سورة
اية:

يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ۚ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ

تفسير بن كثير

ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده، في إفراد العبادة له، كما أنه المستقل بالخلق والرزق، فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان، قال تعالى: { لا إله إلا ولهذا هو فأنَّى تؤفكون} أي فكيف تؤفكون بعد هذا البيان، ووضوح هذا البرهان، وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان؟ واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ يا أيها الناس } أي أهل مكة { اذكروا نعمة الله عليكم } بإسكانكم الحرم ومنع الغارات عنكم { هل من خالق } من زائدة وخالق مبتدأ { غيرُ الله } بالرفع والجر نعت لخالق لفظا ومحلا، وخبر المبتدأ { يرزقكم من السماء } المطر { و } من { الأرض } النبات، والاستفهام للتقرير، أي لا خالق رازق غيره { لا إله إلا هو فأنَّى تؤفكون } من أين تصرفون عن توحيده مع إقراركم بأنه الخالق الرازق.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِق غَيْر اللَّه يَرْزُقكُمْ مِنَ السَّمَاء وَالْأَرْض لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قَوْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْش : { يَا أَيّهَا النَّاس اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه } الَّتِي أَنْعَمَهَا { عَلَيْكُمْ } بِفَتْحِهِ لَكُمْ مِنْ خَيْرَاته مَا فَتَحَ وَبَسْطه لَكُمْ مِنَ الْعَيْش مَا بَسَطَ وَفَكِّرُوا فَانْظُرُوا هَلْ مِنْ خَالِق سِوَى فَاطِر السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيح أَرْزَاقكُمْ وَمَغَالِقهَا { يَرْزُقكُمْ مِنَ السَّمَاء وَالْأَرْض } فَتَعْبُدُوهُ دُونَهُ { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } يَقُول : لَا مَعْبُودَ تَنْبَغِي لَهُ الْعِبَادَة إِلَّا الَّذِي فَطَرَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء , الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِح الْأَشْيَاء وَخَزَائِنهَا , وَمَغَالِق ذَلِكَ كُلّه , فَلَا تَعْبُدُوا أَيُّهَا النَّاس شَيْئًا سِوَاهُ , فَإِنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى نَفْعكُمْ وَضَرّكُمْ سِوَاهُ , فَلَهُ فَأَخْلِصُوا الْعِبَادَة , وَإِيَّاهُ فَأَفْرِدُوا بِالْأُلُوهَةِ { فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } يَقُول : فَأَيّ وَجْه عَنْ خَالِقكُمْ وَرَازِقكُمْ الَّذِي بِيَدِهِ نَفْعكُمْ وَضَرّكُمْ تُصْرَفُونَ , كَمَا : 22111 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } يَقُول الرَّجُل : إِنَّهُ لَيُوفَكُ عَنِّي كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى الْإِفْك , وَتَأْوِيل قَوْله : { تُؤْفَكُونَ } فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَة عَنْ تَكْرِيره . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّه عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِق غَيْر اللَّه يَرْزُقكُمْ مِنَ السَّمَاء وَالْأَرْض لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قَوْم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قُرَيْش : { يَا أَيّهَا النَّاس اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّه } الَّتِي أَنْعَمَهَا { عَلَيْكُمْ } بِفَتْحِهِ لَكُمْ مِنْ خَيْرَاته مَا فَتَحَ وَبَسْطه لَكُمْ مِنَ الْعَيْش مَا بَسَطَ وَفَكِّرُوا فَانْظُرُوا هَلْ مِنْ خَالِق سِوَى فَاطِر السَّمَوَات وَالْأَرْض الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِيح أَرْزَاقكُمْ وَمَغَالِقهَا { يَرْزُقكُمْ مِنَ السَّمَاء وَالْأَرْض } فَتَعْبُدُوهُ دُونَهُ { لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ } يَقُول : لَا مَعْبُودَ تَنْبَغِي لَهُ الْعِبَادَة إِلَّا الَّذِي فَطَرَ السَّمَوَات وَالْأَرْض , الْقَادِر عَلَى كُلّ شَيْء , الَّذِي بِيَدِهِ مَفَاتِح الْأَشْيَاء وَخَزَائِنهَا , وَمَغَالِق ذَلِكَ كُلّه , فَلَا تَعْبُدُوا أَيُّهَا النَّاس شَيْئًا سِوَاهُ , فَإِنَّهُ لَا يَقْدِر عَلَى نَفْعكُمْ وَضَرّكُمْ سِوَاهُ , فَلَهُ فَأَخْلِصُوا الْعِبَادَة , وَإِيَّاهُ فَأَفْرِدُوا بِالْأُلُوهَةِ { فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } يَقُول : فَأَيّ وَجْه عَنْ خَالِقكُمْ وَرَازِقكُمْ الَّذِي بِيَدِهِ نَفْعكُمْ وَضَرّكُمْ تُصْرَفُونَ , كَمَا : 22111 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ } يَقُول الرَّجُل : إِنَّهُ لَيُوفَكُ عَنِّي كَذَا وَكَذَا وَقَدْ بَيَّنْت مَعْنَى الْإِفْك , وَتَأْوِيل قَوْله : { تُؤْفَكُونَ } فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَة عَنْ تَكْرِيره .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم} معنى هذا الذكر الشكر. { هل من خالق غير الله} يجوز في "غير" الرفع والنصب والخفض، فالرفع من وجهين : أحدهما : بمعنى هل من خالق إلا الله؛ بمعنى ما خالق إلا الله. والوجه الثاني : أن يكون نعتا على الموضع؛ لأن المعنى : هل خالق غير الله، و"من" زائدة. والنصب على الاستثناء. والخفض، على اللفظ. قال حميد الطويل : قلت للحسن : من خلق الشر؟ فقال سبحان الله! هل من خالق غير الله جل وعز، خلق الخير والشر. وقرأ حمزة والكسائي: "هل من خالق غير الله" بالخفض. الباقون بالرفع. { يرزقكم من السماء} أي المطر. "والأرض" أي النبات. { لا إله إلا هو فأنى تؤفكون} من الإفك (بالفتح) وهو الصرف؛ يقال : ما أفكك عن كذا، أي ما صرفك عنه. وقيل : من الإفك (بالكسر) وهو الكذب، ويرجع هذا أيضا إلى ما تقدم؛ لأنه قول مصروف عن الصدق والصواب، أي من أين يقع لكم التكذيب بتوحيد الله. والآية حجة على القدرية لأنه نفى خالقا غير الله وهم يثبتون معه خالقين، على ما تقدم في غير موضع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فاطر الايات 1 - 5

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه يمتنُّ على عباده ويُذكِّرهم بنعمه عليهم، ويذكر أول هذه النِّعم، وهي نعمة الخَلْق من عدم، وأراد سبحانه أنْ يبرز لهم هذه المسألة إبرازاً يشاركه - سبحانه وتعالى - فيه، فلم يأت الأسلوب في صورة الخبر: أنا خلقتكم. إنما جاء في صورة الاستفهام ليقولوا هم ويُقِرُّوا { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ } [فاطر: 3].

ومعلوم أن الخبر عُرْضة لأنْ يُكذَّب، أمّا الاستفهام فلا تستطيع أن تكذبه، وأنت لا تستفهم عن شيء فعلْتَه إلا إذا كنتَ واثقاً أن الإجابة ستأتي على وَفْق مرادك، فحين ينكر شخصٌ جميلَك لا تقول له: فعلتُ لك كذا وكذا؛ لأنه ربما كذَّبك، إنما تقول: ألم أُقدِّم لك كذا يوم كذا؟ حينئذ لا يستطيع إلا أن يُقرَّ بجميلك، فلن يجد إجابة عن سؤالك إلا الإقرار.

كذلك الحق سبحانه يُقرِّرهم بنعمه ليكون الإقرارُ حجةً عليهم ويسألهم، وهو سبحانه أعلم { هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ ٱللَّهِ يَرْزُقُكُمْ } [فاطر: 3] ثم يذكر هو سبحانه النتيجة { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } [فاطر: 3] ولم يقولوها هم؛ لأنهم (مربوكون) وكان المنطق: ما دام هو سبحانه الخالق الرازق فعليهم أنْ يؤمنوا به، وقالها سبحانه بصيغة الغائب { لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ } [فاطر: 3] ولم يقُلْ إلا أنا، كأنه سبحانه هو الشاهد في هذه المسألة، كأنه يتكلم عن الغيب.

وقوله { فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ } [فاطر: 3] يعني: كيف بعد هذا تُصرفون عن توحيده وعن الإيمان به، وتُؤفكون من الإفك، وهو قَلْبُ الشيء عن موضعه وصَرْفه عن محله، ومن ذلك المؤتفكة، وهي القرى التى أهلكها الله، فجعل عاليها سافلها، وقَلَبها على وجهها.

والإفْكُ أيضاً بمعنى الكذب؛ لأنه يقلب الحقيقة، فكأن الحق سبحانه يقول لهم: كيف تقلبون الحقائق؟ وكيف تصرفون خَلْق الله ورِزْق الله إلى غيره سبحانه؟ يعني: قولوا لنا عِلّة ذلك.

وبعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه عن الوحدانية والألوهية أراد أنْ يتكلم سبحانه عن مُرْسَل الألوهية إلى الخَلْق:

{ وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ... }.


www.alro7.net