سورة
اية:

الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ألم نشرح لك صدرك} يعني قد شرحنا لك صدرك أي نورناه، وجعلناه فسيحاً رحيباً واسعاً كقوله: { فمن يرد اللّه أن يهديه يشرح صدره للإسلام} ، وكما شرح اللّه صدره كذلك جعل شرعه فسيحاً سمحاً سهلاً، لا حرج فيه ولا إصر ولا ضيق، وقيل: المراد بقوله: { ألم نشرح لك صدرك} شرح صدره ليلة الإسراء، وهذا وإن كان واقعاً ليلة الإسراء، ولكن لا منافاة، فإن من جملة شرح صدره الحسي الشرح المعنوي أيضاً، وقوله تعالى: { ووضعنا عنك وزرك} بمعنى { ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك وما تأخر} ، { الذي أنقض ظهرك} الإنقاض الصوت أي أثقلك حمله، وقوله تعالى: { ورفعنا لك ذكرك} قال مجاهد: لا أُذكر إلا ذكرت معي (أشهد أن لا إله إلا اللّه وأشهد أن محمداً رسول اللّه)، وقال قتادة: رفع اللّه ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا ينادي بها، أشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمداً رسول اللّه، روى ابن جرير عن أبي سعيد عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (أتاني جبريل فقال: إن ربي وربك يقول: كيف رفعت ذكرك؟ قال: اللّه أعلم، قال: (إذا ذكرتُ ذكرتَ معي) ""رواه ابن جرير"". وحكى البغوي عن ابن عباس ومجاهد أن المراد بذلك الأذان، يعني ذكره فيه، كما قال حسان بن ثابت: وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ** إذ قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليُجلَّه ** فذو العرش محمود وهذا محمد وقال آخرون: رفع اللّه ذكره في الأولين والآخرين، ونوه به حين أخذ الميثاق على جميع النبيين أن يؤمنوا به، وأن يأمروا أُممهم بالإيمان به، ثم شهر ذكره في أمته، فلا يذكر اللّه إلا ذكر معه. وقوله تعالى: { فإن مع العسر يسراً . إن مع العسر يسراً} أخبر تعالى أن مع العسر يوجد اليسر،ثم أكد هذا الخبر، بقوله: { إن مع العسر يسراً} ، قال الحسن: كانوا يقولون: لا يغلب عسر واحد يسرين اثنين، وعن قتادة ذكر لنا أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشّر أصحابه بهذه الآية فقال: (لن يغلب عسر يسرين) ""رواه ابن جرير""، ومعنى هذا أن العسر معرف في الحالين، فهو مفرد، واليسر منكر، فتعدّد، ولهذا قال: (لن يغلب عسر يسرين( يعني قوله: { فإن مع العسر يسراً . إن مع العسر يسراً} فالعسر الأول عين الثاني، واليسر تعدد، ومما يروى عن الشافعي أنه قال: صبراً جميلاً ما أقرب الفرجا ** من راقب اللّه في الأمور نجا من صدّق اللّه لم ينله أذى ** ومن رجاه يكون حيث رجا وقال الشاعر: ولرب نازلة يضيق بها الفتى * ذرعاً وعند اللّه منها المخرج كملت فلما استحكمت حلقاتها * فرجت وكان يظنها لا تفرج وقوله تعالى: { فإذا فرغت فانصب . وإلى ربك فارغب} أي إذا فرغت من أُمور الدنيا وأشغالها، وقطعت علائقها فانصب إلى العبادة، وقم إليها نشيطاً فارغ البال، وأخلص لربك النية والرغبة، قال مجاهد في هذه الآية: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فانصب لربك. وعن ابن مسعود: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل، وفي رواية عنه { فانصب} بعد فراغك من الصلاة وأنت جالس، وقال ابن عباس { فإذا فرغت فانصب} يعني في الدعاء، وقال الضحّاك { فإذا فرغت} أي من الجهاد { فانصب} أي في العبادة { وإلى ربك فارغب} قال الثوري: اجعل نيتك ورغبتك إلى اللّه عزَّ وجلَّ.

تفسير الجلالين

( الذي أنقض ) أثقل ( ظهرك ) وهذا كقوله تعالى : "" ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك "" .

تفسير الطبري

{ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك } يَقُول : الَّذِي أَثْقَلَ ظَهْرك فَأَوْهَنَهُ , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ لِلْبَعِيرِ إِذَا كَانَ رَجِيع سَفَر , قَدْ أَوْهَنَهُ السَّفَر , وَأَذْهَبَ لَحْمه : هُوَ نِقْض سَفَر . وَقَوْله : { الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك } قَالَ : أَثْقَلَ ظَهْرك . 29062 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَلَمْ نَشْرَح لَك صَدْرك وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك } : كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُنُوب قَدْ أَثْقَلَتْهُ , فَغَفَرَهَا اللَّه لَهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَنْقَضَ ظَهْرك } قَالَ : كَانَتْ لِلنَّبِيِّ : ذُنُوب قَدْ أَثْقَلَتْهُ , فَغَفَرَهَا اللَّه لَهُ . 29063 - عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك } يَعْنِي : الشِّرْك الَّذِي كَانَ فِيهِ . 29064 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَلَمْ نَشْرَح لَك صَدْرك وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك } قَالَ : شَرَحَ لَهُ صَدْره , وَغَفَرَ لَهُ ذَنْبه الَّذِي كَانَ قَبْل أَنْ يُنَبَّأ , فَوَضَعَهُ . فِي قَوْله : { الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك } قَالَ : أَثْقَلَهُ وَجَهَدَهُ , كَمَا يَنْقُض الْبَعِير حِمْله الثَّقِيل , حَتَّى يَصِير نِقْضًا بَعْد أَنْ كَانَ سَمِينًا { وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك } قَالَ : ذَنْبك الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك , أَثْقَلَ ظَهْرك , وَوَضَعْنَاهُ عَنْك , وَخَفَّفْنَا عَنْك مَا أَثْقَلَ ظَهْرك . { الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك } يَقُول : الَّذِي أَثْقَلَ ظَهْرك فَأَوْهَنَهُ , وَهُوَ مِنْ قَوْلهمْ لِلْبَعِيرِ إِذَا كَانَ رَجِيع سَفَر , قَدْ أَوْهَنَهُ السَّفَر , وَأَذْهَبَ لَحْمه : هُوَ نِقْض سَفَر . وَقَوْله : { الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك } قَالَ : أَثْقَلَ ظَهْرك . 29062 -حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَلَمْ نَشْرَح لَك صَدْرك وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك } : كَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذُنُوب قَدْ أَثْقَلَتْهُ , فَغَفَرَهَا اللَّه لَهُ . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا اِبْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَنْقَضَ ظَهْرك } قَالَ : كَانَتْ لِلنَّبِيِّ : ذُنُوب قَدْ أَثْقَلَتْهُ , فَغَفَرَهَا اللَّه لَهُ . 29063 - عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك } يَعْنِي : الشِّرْك الَّذِي كَانَ فِيهِ . 29064 -حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَلَمْ نَشْرَح لَك صَدْرك وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك } قَالَ : شَرَحَ لَهُ صَدْره , وَغَفَرَ لَهُ ذَنْبه الَّذِي كَانَ قَبْل أَنْ يُنَبَّأ , فَوَضَعَهُ . فِي قَوْله : { الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك } قَالَ : أَثْقَلَهُ وَجَهَدَهُ , كَمَا يَنْقُض الْبَعِير حِمْله الثَّقِيل , حَتَّى يَصِير نِقْضًا بَعْد أَنْ كَانَ سَمِينًا { وَوَضَعْنَا عَنْك وِزْرك } قَالَ : ذَنْبك الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرك , أَثْقَلَ ظَهْرك , وَوَضَعْنَاهُ عَنْك , وَخَفَّفْنَا عَنْك مَا أَثْقَلَ ظَهْرك .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ووضعنا عنك وزرك} أي حططنا عنك ذنبك. وقرأ أنس { وحللنا، وحططنا} . وقرأ ابن مسعود { وحللنا عنك وقرك} . هذه الآية مثل قوله تعالى { ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} [الفتح : 2]. قيل : الجميع كان قبل النبوة. والوزر : الذنب؛ أي وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صلى اللّه عليه وسلم في كثير من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنما ولا وثنا. قال قتادة والحسن والضحاك : كانت للنبي صلى اللّه عليه وسلم ذنوب أثقلته؛ فغفرها اللّه له { الذي أنقض ظهرك} أي أثقله حتى سمع نقيضه؛ أي صوته. وأهل اللغة يقولون : أنقض، الحمل ظهر الناقة : إذا سمعت له صريرا من شدة الحمل. وكذلك سمعت نقيض الرحل؛ أي صريره. قال جميل : وحتى تداعت بالنقيض حباله ** وهمت بواني زوره أن تحطما بواني زوره : أي أصول صدره. فالوزر : الحمل الثقيل. قال المحاسبي : يعني ثقل الوزر لو لم يعف اللّه عنه. { الذي أنقض ظهرك} أي أثقله وأوهنه. قال : وإنما وصفت ذنوب، الأنبياء بهذا الثقل، مع كونها مغفورة، لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها. وقال السدي { ووضعنا عنك وزرك} أي وحططنا عنك ثقلك. وهي في قراءة عبدالله بن مسعود { وحططنا عنك وقرك} . وقيل : أي حططنا عنك ثقل آثام الجاهلية. قال الحسين بن المفضل : يعني الخطأ والسهو. وقيل : ذنوب أمتك، أضافها إليه لاشتغال قلبه. بها. وقال عبدالعزيز بن يحيى وأبو عبيدة : خففنا عنك أعباء النبوة والقيام بها، حتى لا تثقل عليك. وقيل : كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاءه جبريل وأراه نفسه؛ وأزيل عنه ما كان يخاف من تغير العقل. وقيل : عصمناك عن احتمال الوزر، وحفظناك قبل النبوة في الأربعين من الأدناس؛ حتى نزل عليك الوحي وأنت مطهر من الأدناس.


www.alro7.net