سورة
اية:

فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أن جميع أهل الأرض سيذهبون ويموتون أجمعون، وكذلك أهل السماوات إلا من شاء اللّه، ولا يبقى أحد سوى وجهه الكريم، فإن الرب تعالى وتقدس هو الحي الذي لا يموت أبداً، قال قتادة: أنبأ بما خلق، ثم أنبأ أن ذلك كله فانٍ، وفي الدعاء المأثور: يا حي يا قيوم، يا بديع السماوات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت، برحمتك نستغيث، أصلح لنا شئننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك. وقال الشعبي: إذا قرأت: { كل من عليها فان} فلا تسكت حتى تقرأ: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام} . وهذه الآية كقوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه} ، وقد نعت تعالى وجهه الكريم في هذه الآية الكريمة بأنه ذو الجلال والإكرام، أي هو أهل أن يُجل فلا يُعصى، وأن يُطاع فلا يُخالف، كقوله تعالى: { يريدون وجهه} ، وكقوله: { إنما نطعمكم لوجه اللّه} ، قال ابن عباس: { ذو الجلال والإكرام} ذو العظمة والكبرياء، ولما أخبر تعالى عن تساوي أهل الأرض كلهم في الوفاة، وأنهم سيصيرون إلى الدار الآخرة، فيحكم فيهم ذو الجلال والإكرام بحكمه العدل، قال: { فبأي آلاء ربكما تكذبان} . وقوله تعالى: { يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن} وهذا إخبار عن غناه عما سواه، وافتقار الخلائق إليه وأنهم يسألونه بلسان حالهم وقالهم، وأنه كل يوم هو في شأن، قال الأعمش: من شأنه أن يجيب داعياً أو يعطي سائلاً، أو يفك عانياً أو يشفي سقيماً، وقال مجاهد: كل يوم هو يجيب داعياً ويكشف كرباً، ويجيب مضطراً، ويغفر ذنباً، وقال قتادة: لا يستغني عنه أهل السماوات والأرض يحيي حياً ويميت ميتاً، ويربي صغيراً ويفك أسيراً، وهو منتهى حاجات الصالحين وصريخهم ومنتهى شكواهم، وروى ابن جرير عن منيب الأزدي قال: تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية: { كل يوم هو في شأن} فقلنا: يا رسول اللّه وما ذاك الشأن؟ قال: (أن يغفر ذنباً، ويفرج كرباً، ويرفع قوماً ويضع آخرين) ""أخرجه ابن جرير مرفوعاً ورواه البخاري موقوفاً من كلام أبي الدرداء"". وقال ابن عباس: إن اللّه خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء دفتاه ياقوتة حمراء قلمه نور، وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض، ينظر فيه كل يوم ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق في كل نظرة، ويحيي ويميت، ويعز ويذل، ويفعل ما يشاء ""أخرجه ابن جرير"".

تفسير الجلالين

{ فبأي آلاء ربكما تكذبان } .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَبِأَيِّ نِعَم رَبّكُمَا مَعْشَر الثَّقَلَيْنِ مِنْ هَذِهِ النِّعَم تُكَذِّبَانِ .وَقَوْله : { فَبِأَيِّ آلَاء رَبّكُمَا تُكَذِّبَانِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : فَبِأَيِّ نِعَم رَبّكُمَا مَعْشَر الثَّقَلَيْنِ مِنْ هَذِهِ النِّعَم تُكَذِّبَانِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: ‏ { ‏كل من عليها فان‏} ‏ الضمير في ‏ { ‏عليها‏} ‏ للأرض، وقد جرى ذكرها في أول السورة في قوله تعالى: ‏ { ‏والأرض وضعها للأنام‏} [‏الرحمن‏:‏ 10‏]‏ وقد يقال‏:‏ هو أكرم من عليها يعنون الأرض وإن لم يجر لها ذكر‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ لما نزلت هذه الآية قالت الملائكة هلك أهل الأرض فنزلت ‏ { ‏كل شيء هالك إلا وجهه‏} ‏ [القصص‏:‏ 88‏]‏ فأيقنت الملائكة بالهلاك، وقاله مقاتل‏.‏ ووجه النعمة في فناء الخلق التسوية بينهم في الموت، ومع الموت تستوي الأقدام‏.‏ وقيل‏:‏ وجه النعمة أن الموت سبب النقل إلى دار الجزاء والثواب‏.‏ ‏ { ‏ويبقى وجه ربك‏} ‏ أي ويبقى الله، فالوجه عبارة عن وجوده وذاته سبحانه، قال الشاعر‏:‏ قضى على خلقه المنايا ** فكل شيء سواه فاني وهذا الذي ارتضاه المحققون من علمائنا‏:‏ ابن فورك وأبو المعالي وغيرهم‏.‏ وقال ابن عباس‏:‏ الوجه عبارة عنه كما قال: ‏ { ‏ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام‏} ‏ وقال أبو المعالي‏:‏ وأما الوجه فالمراد به عند معظم أئمتنا وجود الباري تعالى، وهو الذي ارتضاه شيخنا‏.‏ ومن الدليل على ذلك قوله تعالى‏: { ‏ويبقى وجه ربك‏} ‏ والموصوف بالبقاء عند تعرض الخلق للفناء وجود الباري تعالى‏.‏ وقد مضى في البقرة القول في هذا عند قوله تعالى: ‏ { ‏فأينما تولوا فثم وجه الله‏} ‏ [البقرة‏:‏ 115‏]‏ وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى مستوفى‏.‏ قال القشيري‏:‏ قال قوم هو صفة زائدة على الذات لا تكيف، يحصل بها الإقبال على من أراد الرب تخصيصه بالإكرام‏.‏ والصحيح أن يقال‏:‏ وجهه وجوده وذاته، يقال‏:‏ هذا وجه الأم ووجه الصواب وعين الصواب‏.‏ وقيل‏:‏ أي يبقى الظاهر بأدلته كظهور الإنسان بوجهه‏.‏ وقيل‏:‏ وتبقى الجهة التي يتقرب بها إلى الله‏.‏ ‏ { ‏ذو الجلال‏} ‏ الجلال عظمة الله وكبرياؤه واستحقاقه صفات المدح، يقال‏:‏ جل الشيء أي عظم وأجللته أي عظمته، والجلال اسم من جل‏.‏ ‏ { ‏والإكرام‏} ‏ أي هو أهل لأن يكرم عما لا يليق به من الشرك، كما تقول‏:‏ أنا أكرمك عن هذا، ومنه إكرام الأنبياء والأولياء‏.‏ وقد أتينا على هذين الاسمين لغة ومعنى في الكتاب الأسنى مستوفى‏.‏ وروى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ألظوا بـ ‏(‏يا ذا الجلال والإكرام‏)‏‏.‏ وروي أنه من قول ابن مسعود، ومعناه‏:‏ الزموا ذلك في الدعاء‏.‏ قال أبو عبيد‏:‏ الإلظاظ لزوم الشيء والمثابرة عليه‏.‏ ويقال‏:‏ الإلظاظ الإلحاح‏.‏ وعن سعيد المقبري‏.‏ أن رجلا ألح فجعل يقول‏:‏ اللهم يا ذا الجلال والإكرام‏!‏ اللهم يا ذا الجلال والإكرام‏!‏ فنودي‏:‏ إني قد سمعت فما حاجتك‏؟‏

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الرحمن الايات 24 - 78


www.alro7.net