَنَّهَا لِلَّهِ شُرَكَاء , وَأَنَّهَا تُقَرِّبهُمْ مِنْهُ زُلْفَى . كَمَا : 13688 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَرُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلَاهُمْ الْحَقّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } قَالَ : مَا كَانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة , مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ الْآلِهَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوهَا أَنْدَادًا وَآلِهَة مَعَ اللَّه اِفْتِرَاء وَكَذِبًا . يَقُول : وَبَطَلَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَتَخَرَّصُونَ مِنْ الْفِرْيَة وَالْكَذِب عَلَى اللَّه بِدَعْوَاهُمْ أَوْثَانهمْ أَنَّهَا لِلَّهِ شُرَكَاء , وَأَنَّهَا تُقَرِّبهُمْ مِنْهُ زُلْفَى . كَمَا : 13688 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَرُدُّوا إِلَى اللَّه مَوْلَاهُمْ الْحَقّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ } قَالَ : مَا كَانُوا يَدْعُونَ مَعَهُ مِنْ الْأَنْدَاد وَالْآلِهَة , مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ الْآلِهَة , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوهَا أَنْدَادًا وَآلِهَة مَعَ اللَّه اِفْتِرَاء وَكَذِبًا . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { هنالك} في موضع نصب على الظرف. { تبلو} أي في ذلك الوقت. { تبلو} أي تذوق. وقال الكلبي : تعلم. مجاهد : تختبر. { كل نفس ما أسلفت} أي جزاء ما عملت وقدمت. وقيل : تسلم، أي تسلم ما عليها من الحقوق إلى أربابها بغير اختيارها. وقرأ حمزة والكسائي { تتلو} أي تقرأ كل نفس كتابها الذي كتب عليها. وقيل: { تتلو} تتبع؛ أي تتبع كل نفس ما قدمت في الدنيا؛ قاله السدي. ومنه قول الشاعر : إن المريب يتبع المريبا ** كما رأيت الذيب يتلو الذيبا قوله تعالى: { وردوا إلى الله مولاهم الحق} بالخفض على البدل أو الصفة. ويجوز نصب الحق من ثلاث جهات؛ يكون التقدير : وردوا حقا، ثم جيء بالألف واللام. ويجوز أن يكون التقدير : مولاهم حقا لا ما يعبدون من دونه. والوجه الثالث أن يكون مدحا؛ أي أعني الحق. ويجوز أن يرفع { الحق} ، ويكون المعنى مولاهم الحق - على الابتداء والخبر والقطع مما قبل - لا ما يشركون من دونه. ووصف نفسه سبحانه بالحق لأن الحق منه كما وصف نفسه بالعدل لأن العدل منه؛ أي كل عدل وحق فمن قبله، وقال ابن عباس: { مولاهم بالحق} أي الذي يجازيهم بالحق. { وضل عنهم} أي بطل. { ما كانوا يفترون} { يفترون} في موضع رفع وهو بمعنى المصدر، أي افتراؤهم. فإن قيل : كيف قال { وردوا إلى الله مولاهم الحق} وقد أخبر بأن الكافرين لا مولى لهم. قيل ليس بمولاهم في النصرة والمعونة، وهو مولى لهم في الرزق وإدرار النعم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 29 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وقول الحق سبحانه: { هُنَالِكَ } يعني: في هذا الوقت، أو في هذا المكان. والزمان والمكان هما ظَرْفَا الحدث؛ لأن كل فعل يلزم له زمان ومكان، فإن كان الزمان هو الغالب، فيأتي ظرف الزمان، وإذا كان المكان هو الغالب فيأتي ظرف المكان.

وجاءت { هُنَالِكَ } أيضاً في قصة سيدنا زكريا عليه السلام، إذ يقول الحق سبحانه:
{  هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ }
[آل عمران: 38].

أي: في ذلك الوقت الذي قالت فيه مريم ـ رضي الله عنها ـ قولةً أدَّت بها قضية اعتقادية إيمانية لكفيلها، وهو سيدنا زكريا عليه السلام وهو الذي يأتي لها بالطعام، وشاء لها الحق ـ سبحانه وتعالى ـ أن تعلِّمه هي. يقول سبحانه:
{  كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً }
[آل عمران: 37].

والرزق ما به انتفع، وكان زكريا ـ عليه السلام ـ يكفلها بكل شيء تحتاجه، لكنه فوجىء بوجود رزق لم يَأت هو به؛ بدليل أنه قال:
{  أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا }
[آل عمران: 37].

وهذه ملحظية ويقظة الكفيل حين يجد مكفوله يتمتع بما لم يأتِ به. وهذه هي قضية " من أين لك هذا "؟، وهي قضية الكفيل العام للمجتمع حين يرى واحداً يتمتع بما لا تؤهله له حركته في الحياة، وبذلك يُكشف مختلس الانتفاع بما يخص الغير دون أن يَعرف كافله، ولو أن كافله أصرَّ على معرفة من أين تأتي مصادر دخله؛ لَحَمى المجتمع من الفساد.

وانظر إلى جواب مريم عليها السلام على قول زكريا عليه السلام الذي ذكره رب العزة سبحانه:
{  أَنَّىٰ لَكِ هَـٰذَا }
[آل عمران: 37].

قالت مريم:
{  هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ }
[آل عمران: 37].

ثم تعلَّل الجواب:
{  إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37].

قالت ذلك، لأنه وجد عندها أشياء لا توجد في مثل هذا الوقت من السنة، فعجَبُ سيدنا زكريا عليه السلام ـ إذن ـ كان من أمرين اثنين: شيء لم يأت هو به، وشيء مخالف للفترة التي هو فيها، كأنْ وجد عندها عنباً في زمن غير أوانه، أو وجد برتقالاً في غير أوانه، وسؤاله كان دليل يقظة الكفيل، وإجابتها كانت قضية إيمانية عقدية
{  إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37].

وما دام { مِنْ عِندِ ٱللَّهِ } ـ سبحانه وتعالى ـ ما طرح حسابك أنت للأشياء في ضوء هذه القضية.

ولكن هل غفل سيدنا زكريا ـ عليه السلام ـ عن قضية الإيمان بأن الله تعالى يرزق مَنْ يشاء بغير حساب؟

فنقول: لا، لم يغفل عنها، ولكنها لم تكن في بؤرة شعوره حينئذ؛ فجاءت بها قولة السيدة مريم لتذكر بهذه القضية، وهنا تذكَّر زكريا نفسه، كرجل بلغ من الكبر عتياً، وامرأته عاقر، وما دام الله سبحانه يرزق من يشاء بغير حساب، فليس من الضروري أن يكون شاباً أو تكون زوجته صغيرة لينجب، فجاء الحق معبراً عن خاطر زكريا في قوله:


{  هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ }
[آل عمران: 38].

أي: في هذا الوقت أو ذلك المكان، أو في الاثنين معاً زماناً ومكاناً، وهنا جاءته الإجابة من ربه سبحانه وتعالى:
{  قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً }
[مريم: 9].

وقد جاء الحق سبحانه بهذه القضية ليمنع أيَّ ظانٍّ من أن يسيء الظن بعفة مريم عليها السلام؛ لأنها في موقف اللجوء فأنطقها الحق بقوله:
{  يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37].

وما دام الرزق بغير حساب وفي غير وقته وغير مكانه وبلا سبب وبغير علم كافلها، فعند ذلك تحقق اللجوء إلى الله بالقبول الحسن الذي دعت به امرأة عمران:


{  وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ * فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا }
[آل عمران: 36ـ37].

ويطبقها زكريا عليه السلام على نفسه، ثم تتعرض هي لها، حين يبشِّرها الحق سبحانه بغلام اسمه المسيح عيسى ابن مريم ـ عليهما السلام.

فهي ستلد من غير أن يمسسها ذكر، وهي تعلم أن الأسباب جارية في أنه لا يوجد تناسل إلا بوجود ذكر وأنثى، وشاء الحق سبحانه أن يقدِّر لها أن تلد دون هذه العملية، فجاء سبحانه بتلك المقدمة على لسانها
{  إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37].

وحين تساءلت:
{  رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ }
[آل عمران: 47].

جاءتها الإجابة بأن اسمه المسيح عيسى ابن مريم، يقول سبحانه:
{  إِنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ ٱسْمُهُ ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ }
[آل عمران: 45].

فبيقظتها الإيمانية فطنت إلى أن هذا الطفل سينسب إلى أمه؛ فعرفت أن أباه ملغي؛ وأدركت أن هذا الولد لن يأتي نتيجة زواج ولو فيما بعد، وبذلك كان عليها أن تعود إلى القضية الإيمانية التي ذكرتها:
{  إِنَّ ٱللًّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ }
[آل عمران: 37].

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه: { هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ } [يونس: 30]

أي: في ذلك الوقت تُختبر كل نفس، وترى هل الجزاء طيب أم لا؟ فإن كانت قد عملت الشر؛ فستجد الجزاء شَرّاً.

إذن: فالإنسان وقت النتائج يختبر نفسه بما كان منه.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ } [يونس: 30]

وكأنهم كانوا في الدنيا عند مولىً آخر غير الإله الحقّ سبحانه، والمولى غير الحق هو الشريك أو الشركاء الذين اتخذهم بعض الناس مَوالِيَ لهم، وهنا في اليوم الآخر يُردُّون إلى الإله الحق والمولى الحق سبحانه.

وكلمة " رُدُّوا إلى كذا " لا تدل على أنهم كانوا مع الضِّدِّ، وجاءوا له، بل تدل على أنهم كانوا معه أولاً، ثم ذهبوا إلى الضِّدِّ، ثم رُدُّوا إليه ثانياً، مثل قول الحق سبحانه عن موسى عليه السلام:


{  فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ }
[القصص: 13].

فدلَّت علىأنه كان مع أمه، ثم فارقها، ثم رُدَّ إليها.

وقول الحق سبحانه هنا: { وَرُدُّوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ مَوْلاَهُمُ ٱلْحَقِّ } [يونس: 30]

أي: أنهم كانوا مع الله أولاً، ثم أخذهم الشركاء، وفي هذا اليوم الآخر يرجعون لربهم سبحانه.

والإنسان يكون مع ربّه أولاً بالفطرة التكوينية المؤمنة، ثم يتجه به أبواه إلى المجوسية أو أيّ ديانة أخرى تحمل الشرك بالله تعالى، وهم في ظل تلك الديانات المشركة، كانوا عند مولىً وسيِّدٍ وآمرٍ ومشرِّعٍ، لكنه مَوْلىً غير حق؛ لأن الحق هو الثابت الذي لا تدركه الأغيار.

{ هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ } [يونس: 30].

أي: عرفت كل نفس ما فعلت، ويُعرف كل إنسان بفضيحته في جزئيات ذاته، وكذلك الفضيحة العامة لكل إنسان أشرك بالله سبحانه.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [يونس: 30].

أي: أن الآلهة التي عبدوها لا تتعرف إلى أمكنتهم ومواقعهم، وأنهم في خطر؛ فتأخذ بأيديهم؛ لأن هذه الآلهة لا علم لها بهم، ولو أن هذه الآلهة التي كانوا يعبدونها من دون الله ـ سبحانه ـ على شيء من الحق؛ ووجودوهم في مأزق؛ لكان يجب أن يدافعوا عنهم، لكنهم لم يعرفوا أماكنهم { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } [يونس: 30].

أي: ماكنوا يكذبونه كذباً متعمداً.

وبعد أن كشف ـ سبحانه ـ المسألة وما سوف يحدث في الآخرة، وخوَّفهم وبشَّع لهم ما سوف ينتظرهم من مصير إنْ ظلوا على الكفر؛ لعلَّهم يرتدعون، ويتذكرون ضرورة العودة إلى عبادة الإله الحق سبحانه، ياتي الحق سبحانه وتعالى بما يعيد إليهم رُشْدَ الإيمان في نفوسهم، فيقول: { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ }


www.alro7.net