سورة
اية:

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ

تفسير بن كثير

ذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت أي أرشده إليه، وسلمه له وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال إن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت العتيق وأنه لم يبن قبله، كمت ثبت في الصحيحين عن أبي ذر قلت: يا رسول اللّه أي مسجد وضع أول؟ قال: (المسجد الحرام) قلت: ثم أي؟ قال: (بيت المقدس) قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون سنة)، وقد قال اللّه تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للَّذي ببكة مباركا} الآيتين، وقال تعالى: { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفي والعاكفين والركع السجود} وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته ههنا، وقال تعالى ههنا: { أن لا تشرك بي شيئا} أي ابنه على اسمي وحدي { وطهر بيتي} قال مجاهد: من الشرك { للطائفين والقائمين والركع السجود} أي اجعله خالصاً لهؤلاء الذين يعبدون اللّه وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها { والقائمين} أي في الصلاة، ولهذا قال: { والركع السجود} فقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت. وقوله تعالى: { وأذن في الناس بالحج} أي ناد في الناس بالحج داعياً لهم لحج هذا البيت الذي أمرناك ببنائه فذكر أنه قال: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب اللّه أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك؛ هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف واللّه أعلم، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة، وقوله: { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} ""الضامر: البعير الذي قد هزل من كثرة المشي""الآية. قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشياً لمن قدر عليه أفضل من الحج راكباً لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم، وقال ابن عباس: ما أساء على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ماشياً، لأن اللّه يقول: { يأتوك رجالا} ، والذي عليه الأكثرون أن الحج راكباً أفضل اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإنه حج راكباً مع كمال قوته عليه السلام. وقوله: { يأتين من كل فج} يعني طريق، كما قال: { وجعلنا فيها فجاجا سبلا} ، وقوله: { عميق} أي بعيد، وهذه الآية كقوله تعالى: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} ، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، والناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.

تفسير الجلالين

{ وأذِّن } ناد { في الناس بالحج } فنادى على جبل أبي قبيس: يا أيها الناس إن ربكم بنى بيتاً وأوجب عليكم الحج إليه فأجيبوا ربكم، والتفت بوجهه يمينا وشمالا وشرقا وغربا، فأجابه كل من كتب له أن يحج من أصلاب الرجال وأرحام الأمهات: لبيك اللهم لبيك، وجواب الأمر { يأتوك رجالا } مشاة جمع راجل كقائم وقيام { و } ركبانا { على كل ضامر } أي بعير مهزول وهو يطلق على الذكر والأنثى { يأتين } أي الضوامر حملا على المعنى { من كل فج عميق } طريق بعيد .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : عَهِدْنَا إِلَيْهِ أَيْضًا أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ ; يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأَذِّنْ } أَعْلِمْ وَنَادِ فِي النَّاس أَنْ حُجُّوا أَيّهَا النَّاس بَيْت اللَّه الْحَرَام . وَذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ لَمَّا أَمَرَهُ اللَّه بِالتَّأْذِينِ بِالْحَجِّ , قَامَ عَلَى مَقَامه فَنَادَى : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ فَحُجُّوا بَيْته الْعَتِيق . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صِفَة تَأْذِين إِبْرَاهِيم بِذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ : نَادَى بِذَلِكَ , كَمَا : 18935 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ قَابُوس , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم مِنْ بِنَاء الْبَيْت قِيلَ لَهُ : { أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } قَالَ : رَبّ وَمَا يَبْلُغ صَوْتِي ؟ قَالَ : أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغ ! فَنَادَى إِبْرَاهِيم : أَيّهَا النَّاس كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق فَحُجُّوا ! قَالَ : فَسَمِعَهُ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , أَفَلَا تَرَى النَّاس يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْض يُلَبُّونَ ؟ 18936 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل بْن غَزْوَان الضَّبِّيّ , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا بَنَى إِبْرَاهِيم الْبَيْت أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ , أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ ! قَالَ : فَقَالَ إِبْرَاهِيم . أَلَا إِنَّ رَبّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا , وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَحُجُّوهُ , فَاسْتَجَابَ لَهُ مَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْء مِنْ حَجَر وَشَجَر وَأَكَمَة أَوْ تُرَاب أَوْ شَيْء : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا ابْن وَاقِد , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , عَنْ مُجَاهِد , عَنِ ابْن عَبَّاس : قَوْله : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } قَالَ : قَامَ إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه عَلَى الْحِجْر , فَنَادَى : يَا أَيّهَا النَّاس كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ , فَأَسْمَعَ مَنْ فِي أَصْلَاب الرِّجَال وَأَرْحَام النِّسَاء , فَأَجَابَهُ مَنْ آمَنَ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه أَنْ يَحُجّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! 18937 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ يَأْتُوك رِجَالًا } قَالَ : وَقَرَتْ فِي قَلْب كُلّ ذَكَر وَأُنْثَى . 18938 - حَدَّثَنِي ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم مِنْ بِنَاء الْبَيْت , أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ , أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ ! قَالَ : فَخَرَجَ فَنَادَى فِي النَّاس : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ رَبّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ ! فَلَمْ يَسْمَعهُ يَوْمئِذٍ مِنْ إِنْس , وَلَا جِنّ , وَلَا شَجَر , وَلَا أَكَمَة , وَلَا تُرَاب , وَلَا جَبَل , وَلَا مَاء , وَلَا شَيْء إِلَّا قَالَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! 18939 - قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَامَ إِبْرَاهِيم عَلَى الْمَقَام حِين أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّن فِي النَّاس بِالْحَجِّ . * - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } قَالَ : قَامَ إِبْرَاهِيم عَلَى مَقَامه , فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس أَجِيبُوا رَبّكُمْ ! فَقَالُوا : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! فَمَنْ حَجَّ الْيَوْم فَهُوَ مَنْ أَجَابَ إِبْرَاهِيم يَوْمئِذٍ . 18940 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ دَاوُد , عَنْ عِكْرِمَة بْن خَالِد الْمَخْزُومِيّ , قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ بِنَاء الْبَيْت , قَامَ عَلَى الْمَقَام , فَنَادَى نِدَاء سَمِعَهُ أَهْل الْأَرْض : إِنَّ رَبّكُمْ قَدْ بَنَى لَكُمْ بَيْتًا فَحُجُّوهُ ! قَالَ دَاوُد : فَأَرْجُو مَنْ حَجَّ الْيَوْم مِنْ إِجَابَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . 18941 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ أَبِي عَاصِم الْغَنَوِيّ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَتْ التَّلْبِيَة ؟ قُلْت : وَكَيْفَ كَانَتْ التَّلْبِيَة ؟ قَالَ : إِنَّ إِبْرَاهِيم لَمَّا أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّن فِي النَّاس بِالْحَجِّ , خَفَضَتْ لَهُ الْجِبَال رُءُوسَهَا , وَرُفِعَتِ الْقُرَى , فَأَذَّنَ فِي النَّاس . 18942 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } قَالَ إِبْرَاهِيم : كَيْفَ أَقُول يَا رَبّ ؟ قَالَ : قُلْ : يَا أَيّهَا النَّاس اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ! قَالَ : وَقَرَتْ فِي قَلْب كُلّ مُؤْمِن . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , مَا : 18943 -حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قِيلَ لِإِبْرَاهِيم : أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ ! قَالَ : يَا رَبّ كَيْفَ أَقُول ؟ قَالَ : قُلْ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! قَالَ : فَكَانَتْ أَوَّل التَّلْبِيَة . وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : عَنَى بِالنَّاسِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : أَهْل الْقِبْلَة . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 18944 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } يَعْنِي بِالنَّاسِ : أَهْل الْقِبْلَة , أَلَمْ تَسْمَع أَنَّهُ قَالَ : { إِنَّ أَوَّل بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّة مُبَارَكًا } ... 3 96 إِلَى قَوْله : { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } 3 97 يَقُول : وَمَنْ دَخَلَهُ مِنَ النَّاس الَّذِينَ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّن فِيهِمْ , وَكُتِبَ عَلَيْهِمْ الْحَجّ , فَإِنَّهُ آمِن , فَعَظِّمُوا حُرُمَات اللَّه تَعَالَى , فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : عَهِدْنَا إِلَيْهِ أَيْضًا أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ ; يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَأَذِّنْ } أَعْلِمْ وَنَادِ فِي النَّاس أَنْ حُجُّوا أَيّهَا النَّاس بَيْت اللَّه الْحَرَام . وَذُكِرَ أَنَّ إِبْرَاهِيم صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ لَمَّا أَمَرَهُ اللَّه بِالتَّأْذِينِ بِالْحَجِّ , قَامَ عَلَى مَقَامه فَنَادَى : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ فَحُجُّوا بَيْته الْعَتِيق . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صِفَة تَأْذِين إِبْرَاهِيم بِذَلِكَ . فَقَالَ بَعْضهمْ : نَادَى بِذَلِكَ , كَمَا : 18935 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ قَابُوس , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم مِنْ بِنَاء الْبَيْت قِيلَ لَهُ : { أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } قَالَ : رَبّ وَمَا يَبْلُغ صَوْتِي ؟ قَالَ : أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغ ! فَنَادَى إِبْرَاهِيم : أَيّهَا النَّاس كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ إِلَى الْبَيْت الْعَتِيق فَحُجُّوا ! قَالَ : فَسَمِعَهُ مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض , أَفَلَا تَرَى النَّاس يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْض يُلَبُّونَ ؟ 18936 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن عَرَفَة , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل بْن غَزْوَان الضَّبِّيّ , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا بَنَى إِبْرَاهِيم الْبَيْت أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ , أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ ! قَالَ : فَقَالَ إِبْرَاهِيم . أَلَا إِنَّ رَبّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا , وَأَمَرَكُمْ أَنْ تَحُجُّوهُ , فَاسْتَجَابَ لَهُ مَا سَمِعَهُ مِنْ شَيْء مِنْ حَجَر وَشَجَر وَأَكَمَة أَوْ تُرَاب أَوْ شَيْء : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا ابْن وَاقِد , عَنْ أَبِي الزُّبَيْر , عَنْ مُجَاهِد , عَنِ ابْن عَبَّاس : قَوْله : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } قَالَ : قَامَ إِبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه عَلَى الْحِجْر , فَنَادَى : يَا أَيّهَا النَّاس كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْحَجّ , فَأَسْمَعَ مَنْ فِي أَصْلَاب الرِّجَال وَأَرْحَام النِّسَاء , فَأَجَابَهُ مَنْ آمَنَ مَنْ سَبَقَ فِي عِلْم اللَّه أَنْ يَحُجّ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! 18937 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ يَأْتُوك رِجَالًا } قَالَ : وَقَرَتْ فِي قَلْب كُلّ ذَكَر وَأُنْثَى . 18938 - حَدَّثَنِي ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام عَنْ عَمْرو , عَنْ عَطَاء , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم مِنْ بِنَاء الْبَيْت , أَوْحَى اللَّه إِلَيْهِ , أَنْ أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ ! قَالَ : فَخَرَجَ فَنَادَى فِي النَّاس : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّ رَبّكُمْ قَدِ اتَّخَذَ بَيْتًا فَحُجُّوهُ ! فَلَمْ يَسْمَعهُ يَوْمئِذٍ مِنْ إِنْس , وَلَا جِنّ , وَلَا شَجَر , وَلَا أَكَمَة , وَلَا تُرَاب , وَلَا جَبَل , وَلَا مَاء , وَلَا شَيْء إِلَّا قَالَ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! 18939 - قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَنْبَسَة , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قَامَ إِبْرَاهِيم عَلَى الْمَقَام حِين أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّن فِي النَّاس بِالْحَجِّ . * - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } قَالَ : قَامَ إِبْرَاهِيم عَلَى مَقَامه , فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس أَجِيبُوا رَبّكُمْ ! فَقَالُوا : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! فَمَنْ حَجَّ الْيَوْم فَهُوَ مَنْ أَجَابَ إِبْرَاهِيم يَوْمئِذٍ . 18940 - حَدَّثَنَا ابْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ دَاوُد , عَنْ عِكْرِمَة بْن خَالِد الْمَخْزُومِيّ , قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام مِنْ بِنَاء الْبَيْت , قَامَ عَلَى الْمَقَام , فَنَادَى نِدَاء سَمِعَهُ أَهْل الْأَرْض : إِنَّ رَبّكُمْ قَدْ بَنَى لَكُمْ بَيْتًا فَحُجُّوهُ ! قَالَ دَاوُد : فَأَرْجُو مَنْ حَجَّ الْيَوْم مِنْ إِجَابَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . 18941 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان الْقَزَّاز , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ أَبِي عَاصِم الْغَنَوِيّ , عَنْ أَبِي الطُّفَيْل , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : هَلْ تَدْرِي كَيْفَ كَانَتْ التَّلْبِيَة ؟ قُلْت : وَكَيْفَ كَانَتْ التَّلْبِيَة ؟ قَالَ : إِنَّ إِبْرَاهِيم لَمَّا أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّن فِي النَّاس بِالْحَجِّ , خَفَضَتْ لَهُ الْجِبَال رُءُوسَهَا , وَرُفِعَتِ الْقُرَى , فَأَذَّنَ فِي النَّاس . 18942 -حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } قَالَ إِبْرَاهِيم : كَيْفَ أَقُول يَا رَبّ ؟ قَالَ : قُلْ : يَا أَيّهَا النَّاس اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ ! قَالَ : وَقَرَتْ فِي قَلْب كُلّ مُؤْمِن . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ , مَا : 18943 -حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ سَلَمَة , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : قِيلَ لِإِبْرَاهِيم : أَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ ! قَالَ : يَا رَبّ كَيْفَ أَقُول ؟ قَالَ : قُلْ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ! قَالَ : فَكَانَتْ أَوَّل التَّلْبِيَة . وَكَانَ ابْن عَبَّاس يَقُول : عَنَى بِالنَّاسِ فِي هَذَا الْمَوْضِع : أَهْل الْقِبْلَة . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 18944 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } يَعْنِي بِالنَّاسِ : أَهْل الْقِبْلَة , أَلَمْ تَسْمَع أَنَّهُ قَالَ : { إِنَّ أَوَّل بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّة مُبَارَكًا } ... 3 96 إِلَى قَوْله : { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } 3 97 يَقُول : وَمَنْ دَخَلَهُ مِنَ النَّاس الَّذِينَ أُمِرَ أَنْ يُؤَذِّن فِيهِمْ , وَكُتِبَ عَلَيْهِمْ الْحَجّ , فَإِنَّهُ آمِن , فَعَظِّمُوا حُرُمَات اللَّه تَعَالَى , فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوب . ' يَقُول : فَإِنَّ النَّاس يَأْتُونَ الْبَيْت الَّذِي تَأْمُرهُمْ بِحَجِّهِ مُشَاة عَلَى أَرْجُلهمْ , وَأَمَّا قَوْله : { يَأْتُوك رِجَالًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل قَالُوا فِيهِ نَحْو قَوْلنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18945 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { يَأْتُوك رِجَالًا } قَالَ : مُشَاة . 18946 - قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَنِ الْحَجَّاج بْن أَرْطَاة , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : مَا آسَى عَلَى شَيْء فَاتَنِي إِلَّا أَنْ لَا أَكُون حَجَجْت مَاشِيًا , سَمِعْت اللَّه يَقُول : { يَأْتُوك رِجَالًا } . 18947 -قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : حَجَّ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل مَاشِيَيْنِ . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنِ ابْن عَبَّاس : { يَأْتُوك رِجَالًا } قَالَ : عَلَى أَرْجُلهمْ . يَقُول : فَإِنَّ النَّاس يَأْتُونَ الْبَيْت الَّذِي تَأْمُرهُمْ بِحَجِّهِ مُشَاة عَلَى أَرْجُلهمْ , وَأَمَّا قَوْله : { يَأْتُوك رِجَالًا } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل قَالُوا فِيهِ نَحْو قَوْلنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18945 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { يَأْتُوك رِجَالًا } قَالَ : مُشَاة . 18946 - قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة عَنِ الْحَجَّاج بْن أَرْطَاة , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : مَا آسَى عَلَى شَيْء فَاتَنِي إِلَّا أَنْ لَا أَكُون حَجَجْت مَاشِيًا , سَمِعْت اللَّه يَقُول : { يَأْتُوك رِجَالًا } . 18947 -قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : حَجَّ إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل مَاشِيَيْنِ . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنِ ابْن عَبَّاس : { يَأْتُوك رِجَالًا } قَالَ : عَلَى أَرْجُلهمْ . ' يَقُول : وَرُكْبَانًا عَلَى كُلّ ضَامِر , وَهِيَ الْإِبِل الْمَهَازِيل . وَأَمَّا قَوْله : { وَعَلَى كُلّ ضَامِر } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل قَالُوا فِيهِ نَحْو قَوْلنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18948 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَعَلَى كُلّ ضَامِر } قَالَ : الْإِبِل . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { وَعَلَى كُلّ ضَامِر } قَالَ : الْإِبِل . 18949 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ عُمَر بْن ذَرّ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : كَانُوا لَا يَرْكَبُونَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كُلّ ضَامِر } قَالَ : فَأَمَرَهُمْ بِالزَّادِ , وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الرُّكُوب وَالْمَتْجَر . يَقُول : وَرُكْبَانًا عَلَى كُلّ ضَامِر , وَهِيَ الْإِبِل الْمَهَازِيل . وَأَمَّا قَوْله : { وَعَلَى كُلّ ضَامِر } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل قَالُوا فِيهِ نَحْو قَوْلنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18948 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَعَلَى كُلّ ضَامِر } قَالَ : الْإِبِل . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { وَعَلَى كُلّ ضَامِر } قَالَ : الْإِبِل . 18949 - حَدَّثَنِي نَصْر بْن عَبْد الرَّحْمَن الْأَوْدِيّ , قَالَ : ثنا الْمُحَارِبِيّ , عَنْ عُمَر بْن ذَرّ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : كَانُوا لَا يَرْكَبُونَ , فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَأْتُوك رِجَالًا وَعَلَى كُلّ ضَامِر } قَالَ : فَأَمَرَهُمْ بِالزَّادِ , وَرَخَّصَ لَهُمْ فِي الرُّكُوب وَالْمَتْجَر . ' يَقُول : تَأْتِي هَذِهِ الضَّوَامِر مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيق ; يَقُول : مِنْ كُلّ طَرِيق وَمَكَان وَمَسْلَك بَعِيد . وَقِيلَ : " يَأْتِينَ " , فَجَمَعَ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِكُلِّ ضَامِر : النُّوق . وَمَعْنَى الْكُلّ : الْجَمْع , فَلِذَلِكَ قِيلَ : " يَأْتِينَ " . وَقَدْ زَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّهُ قَلِيل فِي كَلَام الْعَرَب : مَرَرْت عَلَى كُلّ رَجُل قَائِمِينَ ; قَالَ : وَهُوَ صَوَاب , وَقَوْل اللَّه : { وَعَلَى كُلّ ضَامِر يَأْتِينَ } يُنْبِئ عَنْ صِحَّة جَوَازه . وَأَمَّا قَوْله : { يَأْتِينَ مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيق } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل قَالُوا فِيهِ نَحْو قَوْلنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18950 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيق } يَعْنِي : مِنْ مَكَان بَعِيد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيق } قَالَ : بَعِيد . 18951 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَجّ عَمِيق } قَالَ : مَكَان بَعِيد . * -حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة مِثْله .يَقُول : تَأْتِي هَذِهِ الضَّوَامِر مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيق ; يَقُول : مِنْ كُلّ طَرِيق وَمَكَان وَمَسْلَك بَعِيد . وَقِيلَ : " يَأْتِينَ " , فَجَمَعَ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِكُلِّ ضَامِر : النُّوق . وَمَعْنَى الْكُلّ : الْجَمْع , فَلِذَلِكَ قِيلَ : " يَأْتِينَ " . وَقَدْ زَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّهُ قَلِيل فِي كَلَام الْعَرَب : مَرَرْت عَلَى كُلّ رَجُل قَائِمِينَ ; قَالَ : وَهُوَ صَوَاب , وَقَوْل اللَّه : { وَعَلَى كُلّ ضَامِر يَأْتِينَ } يُنْبِئ عَنْ صِحَّة جَوَازه . وَأَمَّا قَوْله : { يَأْتِينَ مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيق } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل قَالُوا فِيهِ نَحْو قَوْلنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 18950 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس : { مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيق } يَعْنِي : مِنْ مَكَان بَعِيد . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : { مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيق } قَالَ : بَعِيد . 18951 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَجّ عَمِيق } قَالَ : مَكَان بَعِيد . * -حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة مِثْله .'

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى { وأذن في الناس بالحج} قرأ جمهور الناس { وأذن} بتشديد الذال. وقرأ الحسن بن أبي الحسن وابن محيصن { وآذن} بتخفيف الذال ومد الألف. ابن عطية : وتصحف هذا على ابن جني، فإنه حكى عنهما { وآذن} على أنه فعل ماض، وأعرب على ذلك بأن جعله عطفا على { بوأنا} . والأذان الإعلام، وقد تقدم في { التوبة} . الثانية: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت، وقيل له : أذن في الناس بالحج، قال : يا رب! وما يبلغ صوتي؟ قال : أذن وعلي الإبلاغ؛ فصعد إبراهيم خليل الله جبل أبي قبيس وصاح : يا أيها الناس! إن الله قد أمركم بحج هذا البيت ليثيبكم به الجنة ويجيركم من عذاب النار، فحجوا؛ فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء : لبيك اللهم لبيك! فمن أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة؛ إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين؛ وجرت التلبية على ذلك؛ قاله ابن عباس وابن جبير. وروي عن أبي الطفيل قال قال لي ابن عباس : (أتدري ما كان أصل التلبية؟ قلت لا! قال : لما أمر إبراهيم عليه السلام أن يؤذن في الناس بالحج خفضت الجبال رؤوسها ورفعت له القرى؛ فنادى في الناس بالحج فأجابه كل شيء : لبيك اللهم لبيك). وقيل : إن الخطاب لإبراهيم عليه السلام تم عند قوله { السجود} ، ثم خاطب الله عز وجل محمدا عليه الصلاة والسلام فقال { وأذن في الناس بالحج} أي أعلمهم أن عليهم الحج. وقول ثالث : إن الخطاب من قوله { أن لا تشرك} مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا قول أهل النظر؛ لأن القرآن أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فكل ما فيه من المخاطبة فهي له إلا أن يدل دليل قاطع على غير ذلك. وههنا دليل آخر يدل على أن المخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو { أن لا تشرك بي} بالتاء، وهذا مخاطبة لمشاهد، وإبراهيم عليه السلام غائب، فالمعنى على هذا : وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت فجعلنا لك الدلائل على توحيد الله تعالى وعلى أن إبراهيم كان يعبد الله وحده. وقرأ جمهور الناس { بالحج} بفتح الحاء. وقرأ ابن أبي إسحاق في كل القرآن بكسرها. وقيل : إن نداء إبراهيم من جملة ما أمر به من شرائع الدين. والله أعلم. الثالثة: قوله تعالى { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} وعده إجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب، وإنما قال { يأتوك} وإن كانوا يأتون الكعبة لأن المنادي إبراهيم، فمن أتى الكعبة حاجا فكأنما أتى إبراهيم؛ لأنه أجاب نداءه، وفيه تشريف إبراهيم. ابن عطية { رجالا} جمع راجل مثل تاجر وتجار، وصاحب وصحاب. وقيل : الرجال جمع رجل، والرجل جمع راجل؛ مثل تجار وتجر وتاجر، وصحاب وصحب وصاحب. وقد يقال في الجمع : رجال، بالتشديد؛ مثل كافر وكفار. وقرأ ابن أبي إسحاق وعكرمة { رجالا} بضم الراء وتخفيف الجيم، وهو قليل في أبنية الجمع، ورويت عن مجاهد. وقرأ مجاهد { رجالى} على وزن فعالى؛ فهو مثل كسالى. قال النحاس : في جمع راجل خمسة أوجه، ورجالة مثل ركاب، وهو الذي روي عن عكرمة، ورجال مثل قيام، ورجلة، ورجل، ورجالة. والذي روي عن مجاهد رجالا غير معروف، والأشبه به أن يكون غير منون مثل كسالى وسكارى، ولو نون لكان على فعال، وفعال في الجمع قليل. وقدم الرجال على الركبان في الذكر لزيادة تعبهم في المشي. { وعلى كل ضامر يأتين} لأن معنى { ضامر} معنى ضوامر. قال الفراء : ويجوز { يأتي} على اللفظ. والضامر : البعير المهزول الذي أتعبه السفر؛ يقال : ضمر يضمر ضمورا؛ فوصفها الله تعالى بالمآل الذي انتهت عليه إلى مكة. وذكر سبب الضمور فقال { يأتين من كل فج عميق} أي أثر فيها طول السفر. ورد الضمير إلى الإبل تكرمة لها لقصدها الحج مع أربابها؛ كما قال { والعاديات ضبحا} [العاديات : 1] في خيل الجهاد تكرمة لها حين سعت في سبيل الله. الرابعة: قال بعضهم : إنما قال { رجالا} لأن الغالب خروج الرجال إلى الحج دون الإناث؛ فقول { رجالا} من قولك : هذا رجل؛ وهذا فيه بعد؛ لقوله { وعلى كل ضامر} يعني الركبان، فدخل فيه الرجال والنساء. ولما قال تعالى { رجالا} وبدأ بهم دل ذلك على أن حج الراجل أفضل من حج الراكب. قال ابن عباس : (ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشيا، فإني سمعت الله عز وجل يقول { يأتوك رجالا} ). وقال ابن أبي نجيح : حج إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ماشيين. وقرأ أصحاب ابن مسعود { يأتون} وهي قراءة ابن أبي عبلة والضحاك، والضمير للناس. الخامسة: لا خلاف في جواز. الركوب والمشي، واختلفوا في الأفضل منهما؛ فذهب مالك والشافعي في آخرين إلى أن الركوب أفضل، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولكثرة النفقة ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وذهب غيرهم إلى أن المشي أفضل لما فيه من المشقة على النفس، ولحديث أبي سعيد قال : حج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، وقال : (اربطوا أوساطكم بأزركم) ومشى خلط الهرولة؛ خرجه ابن ماجه في سننه. ولا خلاف في أن الركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل؛ للاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. السادسة: استدل بعض العلماء بسقوط ذكر البحر من هذه الآية على أن فرض الحج بالبحر ساقط. قال مالك في الموازية : لا أسمع للبحر ذكرا، وهذا تأنس، لا أنه يلزم من سقوط ذكره سقوط الفرض فيه؛ وذلك أن مكة ليست في ضفة بحر فيأتيها الناس في السفن؛ ولابد لمن ركب البحر أن يصير في إتيان مكة إما راجلا وإما على ضامر؛ فإنما ذكرت حالتا الوصول؛ وإسقاط فرض الحج بمجرد البحر ليس بالكثير ولا بالقوي. فأما إذا اقترن به عدو وخوف أو هول شديد أو مرض يلحق شخصا، فمالك والشافعي وجمهور الناس على سقوط الوجوب بهذه الأعذار، وأنه ليس بسبيل يستطاع. قال ابن عطية : وذكر صاحب الاستظهار في هذا المعنى كلاما. ظاهره أن الوجوب لا يسقط بشيء من هذه الأعذار؛ وهذا ضعيف. قلت : وأضعف من ضعيف، وقد مضى في { البقرة} بيانه. والفج : الطريق الواسعة، والجمع فجاج. وقد مضى في { الأنبياء} . والعميق معناه البعيد. وقراءة الجماعة { يأتين} . وقرأ أصحاب عبدالله { يأتون} وهذا للركبان و { يأتين} للجمال؛ كأنه قال : وعلى إبل ضامرة يأتين { من كل فج عميق} أي بعيد؛ ومنه بئر عميقة أي بعيدة القعر؛ ومنه : وقاتم الأعماق خاوي المخترق السابعة: واختلفوا في الواصل إلى البيت، هل يرفع يديه عند رؤيته أم لا؛ فروى أبو داود قال : سئل جابر بن عبدالله عن الرجل يرى البيت ويرفع يديه فقال : ما كنت أرى أن أحدا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نكن نفعله. وروى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (ترفع الأيدي في سبع مواطن افتتاح الصلاة واستقبال البيت والصفا والمروة والموقفين والجمرتين). وإلى حديث ابن عباس هذا ذهب الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق وضعفوا حديث جابر؛ لأن مهاجرا المكي راويه مجهول. وكان ابن عمر يرفع يديه عند رؤية البيت. وعن ابن عباس مثله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 26 - 28

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أمر الله نبيه إبراهيم بعد أنْ رفع القواعد من البيت أنْ يُؤذِّن في الناس بالحج، لماذا؟ لأن البيت بيت الله، والخَلْق جميعاً خَلْق الله، فلماذا تقتصر رؤية البيت على مَنْ قُدِّر له أنْ يمرّ به، أو يعيش إلى جواره؟

فأراد الحق - سبحانه وتعالى - أنْ يُشيع هذه الميْزة بين خَلْقه جميعاً، فيذْهبوا لرؤية بيت ربهم، وإنْ كانت المساجد كلها بيوت الله، إلا أن هذا البيت بالذات هو بيت الله باختيار الله؛ لذلك جعله قبْلة لبيوته التي اختارها الخَلْق.

إن من علامات الولاء بين الناس أنْ نزور قصور العظماء وعِلْية القوم، ثم يُسجل الزائر اسمه في سِجلِّ الزيارات، ويرى في ذلك شرفاً ورِفْعة، فما بالك ببيت الله، كيف تقتصر زيارته ورؤيته على أهله والمجاورين له أو مَنْ قُدِّر لهم المرور به؟

ومعنى { أَذِّن.. } [الحج: 27] الأذان: العلم، وأول وسائل العلم السماع بالأذن، ومن الأذن أُخذ الأذان. أي: الإعلام. ومن هذه المادة قوله تعالى:
{  وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ.. }
[إبراهيم: 7] أي: أعلم؛ لأن الأذن وسيلة السماع الأولى، والخطاب المبدئي الذي نتعلَّم به؛ لذلك قبل أنْ تتكلَّم لا بُدَّ أنْ تسمع.

وحينما أمر الله إبراهيم بالأذان لم يكُن حول البيت غير إبراهيم وولده وزوجته، فلمَنْ يُؤذِّن؟ ومَنْ سيستمع في صحراء واسعة شاسعة وواد غير مسكون؟ فناداه ربه: " يا إبراهيم عليك الأذان وعلينا البلاغ ".

مهمتك أنْ ترفَع صوتك بالأذان، وعلينا إيصال هذا النداء إلى كل الناس، في كل الزمان، وفي كل المكان، سيسمعه البشر جميعاً، وهم في عالم الذَّرِّ وفي أصلاب آبائهم بقدرة الله تعالى الذي قال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
{  وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ.. }
[الأنفال: 17].

يعني: أَدِّ ما عليك، واترك ما فوق قدرتك لقدرة ربك. فأذَّنَ إبراهيم في الناس بالحج، ووصل النداء إلى البشر جميعاً، وإلى أن تقوم الساعة، فَمنْ أجاب ولَبَّى: لبيك اللهم لبيك كُتِبَتْ له حجة، ومَنْ لبَّى مرتين كتِبت له حجَّتيْن وهكذا، لأن معنى لبيك: إجابةً لك بعد إجابة.

فإنْ قُلْتَ: إن مطالب الله وأوامره كثيرة، فلماذا أخذ الحج بالذات هذه المكانة؟ نقول: أركان الإسلام تبدأ بالشهادتين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصوم، ثم الحج، لو نظرتَ إلى هذه الأركان لوجدتَ أن الحج هو الركن الوحيد الذي يجتهد المسلم في أدائه وإنْ لم يكُن مستطيعاً له فتراه يوفر ويقتصد حتى من قُوته، وربما حرمَ نفسه لِيُؤدِّي فريضة الحج، ولا يحدث هذا ولا يتكلفه الإنسان إلا في هذه الفريضة، لماذا؟

قالوا: لأن الله تعالى حكم في هذه المسألة فقال: أَذِّن - يأتوكَ، هكذا رَغْماً عنهم، ودون اختيارهم، أَلاَ ترى الناس ينجذبون لأداء هذه الفريضة، وكأن قوة خارجة عنهم تجذبهم.وهذا معنى قوله تعالى:
{  فَٱجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِيۤ إِلَيْهِمْ.. }
[إبراهيم: 37] ومعنى تهوي: تأتي دون اختيار من الْهُويِّ أي: السقوط، وهو أمر لا يملكه الإنسان، كالذي يسقط من مكان عالٍ، فليس له اختيار في ألاَّ يسقط.

وهكذا تحِنُّ القلوب إلى بيت الله، وتتحرَّق شَوْقاً إليه، وكأن شيئاً يجذبها لأداء هذه الفريضة؛ لأن الله تعالى أمر بهذه الفريضة، وحكم فيها بقوله { يَأْتُوكَ.. } [الحج: 27] أما في الأمور الأخرى فقد أمر بها وتركها لاختيار المكلف، يطيع أو يعصي، إذن: هذه المسألة قضية صادقة بنصِّ القرآن.

وبعض أهل الفَهْم يقولون: إن الأمر في: { وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ.. } [الحج: 27] ليس لإبراهيم، وإنما لمحمد صلى الله عليه وسلم - الذي نزل عليه القرآن، وخاطبه بهذه الآية، فالمعنى
{  وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ.. }
[الحج: 26] يعني: اذكر يا مَنْ أُنْزل عليه كتابي إذْ بوأنا لإبراهيم مكان البيت، اذكر هذه القضية { وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ.. } [الحج: 27] فكأن الأمر هنا لمحمد صلى الله عليه وسلم.

لذلك لا نشاهد هذا النسك في الأمم الأخرى كاليهود والنصارى، فهم لا يحجون ولا يذهبون إلى بيت الله أبداً، وقد ثبت أن موسى - عليه السلام - حج بيت الله، لكن لم يثبت أن عيسى عليه السلام حَجَّ، بدليل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " " يُوشك أنْ ينزل ابن مريم، ويأتي حاجاً، ويزور قبري، ويُدفن هناك ".

فقال رسول الله: " ويأتي حاجاً " لأنه لم يمت، وسوف يدرك عهد التكليف من رسول الله حين ينزل من السماء، وسيصلي خلف إمام من أمة محمد صلى الله على جميع أنبياء الله ورُسُله.

ومن المسائل التي نحتجُّ بها عليهم قولهم: إن الذبيح إسحق، فلو أن الذبيح إسحق كما يدَّعون لكانت مناسك الذبح والفداء ورَمْي الجمار عندكم في الشام، أمّا هذه المناسك فهي هنا في مكة، حيث كان إسماعيل.

ثم تذكَّروا جيداً ما قاله كتابكم المقدس في الأصحاح 23، 24 من أن الحق - سبحانه وتعالى - أوحى إلى إبراهيم أن يصعد على جبل فاران، ويأخذ ولده الوحيد ويذبحه، فالوحيد إسماعيل لا إسحق؛ لأن الله فدى إسماعيل، ثم بشَّر إبراهيم بإسحق.

ومن حكمة الله - عز وجل - أنْ جعل في كذب الكاذب مَنْفذاً للحق، وثغرات نصل منها إلى الحقيقة؛ لذلك يقول رجال القضاء: ليست هناك جريمة كاملة أبداً، لا بُدَّ أنْ يترك المجرم قرينة تدلُّ عليه مهما احتاط لجريمته، كأن يسقط منه شيء ولو أزرار من ملابسه، أو ورقة صغيرة بها رقم تليفون.. إلخ، لذلك نقول: الجريمة لا تفيد؛ لأن المجرم سيقع لا محالة في يد مَنْ يقتصُّ منه.ولرجال القضاء ووكلاء النيابة مقدرة كبيرة على استخلاص الحقيقة من أفواه المجرمين أنفسهم، فيظل القاضي يحاوره إلى أنْ يجد في كلامه ثغرةً أو تضارباً يصل منه إلى الحقيقة.

ذلك لأن للصدق وجهاً واحداً لا يمكن أنْ يتلجلج صاحبه أو يتردد، أمّا الكذب فله أكثر من وجه، والكاذب نفسه لو حاورتَهُ أكثر من مرة لوجدتَ تغييراً وتضارباً في كلامه؛ لذلك العرب يقولون: إنْ كنتَ كذوباً فكُنْ ذَكُوراً. يعني: تذكَّر ما قُلْته أولاً، حتى لا تُغيِّره بعد ذلك.

ومن أمثلة الكذب الذي يفضح صاحبه قَوْلُ أحدهم للآخر: هل تذكر يوم كنا في مكان كذا ليلة العيد الصغير، وكان القمر ظهراً!! فقال: كيف، يكون القمر مثل الظهر في آخر الشهر؟

وقد يلجأ القاضي إلى بعض الحِيَل، ولا بُدَّ أنْ يستخدم ذكاءه لاستجلاء وجه الحق، كالقاضي الذي احتكم إليه رجلان يتهم أحدهما الآخر بأنه أخذ ماله أمانة، ثم أخذها لنفسه ودفنها في موضع كذا وكذا، فلما حاور القاضي المتهم أنكر فانصرف عنه، وتوجَّه إلى صاحب الأمانة، وقال له: اذهب إلى المكان، وابحثْ لعلَّك تكون قد نسيتَه هنا أو هناك.

أو لعلّ آخر أخذه منك، فذهب صاحب المال، وفجأة سأل القاضي المتهم: لماذا تأخر فلان طوالَ هذا الوقت؟ فردَّ المتهم: لأن المكان بعيدٌ يا سيادة القاضي. فخانتْه ذاكرته، ونطق بالحق دون أن يشعر.

ثم يقول تعالى: { يَأْتُوكَ رِجَالاً.. } [الحج: 27] ورجالاً هنا ليست جَمْعاً لرجل، إنما جمع لراجل، وهو الذي يسير على رِجْلَيْه { وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ.. } [الحج: 27] الضامر: الفَرَس أو البعير المهزول من طول السفر.

وتقديم الماشين على الراكبين تأكيد للحكم الإلهي { يَأْتُوكَ.. } [الحج: 27] فالجميع حريص على اداء الفريضة حتى إنْ حَجَّ ماشياً.

وقوله: { يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ } [الحج: 27] أي: من كل طريق واسع { عَميِقٍ } [الحج: 27] يعني: بعيد.

ثم يقول الحق سبحانه: { لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ.. }.


www.alro7.net