سورة
اية:

قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن قول الدهرية من الكفار ومن وافقهم من مشركي العرب في إنكار المعاد { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا} أي ما ثَمَّ إلا هذه الدار، يموت قوم ويعيش آخرون، وما ثم معاد ولا قيامة، وهذا يقوله مشركو العرب المنكرون المعاد، وتقوله الفلاسفة الدهرية المنكرون للصانع، المعتقدون أن في كل ستة وثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا العقول وكذبوا المنقول، ولهذا قالوا: { وما يهلكنا إلا الدهر} قال اللّه تعالى: { وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون} أي يتوهمون ويتخيلون، فأما الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يقول تعالى يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره)، وفي رواية: (لا تسبوا الدهر فإن اللّه تعالى هو الدهر) ""أخرجاه في الصحيحين، ورواه أبو داود والنسائي""فقد قال الشافعي وأبو عبيدة في تفسير الحديث: كانت العرب في جاهليتها إذا أصابهم شدة أو بلاء أو نكبة، قالوا: يا خيبة الدهر، فيسندون تلك الأفعال إلى الدهر، ويسبونه، وإنما فاعلها هو اللّه تعالى، فكأنهم إنما سبوا اللّه عزَّ وجلَّ، لأنه فاعل ذلك في الحقيقة، فلهذا نهى عن سب الدهر بهذا الاعتبار، لأن اللّه تعالى هو الدهر الذي يعنونه ويسندون إليه تلك الأفعال، هذا أحسن ما قيل في تفسيره وهو المراد، واللّه أعلم. وقوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي إذا بيّن لهم الحق، وأن اللّه تعالى قادر على إعادة الأبدان بعد فنائها وتفرقها { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} ، أي أحيوهم إن كان ما تقولونه حقاً، قال اللّه تعالى: { قل اللّه يحييكم ثم يميتكم} أي كما تشاهدون ذلك يخرجكم من العدم إلى الوجود، { كيف تكفرون باللّه وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم} ؟ أي الذي قدر على البداءة قادر على الإعادة بطريق الأولى والأحرى، { وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} ، { ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} أي لا شك فيه { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أي فلهذا ينكرون المعاد ويستبعدون قيام الأجساد، قال اللّه تعالى: { إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً} أي يرون وقوعه بعيداً، والمؤمنون يرون ذلك سهلاً قريباً.

تفسير الجلالين

{ قل الله يحييكم } حين كنتم نطفاً { ثم يميتكم ثم يجمعكم } أحياء { إلى يوم القيامة لا ريب } شلك { فيه ولكن أكثر الناس } وهم القائلون ما ذكر { لا يعلمون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلِ اللَّه يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يَجْمَعكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ , الْقَائِلِينَ لَك ائْتِنَا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْت صَادِقًا : اللَّه أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ يُحْيِيكُمْ مَا شَاءَ أَنْ يُحْيِيكُمْ فِي الدُّنْيَا , ثُمَّ يُمِيتكُمْ فِيهَا إِذَا شَاءَ , ثُمَّ يَجْمَعكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , يَعْنِي أَنَّهُ يَجْمَعكُمْ جَمِيعًا أَوَّلكُمْ وَآخِركُمْ , وَصَغِيركُمْ وَكَبِيركُمْ { إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول : لِيَوْمِ الْقِيَامَة , يَعْنِي أَنَّهُ يَجْمَعكُمْ جَمِيعًا أَحْيَاء لِيَوْمِ الْقِيَامَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلِ اللَّه يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتكُمْ ثُمَّ يَجْمَعكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ , الْقَائِلِينَ لَك ائْتِنَا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْت صَادِقًا : اللَّه أَيّهَا الْمُشْرِكُونَ يُحْيِيكُمْ مَا شَاءَ أَنْ يُحْيِيكُمْ فِي الدُّنْيَا , ثُمَّ يُمِيتكُمْ فِيهَا إِذَا شَاءَ , ثُمَّ يَجْمَعكُمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , يَعْنِي أَنَّهُ يَجْمَعكُمْ جَمِيعًا أَوَّلكُمْ وَآخِركُمْ , وَصَغِيركُمْ وَكَبِيركُمْ { إِلَى يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول : لِيَوْمِ الْقِيَامَة , يَعْنِي أَنَّهُ يَجْمَعكُمْ جَمِيعًا أَحْيَاء لِيَوْمِ الْقِيَامَة .' { لَا رَيْب فِيهِ } يَقُول : لَا شَكَّ فِيهِ , يَقُول : فَلَا تَشُكُّوا فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ الْأَمْر كَمَا وَصَفْت لَكُمْ . { لَا رَيْب فِيهِ } يَقُول : لَا شَكَّ فِيهِ , يَقُول : فَلَا تَشُكُّوا فِي ذَلِكَ , فَإِنَّ الْأَمْر كَمَا وَصَفْت لَكُمْ .' { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس الَّذِينَ هُمْ أَهْل تَكْذِيب بِالْبَعْثِ , لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَة ذَلِكَ , وَأَنَّ اللَّه مُحْيِيهمْ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ . { وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا يَعْلَمُونَ } يَقُول : وَلَكِنَّ أَكْثَر النَّاس الَّذِينَ هُمْ أَهْل تَكْذِيب بِالْبَعْثِ , لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَة ذَلِكَ , وَأَنَّ اللَّه مُحْيِيهمْ مِنْ بَعْد مَمَاتكُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات} أي وإذ تقرأ على هؤلاء المشركين آياتنا المنزلة في جواز البعث لم يكن ثم دفع { ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بأبائنا إن كنتم صادقين} { حجتهم} خبر كان والاسم { إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا} الموتى نسألهم عن صدق ما تقولون، فرد الله عليهم بقوله { قل الله يحيكم} يعني بعد كونكم نطفا أمواتا { ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه} كما أحياكم في الدنيا. { ولكن أكثر الناس لا يعلمون} أن الله يعيدهم كما بدأهم. الزمخشري : فإن قلت لم سمي قولهم حجة وليس بحجة؟ قلت : لأنهم أدلوا به كما يدلي المحتج بحجته، وساقوه مساقها فسميت حجة على سبيل التهكم. أو لأنه في حسبانهم وتقديرهم حجة. أو لأنه في أسلوب قوله : تحية بينهم ضرب وجيع كأنه قيل : ما كان حجتهم إلا ما ليس بحجة. والمراد نفي أن تكون لهم حجة البتة. فإن قلت : كيف وقع قوله: { قل الله يحييكم} جواب { ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين} ؟ قلت : لما أنكروا البعث وكذبوا الرسل، وحسبوا أن ما قالوه قول مبكت ألزموا ما هم مقرون به من أن الله عز وجل وهو الذي يحييهم ثم يميتهم، وضم إلى إلزام ذلك إلزام ما هو واجب الإقرار به إن أنصفوا وأصغوا إلى داعى الحق وهو جمعهم يوم القيامة، ومن كان قادرا على ذلك كان قادرا على الإتيان بآبائهم، وكان أهون شيء عليه.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

أي: قُلْ لهم يا محمد { ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ... } [الجاثية: 26] أي: في الدنيا { ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ... } [الجاثية: 26] بعد البعث والنشور { إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ... } [الجاثية: 26] لا شكَّ فيه { وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ } [الجاثية: 26] فنفى عنهم العلم.

إن علمهم قاصر عن أنْ يدرك حقائق الأمور، فكما أن الخلق آية من آيات الله فكذلك الموت آية من آيات الله نراها ونلمسها كل يوم، وما دُمْت تصدق بآية الخلق وآية الموت وتراهما ولا تشك فيهما.

فحين نقول لك إن بعد هذه الحياة حياة أخرى فصدِّق، لأن صاحب هذه الآيات واحد، والمقدمات التي تحكم أنت بصدقها يجب أن تؤدي إلى نتيجة تحكم أيضاً بصدقها، وها هي المقدمات بين يديك صادقة.

{ قُلِ ٱللَّهُ يُحْيِيكُمْ... } [الجاثية: 26] أي: يعطي المحي ما يُحييه قوة يؤدي بها المهمة المخلوق لها، والإحياء الأول في آدم حين خلقه ربه وسوَّاه ونفخ فيه من روحه ثم أوجدنا نحن من ذريته.

وفي آية أخرى يقول الحق سبحانه:
{  كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ... }
[البقرة: 28].

فكفركم لا حجةَ لكم فيه ولا منطق، فقضية الإحياء من عدم والخلق قضية لا تحتمل الجدل، فأين كان آدم قبل أن يخلقه الله، وأين كنتم
{  هَلْ أَتَىٰ عَلَى ٱلإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ ٱلدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً }
[الإنسان: 1] أي: لم يكن له وجود.

فقضية الحياة والموت لا يمكن لأحد أن يجادل فيها، فالله سبحانه وتعالى خلقنا من عدم، ولم يدَّع أحد قط أنه خلق الناس أو خلق نفسه.

وقوله تعالى { ثُمَّ يُمِيتُكُمْ... } [الجاثية: 26] فإن أحداً لايشك في أنه سيموت، فالموت مُقدَّر على الناس جميعاً، والخَلْق من العدم واقع بالدليل، والموت واقع بالحسِّ والمشاهدة.

ولذلك فمن رحمة الله بالعقل البشري بالنسبة للأحداث الغيبية أن الله سبحانه قرَّبها لنا بشيء مشاهد.. كيف؟ فالحق تبارك وتعالى أخبرنا عن مرحلة في الخلق لم نشهدها، ولكن الموت شيء مشهود لنا جميعاً.

وما دام الموت مشهوداً لنا، فالحق سبحانه يأتي به كدليل على مراحل الخلق التي لم نشهدها، فالموت نقض للحياة.

ثم يقول الحق سبحانه: { ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ... } [الجاثية: 26] فالجمع هنا أي بعد البعث والإعادة والإحياء من الموت، إنه يوم الجمع، قال تعالى:
{  وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ ٱلْجَمْعِ لاَ رَيْبَ فِيهِ... }
[الشورى: 7] أي: تُخوفهم من هذا اليوم وهو يوم القيامة، والجمع فب هذا اليوم يكون من عدة وجوه: البعث حيث يجمع بين الجسم و الروح، ويجمع الملائكة في الملأ الأعلى بالبشر، ويجمع الظالم والمظلوم، والتابع والمتبوع.

يقول الله تعالى:
{  ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ لاَ رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ ٱللَّهِ حَدِيثاً }
[النساء: 87].

ثم يقول الحق سبحانه: { وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ... } [الجاثية: 27].


www.alro7.net