سورة
اية:

إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن هؤلاء السابقين المقربين أنهم { ثلّة} أي جماعة من الأولين، وقليل من الآخرين: وقد اختلفوا في المراد بقوله الأولين والآخرين فقيل: المراد بالأولين الأمم الماضية، وبالأخرين هذه الأمة، وهو اختيار ابن جرير، واستأنس بقوله صلى اللّه عليه وسلم: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة) ولم يحك غيره، ومما يستأنس به لهذا القول ما رواه ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: لما نزلت: { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} شقّ ذلك على أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت: { ثلة من الأولين وثلة من الآخرين} فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، ثلث أهل الجنة، بل أنتم نصف أهل الجنة، أو شطر أهل الجنة وتقاسمونهم النصف الثاني) ""أخرجه ابن أبي حاتم والإمام أحمد"". وهذا الذي اختاره ابن جرير فيه نظر بل هو قول ضعيف، لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم واللّه أعلم، فالقول الثاني في هذا المقام هو الراجح، وهو أن يكون المراد بقوله تعالى: { ثلّة من الأولين} أي من صدر هذه الأمة، { وقليل من الآخرين} أي من هذه الأمة، قال ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن أبي بكر المزني: سمعت الحسن أتى على هذه الآية { والسابقون السابقون، أولئك المقربون} فقال: أما السابقون فقد مضوا، ولكن اللهم اجعلنا من أصحاب اليمين، ثم قرأ الحسن: { والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلّة من الأولين} قال: ثلة ممن مضى من هذه الأمة. وعن محمد بن سيرين أنه قال في هذاه الآية { ثلة من الأولين وقليل من الآخرين} قال: كانوا يقولون أو يرجون أن يكونوا كلهم من هذه الأمة، فهذا قول الحسن وابن سيرين أن الجميع من هذه الأمة. ولاشك أن أول كل أمة خير من آخرها، فيحتمل أن تعم الآية جميع الأمم كل أمة بحسبها، ولهذا ثبت في الصحاح وغيرها من غير وجه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم) ""أخرجه الشيخان""الحديث بتمامه. فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن عمار بن ياسر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم (مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره) ""أخرجه الإمام أحمد""فهذا الحديث محمول على أن الدين كما هو محتاج إلى أول الأمة في إبلاغه كذلك هو محتاج إلى القائمين به في أواخرها، والفضل للمتقدم، وكذلك الزرع هو محتاج إلى المطر الأول وإلى المطر الثاني، ولكن العمدة الكبرى على الأول، واحتياج الزرع إليه آكد، فإنه لولاه ما نبت في الأرض ولا تعلق أساسه فيها، ولهذا قال عليه السلام: (لا تزال طائفة من أُمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى قيام الساعة) ""أخرجاه في الصحيحين"". وفي لفظ: (حتى يأتي أمر اللّه تعالى وهم كذلك) والغرض أن هذه الأمة أشرف من سائر الأمم، والمقربون فيها أكثر من غيرها وأعلى منزلة لشرف دينها وعظم نبيها، ولهذا ثبت بالتواتر عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه أخبر أن في هذه الأمة سبعين ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب، وفي لفظ: (مع كل ألف سبعون ألفاً - وفي آخر - مع كل واحد سبعون ألفاً)؛ وقد روى الحافظ الطبراني، عن أبي مالك قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أما والذي نفسي بيده ليبعثن منكم يوم القيامة مثل الليل الأسود زمرة جميعها يحيطون الأرض تقول الملائكة لَمَا جاء مع محمد صلى اللّه عليه وسلم أكثر مما جاء مع الأنبياء عليهم السلام) ""أخرجه الحافظ الطبراني"". وقوله تعالى: { على سرر موضونة} قال ابن عباس: أي مرمولة بالذهب يعني منسوجة به وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة والضحّاك ، وقال السدي: مرمولة بالذهب واللؤلؤ، وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت، وقال ابن جرير: ومنه يسمى وضين الناقة الذي تحت بطنها وهو فعيل بمعنى مفعول لأنه مضفور وكذلك السرر في الجنة مضفورة بالذهب واللاليء. وقوله تعالى: { متكئين عليها متقابلين} أي وجوه بعضهم إلى بعض ليس أحد وراء أحد، { يطوف عليهم ولدان مخلدون} أي مخلدون على صفة واحدة لا يشيبون ولا يتغيرون، { بأكواب وأباريق وكأس من معين} أما الأكواب فهي الكيزان التي لا خراطيم لها ولا آذان، والأباريق التي جمعت الوصفين، والكؤوس الهنابات والجميع من خمر من عين جارية معين، ليس من أوعية تنقطع وتفرغ بل من عيون سارحة، وقوله تعالى: { لا يصدعون عنها ولا ينزفون} أي لا تصدع رؤوسهم ولا تنزف عقولهم، بل هي ثابتة مع الشدة المطربة واللذة الحاصلة، وروى ابن عباس أنه قال: في الخمر أربع خصال: (السكْر، والصداع، والقيء، والبول) فذكر اللّه تعالى خمر الجنة ونزهها عن هذه الخصال، وقال مجاهد وعكرمة { لا يصدّعون عنها} يقول: ليس لهم فيها صداع رأس، وقالوا في قوله { ولا ينزفون} أي لا تذهب بعقولهم، وقوله تعالى: { وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون} أي ويطوفون عليهم بما يتخيرون من الثمار، وهذه الآية دليل على جواز أكل الفاكهة على صفة التخير لها، روى الطبراني عن ثوبان قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أُخرى) ""أخرجه الحافظ الطبراني""، وقوله تعالى: { ولحم طير مما يشتهون} عن أنَس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إن طير الجنة كأمثال البخت يرعى في شجر الجنة) فقال أبو بكر: يا رسول اللّه، إن هذه لطير ناعمة، فقال: (آكلها أنعم منها - قالها ثلاثاً - وإني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها) ""أخرجه الإمام أحمد"". وقال قتادة في قوله تعالى: { ولحم طير مما يشتهون} وذكر لنا أن أبا بكر قال: يا رسول اللّه! إني لأرى طيرها ناعماً كأهلها ناعمون، قال: (ومن يأكلها واللّه يا أبا بكر أنعم منها وإنها لأمثال البخت وإني لأحتسب على اللّه أن تأكل منها يا أبا بكر) وروى أبو بكر بن أبي الدنيا، عن أنَس بن مالك أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الكوثر فقال: (نهر أعطانيه ربي عزَّ وجلَّ في الجنة أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، فيه طيور أعناقها يعني كأعناق الجزر) فقال عمر: إنها لناعمة؟ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (آكلها أنعم منها) ""أخرجه ابن أبي الدنيا، ورواه الترمذي"". وعن عبد اللّه بن مسعود قال، قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فتشتهيه فيخر بين يديك مشوياً) ""رواه ابن أبي حاتم"". وقوله تعالى: { وحورٌ عينٌ كأمثال اللؤلؤ المكنون} بالرفع وتقديره: ولهم فيها حور عين، وقوله تعالى: { كأمثال اللؤلؤ المكنون} أي كأنهن اللؤلؤ الرطب في بياضه وصفائه كما تقدم، { كأنهن بيض مكنون} ، ولهذا قال: { جزاء بما كانوا يعملون} أي هذا الذي أتحفناهم به مجازاة لهم على ما أحسنوا من العمل.

تفسير الجلالين

{ إلا } لكن { قيلا } قولا { سلاما } سلاما بدل من قيلا فإنهم يسمعونه .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا } يَقُول : لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا مِنْ الْقَوْل إِلَّا قِيلًا سَلَامًا : أَيْ اِسْلَمْ مِمَّا تَكْرَه . وَفِي نَصْب قَوْله : { سَلَامًا سَلَامًا } وَجْهَانِ : إِنْ شِئْت جَعَلْته تَابِعًا لِلْقِيلِ , وَيَكُون السَّلَام حِينَئِذٍ هُوَ الْقِيل , فَكَأَنَّهُ قِيلَ : لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا , إِلَّا سَلَامًا سَلَامًا , وَلَكِنَّهُمْ يَسْمَعُونَ سَلَامًا سَلَامًا . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون نَصْبه بِوُقُوعِ الْقِيل عَلَيْهِ , فَيَكُون مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ : إِلَّا قِيلَ سَلَام فَإِنْ نُوِّنَ نُصِبَ قَوْله : { سَلَامًا سَلَامًا } بِوُقُوعِ قِيلَ عَلَيْهِ .وَقَوْله : { إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا } يَقُول : لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا مِنْ الْقَوْل إِلَّا قِيلًا سَلَامًا : أَيْ اِسْلَمْ مِمَّا تَكْرَه . وَفِي نَصْب قَوْله : { سَلَامًا سَلَامًا } وَجْهَانِ : إِنْ شِئْت جَعَلْته تَابِعًا لِلْقِيلِ , وَيَكُون السَّلَام حِينَئِذٍ هُوَ الْقِيل , فَكَأَنَّهُ قِيلَ : لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا , إِلَّا سَلَامًا سَلَامًا , وَلَكِنَّهُمْ يَسْمَعُونَ سَلَامًا سَلَامًا . وَالثَّانِي : أَنْ يَكُون نَصْبه بِوُقُوعِ الْقِيل عَلَيْهِ , فَيَكُون مَعْنَاهُ حِينَئِذٍ : إِلَّا قِيلَ سَلَام فَإِنْ نُوِّنَ نُصِبَ قَوْله : { سَلَامًا سَلَامًا } بِوُقُوعِ قِيلَ عَلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { يطوف عليهم ولدان مخلدون} أي غلمان لا يموتون، قال مجاهد. الحسن والكلبي : لا يهرمون ولا يتغيرون، ومنه قول امرئ القيس : وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ** قليل الهموم ما يبيت بأوجال وقال سعيد بن جبير : مخلدون مقرطون، يقال للقرط الخَلدة ولجماعة الحلي الخِلدة. وقيل : مسورون ونحوه عن الفراء، قال الشاعر : ومخلدات باللجين كأنما ** أعجازهن أقاوز الكثبان وقيل : مقرطون يعني ممنطقون من المناطق. وقال عكرمة { مخلدون} منعمون. وقيل : على سن واحدة أنشأهم الله لأهل الجنة يطوفون عليهم كما شاء من غير ولادة. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحسن البصري : الولدان ها هنا ولدان المسلمين الذين يموتون صغارا ولا حسنة لهم ولا سيئة. وقال سلمان الفارسي : أطفال المشركين هم خدم أهل الجنة. قال الحسن : لم يكن لهم حسنات يجزون بها، ولا سيئات يعاقبون عليها، فوضعوا في هذا الموضع. والمقصود : أن أهل الجنة على أتم السرور والنعمة، والنعمة إنما تتم باحتفاف الخدم والولدان بالإنسان. { بأكواب وأباريق} أكواب جمع كوب وقد مضى في الزخرف وهي الآنية التي لا عرى لها ولا خراطيم، والأباريق التي لها عرى وخراطيم واحدها إبريق، سمي بذلك لأنه يبرق لونه من صفائه. { وكأس من معين} مضى في "والصافات" القول فيه. والمعين الجاري من ماء أو خمر، غير أن المراد في هذا الموضع الخمر الجارية من العيون. وقيل : الظاهرة لعيون فيكون { معين} مفعولا من المعاينة. وقيل : هو فعيل من المعن وهو الكثرة. وبين أنها ليست كخمر الدنيا التي تستخرج بعصر وتكلف ومعالجة. قوله تعالى { لا يصدعون عنها} أي لا تنصدع رؤوسهم من شربها، أي إنها لذة بلا أذى بخلاف شراب الدنيا. { ولا ينزفون} تقدم في { والصافات} أي لا يسكرون فتذهب. عقولهم. وقرأ مجاهد { لا يصدعون} بمعنى لا يتصدعون أي لا يتفرقون، كقوله تعالى { يومئذ يصدعون} [الروم : 43]. وقرأ أهل الكوفة { ينزفون} بكسر الزاي، أي لا ينفد شرابهم ولا تقنى خمرهم، ومنه قول الشاعر : لعمري لئن أنزفتم أو صحوتم ** لبئس الندامى كنتم آل أبجرا وروى الضحاك عن ابن عباس قال : في الخمر أربع خصال : السكر والصداع والقيء والبول، وقد ذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. قوله تعالى { وفاكهة مما يتخيرون} أي يتخيرون ما شاؤوا لكثرتها. وقيل : وفاكهة متخيرة مرضية، والتخير الاختيار. { ولحم طير مما يشتهون} روى الترمذي عن أنس بن مالك قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما الكوثر؟ قال : (ذاك نهر أعطانيه الله تعالى - يعني في الجنة - أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل فيه طير أعناقها كأعناق الجزُر) قال عمر : إن هذه لناعمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أَكَلتها أحسن منها) قال : حديث حسن. وخرجه الثعلبي من حديث أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن في الجنة طيرا مثل أعناق البخت تصطف على يد ولي الله فيقول أحدها يا ولي الله رعيت في مروج تحت العرش وشربت من عيون التسنيم فكل مني فلا يزلن يفتخرن بين يديه حتى يخطر على قلبه أكل أحدها فتخر بين يديه على ألوان مختلفة فيأكل منها ما أراد فإذا شبع تجمع عظام الطائر فطار يرعى في الجنة حيث شاء) فقال عمر : يا نبي الله إنها لناعمة. فقال : (آكلها أنعم منها). وروي عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن في الجنة لطيرا في الطائر منها سبعون ألف ريشة فيقع على صحفة الرجل من أهل الجنة ثم ينتفض فيخرج من كل ريشة لون طعام أبيض من الثلج وأبرد وألين من الزبد وأعذب من الشهد ليس فيه لون يشبه صاحبه فيأكل منه ما أراد ثم يذهب فيطير). قوله تعالى { وحور عين} قرئ بالرفع والنصب والجر، فمن جر وهو حمزة والكسائي وغيرهما جاز أن يكون معطوفا على { بأكواب} وهو محمول على المعنى، لأن المعنى يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور، قال الزجاج. وجاز أن يكون معطوفا على { جنات} أي هم في { جنات النعيم} وفي حور على تقدير حذف المضاف، كأنه قال : وفي معاشرة حور. الفراء : الجر على الإتباع في اللفظ وإن اختلفا في المعنى، لأن الحور لا يطاف بهن، قال الشاعر : إذا ما الغانيات برزن يوما ** وزججن الحواجب والعيونا والعين لا تزجج وإنما تكحل. وقال آخر : ورأيت زوجك في الوغى ** متقلدا سيفا ورمحا وقال قطرب : هو معطوف على الأكواب والأباريق من غير حمل على المعنى. قال : ولا ينكر أن يطاف عليهم بالحور ويكون لهم في ذلك لذة. ومن نصب وهو الأشهب العقيلي والنخعي وعيسى بن عمر الثقفي وكذلك هو في مصحف أبي، فهو على تقدير إضمار فعل، كأنه قال : ويزوجون حورا عينا. والحمل في النصب على المعنى أيضا حسن، لأن معنى يطاف عليهم به يعطونه. ومن رفع وهم الجمهور - وهو اختيار أبي عبيد وأبي حاتم - فعلى معنى وعندهم حور عين، لأنه لا يطاف عليهم بالحور. وقال الكسائي : ومن قال { وحور عين} بالرفع وعلل بأنه لا يطاف بهن يلزمه ذلك في فاكهة ولحم، لأن ذلك لا يطاف به وليس يطاف إلا بالخمر وحدها. وقال الأخفش : يجوز أن يكون محمولا على المعنى لهم أكواب ولهم حور عين. وجاز أن يكون معطوفا على { ثلة} و { ثلة} ابتداء وخبره { على سرر موضونة} وكذلك { وحور عين} وابتدأ بالنكرة لتخصيصها بالصفة. { كأمثال} أي مثل أمثال { اللؤلؤ المكنون} أي الذي لم تمسه الأيدي ولم يقع عليه الغبار فهو أشد ما يكون صفاء وتلألؤا، أي هن في تشاكل أجسادهن في الحسن من جميع جوانبهن كما قال الشاعر : كأنما خلقت في قشر لؤلؤة ** فكل أكنافها وجه لمرصاد { جزاء بما كانوا يعملون} أي ثوابا ونصبه على المفعول له. ويجوز أن يكون على المصدر، لأن معنى { يطوف عليهم ولدان مخلدون} يجازون. وقد مضى الكلام في الحور العين في { والطور} وغيرها. وقال أنس : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (خلق الله الحور العين من الزعفران) وقال خالد بن الوليد : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (إن الرجل من أهل الجنة ليمسك التفاحة من تفاح الجنة فتنفلق في يده فتخرج منها حوراء لو نظرت للشمس لأخجلت الشمس من حسنها من غير أن ينقص من التفاحة) فقال له رجل : يا أبا سليمان إن هذا لعجب ولا ينقص من التفاحة؟ قال : نعم كالسراج الذي يوقد منه سراج آخر وسرج ولا ينقص، والله على ما يشاء قدير. وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : خلق الله الحور العين من أصابع رجليها إلى ركبتيها من الزعفران، ومن ركبتيها إلى ثدييها من المسك الأذفر، ومن ثدييها إلى عنقها من العنبر الأشهب، ومن عنقها إلى رأسها من الكافور الأبيض، عليها سبعون ألف حلة مثل شقائق النعمان، إذا أقبلت يتلألأ وجهها نورا ساطعا كما تتلألأ الشمس لأهل الدنيا، وإذا أدبرت يرى كبدها من رقة ثيابها وجلدها، في رأسها سبعون ألف ذؤابة من المسك الأذفر، لكل ذؤابة منها وصيفة ترفع ذيلها وهي تنادي : هذا ثواب الأولياء { جزاء بما كانوا يعملون} [السجدة : 17]. قوله تعالى { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما} قال ابن عباس : باطلا ولا كذبا. واللغو ما يلغى من الكلام، والتأثيم مصدر أثمته أي قلت له أثمت. محمد بن كعب { ولا تأثيما} أي لا يؤثم بعضهم بعضا. مجاهد { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما} شتما ولا مأثما. { إلا قيلا سلاما سلاما} { قيلا} منصوب بـ { يسمعون} أو استئناء منقطع أي لكن يقولون قيلا أويسمعون. و { سلاما سلاما} منصوبان بالقول، أي إلا أنهم يقولون الخير. أو على المصدر أي إلا أن يقول بعضهم لبعض سلاما. أو يكون وصف لـ { قيلا} ، والسلام الثابي بدل من الأول، والمعنى إلا قيلا يسلم فيه من اللغو. ويجوز الرفع على تقدير سلام عليكم. قال ابن عباس : أي يحيي بعضهم بعضا. وقيل : تحييهم الملائكة أو يحييهم ربهم عز وجل.


www.alro7.net