سورة
اية:

أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ

تفسير بن كثير

{ روى البخاري عن أبي هريرة قال: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم يقرأ يوم الجمعة { ألم تنزيل } السجدة و { هل أتى على الإنسان} ، وروى الإمام أحمد عن جابر قال: كان النبي صلى اللّه عليه وسلم لا ينام حتى يقرأ ألم تنزيل السجدة وتبارك الذي بيده الملك. بسم الله الرحن الرحيم قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة بما أغنى عن إعادته ههنا، وقوله: { تنزيل الكتاب لا ريب فيه} أي لا شك فيه ولا مرية أنه منزل { من رب العالمين} ، ثم قال تعالى مخبراً عن المشركين { أم يقولون افتراه} بل يقولون افتراه أي اختلقه من تلقاء نفسه، { بل هو الحق من ربك لتنذر قوماً ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون} أي يتبعون الحق.

تفسير الجلالين

{ أَم } بل { يقولون افتراه } محمد صلى الله عليه وسلم لا { بل هو الحق من ربك، لتنذر } به { قوما ما } نافية { أَتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون } بإنذارك.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَقُول , الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ : اخْتَلَقَ هَذَا الْكِتَاب مُحَمَّد مِنْ قِبَل نَفْسه , وَتَكَذُّبه ; وَ " أَمْ " هَذِهِ تَقْرِير , وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا , أَنَّ الْعَرَب إِذَا اعْتَرَضَتْ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي إِضْعَاف كَلَام قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضه أَنْ يُسْتَفْهَم بِأَمْ , وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَيَقُولُونَ , وَقَالَ : أَمْ بِمَعْنَى الْوَاو , بِمَعْنَى بَلْ فِي مِثْل هَذَا الْمَوْضِع , ثُمَّ أَكْذَبهمْ تَعَالَى ذِكْره فَقَالَ : مَا هُوَ كَمَا تَزْعُمُونَ وَتَقُولُونَ مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ , بَلْ هُوَ الْحَقّ وَالصِّدْق مِنْ عِنْد رَبّك يَا مُحَمَّد , أَنْزَلَهُ إِلَيْك , لِتُنْذِر قَوْمًا بَأْس اللَّه وَسَطْوَته , أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ بِهِ { مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِك } يَقُول : لَمْ يَأْتِ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ أَرْسَلَك رَبّك يَا مُحَمَّد إِلَيْهِمْ , وَهُمْ قَوْمه مِنْ قُرَيْش , نَذِير يُنْذِرهُمْ بَأْس اللَّه عَلَى كُفْرهمْ قَبْلَك . وَقَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } يَقُول : لِيَتَبَيَّنُوا سَبِيلَ الْحَقّ فَيَعْرِفُوهُ وَيُؤْمِنُوا بِهِ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21474 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لِتُنْذِر قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِك لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } قَالَ : كَانُوا أُمَّة أُمَيَّة , لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِير قَبْل مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْله : { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : يَقُول , الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ : اخْتَلَقَ هَذَا الْكِتَاب مُحَمَّد مِنْ قِبَل نَفْسه , وَتَكَذُّبه ; وَ " أَمْ " هَذِهِ تَقْرِير , وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابنَا , أَنَّ الْعَرَب إِذَا اعْتَرَضَتْ بِالِاسْتِفْهَامِ فِي إِضْعَاف كَلَام قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضه أَنْ يُسْتَفْهَم بِأَمْ , وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَيَقُولُونَ , وَقَالَ : أَمْ بِمَعْنَى الْوَاو , بِمَعْنَى بَلْ فِي مِثْل هَذَا الْمَوْضِع , ثُمَّ أَكْذَبهمْ تَعَالَى ذِكْره فَقَالَ : مَا هُوَ كَمَا تَزْعُمُونَ وَتَقُولُونَ مِنْ أَنَّ مُحَمَّدًا افْتَرَاهُ , بَلْ هُوَ الْحَقّ وَالصِّدْق مِنْ عِنْد رَبّك يَا مُحَمَّد , أَنْزَلَهُ إِلَيْك , لِتُنْذِر قَوْمًا بَأْس اللَّه وَسَطْوَته , أَنْ يَحِلَّ بِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ بِهِ { مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِك } يَقُول : لَمْ يَأْتِ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ أَرْسَلَك رَبّك يَا مُحَمَّد إِلَيْهِمْ , وَهُمْ قَوْمه مِنْ قُرَيْش , نَذِير يُنْذِرهُمْ بَأْس اللَّه عَلَى كُفْرهمْ قَبْلَك . وَقَوْله : { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } يَقُول : لِيَتَبَيَّنُوا سَبِيلَ الْحَقّ فَيَعْرِفُوهُ وَيُؤْمِنُوا بِهِ . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 21474 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { لِتُنْذِر قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِير مِنْ قَبْلِك لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } قَالَ : كَانُوا أُمَّة أُمَيَّة , لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِير قَبْل مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { أم يقولون افتراه} هذه { أم} المنقطعة التي تقّدر ببل وألف الاستفهام؛ أي بل أيقولون. وهي تدل على خروج من حديث إلى حديث؛ فإنه عز وجل أثبت أنه تنزيل من رب العالمين، وأن ذلك مما لا ريب فيه، ثم أضرب عن ذلك إلى قوله: { أم يقولون افتراه} أي افتعله واختلقه. { بل هو الحق من ربك} كذبهم في دعوى الافتراء { لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون} قال قتادة : يعني قريشا، كانوا أمة أمية لم يأتهم نذير من قبل محمد صلى الله عليه وسلم. و { لتنذر} متعلق بما قبلها فلا يوقف على "من ربك". ويجوز أن يتعلق بمحذوف؛ التقدير : أنزله لتنذر قوما، فيجوز الوقف على "من ربك". و"ما" "ما أتاهم" نفي. { من نذير} صلة. و { نذير} في محل الرفع، وهو المعلم المخوف. وقيل : المراد بالقوم أهل الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام؛ قاله ابن عباس ومقاتل. وقيل : كانت الحجة ثابتة لله جل وعز عليهم بإنذار من تقدم من الرسل وإن لم يروا رسولا؛ وقد تقّدم هذا المعنى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة السجدة الايات 2 - 4

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

عجيب أنْ يقابلَ العربُ كلامَ الله بهذا الاتهام، وهم أمة فصاحة وبلاغة وبيان، وقد بلغوا في هذا شأناً عظيماً، حتى جعلوا للكلام معارض وأسواقاً، كما نقيم الآن المعارض لمنتجاتنا، ولا يُعرض في المعارض هذه إلا السلع الجيدة محلّ الفخر، فقبل الإسلام كان في عكاظ وذي المجاز مضمار للقول وللأداء البياني بين الأدباء والشعراء.

فعجيبٌ منهم ألاَّ يميزوا كلام الله عن كلام البشر، خاصة وقد تحدَّاهم وتحدَّى فصاحتهم وبلاغتهم أنْ تأتي بآية واحدة من مثله، ومعلوم أن التحدي يكون للقوي لا للضعيف، فتحدَّى القرآن للعرب يُحسَبُ لهم، وهو اعتراف بمكانتهم ومكانة لغتهم، فهو - إذن - شهادة لهم، ويكفيهم أن الله تعالى أدخلهم معه في مجال التحدي.

ولما عجزوا عن الإتيان بمثله راحوا يتهمونه ويتهمون رسول الله، فمرة يقولون: شاعر، ومرة: ساحر، وأخرى يقولون: مجنون، ومرة يقولون: بل يُعلِّمه ذلك أحد الأعاجم..إلخ، وهذا كله إفلاس في الحجة، فهم يريدون أنْ يُكذِّبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما القرآن في حدِّ ذاته، فلا يَخْفى عليهم أنه كلام الله، وأن البشر لا يقولون مثل هذا الكلام، بدليل أن الوليد بن المغيرة لما سمعه قال: " والله، إن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغْدِق، وأنه يعلو ولا يُعلى عليه ".

لذلك لما لم يجدوا في القرآن مطعناً اعترفوا بأنه من عند الله، لكن كان اعتراضهم أنْ ينزل على هذا الرجل بالذات:
{  وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ }
[الزخرف: 31] فكانوا ينتظرون أنْ يُنزَّل القرآن على عظيم من عظمائهم او مِلَك من الملوك، لكن أنْ ينزل على محمد هذا اليتيم الفقير، فهذا لا يُرضيهم، وقد ردَّ القرآن عليهم:
{  أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ... }
[الزخرف: 32]

يعني: إذا كنا قد قسمنا بينهم أمور الدنيا وما يتفاضلون به من عرضها، فهل نترك لهم أمور الآخرة يُقسمونها على هواهم وأمزجتهم؟ والرسالة رحمة من الله يختصُّ بها مَنْ يشاء من عباده
{  وٱللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ... }
[الأنعام: 124]

وهذا يعني أنهم انتهوا إلى أن القرآن مُعْجِز، وأنه من عند الله لا غُبَار عليه، والذي قرأه منهم، وأيقن أنه حق قال:
{  ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
[الأنفال: 32]

وهذا كلام لا يقول به عاقل، وقد دلَّ على غبائهم وحُمْقهم، وكان الأَوْلَى بهم أنْ يقولوا: اللهم إنْ كان هذا هو الحق من عندك فاهْدِنا إليه.

وقد ردَّ القرآن على كل افتراءاتهم على رسول الله، وفنَّدها جميعاً، وأظهر بطلانها، لما قالوا عن رسول الله إنه مجنون ردَّ الله عليهم:
{  نۤ وَٱلْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ }
[القلم: 1-4]

والمجنون لا يكون أبداً على خلق عظيم؛ لأنه محكوم بالغريزة لا يختار بين البدائل والتصرفات كالحيوان، ولا ينشأ عن ذلك خُلق كريم.

أما الإنسان السَّويُّ فإنه يختار بين البدائل المتعددة، فلو اعتدى عليه إنسان فقد يردُّ عليه. بمثل هذا الاعتداء، وقد يفكر في المثلية، وأن اعتداءه قد يزيد فيميل إلى التسامح، واحد يكظم غيظه وآخر يزيل كل أثر للغيظ، ويبغي الأجر على ذلك من الله، عملاً بقوله تعالى:
{  أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ ٱللَّهُ لَكُمْ... }
[النور: 22] وكأن الله يشجعنا على عمل الخير.

لذلك لما سُئل الحسن البصري: كيف يطلب الله منَّا أنْ نُحسن إلى مَنْ أساء إلينا؟ قال: هذه مَرَاق في مجال الفضائل، وقد أباح الله لك أنْ تردَّ الإساءة بمثلها
{  وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا... }
[الشورى: 40] لكن بترك الباب مفتوحاً أمام أريحية النفس المؤمنة
{  فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى ٱللَّهِ... }
[الشورى: 40]

ثم إذا حسبنا هذه المسألة بمقاييس العقل، فإن الخَلْق كلهم عيال الله، وهم عنده سبحانه سواء، فماذا لو اعتدى أحد عيالك على الآخر؟ لا شكَّ أنك ستكون في جانب المظلوم، فتأخذه في حضنك وترعاه وتعطف عليه، وكذلك الحق - تبارك وتعالى - يكون في جانب عبده إذا ظلم. وقد قال أحدهم: ألاَ أُحسن إلى مَنْ جعل الله في جانبي؟

من هنا يقولون: أنت لا تكسب كثيراً من الأخيار، إنما كل كسب لك يأتي من الأشرار حين يسيئون إليك وتحسِن إليهم؛ لذلك يقولون: فلان هذا رجل طيب، لكن مَنْ يمشي معه لا يستفيد منه حسنة أبداً، لماذا؟ يقولون: لأنه خادم للجميع، وجعل خدَّه (مداساً) لمن معه، فلا يجعل أحد (يستفتح) منه بحسنة.

ورُوي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تبسَّم في مجلس مع أصحابه، فقالوا: ما يُضحك يا رسول الله؟ فقال: " رأيتُ ربي، وقد أجلس بين يديه خَصْمين، فقال أحدهما: يا ربِّ إن هذا ظلمني فخُذْ لي حقِّي منه، فقال: كيف آخذ لك حقك منه؟ قال: أعطني من حسناته بقدر ما أساء إليّ، فقال: ليست له حسنات، فقال: فخُذْ من سيئاتي واطرح عليه، فقال أَوَيرضيك ألاَّ تكون لك سيئة؟ قال: إذن، يا رب كيف أقضي حقي منه؟ قال: انظر يمينك، فنظر الرجل يمينه، فوجد قصوراً وبساتين وجِنَاناً، مما لا عَيْنٌ رأت، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطر على قلب بشر، فقال: لمَنْ هذه يا ربِّ؟ قال: لمن يدفع ثمنها، فقال: وما ثمنها يا رب؟ قال: أنْ تأخذَ بيد أخيك إلى الجنة، فعجبتُ من رَبِّ يُصِلح بين عباده ".

هذا عن قولهم عن رسول الله: مجنون، أما قولهم: ساحر.فالردُّ عليها ميسور، فإذا كان محمد ساحراً، سحر مَنْ آمن به، فلماذا لم يَسْحركم أنتم أيضاً؟ فكونكم سالمين من السحر دليل على أنه صلى الله عليه وسلم ليس ساحراً، بل هذا كذب وافتراء على رسول الله.

أما قولهم: شاعر، فهذا عجيب منهم، وهم أمة كلام وبلاغة، وهم أكثر خَلْق الله تمييزاً للشعر من النثر، وخير مَنْ يفرق بين الأساليب وطرق الأداء، وقد تولى الله تعالى الردَّ عليهم، فقال:
{  وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ... }
[يس: 69]

وفي سورة الحاقة، يقول سبحانه:
{  وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا تُؤْمِنُونَ * وَلاَ بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ }
[الحاقة: 41-42]

فلما خابتْ كُلُّ هذه الحيل، وكذبتْ كل هذه الافتراءات قالوا: بل له شيطان يُعلِّمه، وكانوا يقولون ذلك للشاعر البليغ الذي لا يُشَقُّ له غبار في الفصاحة وحُسْن الأداء، حتى جعلوا لهؤلاء الجن مكاناً خاصاً بهم، فقالوا (وادي عبقر)، وهو مسكن هؤلاء الجن الذي يُلْهِمون البشر ويُعلِّمونهم.

والشعر كلام موزون مُقفَّى، وله بحور معروفة، فهل القرآن على هذه الشاكلة؟ لا، إنما هو افتراء على رسول الله، كافترائهم عليه هنا: { أَمْ يَقُولُونَ ٱفْتَرَاهُ.. } [السجدة: 3]

فقوله تعالى: { أَمْ يَقُولُونَ.. } [السجدة: 3] أم تعني أن لها مقابلاً: يعني: أيقولون كذا؟ أم يقولون: افتراه، فماذا هذا المقابل؟ المقابل { تَنزِيلُ ٱلْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلْعَالَمِينَ } [السجدة: 2] فالمعنى: أيُصدِّقون بأن هذا الكتاب من عند رب العالمين، وأنه لا رَيْبَ فيه؟ أم يقولون افتراه محمد، فأَمْ هنا جاءت لتنقض ما يُفهَم من الكلام السابق عليها.

وقوله: { بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ.. } [السجدة: 3] نعرف أن (بل) تأتي للاستدراك، لكنها هنا ليست للاستدراك، إنما لإبطال قولهم: { ٱفْتَرَاهُ.. } [السجدة: 3] كما لو قُلْت: زيد ليس عندي بل عمرو، فأفادتْ الإضراب عما قبلها، وإثبات الحكم لما بعدها، وهم يقولون افتراه والله يقول: { بَلْ هُوَ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ.. } [السجدة: 3ٍ فكلامهم واتهامهم باطل، والقرآن هو الحق من عند الله.

وقُلْنا: إن { ٱلْحَقُّ.. } [السجدة: 3] هو الشيء الثابت الذي لا يطرأ عليه التغيير؛ لذلك فالحقائق ثابتة لا تتغير أبداً، كيف؟ هَبْ أن حادثة وقعتْ نتج عنها مُدَّع ومُدَّعًى عليه وشهود، واجتمعوا جميعاً أمام القاضي، وقد يحدث أن يُغيِّر أحدهم أقواله، أو يشهد الشهود شهادة زور.

لكن خبرة القاضي ودُرْبته تكشف الحقائق وتُظهِر كذبهم حين يضرب أقوال بعضهم ببعض، ويسألهم ويحاورهم إلى أنْ يصل إلى الحقيقة؛ ذلك لأن الواقع شيء واحد، ولو أنهم يصفون واقعاً لا تفقوا فيه، ولباقة القاضي هي التي تُظهِر الباطل المتناقض وتُبِطله وتُحِقّ وتغلب الحق الذي لا يمكن أن يتناقض.

كالقاضي الذي اجتمع أمامه خَصمْان، يدَّعي أحدهما على الاخر أنه أخذ منه مالاً ولم يردّه إليه، فقال المدَّعَي عليه: بل رددته إليه في مكان كذا وكذا، فأنكر المدَّعى، فقال القاضي للمدَّعَى عليه: اذهب إلى هذا المكان، فلعل هذا المال وقع منك هناك، فذهب الرجل وأبطأ بعض الوقت، فقال القاضي للمدعى: لقد أبطأ صاحبك، فقال: أبطأ؛ لأن المكان بعيد، فوقع في الحقيقة التي كان ينكرها.ثم يقول سبحانه: { لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ.. } [السجدة: 3] ومعلوم أنه سيدنا رسول الله جاء بشيراً ونذيراً، لكن خصَّ هنا النذير؛ لأنه جاء ليصلح معتقدات فاسدة، وإصلاح الفاسدلا بُدَّ أن يسبق ما يُبشر به، ولم يأْتِ ذكر البشارة هنا؛ لأنهم ما سمعوا للنذارة، وما استفادوا بها.

لكن قوله تعالى: { مَّآ أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ.. } [السجدة: 3] تصطدم لفظياً بقوله تعالى:
{  وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ }
[فاطر: 24] وقوله تعالى:
{  وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً }
[الإسراء: 15] وليس بين هذه الآيات تناقض؛ لأن المعنى: ما أتاهم من نذير قريب، ولا مانع من وجود نذير بعيد، كما قال تعالى:
{  يَا أَهْلَ ٱلْكِتَابِ قَدْ جَآءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَىٰ فَتْرَةٍ مَّنَ ٱلرُّسُلِ... }
[المائدة: 19]

وإلا، فمن أين عرفوا أن الله تعالى خالق السموات والأرض، كما حكى القرآن عنهم:
{  وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ... }
[لقمان: 25] فهذا أثر من آثار الرسل السابقين، كما كان فيهم أناس متبعون لمنهج الدين الحق، والذين سماهم الله الحنفاء، وهم الذين لم يسجدوا لصنم، ولم ينحرفوا عن الفطرة السوية.

وقوله تعالى: { لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ } [السجدة: 3] لعل تفيد الرجاء، والرجاء من الله كأنه واقع متحقق؛ لأن الله تعالى يحب لعباده جميعاً أنْ يؤمنوا به؛ ليأخذوا جميل عطائه في الآخرة، كما أخذوا عطاءه في الدنيا، وهم جميعاً خَلْقه وصَنْعته، وسبق أن ذكرنا الحديث القدسي: "...دعوني وما خلقت، إنْ تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإنْ لم يتوبوا إلىَّ فأنا طبيبهم.. ".

ثم ينقلنا الحق سبحانه إلى قضية من قضايا أصول الكون: { ٱللَّهُ ٱلَّذِي... }.


www.alro7.net