سورة
اية:

وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله وخليله إمام الحنفاء، ووالد الأنبياء، الذي تنتسب إليه قريش في نسبها ومذهبها، وأنه تبرأ من أبيه وقومه في عبادتهم الأوثان فقال‏:‏ ‏ { ‏إنني برآء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه‏} ‏ أي هذه الكلمة وهي ‏ { ‏لا إله إلا اللّه‏} ‏ أي جعلها دائمة في ذريته، يقتدي به فيها من هداه اللّه تعالى، من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام ‏ { ‏لعلهم يرجعون‏} ‏ أي إليها، قال عكرمة ومجاهد ‏ { ‏وجعلها كلمة باقية في عقبه‏} ‏ يعني لا إله إلا اللّه، لا يزال في ذريته من يقولها، وقال ابن زيد‏:‏ كلمة الإسلام، وهو يرجع إلى ما قاله الجماعة، ثم قال جلَّ وعلا‏:‏ ‏ { ‏بل متعت هؤلاء‏} ‏ يعني المشركين ‏ { ‏وآباءهم‏} ‏ فتطاول عليهم العمر في ضلالهم ‏ { ‏حتى جاءهم الحق ورسول مبين‏} ‏ أي بَيِّنُ الرسالة والنذارة‏.‏ ‏ { ‏ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون‏} ‏ أي كابروه وعاندوه كفراً وحسداً وبغياً، ‏ { ‏وقالوا‏} ‏ أي كالمعترضين على الذي أنزله تعالى وتقدس، ‏ { ‏لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم‏} ‏ أي هّلا كان إنزال هذا القرآن على رجل عظيم كبير في أعينهم‏؟‏ ‏ { ‏من القريتين‏} ‏ يعنون مكّة والطائف قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة والسدي ومحمد القرظي وابن زيد ، وقد ذكر غير واحد من السلف أنهم أرادوا بذلك الوليد ابن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي، وعن مجاهد‏:‏ يعنون عتبة بن ربيعة بمكّة وابن عبد ياليل بالطائف، وقال السدي‏:‏ عنوا بذلك الوليد بن المغيرة وكنانة بن عمرو الثقفي ، والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان، قال تعالى رداً عليهم في هذا الاعتراض‏:‏ ‏ { ‏أهم يقسمون رحمة ربك‏} ‏‏؟‏ أي ليس الأمر مردوداً إليهم، بل إلى اللّه عزَّ وجلَّ واللّه أعلم حيث يجعل رسالاته، فإنه لا ينزلها إلا على أزكى الخلق قلباً ونفساً، وأشرفهم بيتاً، وأطهرهم أصلاً، ثم قال عزَّ وجلَّ مبيناً أنه قد فاوت بين خلقه، فيما أعطاهم من الأموال والأرزاق والعقول الفهوم، وغير ذلك من القوى الظاهرة والباطنة فقال‏:‏ ‏ { ‏نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا‏...} الآية‏.‏ وقوله جلَّت عظمته‏:‏ ‏ { ‏ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً‏} ‏ أي ليسخّر بعضُهم بعضاً في الأعمال، لاحتياج هذا إلى هذا وهذا إلى هذا، ثم قال عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏ { ‏ورحمة ربك خير مما يجمعون‏} ‏ أي رحمة اللّه بخلقه، خير لهم مما بأيديهم من الأموال ومتاع الحياة الدنيا، ثم قال سبحانه وتعالى ‏ { ‏ولولا أن يكون الناس أُمّة واحدة‏} ‏ أي لولا أن يعتقد كثير من الناس الجهلة، أن أعطانا المال دليل على محبتنا لمن أعطيناه، فيجتمعوا على الكفر لأجل المال ‏ { ‏لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومعارج‏} ‏ أي سلالم ودرجاً من فضة ‏ { ‏عليها يظهرون‏} ‏ أي يصعدون ‏ { ‏ولبيوتهم أبواباً‏} ‏ أي أغلاقاً على أبوابهم ‏ { ‏وسرراً عليها يتكئون‏} ‏ أي جميع ذلك يكون فضة ‏ { ‏وزخرفاً‏} ‏ أي وذهباً، قاله ابن عباس والسدي، ‏ { ‏وإنْ كلُّ ذلك لمّا متاع الحياة الدنيا‏} ‏ أي إنما ذلك من الدنيا الفانية، الزائلة الحقيرة عند اللّه تعالى، أي يعجل لهم بحسناتهم التي يعملونها في الدنيا مآكل ومشارب، ليوافوا الآخرة وليس لهم عند اللّه تبارك وتعالى حسنة يجزيهم بها‏.‏ ثم قال سبحانه وتعالى‏:‏ ‏ { ‏والآخرة عند ربك للمتقين‏} ‏ أي هي لهم خاصة لا يشاركهم فيها أحد غيرهم، ولهذا لما قال عمر بن الخطّاب لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حين رآه على رمال الحصير، قد آثر بجنبه، فابتدرت عيناه بالبكاء، وقال‏:‏ يا رسول اللّه‏!‏ هذا كسرى وقيصر فيما هم فيه، وأنت صفوة اللّه من خلقه‏؟‏ وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم متكئاً فجلس وقال‏:‏ ‏(‏أو في شك أنت يا ابن الخطاب‏؟‏‏)‏ ثم قال صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا‏)‏، وفي رواية‏:‏ ‏(‏أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة‏)‏، وفي الصحيحين أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة‏)‏ وإنما خوَّلهم اللّه تعالى في الدنيا لحقارتها، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم‏:‏ ‏(‏لو كانت الدنيا تزن عند اللّه جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء أبداً‏)‏ ‏"‏أخرجه الترمذي وابن ماجة عن سهل بن سعد، وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح ‏"‏‏.

تفسير الجلالين

{ و } اذكر { قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني بَرَاء } أي بريء { مما تعبدون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَوْمه إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَوْمه } الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَا يَعْبُدهُ مُشْرِكُو قَوْمك يَا مُحَمَّد { إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُونَ } مِنْ دُون اللَّه , فَكَذَّبُوهُ , فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ كَمَا انْتَقَمْنَا مِمَّنْ قَبْلهمْ مِنَ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة رُسُلهَا , وَقِيلَ : { إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُونَ } فَوَضَعَ الْبَرَاء وَهُوَ مَصْدَر مَوْضِع النَّعْت , وَالْعَرَب لَا تُثَنِّي الْبَرَاء وَلَا تَجْمَع وَلَا تُؤَنِّث , فَتَقُول : نَحْنُ الْبَرَاء وَالْخَلَاء : لَمَّا ذَكَرْت أَنَّهُ مَصْدَر , وَإِذَا قَالُوا : هُوَ بَرِيء مِنْك ثَنُّوا وَجَمَعُوا وَأَنَّثُوا , فَقَالُوا : هُمَا بَرِيئَانِ مِنْك , وَهُمْ بَرِيئُونَ مِنْك , وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " إِنَّنِي بِرِّي " بِالْيَاءِ , وَقَدْ يَجْمَع بَرِيء : بُرَاء وَأَبْرَاء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَوْمه إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم لِأَبِيهِ وَقَوْمه } الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَا يَعْبُدهُ مُشْرِكُو قَوْمك يَا مُحَمَّد { إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُونَ } مِنْ دُون اللَّه , فَكَذَّبُوهُ , فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ كَمَا انْتَقَمْنَا مِمَّنْ قَبْلهمْ مِنَ الْأُمَم الْمُكَذِّبَة رُسُلهَا , وَقِيلَ : { إِنَّنِي بَرَاء مِمَّا تَعْبُدُونَ } فَوَضَعَ الْبَرَاء وَهُوَ مَصْدَر مَوْضِع النَّعْت , وَالْعَرَب لَا تُثَنِّي الْبَرَاء وَلَا تَجْمَع وَلَا تُؤَنِّث , فَتَقُول : نَحْنُ الْبَرَاء وَالْخَلَاء : لَمَّا ذَكَرْت أَنَّهُ مَصْدَر , وَإِذَا قَالُوا : هُوَ بَرِيء مِنْك ثَنُّوا وَجَمَعُوا وَأَنَّثُوا , فَقَالُوا : هُمَا بَرِيئَانِ مِنْك , وَهُمْ بَرِيئُونَ مِنْك , وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : " إِنَّنِي بِرِّي " بِالْيَاءِ , وَقَدْ يَجْمَع بَرِيء : بُرَاء وَأَبْرَاء .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وإذ قال} أي ذكرهم إذ قال. { إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون} البراء يستعمل للواحد فما فوقه فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث؛ لأنه مصدر وضع موضع النعت؛ لا يقال : البراءان والبراءون، لأن المعنى ذو البراء وذوو البراء. قال الجوهري : وتبرأت من كذا، وأنا منه براء، وخلاء منه لا يثنى ولا يجمع لأنه مصدر في الأصل؛ مثل : سمع سماعا. فإذا قلت : أنا بريء منه وخلي ثنيت وجمعت وأنثت، وقلت في الجمع : نحن منه براء مثل فقيه وفقهاء، وبراء أيضا مثل كريم وكرام، وأبراء مثل شريف وأشراف، وأبرياء مثل نصيب وأنصباء، وبريئون. وامرأة بريئة بريئتان وهن بريئات وبرايا. ورجل بريء وبراء مثل عجيب وعجاب. والبراء بالفتح أول ليلة من الشهر، سميت بذلك لتبرؤ القمر من الشمس. { إلا الذي فطرني} استثناء متصل، لأنهم عبدوا الله مع آلهتهم. قال قتادة : كانوا يقولون الله ربنا؛ مع عبادة الأوثان. ويجوز أن يكون منقطعا؛ أي لكن الذي فطرني فهو يهدين. قال ذلك ثقة بالله وتنبيها لقومه أن الهداية من ربه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الزخرف الايات 20 - 26


سورة الزخرف الايات 26 - 36

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

يريد الحق سبحانه أنْ يكشف زيفهم ويفضح كذبهم في قولهم
{  بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ }
[البقرة: 170] ويسوق لهم الدليل الواقعي من واقع حياتهم، فها هو سيدنا إبراهيم الخليل أبو الأنبياء ومحطّ أنظار العرب جميعاً يُقدِّسونه ويفتخرون بالانتساب إليه.

يقولون: نحن من نسل إبراهيم، وإبراهيم لم يُقلِّد أباه في عبادته للأصنام، فلماذا تقلدون أنتم آباءكم ولم تقلدوا إبراهيم؟

فالحق سبحانه ينقض مسألة التقليد عملياً في قصة سيدنا إبراهيم وينقضها فلسفياً أيضاً، فلو تتبعتَ الوجود الأول لم نجد إلا آدم عليه السلام، وآدم جاء بمنهج وسار عليه وسار عليه أولاده من بعده، فكيف حدث الانحراف عن هذا المنهج؟

إذن: لا بدَّ أنه جاء مع مرور الزمان أنَاسٌ خرجوا على المنهج وقلبوا الحقائق لهوىً في أنفسهم، ومن هؤلاء جاء جيل يعبد الأصنام، لأنهم غير محكومين بمنهج السماء ولا بقضية التكاليف: افعل ولا تفعل، فناسبهم عبادة آلهة لا تكليفَ عندها، لذلك عبدوا الأصنام.

قوله تعالى: { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ } [الزخرف: 26] دار حولها جدلٌ واسع بين العلماء: أهو أبوه الحقيقي أو هو عمه آزر؟ المتتبع لكلمة (أبيه) في القرآن في القرآن يجد أنها وردت ثماني مرات، أولها في سورة الأنعام
{  وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ }
[الأنعام: 74] وآخرها في سورة الممتحنة، ولم تأت كلمة (لأبيه) بعد ذلك إلا مرة واحدة في قصة سيدنا يوسف
{  إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَبِيهِ }
[يوسف: 4].

إذن: لم تأتِ آزر إلا في آية الأنعام فقط، وهي أول الآيات الثمانية، فكأن الحق سبحانه حسم الخلاف في هذه المسألة، فأراد أنْ يُبيِّن لنا أن آزر عمه، بدليل أنه قال { لأَبِيهِ آزَرَ } [الأنعام: 74] وفي باقي المواضع قال (لأبيه) أي: الذي عرفتموه أولاً. أي: في سورة الأنعام.

وهذا أمر شائع في لغتنا أن نقول للعم أب، فحين يسأل رجل: أبوك موجود؟ تفهم أنه يريد الأب الحقيقي، إنما لو قال لك: أبوك محمد موجود؟ فهو يقصد عمك لأنه حدَّده بالعَلَم بعد الوصف.

والقرآن يُدخل العَمَّ ضمن الآباء في قوله تعالى:
{  أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ }
[البقرة: 133].

فكلمة { آبَائِكَ } [البقرة: 133] جمع يشمل إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، وإذا اجتمع جمع في حكم جمع تكون القسمة مفردة، فتأخذ أب هو إبراهيم، وأب هو إسماعيل، وأب هو إسحاق، فهؤلاء الثلاثة آباء ليعقوب، وإسماعيل أخو إسحاق، وإنْ كان إسماعيل هو الأب إذن إسحاق ليس أباً، بل هو عَمّ. إذن: سُمِّيَ العَمُّ أباً.

لذلك الحق سبحانه في أول آية تتكلم عن سيدنا إبراهيم ذكر { لأَبِيهِ آزَرَ } [الأنعام: 74] ليُبيِّن أن آزر الذي جادله إبراهيم وناقشه في مسألة التوحيد ليس أبا إبراهيم الحقيقي، إنما هو عمه.ونجد دليلاً على ذلك من سنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال في الحديث عن أصله صلى الله عليه وسلم: " ما زلتُ أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات، فأنا خِيارٌ من خيار ".

وسلسلة النسب النبوي تصل إلى أبيه إبراهيم، فلا يصح إذن أنْ يكون أبو إبراهيم كافراً عابداً للأصنام.

وقوله: { إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ } [الزخرف: 26] براء بمعنى بريء، والفرق بينهما أن براء تُقَال للمفرد وللمثنى وللجمع، وللمذكر والمؤنث، أما بريء فتُثنَّى وتُجمع، وتُذكَّر وتُؤنَّث، وفي موضع آخر وصفهم بالعدو:
{  فَإِنَّهُمْ }
[الشعراء: 77] أي: الأصنام
{  عَدُوٌّ لِيۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ }
[الشعراء: 77] فما دام في المسألة شِرْك أو كفر بالله فأنا أتبرّأ منه.


www.alro7.net