سورة
اية:

فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ ۖ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط، ونحو ذلك { إذا لهم مكر في آياتنا} ، قال مجاهد استهزاء وتكذيب، { قل اللّه أسرع مكرا} أي أشد استدراجاً وإمهالاً حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب، وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة فيجازيه على النقير والقطمير، ثم أخبر تعالى أنه: { هو الذي يسيركم في البر والبحر} أي يحفظكم ويكلؤكم بحراسته، { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها} أي بسرعة سيرهم رافلين، فبينما هم كذلك إذ { جاءتها} أي تلك السفن { ريح عاصف} أي شديدة، { وجاءهم الموج من كل مكان} أي اغتلم البحر عليهم، { وظنوا أنهم أحيط بهم} أي هلكوا، { دعوا اللّه مخلصين له الدين} أي لا يدعون معه صنماً ولا وثناً يفردونه بالدعاء والابتهال، كقوله تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} ، { لئن أنجيتنا من هذه} أي هذه الحال { لنكونن من الشاكرين} أي لا نشرك بك أحداً ولنفردنك بالعبادة كما أفردناك بالدعاء ههنا، قال اللّه تعالى: { فلما أنجاهم} أي من تلك الورطة، { إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} أي كأن لم يكن من ذلك شيء، { كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} ، ثم قال تعالى: { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم، ولا تضرون به أحداً غيركم، كما جاء في الحديث: (ما من ذنب أجدر أن يعجل اللّه عقوبته في الدنيا مع ما يدخر اللّه لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)، وقوله: { متاع الحياة الدنيا} أي إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة، { ثم إلينا مرجعكم} أي مصيركم ومآلكم، { فننبئكم} أي فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

تفسير الجلالين

{ فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق } بالشرك { يا أيها الناس إنما بغيكم } ظلمكم { على أنفسكم } لأن إثمه عليها هو { متاعُ الحياة الدنيا } تمتعون فيها قليلا { ثم إلينا مرجعكم } بعد الموت { فننبئكم بما كنتم تعملون } فنجاريكم عليه وفي قراءة بنصب متاع: أي تتمتعون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا أَنْجَى اللَّه هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَنُّوا فِي الْبَحْر أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ مِنْ الْجَهْد الَّذِي كَانُوا فِيهِ , أَخْلَفُوا اللَّه مَا وَعَدُوهُ , وَبَغَوْا فِي الْأَرْض , فَتَجَاوَزُوا فِيهَا إِلَى غَيْر مَا أَذِنَ اللَّه لَهُمْ فِيهِ مِنْ الْكُفْر بِهِ وَالْعَمَل بِمَعَاصِيهِ عَلَى ظَهْرهَا . يَقُول اللَّه : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّمَا اِعْتِدَاؤُكُمْ الَّذِي تَعْتَدُونَهُ عَلَى أَنْفُسكُمْ وَإِيَّاهَا تَظْلِمُونَ , وَهَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ { مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول : ذَلِكَ بَلَاغ تَبْلُغُونَ بِهِ فِي عَاجِل دُنْيَاكُمْ . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل , الْبَغْي يَكُون مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْره فِي قَوْله : { عَلَى أَنْفُسكُمْ } وَيَكُون قَوْله : " مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا " مَرْفُوعًا عَلَى مَعْنَى : ذَلِكَ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , كَمَا قَالَ : { لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار بَلَاغ } 46 35 بِمَعْنَى : هَذَا بَلَاغ , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّمَا بَغْيكُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا عَلَى أَنْفُسكُمْ , لِأَنَّكُمْ بِكُفْرِكُمْ تُكْسِبُونَهَا غَضَب اللَّه , مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا بَغْيكُمْ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , فَيَكُون " الْبَغْي " مَرْفُوعًا بِالْمَتَاعِ , وَ " عَلَى أَنْفُسكُمْ " مِنْ صِلَة " الْبَغْي " . وَبِرَفْعِ " الْمَتَاع " قَرَأَتْ الْقُرَّاء سِوَى عَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق فَإِنَّهُ نَصَبَهُ بِمَعْنَى : إِنَّمَا بَغْيكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ مَتَاعًا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , فَجَعَلَ , " الْبَغْي " مَرْفُوعًا بِقَوْلِهِ : { عَلَى أَنْفُسكُمْ } وَالْمَتَاع مَنْصُوبًا عَلَى الْحَال . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْض بِغَيْرِ الْحَقّ يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّمَا بَغْيكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمَّا أَنْجَى اللَّه هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ظَنُّوا فِي الْبَحْر أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ مِنْ الْجَهْد الَّذِي كَانُوا فِيهِ , أَخْلَفُوا اللَّه مَا وَعَدُوهُ , وَبَغَوْا فِي الْأَرْض , فَتَجَاوَزُوا فِيهَا إِلَى غَيْر مَا أَذِنَ اللَّه لَهُمْ فِيهِ مِنْ الْكُفْر بِهِ وَالْعَمَل بِمَعَاصِيهِ عَلَى ظَهْرهَا . يَقُول اللَّه : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّمَا اِعْتِدَاؤُكُمْ الَّذِي تَعْتَدُونَهُ عَلَى أَنْفُسكُمْ وَإِيَّاهَا تَظْلِمُونَ , وَهَذَا الَّذِي أَنْتُمْ فِيهِ { مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَقُول : ذَلِكَ بَلَاغ تَبْلُغُونَ بِهِ فِي عَاجِل دُنْيَاكُمْ . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل , الْبَغْي يَكُون مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْره فِي قَوْله : { عَلَى أَنْفُسكُمْ } وَيَكُون قَوْله : " مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا " مَرْفُوعًا عَلَى مَعْنَى : ذَلِكَ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , كَمَا قَالَ : { لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَة مِنْ نَهَار بَلَاغ } 46 35 بِمَعْنَى : هَذَا بَلَاغ , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّمَا بَغْيكُمْ فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا عَلَى أَنْفُسكُمْ , لِأَنَّكُمْ بِكُفْرِكُمْ تُكْسِبُونَهَا غَضَب اللَّه , مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , كَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّمَا بَغْيكُمْ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا , فَيَكُون " الْبَغْي " مَرْفُوعًا بِالْمَتَاعِ , وَ " عَلَى أَنْفُسكُمْ " مِنْ صِلَة " الْبَغْي " . وَبِرَفْعِ " الْمَتَاع " قَرَأَتْ الْقُرَّاء سِوَى عَبْد اللَّه بْن أَبِي إِسْحَاق فَإِنَّهُ نَصَبَهُ بِمَعْنَى : إِنَّمَا بَغْيكُمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ مَتَاعًا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا , فَجَعَلَ , " الْبَغْي " مَرْفُوعًا بِقَوْلِهِ : { عَلَى أَنْفُسكُمْ } وَالْمَتَاع مَنْصُوبًا عَلَى الْحَال .' وَقَوْله : { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعكُمْ } يَقُول : ثُمَّ إِلَيْنَا بَعْد ذَلِكَ مَعَادكُمْ وَمَصِيركُمْ , وَذَلِكَ بَعْد الْمَمَات .وَقَوْله : { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعكُمْ } يَقُول : ثُمَّ إِلَيْنَا بَعْد ذَلِكَ مَعَادكُمْ وَمَصِيركُمْ , وَذَلِكَ بَعْد الْمَمَات .' يَقُول : فَنُخْبِركُمْ يَوْم الْقِيَامَة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّه , وَنُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالكُمْ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا .يَقُول : فَنُخْبِركُمْ يَوْم الْقِيَامَة بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّه , وَنُجَازِيكُمْ عَلَى أَعْمَالكُمْ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} أي يحملكم في البر على الدواب وفي البحر على الفلك. وقال الكلبي : يحفظكم في السير. والآية تتضمن تعديد النعم فيما هي الحال بسبيله من ركوب الناس الدواب والبحر. وقد مضى الكلام في ركوب البحر في { البقرة} . { يسيركم} قراءة العامة. ابن عامر { ينشركم} بالنون والشين، أي يبثكم ويفرقكم. والفلك يقع على الواحد والجمع، ويذكر ويؤنث، وقد تقدم القول فيه. وقوله: { وجربن بهم} خروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو في القرآن وأشعار العرب كثير؛ قال النابغة : يا دار مية بالعلياء فالسند ** أقوت وطال عليها سالف الأمد قال ابن الأنباري : وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب؛ قال الله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا} [الإنسان : 21 - 22] فأبدل الكاف من الهاء. قوله تعالى: { بريح طيبة وفرحوا بها} تقدم الكلام فيها في البقرة. { جاءتها ريح عاصف} الضمير في { جاءتها} للسفينة. وقيل للريح الطيبة. والعاصف الشديدة؛ يقال : عصفت الريح وأعصفت، فهي عاصف ومعصف ومعصفة أي شديدة، قال الشاعر : حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة ** فيها قطار ورعد صوته زجل وقال { عاصف} بالتذكير لأن لفظ الريح مذكر، وهي القاصف أيضا. والطيبة غير عاصف ولا بطيئة. { وجاءهم الموج من كل مكان} والموج ما ارتفع من الماء { وظنوا} أي أيقنوا { أنهم أحيط بهم} أي أحاط بهم البلاء؛ يقال لمن وقع في بلية : قد أحيط به، كأن البلاء قد أحاط به؛ وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله. { دعوا الله مخلصين له الدين} أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون. وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه، وإن كان كافرا؛ لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب؛ على ما يأتي بيانه في { النمل} إن شاء الله تعالى. وقال بعض المفسرين : إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهيا؛ أي يا حي يا قيوم. وهي لغة العجم. مسألة : هذه الآية تدل على ركوب البحر مطلقا، ومن السنة حديث أبي هريرة وفيه : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء... الحديث. وحديث أنس في قصة أم حرام يدل على جواز ركوبه في الغزو، وقد مضى هذا المعنى في { البقرة} مستوفى والحمد لله. وقد تعدم في آخر { الأعراف} حكم راكب البحر في حال ارتجاجه وغليانه، هل حكمه حكم الصحيح أو المريض المحجور عليه؛ فتأمله هناك. قوله تعالى: { لئن أنجيتنا من هذه} أي هذه الشدائد والأهوال. وقال الكلبي : من هذه الريح. { لنكونن من الشاكرين} أي من العاملين بطاعتك على نعمة الخلاص. { فلما أنجاهم} أي خلصهم وأنقذهم.. { إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} أي يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي. والبغي : الفساد والشرك؛ من بغى الجرح إذا فسد؛ وأصله الطلب، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد. { بغير الحق} أي بالتكذيب؛ ومنه بغت المرأة طلبت غير زوجها. قوله تعالى: { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} أي وباله عائد عليكم؛ وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال: { متاع الحياة الدنيا ثم إلي مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون} أي هو متاع الحياة الدنيا؛ ولا بقاء له. قال النحاس: { بغيكم} رفع بالابتداء وخبره { متاع الحياة الدنيا} . و { على أنفسكم} مفعول معنى فعل البغي. ويجوز أن يكون خبره { على أنفسكم} وتضمر مبتدأ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا؛ وبين المعنيين حرف لطيف، إذا رفعت متاعا على أنه خبر { بغيكم} فالمعنى. إنما بغي بعضكم على بعض؛ مثل { فسلموا على أنفسكم} [النور : 61] وكذا { لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة : 128]. وإذا كان الخبر { على أنفسكم} فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم؛ مثل { وإن أسأتم فلها} . وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال : أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا؛ كما يقال : البغي مصرعة. وقرأ ابن أبي إسحاق { متاع} بالنصب على أنه مصدر؛ أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا. أو ينزع الخافض، أي لمتاع، أو مصدر، بمعنى المفعول على الحال، أي متمتعين. أو هو نصب على الظرف، أي في متاع الحياة الدنيا، ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي. و { على أنفسكم} مفعول ذلك المعنى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 22 - 24

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وبعد أن أنجاهم الحق سبحانه مباشرة تأتي " إذا " الفجائية لتوضح لنا أنهم لم ينتظروا إلى أن يستردوا أنفاسهم، أو تمر فترة زمنية بينهم وبين الدعاء، وتحقق نتيجة الضراعة، لا، بل بغوا ـ على الفور ـ في الأرض { فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ }.

والبغي: هو تجاوز الحدّ في الظلم وهو إفساد؛ لأن الإنسان إذا ما أخرج أي شيء عن صلاحه، يقال: " بغى عليه " ، فإن حفرت طريقاً مُمهّداً؛ فهذا إفساد، وإنْ ألقيت بنفاية في بئر يشر منه الناس؛ فهذا إفساد وبغي، وأي شيء قائم على الصلاح فتخرجه عن مهمته وتطرأ عليه بما يفسده؛ فهذا بغي.

والبغي: أعلى مراتب الظلم؛ لأن الحق سبحانه هو القائل:
{  إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ }
[القصص: 76].

ويعطينا رسول الله صلى الله عليه وسلم صورة البغي الممثَّلة في الاعتداء بالفساد على الأمر الصالح، فيقول صلى الله عليه وسلم: " أسرع الخير ثواباً: البِرّ وصلة الرحم، وأسرع الشر عقوبة: البغي وقطيعة الرحم ".

والحق سبحانه لا يؤخر عقاب البغي وقطعية الرحم إلى الآخرة، بل يعاقب عليهما في الدنيا؛ حتى يتوازن المجتمع؛ لأنك رأيت ظالماً يحيا في رضاً ورخاء ثم يموت بخير، فكل مَنْ يراه ويعلم ظلمه ولم يجد له عقاباً في الدنيا، سوف يستشري في الظلم.

ولذلك تجد أن عقاب الله تعالى لمثل هذا الظالم في الدنيا وأن يُرِي الناس نهايته السيئة، وحين يرى الناس ذلك يتعظون؛ فلا يظلمون، وهذا ما يحقق التوازن في المجتمع.

وإلا فلو ترك الله سبحانه الأمر لجزاء الآخرة؛ لشقي المجتمع بمن لا يؤمن بالآخرة ويحترفون البغي؛ ولذلك يرى الناس عذابهم في الدنيا، ثم يكون لهم موقعهم من النار في الآخرة.

ويقول صلى الله عليه وسلم محذراً: " لا تَبْغِ، ولا تَكُنْ باغياً ".

فالباغي إنما يصنع خللاً في توازن المجتمع. والذي يبغي إنما يأخذ حق الغير، ليستمتع بنتائج من غير كدِّه وعمله، ويتحوّل إلى إنسان يحترف فرض الإتاوات على الناس، ويكسل عن أي عمل غير ذلك. وأنت ترى ذلك في أبسط المواقع والأحياء، حين يحترف بعض ممن يغترون بقوتهم الجسدية، وقد تحولوا إلى (فتوات) يستأجرهم البعض لإيذاء الآخرين، والواحد من هؤلاء إنما احترف الأكل من غير بذل جهد في عمل شريف.

والبغي ـ إذن ـ هو عمل مَنْ يفسد الناس حركة الحياة؛ لأن من يقع عليهم ظلم البغي، إنما يزهدون في الكَدِّ والعمل الشريف الطاهر. وإذا ما زهد الناس الكَدِّ والعمل الشريف؛ تعطلت حركة الحياة، وتعطلت مصالح البشر، بل إن مصالح الظالم نفسها تتعطل؛ ولذلك قال الحق سبحانه: { إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ } [يونس: 23].ولقائل أن يسأل: وهل هناك بَغْي بحق؟

أقول: نعم؛ لأن البغي اعتداء على الصالح بإفساد. وأنت ساعة ترى إنساناً يفسد الشيء الصالح، فتسأله: لماذا تفعل ذلك؛ وقد يجيبك بأن غرضه هو الإصلاح، ويُعدِّد لك أسباباً لهذا البغي، فهذا بغي بحق، أما إن كان بغياً دون سبب شرعي فهذا هو البغي، بل قمته.

ومثال البغي بحق، أقول: ألم يَسْتول النبي صلى الله عليه وسلم على أرض " بني قريظة " ، وأحرق زرعهم وقطع الأشجار في أَراضيهم، وهدم دورهم؟ أليس في ذلك اعتداء على الصالح؟

لقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؛ لأنه ردّ على عدوان أقسى من ذلك.

وهكذا نرى أن هناك بغياً بحق، وبغياً بغير حق. ولذلك يسمى الله جزاء السيئة سيئة مثلها، ويقول سبحانه:
{  فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُواْ عَلَيْهِ }
[البقرة: 194].

ويسميه الحق سبحانه " اعتداء " رغم أنه ليس اعتداء، بل ردّ الاعتداء.

ويطلقها الحق سبحانه وتعالى قضية تظل إلى الأبد بعد ما تقدم، فيقول: { يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ مَّتَاعَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا } [يونس: 23].

وهنا يبين الله سبحانه وتعالى وكأنه يخاطب الباغي: يا مَنْ تريد أن تأخذ حق غيرك، اعلم أن قصارى ما يعطيك أخذ هذا الحق هو بعض من متاع الدنيا، ثم تجازى من بعد ذلك بنار أبدية.

وأنت إن قارنت زمن المتعة المغتصبة الناتجة عن البغي بزمن العقاب عليها؛ لوجدت أن المتعة رخيصة هينة بالنسبة إلى العقاب الذي سوف تناله عليها ولا تأخذ عمرك في الدنيا قياساً على عمر الدنيا نفسها؛ لأن الحق سبحانه قد يشاء أن يجعل عمر الدنيا عشرين مليوناً من السنوات، لكن عمرك فيها محدود.

فاربأوا على أنفسكم وافهموا أن متاع الدنيا قليل، إن كان هذا المتاع نتيجة ظلمكم لأنفسكم؛ لأن نتيجة هذا الظلم إنما تقع عليكم؛ لأن مقتضى ما يعطيكم هذا الظلم من المتعة والنعمة هو أمر محدود بحياتكم في الدنيا، وحياتكم فيها محدودة، ولا يظن الواحد أن عمره هو عمر البشرية في الدنيا، ولكن ليقسْ كل واحد منكم عمره في الدنيا وهو محدود.

ولذلك يقول الحق سبحانه في آية أخرى:
{  قُلْ مَتَاعُ ٱلدُّنْيَا قَلِيلٌ }
[النساء: 77].

وهنا يؤكد الحق سبحانه: { إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ } [يونس: 23].

وقد يتمثل جزاء البغي في أن يشاء الحق سبحانه ألا يموت الظالم إلا بعد أن يرى مظلومه في خير مما أخذ منه؛ ولذلك أقول دائماً: لو علم الظالم ما ادخره الله للمظلوم من الخير؛ لضنَّ عليه بالظلم.

وعلى فرض أن الظالم يتمتع بظلمه وهو من متاع الدنيا القليل، نجد الحق سبحانه يقول: { ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ } [يونس: 23]

وحين نرجع إلى الله تعالى فلا ظلم أبداً؛ لأن أحدكم لن يظلم أو يُظلم فكل منكم سوف يَلْقى ما ينبئه به الله سبحانه إنْ ثواباً أو عقاباً؛ مصداقاً لقوله الحق: { ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [يونس: 23].

وقد جاء الخبر عن نبأ الجزاء من قبل أن يقع؛ ليعلم الجميع أن لكل فعلٍ مقابلاً من ثواب أو عقاب، كما أن في ذكر النبأ مقدَّماً تقريعاً لمن يظلمون أنفسهم بالبغي.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { إِنَّمَا مَثَلُ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا كَمَآءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ }


www.alro7.net