سورة
اية:

وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ

تفسير بن كثير

ذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت أي أرشده إليه، وسلمه له وأذن له في بنائه، واستدل به كثير ممن قال إن إبراهيم عليه السلام هو أول من بنى البيت العتيق وأنه لم يبن قبله، كمت ثبت في الصحيحين عن أبي ذر قلت: يا رسول اللّه أي مسجد وضع أول؟ قال: (المسجد الحرام) قلت: ثم أي؟ قال: (بيت المقدس) قلت: كم بينهما؟ قال: (أربعون سنة)، وقد قال اللّه تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للَّذي ببكة مباركا} الآيتين، وقال تعالى: { وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفي والعاكفين والركع السجود} وقد قدمنا ذكر ما ورد في بناء البيت من الصحاح والآثار بما أغنى عن إعادته ههنا، وقال تعالى ههنا: { أن لا تشرك بي شيئا} أي ابنه على اسمي وحدي { وطهر بيتي} قال مجاهد: من الشرك { للطائفين والقائمين والركع السجود} أي اجعله خالصاً لهؤلاء الذين يعبدون اللّه وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها { والقائمين} أي في الصلاة، ولهذا قال: { والركع السجود} فقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت. وقوله تعالى: { وأذن في الناس بالحج} أي ناد في الناس بالحج داعياً لهم لحج هذا البيت الذي أمرناك ببنائه فذكر أنه قال: يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم؟ فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب اللّه أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك؛ هذا مضمون ما ورد عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف واللّه أعلم، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة، وقوله: { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر} ""الضامر: البعير الذي قد هزل من كثرة المشي""الآية. قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشياً لمن قدر عليه أفضل من الحج راكباً لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم وشدة عزمهم، وقال ابن عباس: ما أساء على شيء إلا أني وددت أني كنت حججت ماشياً، لأن اللّه يقول: { يأتوك رجالا} ، والذي عليه الأكثرون أن الحج راكباً أفضل اقتداء برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فإنه حج راكباً مع كمال قوته عليه السلام. وقوله: { يأتين من كل فج} يعني طريق، كما قال: { وجعلنا فيها فجاجا سبلا} ، وقوله: { عميق} أي بعيد، وهذه الآية كقوله تعالى: { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم} ، فليس أحد من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، والناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار.

تفسير الجلالين

{ و } اذكر { إذ بوأنا } بينا { لإبراهيم مكان البيت } ليبنيه، وكان قد رفع زمن الطوفان، وأمرناه { أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي } من الأوثان { للطائفين والقائمين } المقيمين به { والركع السجود } جمع راكع وساجد: المصلين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت أَنْ لَا تُشْرِك بِي شَيْئًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مُعْلِمه عَظِيم مَا رَكِبَ مِنْ قَوْمه قُرَيْش خَاصَّة دُون غَيْرهمْ مِنْ سَائِر خَلْقه بِعِبَادَتِهِمْ فِي حَرَمه , وَالْبَيْت الَّذِي أَمَرَ إِبْرَاهِيم خَلِيله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَائِهِ وَتَطْهِيره مِنَ الْآفَات وَالرِّيَب وَالشِّرْك : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد كَيْفَ ابْتَدَأْنَا هَذَا الْبَيْت الَّذِي يَعْبُد قَوْمك فِيهِ غَيْرِي , إِذْ بَوَّأْنَا لِخَلِيلِنَا إِبْرَاهِيم , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " بَوَّأْنَا " : وَطَّأْنَا لَهُ مَكَان الْبَيْت . كَمَا : 18927 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت } قَالَ : وَضَعَ اللَّه الْبَيْت مَعَ آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَهْبَطَ آدَم إِلَى الْأَرْض ; وَكَانَ مَهْبِطه بِأَرْضِ الْهِنْد , وَكَانَ رَأْسه فِي السَّمَاء وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْض , فَكَانَتِ الْمَلَائِكَة تَهَابهُ فَنَقَصَ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا , وَأَنَّ آدَم لَمَّا فَقَدَ أَصْوَات الْمَلَائِكَة وَتَسْبِيحهمْ , شَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّه , فَقَالَ اللَّه : يَا آدَم إِنِّي قَدْ أَهْبَطْت لَك بَيْتًا يُطَاف بِهِ كَمَا يُطَاف حَوْل عَرْشِي , وَيُصَلَّى عِنْده كَمَا يُصَلَّى حَوْل عَرْشِي , فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ ! فَخَرَجَ إِلَيْهِ , وَمَدَّ لَهُ فِي خَطْوه , فَكَانَ بَيْن كُلّ خُطْوَتَيْنِ مَفَازَة , فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْمَفَاوِز عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَتَى آدَم الْبَيْت , فَطَافَ بِهِ وَمَنْ بَعْده مِنَ الْأَنْبِيَاء . 18928 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا عَهِدَ اللَّه إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ , انْطَلَقَ إِبْرَاهِيم حَتَّى أَتَى مَكَّة , فَقَامَ هُوَ وَإِسْمَاعِيل , وَأَخَذَا الْمَعَاوِل , لَا يَدْرِيَانِ أَيْنَ الْبَيْت , فَبَعَثَ اللَّه رِيحًا يُقَال لَهَا رِيح الْخَجُوج , لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْس فِي صُورَة حَيَّة , فَكَنَسَتْ لَهُمَا مَا حَوْل الْكَعْبَة عَنْ أَسَاس الْبَيْت الْأَوَّل , وَاتَّبَعَاهَا بِالْمَعَاوِلِ يَحْفِرَانِ , حَتَّى وَضَعَا الْأَسَاس ; فَذَلِكَ حِين يَقُول : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت } . وَيَعْنِي بِالْبَيْتِ : الْكَعْبَة , { أَنْ لَا تُشْرِك بِي شَيْئًا } فِي عِبَادَتك إِيَّايَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت أَنْ لَا تُشْرِك بِي شَيْئًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مُعْلِمه عَظِيم مَا رَكِبَ مِنْ قَوْمه قُرَيْش خَاصَّة دُون غَيْرهمْ مِنْ سَائِر خَلْقه بِعِبَادَتِهِمْ فِي حَرَمه , وَالْبَيْت الَّذِي أَمَرَ إِبْرَاهِيم خَلِيله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَائِهِ وَتَطْهِيره مِنَ الْآفَات وَالرِّيَب وَالشِّرْك : وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّد كَيْفَ ابْتَدَأْنَا هَذَا الْبَيْت الَّذِي يَعْبُد قَوْمك فِيهِ غَيْرِي , إِذْ بَوَّأْنَا لِخَلِيلِنَا إِبْرَاهِيم , يَعْنِي بِقَوْلِهِ : " بَوَّأْنَا " : وَطَّأْنَا لَهُ مَكَان الْبَيْت . كَمَا : 18927 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت } قَالَ : وَضَعَ اللَّه الْبَيْت مَعَ آدَم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين أَهْبَطَ آدَم إِلَى الْأَرْض ; وَكَانَ مَهْبِطه بِأَرْضِ الْهِنْد , وَكَانَ رَأْسه فِي السَّمَاء وَرِجْلَاهُ فِي الْأَرْض , فَكَانَتِ الْمَلَائِكَة تَهَابهُ فَنَقَصَ إِلَى سِتِّينَ ذِرَاعًا , وَأَنَّ آدَم لَمَّا فَقَدَ أَصْوَات الْمَلَائِكَة وَتَسْبِيحهمْ , شَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّه , فَقَالَ اللَّه : يَا آدَم إِنِّي قَدْ أَهْبَطْت لَك بَيْتًا يُطَاف بِهِ كَمَا يُطَاف حَوْل عَرْشِي , وَيُصَلَّى عِنْده كَمَا يُصَلَّى حَوْل عَرْشِي , فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ ! فَخَرَجَ إِلَيْهِ , وَمَدَّ لَهُ فِي خَطْوه , فَكَانَ بَيْن كُلّ خُطْوَتَيْنِ مَفَازَة , فَلَمْ تَزَلْ تِلْكَ الْمَفَاوِز عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَتَى آدَم الْبَيْت , فَطَافَ بِهِ وَمَنْ بَعْده مِنَ الْأَنْبِيَاء . 18928 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا عَهِدَ اللَّه إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ , انْطَلَقَ إِبْرَاهِيم حَتَّى أَتَى مَكَّة , فَقَامَ هُوَ وَإِسْمَاعِيل , وَأَخَذَا الْمَعَاوِل , لَا يَدْرِيَانِ أَيْنَ الْبَيْت , فَبَعَثَ اللَّه رِيحًا يُقَال لَهَا رِيح الْخَجُوج , لَهَا جَنَاحَانِ وَرَأْس فِي صُورَة حَيَّة , فَكَنَسَتْ لَهُمَا مَا حَوْل الْكَعْبَة عَنْ أَسَاس الْبَيْت الْأَوَّل , وَاتَّبَعَاهَا بِالْمَعَاوِلِ يَحْفِرَانِ , حَتَّى وَضَعَا الْأَسَاس ; فَذَلِكَ حِين يَقُول : { وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيم مَكَان الْبَيْت } . وَيَعْنِي بِالْبَيْتِ : الْكَعْبَة , { أَنْ لَا تُشْرِك بِي شَيْئًا } فِي عِبَادَتك إِيَّايَ .' الَّذِي بَنَيْته مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان . كَمَا : 18929 -حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي عَنْ سُفْيَان عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَطَهِّرْ بَيْتِي } قَالَ : مِنَ الشِّرْك . 18930 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : مِنَ الْآفَات وَالرِّيَب . 18931 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { طَهِّرَا بَيْتِي } قَالَ : مِنَ الشِّرْك وَعِبَادَة الْأَوْثَان. الَّذِي بَنَيْته مِنْ عِبَادَة الْأَوْثَان . كَمَا : 18929 -حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي عَنْ سُفْيَان عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { وَطَهِّرْ بَيْتِي } قَالَ : مِنَ الشِّرْك . 18930 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء , عَنْ عُبَيْد بْن عُمَيْر , قَالَ : مِنَ الْآفَات وَالرِّيَب . 18931 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { طَهِّرَا بَيْتِي } قَالَ : مِنَ الشِّرْك وَعِبَادَة الْأَوْثَان. ' وَقَوْله : { لِلطَّائِفِينَ } يَعْنِي لِلطَّائِفِينَ بِهِ .وَقَوْله : { لِلطَّائِفِينَ } يَعْنِي لِلطَّائِفِينَ بِهِ .' بِمَعْنَى الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ قِيَام فِي صَلَاتهمْ . كَمَا : 18932 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ جَابِر , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ } قَالَ : الْقَائِمُونَ فِي الصَّلَاة . 18933 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَالْقَائِمِينَ } قَالَ : الْقَائِمُونَ الْمُصَلُّونَ . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 18934 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّع السُّجُود } قَالَ : الْقَائِم وَالرَّاكِع وَالسَّاجِد هُوَ الْمُصَلِّي , وَالطَّائِف هُوَ الَّذِي يَطُوف بِهِ . بِمَعْنَى الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ قِيَام فِي صَلَاتهمْ . كَمَا : 18932 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ جَابِر , عَنْ عَطَاء فِي قَوْله : { وَطَهِّرْ بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ } قَالَ : الْقَائِمُونَ فِي الصَّلَاة . 18933 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَالْقَائِمِينَ } قَالَ : الْقَائِمُونَ الْمُصَلُّونَ . * - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . 18934 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّع السُّجُود } قَالَ : الْقَائِم وَالرَّاكِع وَالسَّاجِد هُوَ الْمُصَلِّي , وَالطَّائِف هُوَ الَّذِي يَطُوف بِهِ . ' وَقَوْله : { وَالرُّكَّع السُّجُود } يَقُول : وَالرُّكَّع السُّجُود فِي صَلَاتهمْ حَوْل الْبَيْت .وَقَوْله : { وَالرُّكَّع السُّجُود } يَقُول : وَالرُّكَّع السُّجُود فِي صَلَاتهمْ حَوْل الْبَيْت .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت} أي واذكر إذ بوأنا لإبراهيم؛ يقال : بوأته منزلا وبوأت له. كما يقال : مكنتك ومكنت لك؛ فاللام في قوله { لإبراهيم} صلة للتأكيد؛ كقوله { ردف لكم} [النمل : 72]، وهذا قول الفراء. وقيل { بوأنا لإبراهيم مكان البيت} أي أريناه أصله ليبنيه، وكان قد درس بالطوفان وغيره، فلما جاءت مدة إبراهيم عليه السلام أمره الله ببنيانه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثرا، فبعث الله ريحا فكشفت عن أساس آدم عليه السلام؛ فرتب قواعده عليه؛ حسبما تقدم بيانه في { البقرة} . وقيل { بوأنا} نازلة منزلة فعل يتعدى باللام؛ كنحو جعلنا، أي جعلنا لإبراهيم مكان البيت مبوأ. وقال الشاعر : كم من أخ لي ماجد ** بوأته بيدي لحدا { أن لا تشرك} هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام في قول الجمهور. وقرأ عكرمة { أن لا يشرك} بالياء، على نقل معنى القول الذي قيل له. قال أبو حاتم : ولا بد من نصب الكاف على هذه القراءة، بمعنى لئلا يشرك. وقيل : إن { أن} مخففة من الثقيلة. وقيل مفسرة. وقيل زائدة؛ مثل { فلما أن جاء البشير} [يوسف : 96]. وفي الآية طعن على من أشرك من قطان البيت؛ أي هذا كان الشرط على أبيكم ممن بعده وأنتم، فلم تفوا بل أشركتم. وقالت فرقة : الخطاب من قول { أن لا تشرك} لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج. والجمهور على أن ذلك لإبراهيم؛ وهو الأصح. وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء. وقيل : عنى به التطهير عن الأوثان؛ كما قال تعالى { فاجتنبوا الرجس من الأوثان} [الحج : 30]؛ وذلك أن جرهما والعمالقة كانت لهم أصنام في محل البيت وحوله قبل أن يبنيه إبراهيم عليه السلام. وقيل : المعنى نزه بيتي عن أن يعبد فيه صنم. وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه. وقد مضى ما للعلماء في تنزيه المسجد الحرام وغيره من المساجد بما فيه كفاية في سورة { التوبة} . والقائمون هم المصلون. وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها، وهو القيام والركوع والسجود.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 19 - 26


سورة الحج الايات 26 - 28

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ما دام الكلام السابق كان حول البيت الحرام، فمن المناسب أنْ يتكلم عن تاريخه وبنائه، فقال سبحانه: { وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } [الحج: 26] معنى بَوَّأه: أي: جعله مَبَاءةً يعني: يذهب لعمله ومصالحه، ثم يبوء إليه ويعود، كالبيت للإنسان يرجع إليه، ومنه قوله تعالى:
{  وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ.. }
[البقرة: 61].

وإذ: ظرف زمان لحدث يأتي بعده الإخبار بهذا الحدث، والمعنى خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اذكر يا محمد الوقت الذي قيل فيه لإبراهيم كذا وكذا. وهكذا في كل آيات القرآن تأتي (إذ) في خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم بحدث وقع في ذلك الظرف.

لكن، ما علاقة المباءة أو المكان المتبوّأ بمسألة البيت؟ قالوا: لأن المكان المتبوّأ بقعة من الأرض يختارها الإنسان؛ ليرجع إليها من متاعب حياته، ولا يختار الإنسان مثل هذا المكان إلا توفرتْ فيه كل مُقوِّمات الحياة.

لذلك يقول تعالى في قصة يوسف عليه السلام:
{  وَكَذٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ.. }
[يوسف: 56]

وقال في شأن بني إسرائيل:
{  وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِيۤ إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ.. }
[يونس: 93] فمعنى: { بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ.. } [الحج: 26] أي: جعلناه مبَاءة له، يرجع إليه من حركة حياته بعد أنْ أعلمنَاهُ، ودَلَلْناه على مكانه.

وقلنا: إن المكان غير المكين، المكان هو البقعة التي يقع فيه ويحلُّ بها المكين، فأرض هذا المسجد مكان، والبناء القائم على هذه الأرض يُسمَّى " مكين في هذا المكان ". وعلى هذا فقد دَلَّ الله إبراهيم عليه السلام على المكان الذي سيأمره بإقامة البيت عليه.

وقد كان للعلماء كلام طويل حول هذه المسألة: فبعضهم يذهب إلى أن إبراهيم عليه السلام هو أول مَنْ بنى البيت. ونقول لأصحاب هذا الرأي: الحق - تبارك وتعالى - بوَّأ لإبراهيم مكان البيت، يعني: بيَّنه له؛ كأن البيت كان موجوداً، بدليل أن الله تعالى يقول في القصة على لسان إبراهيم:
{  إِنَّيۤ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ.. }
[إبراهيم: 37].

وفي قوله تعالى:
{  وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ.. }
[البقرة: 127]

ومعلوم أن إسماعيل قد شارك أباه وساعده في البناء لما شَبَّ، وأصبح لديه القدرة على معاونة أبيه، أمّا مسألة السكن فكانت وإسماعيل ما يزال رضيعاً، وقوله تعالى:
{  عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ.. }
[إبراهيم: 37] يدل على أن العِنْدية موجودة قبل أنْ يبلغَ إسماعيل أنْ يساعد أباه في بناية البيت، إذن: هذا دليل على أن البيت كان موجوداً قبل إبراهيم.

وقد أوضح الحق - سبحانه وتعالى - هذه المسألة في قوله تعالى:
{  إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ }
[آل عمران: 96].

وحتى نتفق على فَهْم الآية نسأل: مَنْ هُم الناس؟ الناس هم آدم وذريته إلى أن تقوم الساعة، إذن: فآدم من الناس، فلماذا لا يشمله عموم الآية، فالبيت وُضِع للناس، وآدم من الناس، فلا بُدَّ أن يكون وَُضِع لآدم أيضاً.

إذن: يمكنك القول بأن البيت وَُضِع حتى قبل آدم؛ لذلك نُصدِّق بالرأي الذي يقول: إن الملائكة هي التي وضعتْ البيت أولاً، ثم طمسَ الطوفانُ معالم البيت، فدلَّ الله إبراهيم بوحي منه على مكان البيت، وأمره أنْ يرفعه من جديد في هذا الوادي.

ويُقال: إن الله تعالى أرسل إلى إبراهيم سحابة دَلَّتْه على المكان، ونطقتْ: يا إبراهيم خُذْ على قدري، أي: البناء.

ولو تدبرتَ معنى:
{  وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ.. }
[البقرة: 127] الرَّفْع يعني: الارتفاع، وهو البعد الثالث، فكأن القواعد كان لها طُول وعَرْض موجود فعلاً، وعلى إبراهيم أنْ يرفعها.

لكن لماذا بوَّأ الله لإبراهيم مكان البيت؟

لما أسكن إبراهيم ذريته عند البيت قال:
{  رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ.. }
[إبراهيم: 37] كأن المسألة من بدايتها مسألة عبادة وإقامة للصلاة، الصلاة للإله الحقِ والربِّ الصِّدْق؛ لذلك أمره أولاً: { أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } [الحج: 26] والمراد: طَهِّر هذا المكان من كل ما يُشعِر بالشرك، فهذه هي البداية الصحيحة لإقامة بيت الله.

وهل كان يُعقل أنْ يدخل إبراهيم - عليه السلام - في الشرك؟ بالطبع لا، وما أبعدَ إبراهيمَ عن الشرك، لكن حين يُرسِل الله رسولاً، فإنه أول مَنْ يتلقَّى عن الله الأوامر ليُبلِّغ أمته، فهو أول مَنْ يتلقى، وأول مَنْ يُنفذ ليكون قدوةً لقومه فيُصدِّقوه ويثقوا به؛ لأنه أمرهم بأمر هو ليس بنَجْوة عنه.

ألا ترى قوله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:
{  يَٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ.. }
[الأحزاب: 1] وهل خرج محمد صلى الله عليه وسلم عن تقوى الله؟ إنما الأمر للأمة في شخص رسولها، حتى يسهُلَ علينا الأمر حين يأمرنا ربنا بتقواه، ولا نرى غضاضةً في هذا الأمر الذي سبقنا إليه رسول الله؛ لأنك تلحظ أن البعض يأنف أن تقول له: يا فلان اتق الله، وربما اعتبرها إهانة واتهاماً، وظن أنها لا تُقال إلا لمَنْ بدر منه ما يخالف التقوى.

وهذا فَهْم خاطئ للأمر بالتقوى، فحين أقول لك: اتق الله. لا يعني أنني أنفي عنك التقوى، إنما أُذكِّرك أنْ تبدأ حركة حياتك بتقوى الله.

إذن: قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: { أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً.. } [الحج: 26] لا تعني تصوُّر حدوث الشرك من إبراهيم، وقال { شَيْئاً.. } [الحج: 26] ليشمل النهيُ كُلَّ ألوان الشرك، أياً كانت صورته: شجر، أو حجر، أو وثن، أو نجوم، أو كواكب.

ويؤكد هذا المعنى بقوله: { وَطَهِّرْ بَيْتِيَ.. } [الحج: 26] والتطهير يعني: الطهارة المعنوية بإزالة أسباب الشرك، وإخلاص العبادة لله وحده لا شريكَ له، وطهارة حِسّية ممّا أصابه بمرور الزمن وحدوث الطوفان، فقد يكون به شيء من القاذورات مثلاً.

ومعنى { لِلطَّآئِفِينَ.. } [الحج: 26] الذين يطوفون بالبيت: { وَٱلْقَآئِمِينَ.. } [الحج: 26] المقيمين المعتكفين فيه للعبادة { وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ } [الحج: 26] الذين يذهبون إليه في أوقات الصلوات لأداء الصلاة، عبَّر عن الصلاة بالركوع والسجود؛ لأنهما أظهر أعمال الصلاة.

ثم يقول الحق سبحانه: { وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً.. }

.


www.alro7.net