سورة
اية:

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن عبده ورسوله موسى عليه السلام، أنه آتاه الكتاب وهو التوراة، وقوله تعالى: { فلا تكن في مرية من لقائه} قال قتادة: يعني به ليلة الإسراء، وفي الحديث: (رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلاً آدم جعداً كأنه من رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلاً مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، ورأيت مالكاً خازن النار، والدجال) في آيات أَراهنَّ اللّه إياها { فلا تكن في مرية من لقائه} أنه قد رأى موسى ولقي موسى ليلة أسري به. وروى ابن عباس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى: { فلا تكن في مرية من لقائه} قال من لقاء موسى ربه عزَّ وجلَّ ""أخرجه الطبراني""، وقوله تعالى: { وجعلناه} أي الكتاب الذي آتيناه { هدى لنبي إسرائيل} ، كما قال تعالى في الإسراء: { وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لنبي إسرائيل أن لا تتخذوا من دوني وكيلا} . وقوله تعالى: { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} أي لما كانوا صابرين على أوامر اللّه، وترك زواجره، وتصديق رسله، واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر اللّه، ويدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ثم لما بدّلوا وحرّفوا سلبوا ذلك المقام، وصارت قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه، فلا عمل صالحاً ولا اعتقاداً صحيحاً، ولهذا قال تعالى: { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب} قال قتادة: لما صبروا عن الدنيا، وقال سفيان: هكذا كان هؤلاء، ولا ينبغي للرجل أن يكون إماماً يقتدى به حتى يتحامى عن الدنيا، وسئل سفيان عن قول علي رضي اللّه عنه: الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ألم تسمع قوله: { وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا} ؟ قال: لما أخذوا برأس الأمر صاروا رؤساء، قال بعض العلماء: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، ولهذا قال تعالى: { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم عن العالمين} ، كما قال ههنا: { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} أي من الاعتقادات والأعمال.

تفسير الجلالين

{ إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون } من أمر الدين.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ رَبَّك هُوَ يَفْصِل بَيْنَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد هُوَ يُبَيِّن جَمِيع خَلْقه يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ فِي الدُّنْيَا يَخْتَلِفُونَ مِنْ أُمُور الدِّين وَالْبَعْث وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب دِينهمْ , فَيُفَرِّق بَيْنَهُمْ بِقَضَاءٍ فَاصِل بِإِيجَابِهِ لِأَهْلِ الْحَقّ الْجَنَّة , وَلِأَهْلِ الْبَاطِل النَّارَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ رَبَّك هُوَ يَفْصِل بَيْنَهُمْ يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد هُوَ يُبَيِّن جَمِيع خَلْقه يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ فِي الدُّنْيَا يَخْتَلِفُونَ مِنْ أُمُور الدِّين وَالْبَعْث وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أَسْبَاب دِينهمْ , فَيُفَرِّق بَيْنَهُمْ بِقَضَاءٍ فَاصِل بِإِيجَابِهِ لِأَهْلِ الْحَقّ الْجَنَّة , وَلِأَهْلِ الْبَاطِل النَّارَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه} أي فلا تكن يا محمد في شك من لقاء موسى؛ قال ابن عباس. وقد لقيه ليلة الإسراء. قتادة : المعنى فلا تكن في شك من أنك لقيته ليلة الإسراء. والمعنى واحد. وقيل : فلا تكن في شك من لقاء موسى في القيامة، وستلقاه فيها. وقيل : فلا تكن في شك من لقاء موسى الكتاب بالقبول؛ قال مجاهد والزجاج. وعن الحسن أنه قال في معناه { ولقد آتينا موسى الكتاب} فأوذي وكذب، فلا تكن في شك من أنه سيلقاك ما لقيه من التكذيب والأذى؛ فالهاء عائدة على محذوف، والمعنى من لقاء ما لاقى. النحاس : وهذا قول غريب، إلا أنه من رواية عمرو بن عبيد. وقيل في الكلام تقديم وتأخير؛ والمعنى : قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم فلا تكن في مرية من لقائه؛ فجاء معترضا بين { ولقد آتينا موسى الكتاب} وبين { وجعلناه هدى لبني إسرائيل} . والضمير في { وجعلناه} فيه وجهان : أحدهما : جعلنا موسى؛ قاله قتادة. الثاني : جعلنا الكتاب؛ قاله الحسن. { وجعلنا منهم أئمة} أي قادة وقدوة يقتدى بهم في دينهم. والكوفيون يقرؤون "أئمة" النحاس : وهو لحن عند جميع النحويين؛ لأنه جمع بين همزتين في كلمه واحدة، وهو من دقيق النحو. وشرحه : أن الأصل "أأْمِمَة" ثم ألقيت حركة الميم على الهمزة وأدغمت الميم، وخففت الهمزة الثانية لئلا يجتمع همزتان، والجمع بين همزتين في حرفين بعيد؛ فأما في حرف واحد فلا يجوز إلا تخفيف الثانية نحو قولك : آدم وآخر. ويقال : هذا أوم من هذا وأيّم؛ بالواو والياء. وقد مضى هذا في "التوبة" والله تعالى أعلم. { يهدون بأمرنا} أي يدعون الخلق إلى طاعتنا. "بأمرنا" أي أمرناهم بذلك. وقيل: "بأمرنا" أي لأمرنا؛ أي يهدون الناس لديننا. ثم قيل : المراد الأنبياء عليهم السلام؛ قاله قتادة. وقيل : المراد الفقهاء والعلماء. { لما صبروا} قراءة العامة { لما} بفتح اللام وتشديد الميم وفتحها؛ أي حين صبروا. وقرأ يحيى وحمزة والكسائي وخلف ورويس عن يعقوب { لما صبروا} أي لصبرهم جعلناهم أئمة. واختاره أبو عبيد اعتبارا بقراءة ابن مسعود { بما صبروا} بالباء. وهذا الصبر صبر على الدين وعلى البلاء. وقيل : صبروا عن الدنيا. { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة} أي يقضي ويحكم بين المؤمنين والكفار، فيجازي كلا بما يستحق. وقيل : يقضي بين الأنبياء وبين قومهم؛ حكاه النقاش.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة السجدة الايات 18 - 26

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

تلحظ على أسلوب الآية أنها لم تقل مثلاً: إن ربك يفصل بينهم، إنما استخدمت الضمير المنفصل (هو) ليفيد التأكيد والاختصاص، فالمعنى لا أحدَ يفصل بينهم في القيامة إلا الله، كما قال سبحانه:
{  لِّمَنِ ٱلْمُلْكُ ٱلْيَوْمَ لِلَّهِ ٱلْوَاحِدِ ٱلْقَهَّارِ }
[غافر: 16]

إذن: جاءت (هو) لتقطع الشك في وجود الغير.

ولك أنْ تتأمل هذا الضمير في هذه الآيات، ومتى استعمله الأسلوب، يقول تعالى في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام:
{  فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِيۤ... }
[الشعراء: 77] أي: الأصنام
{  ۤ إِلاَّ رَبَّ ٱلْعَالَمِينَ * ٱلَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَٱلَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَٱلَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ }
[الشعراء: 77-81]

فاستخدم الضمير الدالّ على الاختصاص في الهداية والإطعام والسُّقْيا والشفاء، وهذه الأفعال مظنة أنْ يدعيها أحد لنفسه، أما الإحياء والإماتة فهي لله وحده لا يمكن أنْ يدَّعيها أحد؛ لذلك جاءت بدون هذا التوكيد، فهي مسألة مُسلَّم بها لله تعالى.

والشك يأتي في مسألة الفصل يوم القيامة؛ لأن الله تعالى جعل الملائكة المدبرات أمراً لتدبر أمر الخلق، وقال سبحانه
{  لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ... }
[الرعد: 11] أي: تبعاً لأمر الله فيه، فقد يفهم البعض أن للملائكة دوراً في الفصل بين الناس يوم القيامة، كما أن لهم مهمة في الدنيا.

وتأمل هنا أن الله تعالى ذكر لفظ الربوبية فقال { إِنَّ رَبَّكَ.. } [السجدة: 25] ولم يقُلْ: إن الله، والربوبية كما قُلْنا عطاء وتربية، وكأنه سبحانه يقول: اطمئنوا فالذي سيتولَّى مسألة الفصل هو ربكم.

وقوله سبحانه: { فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [السجدة: 25] لأن الفصل لا يكون إلا عن نزاع، والنزاع لا بُدَّ أن يكون عن قضية تريد مراجعة من حكم حاكم.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ... }.


www.alro7.net