سورة
اية:

لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد، وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك: { أجعل الآلهة إلها واحد؟ إن هذا لشيء عجاب} ، وقال تعالى: { وإذا ذكر اللّه وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة} ، وقوله: { وهم مستكبرون} أي عن عبادة اللّه مع إنكار قلوبهم التوحيد. كما قال: { إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} ، ولهذا قال ههنا: { لا جرم} أي حقا، { أن اللّه يعلم ما يسرون وما يعلنون} أي وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء { إنه لا يحب المستكبرين} .

تفسير الجلالين

{ لا جرم } حقا { أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون } فيجازيهم بذلك { إنه لا يحب المستكبرين } بمعنى أنه يعاقبهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : لَا جَرَمَ حَقًّا أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ إِنْكَارهمْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَنْبَاء فِي هَذِهِ السُّورَة , وَاعْتِقَادهمْ نَكِير قَوْلنَا لَهُمْ : إِلَهكُمْ إِلَه وَاحِد , وَاسْتِكْبَارهمْ عَلَى اللَّه , وَمَا يُعْلِنُونَ مِنْ كُفْرهمْ بِاَللَّهِ وَفِرْيَتهمْ عَلَيْهِ . { إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَيَخْلَعُوا مَا دُونه مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . كَمَا : 16276 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن , قَالَ : ثنا مُسْتَعِر , عَنْ رَجُل : أَنَّ الْحَسَن بْن عَلِيّ كَانَ يَجْلِس إِلَى الْمَسَاكِين , ثُمَّ يَقُول : { إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : لَا جَرَمَ حَقًّا أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرّ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ إِنْكَارهمْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَنْبَاء فِي هَذِهِ السُّورَة , وَاعْتِقَادهمْ نَكِير قَوْلنَا لَهُمْ : إِلَهكُمْ إِلَه وَاحِد , وَاسْتِكْبَارهمْ عَلَى اللَّه , وَمَا يُعْلِنُونَ مِنْ كُفْرهمْ بِاَللَّهِ وَفِرْيَتهمْ عَلَيْهِ . { إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } يَقُول : إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ عَلَيْهِ أَنْ يُوَحِّدُوهُ وَيَخْلَعُوا مَا دُونه مِنْ الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . كَمَا : 16276 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن , قَالَ : ثنا مُسْتَعِر , عَنْ رَجُل : أَنَّ الْحَسَن بْن عَلِيّ كَانَ يَجْلِس إِلَى الْمَسَاكِين , ثُمَّ يَقُول : { إِنَّهُ لَا يُحِبّ الْمُسْتَكْبِرِينَ } '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إلهكم إله واحد} لما بين استحالة الإشراك بالله تعالى بين أن المعبود واحد لا رب غيره ولا معبود سواه. { فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة} أي لا تقبل الوعظ ولا ينفع فيها الذكر، وهذا رد على القدرية. { وهم مستكبرون} متكبرون متعظمون عن قبول الحق. وقد تقدم. { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون} أي من القول والعمل فيجازيهم. قال الخليل { لا جرم} كلمة تحقيق ولا تكون إلا جوابا؛ يقال : فعلوا ذلك؛ فيقال : لا جرم سيندمون. أي حقا أن لهم النار. وقد مضى القول فيه. { إنه لا يحب المستكبرين} أي لا يثيبهم ولا يثني عليهم. وعن الحسن بن علي أنه مر بمساكين قد قدموا كِسَرا بينهم وهم يأكلون فقالوا : الغذاء يا أبا عبدالله، فنزل وجلس معهم وقال { إنه لا يحب المستكبرين} فلما فرغ قال : قد أجبتكم فأجيبوني؛ فقاموا معه إلى منزله فأطعمهم وسقاهم وأعطاهم وانصرفوا. قال العلماء. وكل ذنب يمكن التستر منه وإخفاؤه إلا الكبر؛ فإنه فسق يلزمه الإعلان، وهو أصل العصيان كله. وفي الحديث الصحيح (إن المستكبرين يحشرون أمثال الذر يوم القيامة يطؤهم الناس بأقدامهم لتكبرهم). أو كما قال صلى الله عليه وسلم : (تصغر لهم أجسامهم في المحشر حتى يضرهم صغرها وتعظم لهم في النار حتى يضرهم عظمها).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 15 - 23


سورة النحل الايات 23 - 27

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وساعة نرى { لاَ جَرَمَ } فمعناها أنَّ ما يأتي بعدها هو حَقٌّ ثابت، فـ " لا " نافية، و " جرم " مأخوذة من " الجريمة " ، وهي كَسْر شيء مُؤْمَن به لسلامة المجموع. وحين نقول " لا جرم " أي: أن ما بعدها حَقٌّ ثابت.

وما بعد { لاَ جَرَمَ } هنا هو: أن الله يعلم ما يُسِرون وما يُعلِنون.

وكُلُّ آيات القرآن التي ورد فيها قوله الحق { لاَ جَرَمَ } تُؤدِّي هذا المعنى، مثل قوله الحق:
{  لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلْنَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ }
[النحل: 62].

وكذلك قوله الحق:
{  لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي ٱلآخِرَةِ هُمُ ٱلْخَاسِرونَ }
[النحل: 109].

وقد قال بعض العلماء: إن قوله الحق { لاَ جَرَمَ } يحمل معنى " لا بُدَّ " ، وهذا يعني أن قوله الحق: { لاَ جَرَمَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ... } [النحل: 23]..

لا بُدَّ أن يعلم الله ما يُسِرون وما يُعلِنون، ولا مناصَ من أن الذين كفروا هم الخاسرون. وقد حَلَّلَ العلماء اللفظ لِيصِلوا إلى أدقِّ أسراره.

وعِلْم الله لا ينطبق على الجَهْر فقط، بل على السِّر أيضاً؛ ذلك أنه سيحاسبهم على كُلِّ الأعمال. ويُنهِي الحق سبحانه الآية بقوله:

{ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ ٱلْمُسْتَكْبِرِينَ } [النحل: 23].

وإذا سألنا: وما علاقةُ عِلْم الله بالعقوبة؟ ونقول: ألم يقولوا في أنفسهم:
{  لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا ٱللَّهُ بِمَا نَقُولُ.. }
[المجادلة: 8].

وإذا ما نزل قول الحق سبحانه لِيُخبرهم بما قالوه في أنفسهم؛ فهذا دليل على أن مَنْ يُبلِغهم صادقٌ في البلاغ عن الله، ورغم ذلك فقد استكبروا؛ وتأبَّوْا وعاندوا، وأخذتهم العزة بالإثم، وأرادوا بالاستكبار الهرب من الالتزام بالمنهج الذي جاءهم به الرسول صلى الله عليه وسلم.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ... }.


www.alro7.net