سورة
اية:

وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَىٰ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مقرعاً للمشركين في عبادتهم الأصنام والأوثان، واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن، { أفرأيتم اللات} ؟ وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف، له أستار وسدنة، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم اللّه فقالوا: اللات يعنون مؤنثة منه، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله: { اللات والعزى} قال: كان اللات رجلاً يلت السويق سويق الحاج ""أخرجه البخاري""، قال ابن جرير: وكذا العزى من العزيز وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أُحُد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (قولوا اللّه مولانا ولا مولى لكم) وروى البخاري، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا اللّه، ومن قال لصاحبه: تعال أُقامرك فليتصدق) ""أخرجه البخاري أيضاً""، فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته من زمن الجاهلية، كما قال النسائي، وأما مناة فكانت بالمشلل بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها، قال ابن اسحاق: كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها، كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب تطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها، فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم، قلت: بعث إليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك ** إني رأيت اللّه قد أهانك ولهذا قال تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأُخْرى} ؟ ثم قال تعالى: { ألكم الذكر وله الأنثى} ؟ أي أتجعلون له ولداً وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكر، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت { قسمة ضيزى} أي جوراً باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة، التي لو كانت بين مخلوقين كانت جوراً وسفهاً؟ ثم قال تعالى منكراً عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} أي من تلقاء أنفسكم { ما أنزل اللّه بها من سلطان} أي من حجة { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} أي ليس له مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم، الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم وتعظيم آبائهم الأقدمين، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى} أي ولقد أرسل اللّه إليهم الرسل، بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءهم به ولا انقادوا له، ثم قال تعالى: { أم للإنسان ما تمنى} أي ليس كل من تمنى خيراً حصل له، { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} ولا كل من ود شيئاً يحصل له، كما روي: (إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته) ""تفرد به الإمام أحمد"". وقوله: { فللّه الآخرة والأولى} أي إنما الأمر كله للّه، مالك الدنيا والآخرة والمتصرف فيهما، وقوله تعالى: { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن اللّه لمن يشاء ويرضى} ، كقوله: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ، { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون - أيها الجاهلون - شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند اللّه؟ وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها؟

تفسير الجلالين

( وكم من ملك ) أي وكثير من الملائكة ( في السماوات ) وما أكرمهم عند الله ( لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ) لهم فيها ( لمن يشاء ) من عباده ( ويرضى ) عنه لقوله "" ولا يشفعون إلا لمن ارتضى "" ومعلوم أنها لا توجد منهم إلا بعد الإذن فيها "" من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ".

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَوَات لَا تُغْنِي شَفَاعَتهمْ شَيْئًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَوَات لَا تُغْنِي : كَثِير مِنْ مَلَائِكَة اللَّه , لَا تَنْفَع شَفَاعَتهمْ عِنْد اللَّه لِمَنْ شَفَعُوا لَهُ شَيْئًا , إِلَّا أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ مِنْ بَعْد أَنْ يَأْذَن اللَّه لَهُمْ بِالشَّفَاعَةِ لِمَنْ يَشَاء مِنْهُمْ أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ وَيَرْضَى , يَقُول : وَمِنْ بَعْد أَنْ يَرْضَى لِمَلَائِكَتِهِ الَّذِينَ يَشْفَعُونَ لَهُ أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ , فَتَنْفَعهُ حِينَئِذٍ شَفَاعَتهمْ , وَإِنَّمَا هَذَا تَوْبِيخ مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعَبَدَةِ الْأَوْثَان وَالْمَلَأ مِنْ قُرَيْش وَغَيْرهمْ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى } 39 3 فَقَالَ اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ لَهُمْ : مَا تَنْفَع شَفَاعَة مَلَائِكَتِي الَّذِينَ هُمْ عِنْدِي لِمَنْ شَفَعُوا لَهُ , إِلَّا مِنْ بَعْد إِذْنِي لَهُمْ بِالشَّفَاعَةِ لَهُ وَرِضَايَ فَكَيْفَ بِشَفَاعَةِ مَنْ دُونَهُمْ , فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ شَفَاعَة مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ غَيْر نَافِعَتِهِمْ .وَقَوْله : { وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَوَات لَا تُغْنِي شَفَاعَتهمْ شَيْئًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَكَمْ مِنْ مَلَك فِي السَّمَوَات لَا تُغْنِي : كَثِير مِنْ مَلَائِكَة اللَّه , لَا تَنْفَع شَفَاعَتهمْ عِنْد اللَّه لِمَنْ شَفَعُوا لَهُ شَيْئًا , إِلَّا أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ مِنْ بَعْد أَنْ يَأْذَن اللَّه لَهُمْ بِالشَّفَاعَةِ لِمَنْ يَشَاء مِنْهُمْ أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ وَيَرْضَى , يَقُول : وَمِنْ بَعْد أَنْ يَرْضَى لِمَلَائِكَتِهِ الَّذِينَ يَشْفَعُونَ لَهُ أَنْ يَشْفَعُوا لَهُ , فَتَنْفَعهُ حِينَئِذٍ شَفَاعَتهمْ , وَإِنَّمَا هَذَا تَوْبِيخ مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعَبَدَةِ الْأَوْثَان وَالْمَلَأ مِنْ قُرَيْش وَغَيْرهمْ الَّذِينَ كَانُوا يَقُولُونَ { مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّه زُلْفَى } 39 3 فَقَالَ اللَّه جَلَّ ذِكْرُهُ لَهُمْ : مَا تَنْفَع شَفَاعَة مَلَائِكَتِي الَّذِينَ هُمْ عِنْدِي لِمَنْ شَفَعُوا لَهُ , إِلَّا مِنْ بَعْد إِذْنِي لَهُمْ بِالشَّفَاعَةِ لَهُ وَرِضَايَ فَكَيْفَ بِشَفَاعَةِ مَنْ دُونَهُمْ , فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ شَفَاعَة مَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ غَيْر نَافِعَتِهِمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن هي إلا أسماء سميتموها} أي ما هي يعني هذه الأوثان { إلا أسماء سميتموها} يعني نحتموها وسميتموها آلهة. { أنتم وآباؤكم} أي قلدتموهم في ذلك. { ما أنزل الله بها من سلطان} أي ما أنزل الله بها من حجة ولا برهان. { إن يتبعون إلا الظن} عاد من الخطاب إلى الخبر أي ما يتبع هؤلاء إلى الظن. { وما تهوى الأنفس} أي تميل إليه. وقراءة العامة { يتبعون} بالياء. وقرأ عيسى بن عمو وأيوب وابن السميقع { تتبعون} بالتاء على الخطاب. وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس. { ولقد جاءهم من ربهم الهدى} أي البيان من جهة الرسول أنها ليست، بآلهة. { أم للإنسان ما تمنى} أي اشتهى أي ليس ذلك له. وقيل { للإنسان ما تمنى} من البنين؛ أي يكون له دون البنات. وقيل { أم للإنسان ما تمنى} من غير جزاء ليس الأمر كذلك. وقيل { أم للإنسان ما تمنى} من النبوة أن تكون فيه دون غيره. وقيل { أم للإنسان ما تمنى} من شفاعة الأصنام؛ نزلت في النضر بن الحرث. وقيل : في الوليد بن المغيرة. وقيل : في سائر الكفار. { فلله الآخرة والأولى} يعطي من يشاء ويمنع من يشاء لا ما تمنى أحد. قوله تعالى { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} هذا توبيخ من الله تعالى لمن عبد الملائكة والأصنام، وزعم أن ذلك يقربه إلى الله تعالى، فأعلم أن الملائكة مع كثرة عبادتها وكرامتهم على الله لا تشفع إلا لمن أذن أن يشفع له. قال الأخفش : الملك واحد ومعناه جمع؛ وهو كقوله تعالى { فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة : 47]. وقيل : إنما ذكر ملكا واحدا، لأن كم تدل على الجمع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النجم الايات 24 - 31

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

لما اعتقدوا في الأصنام أنها تشفع لهم عند الله، وقال:
{  مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ... }
[الزمر: 3] فردّ الله عليهم بما يُبيِّن بطلان اعتقادهم، فكيف تنتظرون شفاعة الأصنام عند الله، والملائكة المقربون والعباد المكرمون عنده سبحانه ليس لهم شفاعة إلا بإذنه سبحانه.

قوله تعالى: { وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ... } [النجم: 26] أي: كثير من الملائكة، فكم هنا خبرية تفيد الكثرة، لأنها تسأل عن عدد لا حصر له { لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرْضَىٰ } [النجم: 26].

إذن: هنا شرطان لقبول شفاعة الملائكة، الشرط الأول: أنْ يأذن الله للملَك أنْ يشفع، الثاني: أنْ يرضى عن المشفوع له، ولا يرضى الله إلا عن أهل التوحيد الخالص، فهذه كرامة للشافع، وكرامة للمشفوع فيه.

يقول تعالى في آية الكرسي
{  مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ... }
[البقرة: 255].

فإذا كان هذا حال الملائكة في قبول الشفاعة وهم عباد مُكرمون لا يسبقونه بالقول، وهم بأمره يعملون، وقال عنهم
{  لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ }
[التحريم: 6] فكيف إذن بشفاعة الأصنام؟

ونلاحظ على الأداء القرآني في هذه الآية أن كلمة { مَّلَكٍ... } [النجم: 26] جاءت بصيغة المفرد، ثم أخبر عن المفرد بصيغة الجمع، فقال { لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ... } [النجم: 26] ولم يقل شفاعته.

قالوا: لأن كم الخبرية تفيد الكثرة، فلما اجتمعت مع المفرد أعطتْه معنى الجمع، فالمعنى { وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ... } [النجم: 26] كثير من الملائكة، والمناسب أن يقول شفاعتهم، بصيغة الجمع.


www.alro7.net