سورة
اية:

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ

تفسير بن كثير

أما الكلام على الحروف المقطعة فقد تقدم في أول سورة البقرة، وقوله ‏ { ‏تلك آيات الكتاب‏} ‏ أي هذه آيات الكتاب، وهو القرآن المبين أي الواضح الجلي الذي يفصح عن الأشياء المبهمة ويفسرها ويبينها ‏ { ‏إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون‏} ‏، وذلك لأنه لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب، بأشرف اللغات، على أشرف الرسل، بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان‏"‏فكمل من كل الوجوه؛ ولهذا قال تعالى‏:‏ ‏ { ‏نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن‏} ‏ بسبب إيحائنا إليك هذا القرآن، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن جرير عن ابن عباس قال‏:‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللّه صلى اللّه عليك وسلم لو قصصت علينا‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏ { ‏نحن نقص عليك أحسن القصص‏} ‏، فأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص، وممّا يناسب ذكره عند هذه الآية الكريمة المشتملة على مدح القرآن، وأنه كاف عن كل ما سواه من الكتب ما رواه الإمام أحمد عن جابر بن عبد اللّه أن عمر بن الخطاب أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي صلى اللّه عليه وسلم، قال‏:‏ فغضب، وقال‏:‏ ‏(‏أمتهوِّكون فيها يا ابن الخطاب‏؟‏ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني‏)‏ وعن عبد اللّه بن ثابت قال‏:‏ جاء عمر إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول اللّه إني مررت بأخ لي من قريظة، فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك‏؟‏ قال، فتغيّر وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، قال عبد اللّه بن ثابت‏:‏ فقلت له‏:‏ ألا ترى ما بوجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏؟‏ فقال عمر‏:‏ رضينا باللّه رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً‏.‏ قال‏:‏ فسري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم، وقال‏:‏ ‏(‏والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين‏)‏ ‏"‏أخرجه الإمام أحمد عن عبد اللّه بن ثابت‏"‏‏.

تفسير الجلالين

{ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا } بإيحائنا { إليك هذا القرآن وإن } مخففة أي وإنه { كنت من قبله لمن الغافلين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن وَإِنْ كُنْت مِنْ قَبْله لَمِنَ الْغَافِلِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك يَا مُحَمَّد أَحْسَن الْقَصَص بِوَحْيِنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن , فَنُخْبِرك فِيهِ عَنِ الْأَخْبَار الْمَاضِيَة وَأَنْبَاء الْأُمَم السَّالِفَة وَالْكُتُب الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا فِي الْعُصُور الْخَالِيَة . { وَإِنْ كُنْت مِنْ قَبْله لَمِنَ الْغَافِلِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ كُنْت يَا مُحَمَّد مِنْ قَبْل أَنْ نُوحِيه إِلَيْك لَمِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ , لَا تَعْلَمهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ . كَمَا : 14434 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص } مِنَ الْكُتُب الْمَاضِيَة وَأُمُور اللَّه السَّالِفَة فِي الْأُمَم , { وَإِنْ كُنْت مِنْ قَبْله لَمِنَ الْغَافِلِينَ } وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَسْأَلَةِ أَصْحَابه إِيَّاهُ أَنْ يَقُصّ عَلَيْهِمْ . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 14435 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : ثنا حَكَّام الرَّازِيّ , عَنْ أَيُّوب , عَنْ عَمْرو الْمُلَائِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , لَوْ قَصَصْت عَلَيْنَا ! قَالَ : فَنَزَلَتْ : { نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص } . 14436 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَيُّوب بْن سَيَّار أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , قَالَ : قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , فَذَكَرَ مِثْله . 14437 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنِ الْمَسْعُودِيّ , عَنْ عَوْن بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : مَلَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَّة , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه حَدِّثْنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث } ثُمَّ مَلُّوا مَلَّة أُخْرَى فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه حَدِّثْنَا فَوْق الْحَدِيث وَدُون الْقُرْآن ! يَعْنُونَ الْقَصَص . فَأَنْزَلَ اللَّه : { الر تِلْكَ آيَات الْكِتَاب الْمُبِين إِنَّا أَنْزَلْنَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن وَإِنْ كُنْت مِنْ قَبْله لَمِنَ الْغَافِلِينَ } . فَأَرَادُوا الْحَدِيث فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَن الْحَدِيث , وَأَرَادُوا الْقَصَص فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَن الْقَصَص . 14438 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد الْعَطَّار , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , قَالَ : أَخْبَرَنَا خَلَّاد الصَّفَّار , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , عَنْ سَعْد , قَالَ : أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن , قَالَ : فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , لَوْ قَصَصْت عَلَيْنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { الر تِلْكَ آيَات الْكِتَاب الْمُبِين } إِلَى قَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } الْآيَة . قَالَ : ثُمَّ تَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه لَوْ حَدَّثْتنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى . { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَابًا مُتَشَابِهًا } قَالَ خَلَّاد : وَزَادُوا فِيهِ رَجُلًا آخَر , قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , أَوْ قَالَ أَبُو يَحْيَى : ذَهَبَتْ مِنْ كِتَابِي كَلِمَة , فَأَنْزَلَ اللَّه : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَع قُلُوبهمْ لِذِكْرِ اللَّه } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن وَإِنْ كُنْت مِنْ قَبْله لَمِنَ الْغَافِلِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْك يَا مُحَمَّد أَحْسَن الْقَصَص بِوَحْيِنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن , فَنُخْبِرك فِيهِ عَنِ الْأَخْبَار الْمَاضِيَة وَأَنْبَاء الْأُمَم السَّالِفَة وَالْكُتُب الَّتِي أَنْزَلْنَاهَا فِي الْعُصُور الْخَالِيَة . { وَإِنْ كُنْت مِنْ قَبْله لَمِنَ الْغَافِلِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِنْ كُنْت يَا مُحَمَّد مِنْ قَبْل أَنْ نُوحِيه إِلَيْك لَمِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ ذَلِكَ , لَا تَعْلَمهُ وَلَا شَيْئًا مِنْهُ . كَمَا : 14434 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص } مِنَ الْكُتُب الْمَاضِيَة وَأُمُور اللَّه السَّالِفَة فِي الْأُمَم , { وَإِنْ كُنْت مِنْ قَبْله لَمِنَ الْغَافِلِينَ } وَذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَسْأَلَةِ أَصْحَابه إِيَّاهُ أَنْ يَقُصّ عَلَيْهِمْ . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 14435 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : ثنا حَكَّام الرَّازِيّ , عَنْ أَيُّوب , عَنْ عَمْرو الْمُلَائِيّ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , لَوْ قَصَصْت عَلَيْنَا ! قَالَ : فَنَزَلَتْ : { نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص } . 14436 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَيُّوب بْن سَيَّار أَبِي عَبْد الرَّحْمَن , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , قَالَ : قَالُوا : يَا نَبِيّ اللَّه , فَذَكَرَ مِثْله . 14437 - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنِ الْمَسْعُودِيّ , عَنْ عَوْن بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : مَلَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَلَّة , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه حَدِّثْنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث } ثُمَّ مَلُّوا مَلَّة أُخْرَى فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه حَدِّثْنَا فَوْق الْحَدِيث وَدُون الْقُرْآن ! يَعْنُونَ الْقَصَص . فَأَنْزَلَ اللَّه : { الر تِلْكَ آيَات الْكِتَاب الْمُبِين إِنَّا أَنْزَلْنَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصّ عَلَيْك أَحْسَن الْقَصَص بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن وَإِنْ كُنْت مِنْ قَبْله لَمِنَ الْغَافِلِينَ } . فَأَرَادُوا الْحَدِيث فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَن الْحَدِيث , وَأَرَادُوا الْقَصَص فَدَلَّهُمْ عَلَى أَحْسَن الْقَصَص . 14438 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد الْعَطَّار , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن مُحَمَّد , قَالَ : أَخْبَرَنَا خَلَّاد الصَّفَّار , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد , عَنْ سَعْد , قَالَ : أُنْزِلَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآن , قَالَ : فَتَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , لَوْ قَصَصْت عَلَيْنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه : { الر تِلْكَ آيَات الْكِتَاب الْمُبِين } إِلَى قَوْله : { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } الْآيَة . قَالَ : ثُمَّ تَلَاهُ عَلَيْهِمْ زَمَانًا , فَقَالُوا : يَا رَسُول اللَّه لَوْ حَدَّثْتنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى . { اللَّه نَزَّلَ أَحْسَن الْحَدِيث كِتَابًا مُتَشَابِهًا } قَالَ خَلَّاد : وَزَادُوا فِيهِ رَجُلًا آخَر , قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , أَوْ قَالَ أَبُو يَحْيَى : ذَهَبَتْ مِنْ كِتَابِي كَلِمَة , فَأَنْزَلَ اللَّه : { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَع قُلُوبهمْ لِذِكْرِ اللَّه } . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { نحن نقص عليك} ابتداء وخبره { أحسن القصص} بمعنى المصدر، والتقدير : قصصنا أحسن القصص. وأصل القصص تتبع الشيء، ومنه قوله تعالى { وقالت لأخته قصيه} [القصص : 11] أي تتبعي أثره؛ فالقاص، يتبع الآثار فيخبر بها. والحسن يعود إلى القصص لا إلى القصة. يقال : فلان حسن الاقتصاص للحديث أي جيد السياقة له. وقيل : القصص ليس مصدرا، بل هو في معنى الاسم، كما يقال : الله رجاؤنا، أي مرجونا فالمعنى على هذا : نحن نخبرك بأحسن الأخبار. { بما أوحينا إليك} أي بوحينا فـ { ما} مع الفعل بمنزلة المصدر. { هذا القرآن} نصب القرآن على أنه نعت لهذا، أو بدل منه، أو عطف بيان. وأجاز الفراء الخفض؛ قال : على التكرير؛ وهو عند البصريين على البدل من { ما} . وأجاز أبو إسحاق الرفع على إضمار مبتدأ، كأن سائلا سأله عن الوحي فقيل له : هو هذا القرآن. { وإن كنت من قبله لمن الغافلين} أي من الغافلين عما عرّفناكه. مسألة : واختلف العلماء لم سميت هذه السورة أحسن القصص من بين سائر الأقاصيص؟ فقيل : لأنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة؛ وبيانه قوله في آخرها { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} [يوسف/111] وقيل : سماها أحسن القصص لحسن مجاوزة يوسف عن إخوته، وصبره على أذاهم، وعفوه عنهم - بعد الالتقاء بهم - عن ذكر ما تعاطوه، وكرمه في العفو عنهم، حتى قال { لا تثريب عليكم اليوم} [يوسف : 92]. وقيل : لأن فيها ذكر الأنبياء والصالحين والملائكة والشياطين، والجن والإنس والأنعام والطير، وسير الملوك والممالك، والتجار والعلماء والجهال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن، وفيها ذكر التوحيد والفقه والسير وتعبير الرؤيا، والسياسة والمعاشرة وتدبير المعاش، وجمل الفوائد التي تصلح للدين والدنيا. وقيل لأن فيها ذكر الحبيب والمحبوب وسيرهما. وقيل { أحسن} هنا بمعنى أعجب. وقال بعض أهل المعاني : إنما كانت أحسن القصص لأن كل من ذكر فيها كان مآله السعادة؛ انظر إلى يوسف وأبيه وإخوته، وامرأة العزيز؛ قيل : والملك أيضا أسلم بيوسف وحسن إسلامه، ومستعبر الرؤيا الساقي، والشاهد فيما يقال : فما كان أمر الجميع إلا إلى خير.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 1 - 5

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

حين يتحدث الحق ـ سبحانه ـ عن فعل من أفعاله؛ ويأتي بضمير الجمع؛ فسبب ذلك أن كل فعل من أفعاله يتطلب وجودَ صفات متعددة؛ يتطلب: علماً؛ حكمة؛ قدرة؛ إمكانات.

ومَنْ غيره ـ سبحانه ـ له كل الصفات التي تفعل ما تشاء وقْتَ أن تشاء؟

لا أحد سواه قادر على ذلك؛ لأنه ـ سبحانه ـ وحده صاحب الصفات التي تقوم بكل مطلوب في الحياة ومُقدَّر.

لكن حين يتكلم ـ سبحانه ـ عن الذات؛ فهو يؤكد التوحيد فلا تأتي بصيغة الجمع، يقول تعالى:
{  إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ }
[طه: 14].

وهنا يتكلم ـ سبحانه ـ بأسلوب يعبر عن أفعال لا يَقْدر عليها غيره؛ بالدقة التي شاءها هو ـ سبحانه ـ فيقول:

{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ... } [يوسف: 3].

وحدد ـ سبحانه ـ أنه هو الذي يقصُّ، وإذا وُجِد فعل لله؛ فنحن نأخذ الفعل بذاته وخصوصه؛ ولا نحاول أن نشتق منه اسماً نطلقه على الله؛ إلا إذا كان الفعل له صفة من صفاته التي عَلِمْناها في أسمائه الحسنى؛ لأنه الذات الأقدس.

وفي كل ما يتعلق به ذاتاً وصفاتٍ وأفعالاً إنما نلتزم الأدب؛ لأننا لا نعرف شيئا عن ذات الله إلا ما أخبرنا الله عن نفسه، لذلك لا يصح أن نقول عن الله أنه قصَّاص، بل نأخذ الفعل كما أخبرنا به، ولا نشتق منه اسماً لله؛ لأنه لم يصف نفسه في أسمائه الحسنى بذلك.

والواجب أن ما أطلقه ـ سبحانه ـ اسماً نأخذه اسماً، وما أطلقه فعلاً نأخذه فعلاً.

وهنا يقول ـ سبحانه:

{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ.... } [يوسف: 3].

ونعلم أن كلمة " قص " تعني الإتباع، وقال بعض العلماء: إن القصة تُسمَّى كذلك لأن كل كلمة تتبع كلمة، ومأخوذة من قَصَّ الأثر، وهو تتبع أثر السائر على الأرض، حتى يعرف الإنسان مصير مَنْ يتتبعه ولا ينحرف بعيداً عن الاتجاه الذي سار فيه مَنْ يبحث عنه.

واقرأ قول الحق ـ سبحانه ـ:
{  وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَن جُنُبٍ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ }
[القصص: 11].

و
{  قُصِّيهِ... }
[القصص: 11] أي: تتبعي أثره.

إذن: فالقَصُّ ليس هو الكلمة التي تتبع كلمة، إنما القَصُّ هو تتبُّع ما حدث بالفعل.

ويعطينا الحق سبحانه مثلاً من قصة موسى عليه السلام مع فتاه:
{  قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى ٱلصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَٱتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي ٱلْبَحْرِ عَجَباً * قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَٱرْتَدَّا عَلَىٰ آثَارِهِمَا قَصَصاً }
[الكهف: 63ـ64]، أي: تَابَعا الخطوات.

وهكذا نعلم أن القص هو تتبُّع ما حدث بالفعل، فتكون كل كلمة مُصوِّرة لواقع، لا لَبْسَ فيه أو خيال؛ ولا تزيُّد، وليس كما يحدث في القصص الفنيِّ الحديث؛ حيث يضيف القصَّاص لقطاتِ خيالية من أجل الحَبْكة الفنية والإثارة وجَذْب الانتباه.أما قصص القرآن فوضْعُه مختلف تماماً، فكلُّ قَصص القرآن إنما يتتبع ما حدث فعلاً؛ لنأخذ منها العبرة؛ لأن القصة نوع من التاريخ.

والقصة في القرآن مرةً تكون للحدث، ومرَّة تكون لتثبيت فؤاد الرسول صلى الله عليه وسلم، فلم تَأْتِ قصة رسول في القرآن كاملة، إلا قصة يوسف ـ عليه السلام.

أما بقية الرسل فقَصَصهم جاءت لقطات في مناسبات لتثبيت فؤاد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فتأتي لقطة من حياة رسول، ولقطة من حياة رسول آخر، وهكذا.

ولا يقولن أحد: إن القرآن لم يستطع أن يأتي بقصة كاملة مستوفية؛ فقد شاء الحق ـ سبحانه ـ أن يأتي بقصة يوسف من أولها إلى آخرها، مُسْتوفية، ففيها الحدث الذي دارتْ حوله أشخاصٌ، وفيها شخصٌ دارتْ حوله الأحداث.

فقصة يوسف ـ عليه السلام ـ في القرآن لا تتميز بالحَبْكة فقط؛ بل جمعتْ نَوعَيْ القصة، بالحدث الذي تدور حوله الشخصيات، وبالشخص الذي تدور حوله الأحداث.

جاءتْ قصة يوسف بيوسف، وما مَرَّ عليه من أحداث؛ بَدْءً من الرُّؤيا، ومروراً بحقد الأخوة وكيدهم، ثم محاولة الغواية له من امرأة العزيز، ثم السجن، ثم القدرة على تأويل الأحلام، ثم تولَّي السلطة، ولقاء الأخوة والإحسان إليهم، وأخيراً لقاء الأب من جديد.

إذن: فقول الحق ـ سبحانه:

{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ... } [يوسف: 3].

يبيّن لنا أن الحُسْن أتى لها من أن الكتب السابقة تحدثت عن قصة يوسف، لكن أحبار اليهود حين قرأوا القصة كما جاءتْ بالقرآن ترك بعضهم كتابه، واعتمد على القرآن في روايتها، فالقصة أحداثها واحدة، إلا صياغة الأداء؛ وتلمُّسات المواجيد النفسية؛ وإبراز المواقف المطْويَّة في النفس البشرية؛ وتحقيق الرُّؤى الغيبية كُلُّ ذلك جاء في حَبْكة ذات أداء بياني مُعْجز جعلها أحسنَ القَصَص.

أو: هي أحسن القصص بما اشتملتْ عليه من عِبَر متعددة، عِبَر في الطفولة في مواجهة الشيخوخة، والحقد الحاسد بين الأخوة، والتمرد، وإلقائه في الجبِّ والكيد له، ووضعه سجيناً بظلم، وموقف يوسف عليه السلام من الافتراء الكاذب، والاعتزاز بالحق حتى تمَّ له النصر والتمكين.

وكيف ألقى الله على يوسف ـ عليه السلام ـ محبَّة منه؛ ليجعل كل مَنْ يلتقي به يحب خدمته.

وكيف صانَ يوسف إرثَ النبوة، بما فيها من سماحة وقدرة على العفو عند المقدرة؛ فعفَا عن إخوته بما روتْه السورة:
{  قَالَ لاَ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ ٱلْيَوْمَ يَغْفِرُ ٱللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ ٱلرَّاحِمِينَ }
[يوسف: 92].

وقالها سيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم لأهله يوم فتح مكة: " اذهبوا فأنتم الطلقاء ".

وهكذا تمتليء سورة يوسف بِعِبَر متناهية، يتجلَّى بعضٌ منها في قضية دخوله السجنَ مظلوماً، ثم يأتيه العفو والحكم؛ لذلك فهي أحسنُ القَصص؛ إما لأنها جمعتْ حادثة ومَنْ دار حولها من أشخاص، أو جاء بالشخص وما دار حوله من أحداث.أو: أنها أحسنُ القصص في أنها أدّتْ المُتَّحد والمتفق عليه في كل الكتب السابقة، وجاء على لسان محمد الأمي، الذي لا خبرة له بتلك الكتب؛ لكن جاء عَرْضُ الموضوع بأسلوب جذَّاب مُسْتمِيل مُقْنع مُمْتع.

أو: أنها أحسن القصص؛ لأن سورة يوسف هي السورة التي شملت لقطاتٍ متعددةٍ تساير: العمر الزمني؛ والعمر العقلي؛ والعمر العاطفي للإنسان في كل أطواره؛ ضعيفاً؛ مغلوباً على أمره؛ وقوياً مسيطراً، مُمكَّناً من كل شيء.

بينما نجد أنباء الرسل السابقين جاءت كلقطات مُوزَّعة كآيات ضمن سُور أخرى؛ وكل آية جاءت في موقعها المناسب لها.

إذن: فالحُسْن البالغ قد جاء من أسلوب القرآن المعجز الذي لا يستطيع واحد من البشر أن يأتي بمثله.

يقول الحق سبحانه: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ بِمَآ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ } [يوسف: 3].

والمقصود بالغفلة هنا أنه صلى الله عليه وسلم كان أُمِّياً، ولم يعرف عنه أحدٌ قبل نزول القرآن أنه خطيب أو شاعر، وكل ما عُرِف عنه فقط هو الصفات الخُلقية العالية من صدق وأمانة؛ وهي صفات مطلوبة في المُبلّغ عن الله؛ فما دام لم يكذب من قبل على بشر فكيف يكذب وهو يُبلِّغ عن السماء رسالتها لأهل الأرض؟

إن الكذب أمر مُسْتبعد تماماً في رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وبعدها.

والمثال على تصديق الغير لرسول الله هو تصديق أبي بكر رضي الله عنه له حين أبلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الوحي قد نزل عليه، لم يَقُلْ له أكثر من أنه رسول من عند الله، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: صدقْتَ.

وحين حدثتْ رحلة الإسراء؛ وكذَّبها البعض متسائلين: كيف نضرب إليها أكباد الإبل شهراً ويقول محمد إنه قطعها في ليلة؟ فسألهم أبو بكر: أقال ذلك؟ قالوا: نعم. فقال أبو بكر: ما دام قد قال فقد صدق.

وهكذا نجد أن حيثية الصِّدْق قبل الرسالة هي التي دَلَّتْ على صدقه حين أبلغ بما نزل عليه من وحي.

مثال ذلك: تصديق خديجة رضي الله عنها وأرضاها له؛ حين أبلغها بنزول الوحي، فقالت له: " والله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرَّحِم، وتحمل الكَلَّ، وتُكسِب المَعْدُوم، وتَقْري الضَّيف، وتعين على نوائب الحق ".

وكان في صدق بصيرتها، وعميق حساسية فطرتها أسبابٌ تؤيد تصديقها له صلى الله عليه وسلم في نبوته.

وحين وقعت بعض الأمور التي لا تتفق مع منطق المقدمات والنتائج، والأسباب والمسببات؛ كانت بعض العقول المعاصرة لرسول الله تقف متسائلة: كيف؟ فيوضح لهم أبو بكر: " انتبهوا إنه رسول الله ".مثال هذا: ما حدث في صلح الحديبية، حين يقول عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ متسائلاً ـ ويكاد أن يكون رافضاً لشروط هذا الصلح ـ: ألسْنا على الحق؟ عَلام نعطي الدَّنية في ديننا؟

ويرد عليه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: استمسك بِغَرْزِه يا عمر، إنه رسول الله.

أي: انتبه واعلم أنك تتكلم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس في ذلك انصياعٌ أعمى؛ بل هي طاعة عن بصيرة مؤمنة.

والحق سبحانه يقول هنا:

{ وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ } [يوسف: 3].

والغافل: هو الذي لا يعلم ـ لا عن جهل، أو قصور عقل ـ ولكن لأن ما غفل عنه هو أمر لا يشغل باله.

أو: أن يكون المقصود بقوله:

{ لَمِنَ ٱلْغَافِلِينَ } [يوسف: 3].

أي: أنك يا محمد لم تكن ممَّنْ يعرفون قصة يوسف؛ لأنك لم تتعلم القراءة فتقرأها من كتاب، ولم تجلس إلى مُعلِّم يروي لك تلك القصة، ولم تجمع بعضاً من أطراف القصة من هنا أو هناك.

بل أنت لم تَتَلقَّ الوحي بها إلا بعد أن قال بعض من أهل الكتاب لبعض من أهل مكة: اسألوه عن أبناء يعقوب وأخوة يوسف؛ لماذا خرجوا من الشام وذهبوا إلى مصر؟

وكان ضَرْباً من الإعجاز أن ينزل إليك يا رسول الله هذا البيان العالي بكل تفاصيل القصة، كدليل عمليٍّ على أن مُعلِّم محمدٍ صلى الله عليه وسلم هو الله، وأنه سبحانه هو مَنْ أَوحى بها إليه.

والوَحْي ـ كما نعلم ـ هو الإعلام بخفاء، وسبحانه يوحي للملائكة فيقول:
{  إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلْمَلاۤئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ... }
[الأنفال: 12].

وسبحانه يوحي إلى مَنْ يصطفي من البشر إلى صفوتهم؛ مصداقاً لقوله سبحانه:
{  وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى ٱلْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوۤاْ آمَنَّا وَٱشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ }
[المائدة: 111].

ويقذف الحق سبحانه بالإلهام وحياً لا يستطيع الإنسان دَفْعاً له، مثل الوحي لأم موسى بأن تلقي طفلها الرضيع موسى في اليَمِّ:
{  إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ * أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ }
[طه: 38-39].

ويوحي سبحانه إلى الأرض وهي الجماد، مثل قوله الحق:
{  بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَىٰ لَهَا }
[الزلزلة: 5].

وأوحى سبحانه إلى النحل، فقال الحق:
{  وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً }
[النحل: 68-69].

والحق سبحانه يوحي لمن شاء بما شاء، فالكل؛ جماد ونبات وحيوان وإنسان؛ من خَلْقه، وهو سبحانه يخاطبهم بِسِرِّ خلقه لهم، واختلاف وسائل استيعابهم لذلك.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ... }.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} الآية. [3].
أخبرنا عبد القاهر بن طاهر، قال: أخبرنا أبو عمرو بن مطر، قال: أخبرنا جعفر بن محمد بن الحسن بن المستفاض قال: حدَّثنا إسحاق بن إبراهيم الحَنْظَلي، قال: حدَّثنا عمرو بن محمد القرشي، قال: حدَّثنا خلاّد بن مسلم الصفّار، عن عمرو بن قيس المُلائي، عن عمرو بن مُرة، عن مُصْعب بن سعد، عن أبيه سعد بن أبي وقاص في قوله تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} قال:
أنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتلاه عليهم زماناً، فقالوا: يا رسول الله، لو قصصت. فأنزل الله تعالى: { الۤر تِلْكَ آيَاتُ ٱلْكِتَابِ ٱلْمُبِينِ} إلى قوله: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} الآية، فتلاه عليهم زماناً فقالوا: يا رسول الله، لو حدثتنا، فأنزل الله تعالى: { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً} قال: كل ذلك تؤمَرون بالقرآن، رواه الحاكم أبو عبد الله في صحيحه، عن أبي زكريا العَنْبَرِي، عن محمد بن عبد السلام، عن إسحاق بن إبراهيم.
وقال عَوْن بن عبد الله: مَلَّ اصحاب رسول الله ملَّةً فقالوا: يا رسول الله، حدَّثنا: فأنزل الله تعالى: { ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ ٱلْحَدِيثِ} الآية. قال: ثم إنهم مَلُّوا ملَّةَ أخرى فقالوا: يا رسول الله فَوْقَ الحديثِ ودُونَ القرآنِ - يعنون القصص - فأنزل الله تعالى: { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ ٱلْقَصَصِ} فأرادوا الحديث، فدلهم على أحسن الحديث، أرادوا القصص، فدلهم على أحسن القصص.


www.alro7.net