سورة
اية:

إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { حم والكتاب المبين} أي البِّين الواضح الجلي، المنزل بلغة أهل العرب التي هي أفصح اللغات، ولهذا قال تعالى: { إنا جعلناه} أي أنزلناه { قرآناً عربياً} أي بلغة العرب، فصيحاً واضحاً، { لعلكم تعقلون} أي تفهمونه وتتدبرونه، كما قال عزَّ وجلَّ: { بلسان عربي مبين} وقوله تعالى: { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} بيّن شرفه في الملأ الأعلى، ليشّرفه ويعظمه ويطيعه أهل الأرض، فقال تعالى { وإنه} أي القرآن { في أم الكتاب} أي اللوح المحفوظ { لدينا} أي عندنا { لعلي} أي ذو مكانة عظيمة، وشرف وفضل { حكيم} أي محكم بريء من اللبس والزيغ، وهكذا كله تنبيه على شرفه وفضله، كما قال تبارك وتعالى: { إنه لقرآن كريم . في كتاب مكنون . لا يمسه إلا المطهرون} ، وقال تعالى: { في صحف مكرمة . مرفوعة مطهرة . بأيدي سفرة . كرام بررة} ، ولهذا استنبط العلماء من هاتين الآيتين، أن المحدث لا يمس المصحف، لأن الملائكة يعظمون المصاحف المشتملة على القرآن في الملأ الأعلى، فأهل الأرض بذلك أولى وأحرى، لأنه نزل عليهم، وخطابه متوجه إليهم، فهم أحق أن يقابلوه بالإكرام والتعظيم، والانقياد له بالقبول والتسليم، لقوله تعالى: { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم} ، وقوله عزَّ وجلَّ: { أفنضرب عنكم الذكر صفحاً أن كنتم قوماً مسرفين} ؟ اختلف المفسرون في معناها فقيل معناها: أتحسبون أن نصفح عنكم فلا نعذبكم، ولم تفعلوا ما أمرتم به وهو قول مجاهد والسدي ، قاله ابن عباس واختاره ابن جرير، وقال قتادة: واللّه لو أن هذا القرآن رفع حين ردته أوائل هذا الأمة لهلكوا، ولكن اللّه تعالى عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم، ودعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء اللّه من ذلك، وقول قتادة لطيف المعنى جداً، وحاصله أنه يقول في معناه: إنه تعالى من لطفه ورحمته بخلقه لا يترك دعاءهم إلى الخير، وإلى الذكر الحكيم وهو القرآن وإن كانوا مسرفين معرضين عنه، بل أمر ليهتدي به من قدّر هدايته، وتقوم الحجة على من كتب شقاوته، ثم قال جلَّ وعلا مسلياً لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه { وكم أرسلنا من نبي في الأولين} أي في شِيَع الأولين { وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون} أي يكذبونه ويسخرون به، { فأهلكنا أشد منهم بطشاً} أي فأهلكنا المكذبين بالرسل، وقد كانوا أشد بطشاً من هؤلاء المكذبين لك يا محمد، كقوله عزَّ وجلَّ: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة} ، والآيات في ذلك كثيرة جداً. وقوله جلَّ جلاله { ومضى مثل الأولين} قال مجاهد: سنتهم، وقال قتادة: عقوبتهم، وقال غيرهما: عبرتهم: أي جعلناهم عبرة لمن بعدهم من المكذبين أن يصيبهم ما أصابهم، كقوله تعالى: { فجعلناهم سلفاً ومثلاً للآخرين} ، وكقوله جلَّت عظمته: { سنة اللّه التي قد خلت في عباده} ، وقوله: { ولن تجد لسنة اللّه تبديلاً} .

تفسير الجلالين

{ إنا جعلناه } أوجدنا الكتاب { قرآنا عربيا } بلغة العرب { لعلكم } يا أهل مكة { تعقلون } تفهمون معانيه .

تفسير الطبري

{ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } يَقُول : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلِسَانِ الْعَرَب , إِذْ كُنْتُمْ أَيّهَا الْمُنْذَرُونَ بِهِ مِنْ رَهْط مُحَمَّد عَرَبًا . { إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا } يَقُول : إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا بِلِسَانِ الْعَرَب , إِذْ كُنْتُمْ أَيّهَا الْمُنْذَرُونَ بِهِ مِنْ رَهْط مُحَمَّد عَرَبًا .' يَقُول : لِتَعْقِلُوا مَعَانِيه وَمَا فِيهِ مِنْ مَوَاعِظ , وَلَمْ يُنْزِلهُ بِلِسَانِ الْعَجَم , فَيَجْعَلهُ أَعْجَمِيًّا , فَتَقُولُوا : نَحْنُ عَرَب , وَهَذَا كَلَام أَعْجَمِيّ لَا نَفْقَه مَعَانِيه .يَقُول : لِتَعْقِلُوا مَعَانِيه وَمَا فِيهِ مِنْ مَوَاعِظ , وَلَمْ يُنْزِلهُ بِلِسَانِ الْعَجَم , فَيَجْعَلهُ أَعْجَمِيًّا , فَتَقُولُوا : نَحْنُ عَرَب , وَهَذَا كَلَام أَعْجَمِيّ لَا نَفْقَه مَعَانِيه .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { حم، والكتاب المبين} تقدم. وقيل: { حم} قسم. { والكتاب المبين} قسم ثان؛ ولله أن يقسم بما شاء. والجواب { إنا جعلناه} . وقال ابن الأنباري : من جعل جواب { والكتاب} { حم} - كما تقول نزل والله وجب والله - وقف على { الكتاب المبين} . ومن جعل جواب القسم { إنا جعلناه} لم يقف على { الكتاب المبين} . ومعنى { جعلناه} أي سميناه ووصفناه؛ ولذلك تعدى إلى مفعولين؛ كقوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة} [المائدة : 103]. وقال السدي : أي أنزلناه قرآنا. مجاهد : قلناه الزجاج وسفيان الثوري : بيناه. { عربيا} أي أنزلناه بلسان العرب؛ لأن كل نبي أنزل كتابه بلسان قومه؛ قال سفيان الثوري وغيره. وقال مقاتل : لأن لسان أهل السماء عربي. وقيل : المراد بالكتاب جميع الكتب المنزلة على الأنبياء؛ لأن الكتاب اسم جنس فكأنه أقسم بجميع ما أنزل من الكتب أنه جعل القرآن عربيا. والكناية في قوله: { جعلناه} ترجع إلى القرآن وإن لم يجر له ذكر في هذه السورة؛ كقوله تعالى: { إنا أنزلناه في ليلة القدر} . [القدر : 1]. { لعلكم تعقلون} أي تفهمون أحكامه ومعانيه. فعلى هذا القول يكون خاصا للعرب دون العجم؛ قال ابن عيسى. وقال ابن زيد : المعنى لعلكم تتفكرون؛ فعلى هذا يكون خطابا عاما للعرب والعجم. ونعت الكتاب بالمبين لأن الله بين فيه أحكامه وفرائضه؛ على ما تقدم في غير موضع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الزخرف الايات 1 - 4

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذا هو المقسَم عليه، فالحق سبحانه يقسم بهذه الحروف العربية، وبالكتاب المكوّن من هذه الحروف أنه جعله { قُرْآناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [الزخرف: 3] سماه كتاباً لأنه مكتوب في السطور، وسماه قرآناً لأنه مقروء، ووصفه بأنه عربي ليؤكد على أنه نزل بلسان القوم، كما قال سبحانه:
{  وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ.. }
[إبراهيم: 4].

إذن: لا بدَّ أنْ يكون الرسول بلسان قومه ليفهموا عنه ولتتم عملية البلاغ. فإنْ قلتَ: فكيف إذن أُرسِل محمد صلى الله عليه وسلم إلى الناس كافة على اختلاف لغاتهم؟

نقول: أُرسِل بلسان قومه الذين عاصروه وباشروا تلقِّي توجيهاته الأولى، فلما فهموها واقتنعوا وآمنوا بصدقها حملوها إلى غيرهم من الأمم، وساحوا بها في أنحاء الأرض حركةً وعملاً وسلوكاً وتطبيقاً.

هذا معنى الرسالة إلى الناس كافّة، فالإعجاز فيها في السلوك العملي والتطبيق، لذلك يقول لنا التاريخ: إن الإسلام انتشر في البلاد بالسلوك القويم الذي بهر الناس جميعاً فدخلوا في دين الله أفواجاً، واقرأ:
{  وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ }
[فصلت: 33].

ويقول سبحانه عن هذه الأمة:
{  وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً.. }
[البقرة: 143] وهكذا كلف الخلفاء جميعاً بجمل هذه الرسالة، فالرسول يشهد أنه بلَّغنا، والأمم الأخرى تشهد أننا بلَّغناهم.

إذن: باللغة فهمتْ هذه الأمة وترجمتْ هذا المنهج إلى عمل، فتحوَّلتْ من أمة أمية جاهلة لا نظام لها ولا قانون إلى أمة راقية جذبتْ إليها أرقى أمم الأرض مثل فارس في الشرق، والروم في الغرب، لقد زلزلوا هاتين الحضارتين حينما طبَّقوا تعاليم المنهج الذي جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، هذا هو الذي لفتَ الأنظار إلى الإسلام.

لذلك لما نتأمل في سورة سيدنا يوسف عليه السلام نجد هذا النموذج العملي التطبيقي للإيمان، اقرأ:
{  وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيۤ أَرَانِيۤ أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ ٱلآخَرُ إِنِّي أَرَانِيۤ أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ ٱلطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ ٱلْمُحْسِنِينَ }
[يوسف: 36].

لقد نال يوسف هذه المنزلة وصار مقصداً للسائلين، لماذا؟ لأنه وصل إلى درجة الإحسان، وهي القمة في التطبيق العملي للمنهج الذي جاء به، ثم يُوضح هو هذا المسلك العملي الذي أوصله إلى منزلة التأويل، فيقول:
{  قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيۤ إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُمْ بِٱلآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ * وَٱتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِـيۤ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَيْءٍ ذٰلِكَ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ }
[يوسف: 37-38].

يعني: لو فعلتم مثلي لأصبحتم قادرين على فهم الرؤيا وتأويلها مثلي تماماً.هذا المسلك العملي هو نفسه الذي جعل سيدنا يوسف عليه السلام يستغل الفرصة ليؤدي مهمته الدعوية، فقبل أن يعطي السائلينْ ما أرادا أعطاهما ما أراد هو أولاً من الدعوة إلى الله، وهما في وقت الحاجة إليه، والاستماع لكل كلمة يقولها.

لذلك نراه يسرع بهذا الملخص الإيماني العقدي فيقول:
{  يٰصَاحِبَيِ ٱلسِّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ ٱللَّهُ ٱلْوَاحِدُ ٱلْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ }
[يوسف: 39-40] ثم بعد ذلك يفسر لهما الرؤيا.

إذن: سلوك يوسف هو الذي لفت إليه الأنظار، وكذلك السلوك الحق المستقيم في كل زمان ومكان هو الذي يلفت إليك الأنظار، ويجذب إليك القلوب.


www.alro7.net