سورة
اية:

أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون كما قال في آية أُخْرى: { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} وقال تبارك وتعالى: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات} أي عملوها وكسبوها { أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم} ؟ أي نساويهم بها في الدنيا والآخرة { ساء ما يحكمون} أي ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار، فكما لا يجتنى من الشوك العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار، ذكر محمد بن إسحاق أنهم وجدوا حجراً بمكة من أسّ الكعبة، مكتوب عليه (تعملون السيئات وترجون الحسنات، أجل كما يجنى من الشوك العنب). وعن مسروق أن تميماً الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} ""أخرجه الطبراني عن أبي الضحى عن مسروق""ولهذا قال تعالى: { ساء ما يحكمون} ، وقال عزَّ وجلَّ: { وخلق اللّه السماوات والأرض بالحق} أي بالعدل، { ولتجزي كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} ، ثم قال جلَّ وعلا: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي إنما يأتمر بهواه، فمهما رأه حسناً فعله، ومهما رأه قبيحاً تركه، لا يهوى شيئاً إلا عبده، وقوله: { وأضله اللّه على علم} يحتمل قولين: أحدهما : وأضله اللّه لعلمه أنه يستحق ذلك، والآخر : وأضله اللّه بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه، والثاني يستلزم الأول ولا ينعكس، { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} أي فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئاً يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها، ولهذا قال تعالى: { فمن يهديه من بعد اللّه أفلا تذكرون} ؟ كقوله تعالى: { من يضلل اللّه فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} .

تفسير الجلالين

{ أفرأيت } أخبرني { من اتخذ إلهه هواه } ما يهواه من حجر بعد حجر يراه أحسن { وأضله الله على علم } منه تعالى: أي عالما بأنه من أهل الضلاله قبل خلق { وختم على سمعه وقلبه } فلم يسمع الهدى ولم يعقله { وجعل على بصره غشاوة } ظلمة فلم يبصر الهدى، ويقدر هنا المفعول الثاني لرأيت أيهتدي { فمن يهديه من بعد الله } أي بعد إضلاله إياه، أي لا يهتدي { أفلا تذكرون } تتعظون، فيه إدغام إحدى التاءين في الذال .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ دِينه بِهَوَاهُ , فَلَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِن بِاللَّهِ , وَلَا يُحَرِّم مَا حَرَّمَ , وَلَا يُحَلِّل مَا حَلَّلَ , إِنَّمَا دِينه مَا هَوَيْته نَفْسه يَعْمَل بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24133 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } قَالَ : ذَلِكَ الْكَافِر اتَّخَذَ دِينه بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّه وَلَا بُرْهَان . 24134 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } قَالَ : لَا يَهْوِي شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ لَا يَخَاف اللَّه. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَرَأَيْت مَنْ اتَّخَذَ مَعْبُوده مَا هَوَيْت عِبَادَته نَفْسه مِنْ شَيْء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24135 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , قَالَ : كَانَتْ قُرَيْش تَعْبُد الْعُزَّى , وَهُوَ حَجَر أَبْيَض , حِينًا مِنْ الدَّهْر , فَإِذَا وَجَدُوا مَا هُوَ أَحْسَن مِنْهُ طَرَحُوا الْأَوَّل وَعَبَدُوا الْآخَر , فَأَنْزَلَ اللَّه { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَرَأَيْت يَا مُحَمَّد مَنْ اتَّخَذَ مَعْبُوده هَوَاهُ , فَيَعْبُد مَا هَوِيَ مِنْ شَيْء دُون إِلَه الْحَقّ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَة مِنْ كُلّ شَيْء ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِر مِنْ مَعْنَاهُ دُون غَيْره . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ دِينه بِهَوَاهُ , فَلَا يَهْوَى شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ ; لِأَنَّهُ لَا يُؤْمِن بِاللَّهِ , وَلَا يُحَرِّم مَا حَرَّمَ , وَلَا يُحَلِّل مَا حَلَّلَ , إِنَّمَا دِينه مَا هَوَيْته نَفْسه يَعْمَل بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24133 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } قَالَ : ذَلِكَ الْكَافِر اتَّخَذَ دِينه بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّه وَلَا بُرْهَان . 24134 -حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } قَالَ : لَا يَهْوِي شَيْئًا إِلَّا رَكِبَهُ لَا يَخَاف اللَّه. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَرَأَيْت مَنْ اتَّخَذَ مَعْبُوده مَا هَوَيْت عِبَادَته نَفْسه مِنْ شَيْء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24135 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَعْقُوب , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد , قَالَ : كَانَتْ قُرَيْش تَعْبُد الْعُزَّى , وَهُوَ حَجَر أَبْيَض , حِينًا مِنْ الدَّهْر , فَإِذَا وَجَدُوا مَا هُوَ أَحْسَن مِنْهُ طَرَحُوا الْأَوَّل وَعَبَدُوا الْآخَر , فَأَنْزَلَ اللَّه { أَفَرَأَيْت مَنِ اتَّخَذَ إِلَهه هَوَاهُ } . وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : أَفَرَأَيْت يَا مُحَمَّد مَنْ اتَّخَذَ مَعْبُوده هَوَاهُ , فَيَعْبُد مَا هَوِيَ مِنْ شَيْء دُون إِلَه الْحَقّ الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَة مِنْ كُلّ شَيْء ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِر مِنْ مَعْنَاهُ دُون غَيْره .' وَقَوْله : { وَأَضَلَّهُ اللَّه عَلَى عِلْم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَخَذَلَهُ عَنْ مَحَجَّة الطَّرِيق , وَسَبِيل الرَّشَاد فِي سَابِق عِلْمه عَلَى عِلْم مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَهْتَدِي , وَلَوْ جَاءَتْهُ كُلّ آيَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24136 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس { وَأَضَلَّهُ اللَّه عَلَى عِلْم } يَقُول : أَضَلَّهُ اللَّه فِي سَابِق عِلْمه. وَقَوْله : { وَأَضَلَّهُ اللَّه عَلَى عِلْم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَخَذَلَهُ عَنْ مَحَجَّة الطَّرِيق , وَسَبِيل الرَّشَاد فِي سَابِق عِلْمه عَلَى عِلْم مِنْهُ بِأَنَّهُ لَا يَهْتَدِي , وَلَوْ جَاءَتْهُ كُلّ آيَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 24136 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس { وَأَضَلَّهُ اللَّه عَلَى عِلْم } يَقُول : أَضَلَّهُ اللَّه فِي سَابِق عِلْمه. ' وَقَوْله : { وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه وَقَلْبه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَطَبَعَ عَلَى سَمْعه أَنْ يَسْمَع مَوَاعِظ اللَّه وَآي كِتَابه , فَيَعْتَبِر بِهَا وَيَتَدَبَّرهَا , وَيَتَفَكَّر فِيهَا , فَيَعْقِل مَا فِيهَا مِنْ النُّور وَالْبَيَان وَالْهُدَى . وَقَوْله : { وَقَلْبه } يَقُول : وَطَبَعَ أَيْضًا عَلَى قَلْبه , فَلَا يَعْقِل بِهِ شَيْئًا , وَلَا يَعِي بِهِ حَقًّا .وَقَوْله : { وَخَتَمَ عَلَى سَمْعه وَقَلْبه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَطَبَعَ عَلَى سَمْعه أَنْ يَسْمَع مَوَاعِظ اللَّه وَآي كِتَابه , فَيَعْتَبِر بِهَا وَيَتَدَبَّرهَا , وَيَتَفَكَّر فِيهَا , فَيَعْقِل مَا فِيهَا مِنْ النُّور وَالْبَيَان وَالْهُدَى . وَقَوْله : { وَقَلْبه } يَقُول : وَطَبَعَ أَيْضًا عَلَى قَلْبه , فَلَا يَعْقِل بِهِ شَيْئًا , وَلَا يَعِي بِهِ حَقًّا .' وَقَوْله : { وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة } يَقُول : وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة أَنْ يُبْصِر بِهِ حُجَج اللَّه , فَيَسْتَدِلّ بِهَا عَلَى وَحْدَانِيّته , وَيَعْلَم بِهَا أَنْ لَا إِلَه غَيْره . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض قُرَّاء الْكُوفَة { غِشَاوَة } بِكَسْرِ الْغَيْن وَإِثْبَات الْأَلِف فِيهَا عَلَى أَنَّهَا اسْم , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة " غَشْوَة " بِمَعْنَى : أَنَّهُ غَشَّاهُ شَيْئًا فِي دَفْعَة وَاحِدَة , وَمَرَّة وَاحِدَة , بِفَتْحِ الْغَيْن بِغَيْرِ أَلِف , وَهُمَا عِنْدِي قِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَانِ فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .وَقَوْله : { وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة } يَقُول : وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة أَنْ يُبْصِر بِهِ حُجَج اللَّه , فَيَسْتَدِلّ بِهَا عَلَى وَحْدَانِيّته , وَيَعْلَم بِهَا أَنْ لَا إِلَه غَيْره . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { وَجَعَلَ عَلَى بَصَره غِشَاوَة } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض قُرَّاء الْكُوفَة { غِشَاوَة } بِكَسْرِ الْغَيْن وَإِثْبَات الْأَلِف فِيهَا عَلَى أَنَّهَا اسْم , وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة " غَشْوَة " بِمَعْنَى : أَنَّهُ غَشَّاهُ شَيْئًا فِي دَفْعَة وَاحِدَة , وَمَرَّة وَاحِدَة , بِفَتْحِ الْغَيْن بِغَيْرِ أَلِف , وَهُمَا عِنْدِي قِرَاءَتَانِ صَحِيحَتَانِ فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب .' وَقَوْله : { فَمَنْ يَهْدِيه مِنْ بَعْد اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَنْ يُوَفِّقهُ لِإِصَابَةِ الْحَقّ , وَإِبْصَار مَحَجَّة الرُّشْد بَعْد إِضْلَال اللَّه إِيَّاهُ { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } أَيّهَا النَّاس , فَتَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ فَعَلَ اللَّه بِهِ مَا وَصَفْنَا , فَلَنْ يَهْتَدِي أَبَدًا , وَلَنْ يَجِد لِنَفْسِهِ وَلِيًّا مُرْشِدًا.وَقَوْله : { فَمَنْ يَهْدِيه مِنْ بَعْد اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَنْ يُوَفِّقهُ لِإِصَابَةِ الْحَقّ , وَإِبْصَار مَحَجَّة الرُّشْد بَعْد إِضْلَال اللَّه إِيَّاهُ { أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } أَيّهَا النَّاس , فَتَعْلَمُوا أَنَّ مَنْ فَعَلَ اللَّه بِهِ مَا وَصَفْنَا , فَلَنْ يَهْتَدِي أَبَدًا , وَلَنْ يَجِد لِنَفْسِهِ وَلِيًّا مُرْشِدًا.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} قال ابن عباس والحسن وقتادة : ذلك الكافر اتخذ دينه ما يهواه؛ فلا يهوى شيئا إلا ركبه. وقال عكرمة : أفرأيت من جعل إلهه الذي يعبده ما يهواه أو يستحسنه؛ فإذا استحسن شيئا وهويه اتخذه إلها. قال سعيد بن جبير : كان أحدهم يعبد الحجر؛ فإذا رأى ما هو أحسن منه رمى به وعبد الآخر. وقال مقاتل : نزلت في الحارث بن قيس السهمي أحد المستهزئين، لأنه كان يعبد ما تهواه نفسه. وقال سفيان بن عيينة : إنما عبدوا الحجارة لأن البيت حجارة. وقيل : المعنى أفرأيت من ينقاد لهواه ومعبوده تعجيبا لذوي العقول من هذا الجهل. وقال الحسن بن الفضل : في هذه الآية تقديم وتأخير، مجازه : أفرأيت من اتخذ هواه إلهه. وقال الشعبي : إنما سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار. وقال ابن عباس : ما ذكر الله هوى في القرآن إلا ذمه، قال الله تعالى: { واتبع هواه فمثله كمثل الكلب} [الأعراف : 176]. وقال تعالى: { واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف : 28]. وقال تعالى: { بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله} [الروم : 29]. وقال تعالى: { ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} [القصص : 50]. وقال تعالى: { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص : 26]. وقال عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم { لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به} . وقال أبو أمامة : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: { ما عبد تحت السماء إله أبغض إلى الله من الهوى} . وقال شداد بن أوس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. والفاجر من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله). وقال عليه السلام: (إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة). وقال صلى الله عليه وسلم: (ثلاث مهلكات وثلاث منجيات فالمهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه. والمنجيات خشية الله في السر والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب). وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : إذا أصبح الرجل اجتمع هواه وعمله وعلمه؛ فإن كان عمله تبعا لهواه فيومه يوم سوء، وإن كان عمله تبعا لعلمه فيومه يوم صالح. وقال الأصمعي سمعت رجلا يقول : إن الهوان هو الهوى قلب اسمه ** فإذا هويت فقد لقيت هوانا وسئل ابن المقفع عن الهوى فقال : هوان سرقت نونه، فأخذه شاعر فنظمه وقال : نون الهوان من الهوى مسروقة ** فإذا هويت فقد لقيت هوانا وقال آخر : إن الهوى لهو الهوان بعينه ** فإذا هويت فقد كسبت هوانا وإذا هويت فقد تعبّدك الهوى ** فاخضع لحبك كائنا من كانا ولعبدالله بن المبارك : ومن البلايا للبلاء علامـــة ** ألا يرى لك عن هواك نــزوع العبد عبد النفس في شهواتها ** والحر يـــشبع تارة ويـجوع ولابن دريد : إذا طالبتك النفس يوما بشهوة ** وكان إليها للخلاف طريق فدعها وخالف ما هويت فإنما ** هواك عدو والخلاف صديق ولأبي عبيد الطوسي : والنفس إن أعطيتها مناها ** فاغرة نحو هواها فاها وقال أحمد بن أبي الحوارى : مررت براهب فوجدته نحيفا فقلت له : أنت عليل. قال نعم. قلت : مذ كم؟ قال : مذ عرفت نفسي! قلت فتداوى؟ قال : قد أعياني الدواء وقد عزمت على الكي. قلت وما الكي؟ قال : مخالفة الهوى. وقال سهل بن عبدالله التري : هواك داؤك. فان خالفته فدواؤك. وقال وهب : إذا شككت في أمرين ولم تدر خيرهما فانظر أبعدهما من هواك فأته. وللعلماء في هذا الباب في ذم الهوى ومخالفته كتب وأبواب أشرنا إلى ما فيه كفاية منه؛ وحسبك بقوله تعالى: { وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى} [النازعات : 41]. قوله تعالى: { وأضله الله على علم} أي على علم قد علمه منه. وقيل : أضله عن الثواب على علم منه بأنه لا يستحقه. وقال ابن عباس : أي على علم قد سبق عنده أنه سيضل. مقاتل : على علم منه أنه ضال؛ والمعنى متقارب. وقيل : على علم من عابد الصنم أنه لا ينفع ولا يضر. ثم قيل: { على علم} يجوز أن يكون حالا من الفاعل؛ المعنى : أضله على علم منه به، أي أضله عالما بأنه من أهل الضلال في سابق علمه. ويجوز أن يكون حالا من المفعول؛ فيكون المعنى : أضله في حال علم الكافر بأنه ضال. { وختم على سمعه وقلبه} أي طبع على سمعه حتى لا يسمع الوعظ، وطبع على قلبه حتى لا يفقه الهدى. { وجعل على بصره غشاوة} أي غطاء حتى لا يبصر الرشد. وقرأ حمزه والكسائي: { غشوة} بفتح الغين من غير ألف وقال الشاعر : أمـــا والذي أنا عبد له ** يمينا ومالك أبدى اليمينا لئن كنت ألبستني غشوة ** لقد كنت أصفيتك الود حينا { فمن يهديه من بعد الله} أي من بعد أن أضله. { أفلا تتذكرون} تتعظون وتعرفون أنه قادر على ما يشاء. وهذه الآية ترد على القدرية والإمامية وسلك سبيلهم في الاعتقاد؛ إذ هي مصرحة بمنعهم من الهداية. ثم قيل: { وختم على سمعه وقلبه} إنه خارج مخرج الخبر عن أحوالهم. وقيل : إنه خارج مخرج الدعاء بذلك عليهم؛ كما تقدم في أول [البقرة]. وحكى ابن جريج أنها نزلت في الحارث بن قيس من الغياطلة. وحكى النقاش أنها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف. وقال مقاتل : نزلت في أبي جهل، وذلك أنه طاف بالبيت ذات ليلة ومعه الوليد بن المغيرة، فتحدثا في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو جهل : والله إني لأعلم إنه لصادق! فقال له مه! وما دلك على ذلك!؟ قال : يا أبا عبد شمس، كنا نسميه في صباه الصادق الأمين؛ فلما تم عقله وكمل رشده، نسميه الكذاب الخائن!! والله إني لأعلم إنه لصادق! قال : فما يمنعك أن تصدقه وتؤمن به؟ قال : تتحدث عني بنات قريش أني قد اتبعت يتيم أبي طالب من أجل كسرة، واللات والعزى إن اتبعته أبدا. فنزلت { وختم على سمعه وقلبه} .

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الإله هو المعبود الذي تكرَّس كلّ حياتك لخدمة مراده منك، وكلمة المعبود كلمة عامة تُطلق على المعبود بحق، وهو الله تعالى الخالق الرازق المبدع لهذا الكون وتُطلق على المعبودات بالباطل كالذين عبدوا الأصنام أو الشمس أو القمر.

هذه وغيرها معبودات باطلة لا تضر ولا تنفع، وما عبدها الجهلاء إلا لإرضاء عاطفة التدين عندهم، فهم يريدون ديناً بلا تكاليف، وإلهاً بلا أوامر ولا نَواهٍ.

ومن هذه الآلهة الباطلة الهوى، فمن الناس مَنْ يتخذ إلهه هواه، والهوى في حدِّ ذاته مذموم، لذلك قالوا: آفة الرأي الهوى.

ولما مدح الحق سبحانه رسول الله قال:
{  وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ }
[النجم: 3] حتى وإنْ عدَّل له ربه تعالى بعض الأحكام لأنها ساعة الحكم الأول لم تصدر منه عن هوى نفسه، لذلك قال عن نفسه صلى الله عليه وسلم: " أدَّبني ربي فأحسن تأديبي ".

ثم يُبيِّن الحق سبحانه أن الذي اتخذ إلهه هواه إنسانٌ ضال { وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ.. } [الجاثية: 23] أي: حكم بضلاله لأنه جعله مختاراً، فاختار هواه، ولو جعله مقهوراً كالسماء والأرض ما استطاع المخالفة، وقلنا: إن الله يريد منا القلب لا القالب، يريدنا أنْ نذهب إليه طواعية.

يقول الحق سبحانه:
{  وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا }
[الشمس: 7-8] إذن: لما اختار الضلال ووجده الله تعالى ضالاً حكم عليه أزلاً بأنه ضالّ، وجاء الموقع كما حكم الحق سبحانه، وكما علم الله منه.

لذلك قلنا: إن الملائكة تظلّ تتعجَّب حينما يروْنَ واقع الحياة وفْق ما كتب في اللوح المحفوظ فيقولون: نِعْم الرب.

معنى { أَفَرَأَيْتَ... } [الجاثية: 23] يعني: أعلمتَ سَواء أكنتَ رأيت بعينك أو لم تَرَ، كما في قوله تعالى:
{  أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ ٱلْفِيلِ }
[الفيل: 1] أي: ألم تعلم، لأن رسول الله وُلد في هذا العام ولم يَرَ حادثة الفيل.

وقوله تعالى: { وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً } [الجاثية: 23] معنى ختم يعني: ضرب وطمس، وهنا جمع كل وسائل الإدراك في النفس الإنسانية، الأذن التي تسمع آيات الله تسمع بلاغة كلام الله ووعده ووعيده، والبصر الذي يرى الآيات الكونية ويتأملها ويستدل بها على خالقها ومُبدعها، والقلب محل الاعتقاد.

وما ختم الله على كل هذه الوسائل إلا لأن صاحبها أحبَّ الكفر وارتاح إلى الضلال، فأعانه الله على ما يحب، وختم على هذه الجوارح حتى لا يخرج منها الكفر ولا يدخلها الإيمان، وكيف يؤمن مَنْ لا يسمع كلام الله ولا يرى آياته في الكون ولا يميل قلبُه إلى لذة الإيمان بالله.

لذلك قال في ختام الآية: { فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ ٱللَّهِ } [الجاثية: 23] لا أحد يملك هدايته كما قال في موقع آخر:
{  وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ }
[غافر: 33].


www.alro7.net