سورة
اية:

وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه مالك السماوات والأرض، والحاكم فيهما في الدنيا والآخرة، ولهذا قال عزَّ وجلَّ: { ويوم تقوم الساعة} أي يوم القيامة { يخسر المبطلون} وهم الكافرون باللّه والجاحدون بما أنزله على رسله، من الآيات البينات والدلائل الواضحات، ثم قال تعالى: { وترى كل أمة جاثية} أي على ركبها من الشدة والعظمة، ويقال: إن هذا إذا جيء بجهنم، فإنها تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه، حتى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام، ويقول نفسي نفسي نفسي، لا أسألك اليوم إلا نفسي، وحتى إن عيسى عليه الصلاة والسلام ليقول: لا أسألك اليوم إلا نفسي، لا أسألك مريم التي ولدتني، قال مجاهد: { كل أمة جاثية} أي على الركب، وقال عكرمة: { جاثية} متميزة على ناحيتها، وليس على الركب، والأول أولى لما روي عن عبد اللّه بن باباه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (كأني أراكم جاثين بالكوم دون جهنم) ""أخرجه ابن أبي حاتم""، وقال محمد بن كعب عن أبي هريرة رضي اللّه عنه مرفوعاً في حديث الصور: فيتميز الناس، وتجثو الأمم، وهي التي يقول اللّه تعالى: { وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها} وهذا فيه جمع بين القولين، ولا منافاة واللّه أعلم، وقوله عزَّ وجلَّ: { كل أمة تدعى إلى كتابها} يعني كتاب أعمالها كقوله جلَّ جلاله: { ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء} ، ولهذا قال سبحانه وتعالى: { اليوم تجزون ما كنتم تعملون} أي تجازون بأعمالكم خيرها وشرها، كقوله عزَّ وجلَّ: { ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر} ، ولهذا قال جلَّت عظمته: { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق} أي يستحضر جميع أعمالكم من غير زيادة ولا نقص، كقوله جلَّ جلاله: { ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً} ، وقوله عزَّ وجلَّ: { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} أي إنا كنا نأمر الحفظة أن تكتب أعمالكم عليكم، قال ابن عباس وغيره: تكتب الملائكة أعمال العباد، ثم تصعد بها إلى السماء، فيقابل الملائكة الذين في ديوان الأعمال على ما بأيدي الكتبة، مما قد أبرز لهم من اللوح المحفوظ في كل ليلة قدر مما كتبه اللّه في القدم على العباد قبل أن يخلقهم، فلا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً، ثم قرأ: { إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} .

تفسير الجلالين

{ وترى كل أمة } أي أهل دين { جاثية } على الركب أو مجتمعة { كل أمة تدعى إلى كتابها } كتاب أعمالها ويقال لهم: { اليوم تجزون ما كنتم تعملون } أي جزاءه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَرَى يَا مُحَمَّد يَوْم تَقُوم السَّاعَة أَهْل كُلّ مِلَّة وَدِين جَاثِيَة : يَقُول : مُجْتَمِعَة مُسْتَوْفِزَة عَلَى رُكَبهَا مِنْ هَوْل ذَلِكَ الْيَوْم . كَمَا : 24144 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة } قَالَ عَلَى الرُّكَب مُسْتَوْفِزِينَ. 24145 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ ; قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة } قَالَ : هَذَا يَوْم الْقِيَامَة جَاثِيَة عَلَى رُكَبهمْ . 24146 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة } يَقُول : عَلَى الرُّكَب عِنْد الْحِسَاب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَتَرَى يَا مُحَمَّد يَوْم تَقُوم السَّاعَة أَهْل كُلّ مِلَّة وَدِين جَاثِيَة : يَقُول : مُجْتَمِعَة مُسْتَوْفِزَة عَلَى رُكَبهَا مِنْ هَوْل ذَلِكَ الْيَوْم . كَمَا : 24144 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة } قَالَ عَلَى الرُّكَب مُسْتَوْفِزِينَ. 24145 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ ; قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة } قَالَ : هَذَا يَوْم الْقِيَامَة جَاثِيَة عَلَى رُكَبهمْ . 24146 - حُدِّثْت عَنِ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول , فِي قَوْله : { وَتَرَى كُلّ أُمَّة جَاثِيَة } يَقُول : عَلَى الرُّكَب عِنْد الْحِسَاب . ' وَقَوْله : { كُلّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا } يَقُول : كُلّ أَهْل مِلَّة وَدِين تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا الَّذِي أَمْلَتْ عَلَى حَفَظَتهَا . كَمَا : 24147 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كُلّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا } يَعْلَمُونَ أَنَّهُ سَتُدْعَى أُمَّة قَبْل أُمَّة , وَقَوْم قَبْل قَوْم , وَرَجُل قَبْل رَجُل . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " يُمَثَّل لِكُلِّ أُمَّة يَوْم الْقِيَامَة مَا كَانَتْ تَعْبُد مِنْ حَجَر , أَوْ وَثَن أَوْ خَشَبَة , أَوْ دَابَّة , ثُمَّ يُقَال : مَنْ كَانَ يَعْبُد شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ , فَتَكُون , أَوْ تَجْعَل تِلْكَ الْأَوْثَان قَادَة إِلَى النَّار حَتَّى تَقْذِفهُمْ فِيهَا , فَتَبْقَى أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْل الْكِتَاب , فَيَقُول لِلْيَهُودِ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : كُنَّا نَعْبُد اللَّه وَعُزَيْرًا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ , فَيُقَال لَهَا : أَمَّا عُزَيْر فَلَيْسَ مِنْكُمْ وَلَسْتُمْ مِنْهُ , فَيُؤْخَذ بِهِمْ ذَات الشِّمَال , فَيَنْطَلِقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ مُكُوثًا , ثُمَّ يُدْعَى بِالنَّصَارَى , فَيُقَال لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : كُنَّا نَعْبُد اللَّه وَالْمَسِيح إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَيُقَال : أَمَّا عِيسَى فَلَيْسَ مِنْكُمْ وَلَسْتُمْ مِنْهُ , فَيُؤْخَذ بِهِمْ ذَات الشِّمَال , فَيَنْطَلِقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ مُكُوثًا , وَتَبْقَى أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيُقَال لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : كُنَّا نَعْبُد اللَّه وَحْده , وَإِنَّمَا فَارَقْنَا هَؤُلَاءِ فِي الدُّنْيَا مَخَافَة يَوْمنَا هَذَا , فَيُؤْذَن لِلْمُؤْمِنِينَ فِي السُّجُود , فَيَسْجُد الْمُؤْمِنُونَ , وَبَيْن كُلّ مُؤْمِن مُنَافِق , فَيَقْسُو ظَهْر الْمُنَافِق عَنِ السُّجُود , وَيَجْعَل اللَّه سُجُود الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ تَوْبِيخًا وَصَغَارًا وَحَسْرَة وَنَدَامَة " . 24148 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنِ الزُّهْرِيّ , عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد اللَّيْثِيّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : " قَالَ النَّاس : يَا رَسُول اللَّه هَلْ نَرَى رَبّنَا يَوْم الْقِيَامَة ؟ قَالَ : " هَلْ تُضَامُونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دُونهَا سَحَاب , قَالُوا : لَا يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : " هَلْ تُضَارُونَ فِي الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَيْسَ دُونه سَحَاب ؟ " قَالُوا : لَا يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْم الْقِيَامَة كَذَلِكَ . يَجْمَع اللَّه النَّاس فَيَقُول : مَنْ كَانَ يَعْبُد شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ , فَيَتْبَع مَنْ كَانَ يَعْبُد الْقَمَر الْقَمَر , وَمَنْ كَانَ يَعْبُد الشَّمْس الشَّمْس , وَيَتْبَع مَنْ كَانَ يَعْبُد الطَّوَاغِيت الطَّوَاغِيت , وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّة فِيهَا مُنَافِقُوهَا , فَيَأْتِيهِمْ رَبّهمْ فِي صُورَة , وَيَضْرِب جِسْر عَلَى جَهَنَّم قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَكُون أَوَّل مَنْ يُجِيز , وَدَعْوَة الرُّسُل يَوْمئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ , اللَّهُمَّ سَلِّمْ وَبِهَا كَلَالِيب كَشَوْكِ السَّعْدَان هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْك السَّعْدَان ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُول اللَّه قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْل شَوْك السَّعْدَان غَيْر أَنَّهُ لَا يَعْلَم أَحَد قَدْر عَظْمهَا إِلَّا اللَّه وَيَخْطَف النَّاس بِأَعْمَالِهِمْ , فَمِنْهُمْ الْمُوبِق بِعَمَلِهِ , وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَل ثُمَّ يَنْجُو " , ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ . وَقَوْله : { كُلّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا } يَقُول : كُلّ أَهْل مِلَّة وَدِين تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا الَّذِي أَمْلَتْ عَلَى حَفَظَتهَا . كَمَا : 24147 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { كُلّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا } يَعْلَمُونَ أَنَّهُ سَتُدْعَى أُمَّة قَبْل أُمَّة , وَقَوْم قَبْل قَوْم , وَرَجُل قَبْل رَجُل . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " يُمَثَّل لِكُلِّ أُمَّة يَوْم الْقِيَامَة مَا كَانَتْ تَعْبُد مِنْ حَجَر , أَوْ وَثَن أَوْ خَشَبَة , أَوْ دَابَّة , ثُمَّ يُقَال : مَنْ كَانَ يَعْبُد شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ , فَتَكُون , أَوْ تَجْعَل تِلْكَ الْأَوْثَان قَادَة إِلَى النَّار حَتَّى تَقْذِفهُمْ فِيهَا , فَتَبْقَى أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْل الْكِتَاب , فَيَقُول لِلْيَهُودِ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : كُنَّا نَعْبُد اللَّه وَعُزَيْرًا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ , فَيُقَال لَهَا : أَمَّا عُزَيْر فَلَيْسَ مِنْكُمْ وَلَسْتُمْ مِنْهُ , فَيُؤْخَذ بِهِمْ ذَات الشِّمَال , فَيَنْطَلِقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ مُكُوثًا , ثُمَّ يُدْعَى بِالنَّصَارَى , فَيُقَال لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : كُنَّا نَعْبُد اللَّه وَالْمَسِيح إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَيُقَال : أَمَّا عِيسَى فَلَيْسَ مِنْكُمْ وَلَسْتُمْ مِنْهُ , فَيُؤْخَذ بِهِمْ ذَات الشِّمَال , فَيَنْطَلِقُونَ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ مُكُوثًا , وَتَبْقَى أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيُقَال لَهُمْ : مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ ؟ فَيَقُولُونَ : كُنَّا نَعْبُد اللَّه وَحْده , وَإِنَّمَا فَارَقْنَا هَؤُلَاءِ فِي الدُّنْيَا مَخَافَة يَوْمنَا هَذَا , فَيُؤْذَن لِلْمُؤْمِنِينَ فِي السُّجُود , فَيَسْجُد الْمُؤْمِنُونَ , وَبَيْن كُلّ مُؤْمِن مُنَافِق , فَيَقْسُو ظَهْر الْمُنَافِق عَنِ السُّجُود , وَيَجْعَل اللَّه سُجُود الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ تَوْبِيخًا وَصَغَارًا وَحَسْرَة وَنَدَامَة " . 24148 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنِ الزُّهْرِيّ , عَنْ عَطَاء بْن يَزِيد اللَّيْثِيّ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : " قَالَ النَّاس : يَا رَسُول اللَّه هَلْ نَرَى رَبّنَا يَوْم الْقِيَامَة ؟ قَالَ : " هَلْ تُضَامُونَ فِي الشَّمْس لَيْسَ دُونهَا سَحَاب , قَالُوا : لَا يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : " هَلْ تُضَارُونَ فِي الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر لَيْسَ دُونه سَحَاب ؟ " قَالُوا : لَا يَا رَسُول اللَّه , قَالَ : فَإِنَّكُمْ تَرَوْنَهُ يَوْم الْقِيَامَة كَذَلِكَ . يَجْمَع اللَّه النَّاس فَيَقُول : مَنْ كَانَ يَعْبُد شَيْئًا فَلْيَتْبَعْهُ , فَيَتْبَع مَنْ كَانَ يَعْبُد الْقَمَر الْقَمَر , وَمَنْ كَانَ يَعْبُد الشَّمْس الشَّمْس , وَيَتْبَع مَنْ كَانَ يَعْبُد الطَّوَاغِيت الطَّوَاغِيت , وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّة فِيهَا مُنَافِقُوهَا , فَيَأْتِيهِمْ رَبّهمْ فِي صُورَة , وَيَضْرِب جِسْر عَلَى جَهَنَّم قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فَأَكُون أَوَّل مَنْ يُجِيز , وَدَعْوَة الرُّسُل يَوْمئِذٍ : اللَّهُمَّ سَلِّمْ , اللَّهُمَّ سَلِّمْ وَبِهَا كَلَالِيب كَشَوْكِ السَّعْدَان هَلْ رَأَيْتُمْ شَوْك السَّعْدَان ؟ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُول اللَّه قَالَ : فَإِنَّهَا مِثْل شَوْك السَّعْدَان غَيْر أَنَّهُ لَا يَعْلَم أَحَد قَدْر عَظْمهَا إِلَّا اللَّه وَيَخْطَف النَّاس بِأَعْمَالِهِمْ , فَمِنْهُمْ الْمُوبِق بِعَمَلِهِ , وَمِنْهُمُ الْمُخَرْدَل ثُمَّ يَنْجُو " , ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ . ' وَقَوْله : { الْيَوْم تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كُلّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا , يُقَال لَهَا : الْيَوْم تُجْزَوْنَ : أَيْ تُثَابُونَ وَتُعْطَوْنَ أُجُور مَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ جَزَاء الْأَعْمَال تَعْمَلُونَ بِالْإِحْسَانِ الْإِحْسَان , وَبِالْإِسَاءَةِ جَزَاءَهَا .وَقَوْله : { الْيَوْم تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : كُلّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا , يُقَال لَهَا : الْيَوْم تُجْزَوْنَ : أَيْ تُثَابُونَ وَتُعْطَوْنَ أُجُور مَا كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ جَزَاء الْأَعْمَال تَعْمَلُونَ بِالْإِحْسَانِ الْإِحْسَان , وَبِالْإِسَاءَةِ جَزَاءَهَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وترى كل أمة جاثية} أي من هول ذلك اليوم. والأمة هنا : أهل كل ملة. وفي الجاثية تأويلات خمس : الأول : قال مجاهد : مستوفزة. وقال سفيان : المستوفز الذي لا يصيب الأرض منه إلا ركبتاه وأطراف أنامله. الضحاك : ذلك عند الحساب. الثاني : مجتمعة قاله ابن عباس. الفراء : المعنى وترى أهل كل دين مجتمعين. الثالث : متميزة، قاله عكرمة. الرابع : خاضعة بلغة قريش، قال مؤرج. الخامس : باركة على الركب قاله الحسن. والجثو : الجلوس على الركب. جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جُثُوّا وجُثِيا، على فعول؟؟ منها، وقد مضى في (مريم) : وأصل الجثوة : الجماعة من كل شيء. قال طرفه يصف قبرين : ترى جثوتين من تراب عليهما ** صفائح صم من صفيح منضد ثم قيل : هو خاص بالكفار، قاله يحي بن سلام. وقيل : إنه عام للمؤمن والكافر انتظارا للحساب. وقد روى سفيان بن عيينة عن عمرو عن عبدالله بن باباه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: { كأني أراكم بالكوم جاثين دون جهنم} ذكره الماوردي. وقال سلمان : إن في يوم القيامة لساعة هي عشر سنين يخر الناس فيها جثاة على ركبهم حتى إن إبراهيم عليه السلام لينادي { لا أسألك اليوم إلا نفسي} . { كل أمة تدعى إلى كتابها} قال يحي بن سلام : إلى حسابها. وقيل : إلى كتابها الذي كان يستنسخ لها فيه ما عملت من خير وشر، قال مقاتل. وهو معنى قول مجاهد. وقيل: { كتابها} ما كتبت الملائكة عليها. وقيل كتابها المنزل عليها لينظر هل عملوا بما فيه. وقيل : الكتاب ها هنا اللوح المحفوظ. وقرأ يعقوب الحضرمي { كل أمة} بالنصب على البدل من { كل} الأولى لما في الثانية من الإيضاح الذي ليس في الأولى، إذ ليس في جثوها شيء من حال شرح الجثو كما في الثانية من ذكر السبب الداعي إليه وهو استدعاؤها إلى كتابها. وقيل : انتصب بإعمال { ترى} مضمرا. والرفع على الابتداء. { اليوم تجزون ما كنتم تعملون} من خير أو شر.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: يوم القيامة ترى كل أمة جاثية، من الفعل جثا جثواً أي: برك على ركبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، وهذا وضْع الخائف الخاضع الذليل، ومنه قوله تعالى:
{  ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيّاً }
[مريم: 68].

وقريب منه الفعل جثم جثوماً أي: لزم مكانه أو لصق بالأرض، ومنه قوله تعالى:
{  فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ }
[هود: 94].

إذن: فالموقف موقف عصيب، موقف رعب وهَوْل وهلع بحيث لا يتمكن الناسُ من القعود على مقاعدهم فيقعدون على رُكَبهم، فإنْ اشتدَّ الهول وقفوا على أطراف أصابعهم، وهي وقفة مَنْ ينتظر الخطر والهول، أما القعود الطبيعي فيُمكِّن الإنسان مقعدته من الأرض ويكون في حال الاطمئنان.

وفرْقٌ بين القعود والجلوس وإن كانت المحصلة واحدة، إلا أن العقود يكون بعد الوقوف. نقول: كان قائماً فقعد، أما الجلوس فيكون من حال الاضطجاع. كان مضطجعاً فجلس.

إذن: هنا مسألة فلسفية: القعود يكون من وضع أعلى وهو القيام، والجلوس من وضع أدْنى وهو الاضطجاع، والجلوس أو القعود يضمن للإنسان الراحة حيث يكون معظم جسمه على الأرض فيرتاح على خلاف القائم مثلاً فتحمله قدماه.

لذلك إذا وقفتَ مدة طويلة تتعب وتبادل بين قدميك في الوقوف، ثم يزيد الحِمْل على القدمين إنْ أضفت إلى القيام المشي، ثم يزيد إذا أضفتَ على المشي شيئاً تحمله، وهكذا.

فإذا تعب الإنسانُ فأول شيء يضع الحِملَ الذى يحمله ليخفَ الحمل على القدمين، ثم يتوقف عن المشي ليقلّل المجهود، ثم يقعد، وبعد ذلك يضطجع فيلقي بكل جسمه على الأرض، وهذا الوضع يضمن منتهى الراحة للبدن.

لكن هذا التصوير القرآني في جاثية أو جاثمة لا يدل على الراحة، إنما يدل على الخضوع والذلَة والانكسار وشدة الخوف الذي يجعل الإنسان والعياذ بالله يلتصق بالأرض، أو يجثو على ركبتيه من شدة الخوف.

فالحق سبحانه يُصوِّر هذا الموقف تصويراً لفظياً يُشعرك بفظاعة الموقف وشدة كربه، ولك أنت أنْ تتخيل الموقف، وأنْ تأخذ تجربة مررت بها بالفعل في موقف رهيب ينشغل فيه كل امرىء بنفسه.

فالقيامة قامت، قامت يعني: لن تقعد والأمة جاثية، الكل المؤمن والكافر، الكل جَاثٍ ينتظر ما يسحدث، لا أحدَ هنا فوق القانون (مفيش جستنة) فالفزع والهول يَغشى الجميع، والكل ينتظر كلمة الحق.

{ كُلُّ أمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا... } [الجاثية: 28] فنسب الكتاب إلى الأمة، لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية يعترضون، لأن الحق سبحانه يقول في آية أخرى:
{  هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِٱلْحَقِّ... }
[الجاثية: 29].

فمرة أسند الكتاب إلى الأمة، ومرة أسنده إليه سبحانه، ولو فهموا عن الله ما وجدوا في ذلك وجهاً للاعتراض.

فمعنى (كتابنا) أي: الذي طلبنا من الحفظة أنْ يكتبوه ليكون حجةً على صاحبه يوم القيامة، فنقول له:
{  ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }
[الإسراء: 14].

وهو أيضاً كتابهم أي الذي كُتِب عليهم فيه، وسجّل فيه أعمالهم، إذن: لكل لفظ معناه ودلالته، ومعلوم في أسلوب القرآن أنه يستعمل اللفظ هنا بمعنى وهناك بمعنى آخر.

والقرآن مُجمله يحتاج في فهمه إلى تأمل وتدبّر وعلم بأسباب النزول وملابسات الآيات: اقرأ مثلاً قوله الله تعالى:
{  وَلاَ تُؤْتُواْ ٱلسُّفَهَآءَ أَمْوَالَكُمُ... }
[النساء: 5] السّفيه: هو الذي لا يحسن التصرف في ماله، لذلك لم يجعل له الشارع مالاً، إنما المال في حال السَّفه مِلك لوليه.

لذلك قال
{  أَمْوَالَكُمُ... }
[النساء: 5] مع أنها من حَقِّ هذا السَّفيه، لأن المؤمنين تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم.

إذن: نأخذ مال السفيه ونحافظ له عليه حتى نأنس منه رُشداً فندفع إليه ماله ليتصرف هو فيه، لذلك قال تعالى في إعادته:
{  فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْداً فَٱدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ... }
[النساء: 6] ونسبها إليهم لأنها صارتْ ملكاً لهم، حرية التصرف فيها.

وقوله سبحانه: { ٱلْيَوْمَ... } [الجاثية: 28] أي: يوم القيامة { تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الجاثية: 28] فالجزاء من جنس العمل.


www.alro7.net