سورة
اية:

تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مقرعاً للمشركين في عبادتهم الأصنام والأوثان، واتخاذهم لها البيوت مضاهاة للكعبة التي بناها خليل الرحمن، { أفرأيتم اللات} ؟ وكانت اللات صخرة بيضاء منقوشة، عليها بيت بالطائف، له أستار وسدنة، يفتخرون بها على من عداهم من أحياء العرب بعد قريش، قال ابن جرير: وكانوا قد اشتقوا اسمها من اسم اللّه فقالوا: اللات يعنون مؤنثة منه، تعالى اللّه عن قولهم علواً كبيراً، وعن ابن عباس رضي اللّه عنهما في قوله: { اللات والعزى} قال: كان اللات رجلاً يلت السويق سويق الحاج ""أخرجه البخاري""، قال ابن جرير: وكذا العزى من العزيز وكانت شجرة عليها بناء وأستار بنخلة وهي بين مكة والطائف كانت قريش يعظمونها كما قال أبو سفيان يوم أُحُد: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (قولوا اللّه مولانا ولا مولى لكم) وروى البخاري، عن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا اللّه، ومن قال لصاحبه: تعال أُقامرك فليتصدق) ""أخرجه البخاري أيضاً""، فهذا محمول على من سبق لسانه في ذلك كما كانت ألسنتهم قد اعتادته من زمن الجاهلية، كما قال النسائي، وأما مناة فكانت بالمشلل بين مكة والمدينة، وكانت خزاعة والأوس والخزرج في جاهليتها يعظمونها ويهلون منها للحج إلى الكعبة، وإنما أفرد هذه بالذكر لأنها أشهر من غيرها، قال ابن اسحاق: كانت العرب اتخذت مع الكعبة طواغيت، وهي بيوت تعظمها، كتعظيم الكعبة، لها سدنة وحجاب تطوف بها كطوافها بها وتنحر عندها، فكانت لقريش ولبني كنانة العزى بنخلة، وكان سدنتها وحجابها بني شيبان من سليم حلفاء بني هاشم، قلت: بعث إليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد فهدمها وجعل يقول: يا عز كفرانك لا سبحانك ** إني رأيت اللّه قد أهانك ولهذا قال تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأُخْرى} ؟ ثم قال تعالى: { ألكم الذكر وله الأنثى} ؟ أي أتجعلون له ولداً وتجعلون ولده أنثى، وتختارون لأنفسكم الذكر، فلو اقتسمتم أنتم ومخلوق مثلكم هذه القسمة لكانت { قسمة ضيزى} أي جوراً باطلة، فكيف تقاسمون ربكم هذه القسمة، التي لو كانت بين مخلوقين كانت جوراً وسفهاً؟ ثم قال تعالى منكراً عليهم فيما ابتدعوه وأحدثوه من عبادة الأصنام وتسميتها آلهة { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} أي من تلقاء أنفسكم { ما أنزل اللّه بها من سلطان} أي من حجة { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس} أي ليس له مستند إلا حسن ظنهم بآبائهم، الذين سلكوا هذا المسلك الباطل قبلهم، وإلا حظ نفوسهم وتعظيم آبائهم الأقدمين، { ولقد جاءهم من ربهم الهدى} أي ولقد أرسل اللّه إليهم الرسل، بالحق المنير والحجة القاطعة، ومع هذا ما اتبعوا ما جاءهم به ولا انقادوا له، ثم قال تعالى: { أم للإنسان ما تمنى} أي ليس كل من تمنى خيراً حصل له، { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب} ولا كل من ود شيئاً يحصل له، كما روي: (إذا تمنى أحدكم فلينظر ما يتمنى فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته) ""تفرد به الإمام أحمد"". وقوله: { فللّه الآخرة والأولى} أي إنما الأمر كله للّه، مالك الدنيا والآخرة والمتصرف فيهما، وقوله تعالى: { وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن اللّه لمن يشاء ويرضى} ، كقوله: { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} ، { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} فإذا كان هذا في حق الملائكة المقربين، فكيف ترجون - أيها الجاهلون - شفاعة هذه الأصنام والأنداد عند اللّه؟ وهو تعالى لم يشرع عبادتها ولا أذن فيها؟

تفسير الجلالين

{ تلك إذا قسمة ضيزى } جائزة من ضازه يضيزه إذا ظلمه وجار عليه .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { أَلَكُمُ الذَّكَر وَلَهُ الْأُنْثَى } يَقُول : أَتَزْعُمُونَ أَنَّ لَكُمُ الذَّكَرَ الَّذِي تَرْضَوْنَهُ , وَلِلَّهِ الْأُنْثَى الَّتِي لَا تَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِكُمْ { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قِسْمَتُكُمْ هَذِهِ قِسْمَة جَائِرَة غَيْر مُسْتَوِيَة , نَاقِصَة غَيْر تَامَّة ; لِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمْ لِرَبِّكُمْ مِنَ الْوَلَد مَا تَكْرَهُونَ لِأَنْفُسِكُمْ , وَآثَرْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِمَا تَرْضَوْنَهُ , وَالْعَرَب تَقُول : ضِزْته حَقَّهُ بِكَسْرِ الضَّاد , وَضُزْتُهُ بِضَمِّهَا فَأَنَا أَضِيزُهُ وَأَضُوزُهُ , وَذَلِكَ إِذَا نَقَصْته حَقّه وَمَنَعْته وَحُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى قَالَ : أَنْشَدَنِي الْأَخْفَش : فَإِنْ تَنَأَ عَنَّا نَنْتَقِصْك وَإِنْ تَغِبْ فَسَهْمُك مَضْئُوزٌ وَأَنْفُك رَاغِمُ وَمِنَ الْعَرَب مَنْ يَقُول : ضِيزَى بِفَتْحِ الضَّاد وَتَرْك الْهَمْز فِيهَا ; وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : ضَأْزَى بِالْفَتْحِ وَالْهَمْز , وَضُؤْزَى بِالضَّمِّ وَالْهَمْز , وَلَمْ يَقْرَأ أَحَد بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ اللُّغَات , وَأَمَّا الضِّيزَى بِالْكَسْرِ فَإِنَّهَا فُعْلَى بِضَمِّ الْفَاء , وَإِنَّمَا كُسِرَتْ الضَّاد مِنْهَا كَمَا كُسِرَتْ مِنْ قَوْلهمْ : قَوْم بِيض وَعِين , وَهِيَ " فُعْل " لِأَنَّ وَاحِدهَا : بَيْضَاء وَعَيْنَاء لِيُؤَلِّفُوا بَيْن الْجَمْع وَالِاثْنَيْنِ وَالْوَاحِد , وَكَذَلِكَ كَرِهُوا ضَمَّ الضَّاد مِنْ ضِيزَى , فَتَقُول : ضُوزَى , مَخَافَة أَنْ تَصِير بِالْوَاوِ وَهِيَ مِنَ الْيَاء , وَقَالَ الْفَرَّاء : إِنَّمَا قَضَيْت عَلَى أَوَّلهَا بِالضَّمِّ ; لِأَنَّ النُّعُوت لِلْمُؤَنَّثِ تَأْتِي إِمَّا بِفَتْحٍ , وَإِمَّا بِضَمٍّ ; فَالْمَفْتُوح : سَكْرَى وَعَطْشَى ; وَالْمَضْمُوم : الْأُنْثَى وَالْحُبْلَى ; فَإِذَا كَانَ اسْمًا لَيْسَ بِنَعْتٍ كُسِرَ أَوَّله , كَقَوْلِهِ : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَع الْمُؤْمِنِينَ } 51 55 كُسِرَ أَوَّلُهَا ; لِأَنَّهَا اسْم لَيْسَ بِنَعْتٍ , وَكَذَلِكَ الشِّعْرَى كُسِرَ أَوَّلهَا ; لِأَنَّهَا اسْم لَيْسَ بِنَعْتٍ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمْ بِالْعِبَارَةِ عَنْهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : قِسْمَة عَوْجَاء . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25188 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : عَوْجَاء. وَقَالَ آخَرُونَ : قِسْمَة جَائِرَة . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25189 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } يَقُول : قِسْمَة جَائِرَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : قِسْمَة جَائِرَة . 25190 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَفْص أَبُو عُبَيْد الْوِصَائِيّ قَالَ : ثنا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا ابْن لَهِيعَة , عَنِ ابْن عَمْرَة , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : تِلْكَ إِذًا قِسْمَة جَائِرَة لَا حَقَّ فِيهَا. وَقَالَ آخَرُونَ : قِسْمَة مَنْقُوصَة . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25191 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : مَنْقُوصَة . وَقَالَ آخَرُونَ : قِسْمَة مُخَالِفَة . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25192 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : جَعَلُوا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنَات , وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَة لِلَّهِ بَنَات , وَعَبَدُوهُمْ , وَقَرَأَ { أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُق بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ } 43 16 : 17 الْآيَة , وَقَرَأَ { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَات } 16 57 إِلَى آخِر الْآيَة , وَقَالَ : دَعَوْا لِلَّهِ وَلَدًا , كَمَا دَعَتِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَقَرَأَ { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } 2 118 قَالَ : وَالضِّيزَى فِي كَلَام الْعَرَب : الْمُخَالَفَة , وَقَرَأَ { إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } . وَقَوْله : { أَلَكُمُ الذَّكَر وَلَهُ الْأُنْثَى } يَقُول : أَتَزْعُمُونَ أَنَّ لَكُمُ الذَّكَرَ الَّذِي تَرْضَوْنَهُ , وَلِلَّهِ الْأُنْثَى الَّتِي لَا تَرْضَوْنَهَا لِأَنْفُسِكُمْ { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قِسْمَتُكُمْ هَذِهِ قِسْمَة جَائِرَة غَيْر مُسْتَوِيَة , نَاقِصَة غَيْر تَامَّة ; لِأَنَّكُمْ جَعَلْتُمْ لِرَبِّكُمْ مِنَ الْوَلَد مَا تَكْرَهُونَ لِأَنْفُسِكُمْ , وَآثَرْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِمَا تَرْضَوْنَهُ , وَالْعَرَب تَقُول : ضِزْته حَقَّهُ بِكَسْرِ الضَّاد , وَضُزْتُهُ بِضَمِّهَا فَأَنَا أَضِيزُهُ وَأَضُوزُهُ , وَذَلِكَ إِذَا نَقَصْته حَقّه وَمَنَعْته وَحُدِّثْت عَنْ مَعْمَر بْن الْمُثَنَّى قَالَ : أَنْشَدَنِي الْأَخْفَش : فَإِنْ تَنَأَ عَنَّا نَنْتَقِصْك وَإِنْ تَغِبْ فَسَهْمُك مَضْئُوزٌ وَأَنْفُك رَاغِمُ وَمِنَ الْعَرَب مَنْ يَقُول : ضِيزَى بِفَتْحِ الضَّاد وَتَرْك الْهَمْز فِيهَا ; وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : ضَأْزَى بِالْفَتْحِ وَالْهَمْز , وَضُؤْزَى بِالضَّمِّ وَالْهَمْز , وَلَمْ يَقْرَأ أَحَد بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ اللُّغَات , وَأَمَّا الضِّيزَى بِالْكَسْرِ فَإِنَّهَا فُعْلَى بِضَمِّ الْفَاء , وَإِنَّمَا كُسِرَتْ الضَّاد مِنْهَا كَمَا كُسِرَتْ مِنْ قَوْلهمْ : قَوْم بِيض وَعِين , وَهِيَ " فُعْل " لِأَنَّ وَاحِدهَا : بَيْضَاء وَعَيْنَاء لِيُؤَلِّفُوا بَيْن الْجَمْع وَالِاثْنَيْنِ وَالْوَاحِد , وَكَذَلِكَ كَرِهُوا ضَمَّ الضَّاد مِنْ ضِيزَى , فَتَقُول : ضُوزَى , مَخَافَة أَنْ تَصِير بِالْوَاوِ وَهِيَ مِنَ الْيَاء , وَقَالَ الْفَرَّاء : إِنَّمَا قَضَيْت عَلَى أَوَّلهَا بِالضَّمِّ ; لِأَنَّ النُّعُوت لِلْمُؤَنَّثِ تَأْتِي إِمَّا بِفَتْحٍ , وَإِمَّا بِضَمٍّ ; فَالْمَفْتُوح : سَكْرَى وَعَطْشَى ; وَالْمَضْمُوم : الْأُنْثَى وَالْحُبْلَى ; فَإِذَا كَانَ اسْمًا لَيْسَ بِنَعْتٍ كُسِرَ أَوَّله , كَقَوْلِهِ : { وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَع الْمُؤْمِنِينَ } 51 55 كُسِرَ أَوَّلُهَا ; لِأَنَّهَا اسْم لَيْسَ بِنَعْتٍ , وَكَذَلِكَ الشِّعْرَى كُسِرَ أَوَّلهَا ; لِأَنَّهَا اسْم لَيْسَ بِنَعْتٍ. وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ أَهْل التَّأْوِيل , وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظهمْ بِالْعِبَارَةِ عَنْهَا , فَقَالَ بَعْضهمْ : قِسْمَة عَوْجَاء . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25188 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : عَوْجَاء. وَقَالَ آخَرُونَ : قِسْمَة جَائِرَة . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25189 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } يَقُول : قِسْمَة جَائِرَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : قِسْمَة جَائِرَة . 25190 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حَفْص أَبُو عُبَيْد الْوِصَائِيّ قَالَ : ثنا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا ابْن لَهِيعَة , عَنِ ابْن عَمْرَة , عَنْ عِكْرِمَة , عَنِ ابْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : تِلْكَ إِذًا قِسْمَة جَائِرَة لَا حَقَّ فِيهَا. وَقَالَ آخَرُونَ : قِسْمَة مَنْقُوصَة . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25191 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا مِهْرَان , عَنْ سُفْيَان { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : مَنْقُوصَة . وَقَالَ آخَرُونَ : قِسْمَة مُخَالِفَة . ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 25192 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { تِلْكَ إِذًا قِسْمَة ضِيزَى } قَالَ : جَعَلُوا لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَنَات , وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَة لِلَّهِ بَنَات , وَعَبَدُوهُمْ , وَقَرَأَ { أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُق بَنَات وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ وَإِذَا بُشِّرَ } 43 16 : 17 الْآيَة , وَقَرَأَ { وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَات } 16 57 إِلَى آخِر الْآيَة , وَقَالَ : دَعَوْا لِلَّهِ وَلَدًا , كَمَا دَعَتِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَقَرَأَ { كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } 2 118 قَالَ : وَالضِّيزَى فِي كَلَام الْعَرَب : الْمُخَالَفَة , وَقَرَأَ { إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ } . '

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أفرأيتم اللات والعزى . ومناة الثالثة الأخرى} لما ذكر الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر من آثار قدرته ما ذكر، حاج المشركين إذ عبدوا ما لا يعقل وقال : أفرأيتم هذه الآلهة التي تعبدونها أوحين إليكم شيئا كما أوحي إلى محمد. وكانت اللات لثقيف، والعزى لقريش وبني كنانة، ومناة لبني هلال. وقال هشام : فكانت مناة لهذيل وخزاعة؛ فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فهدمها عام الفتح. ثم اتخذوا اللات بالطائف، وهي أحدث من مناة وكانت صخرة مربعة، وكان سدنتها من ثقيف، وكانوا قد بنوا عليها بناء، فكانت قريش وجميع العرب تعظمها. وبها كانت العرب تسمي زيد اللات وتيم اللات. وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى، فلم تزل كذلك إلى أن أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. ثم اتخذوا العزى وهي أحدث من اللات، اتخذها ظالم بن أسعد، وكانت بوادي نخلة الشامية فوق ذات عرق، فبنوا عليها بيتا وكانوا يسمعون منها الصوت. قال ابن هشام : وحدثني أبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : كانت العزى شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة، فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، بعث خالد بن الوليد رضي الله عنه فقال : (ايت بطن نخلة فإنك تجد ثلاث سمرات فاعضد الأولى) فأتاها فعضدها فلما جاء إليه قال : (هل رأيت شيئا) قال : لا. قال : (فاعضد الثانية) فأتاها فعضدها، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : (هل رأيت شيئا) قال : لا. قال : (فاعضد الثالثة) فأتاها فإذا هو بحبشية نافشة شعرها، واضعة يديها على عاتقها تصرف بأنيابها، وخلفها دبية السلمى وكان سادنها فقال : يا عز كفرانك لا سبحانك ** إني رأيت الله قد أهانك ثم ضربها ففلق رأسها فإذا هي حممة، ثم عضد الشجرة وقتل دبية السادن، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال : (تلك العزى ولن تعبد أبدا) وقال ابن جبير : العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه. قتادة : نبت كان ببطن نخلة. ومناة : صنم لخزاعة. وقيل : إن اللات فيما ذكر بعض المفسرين أخذه المشركون من لفظ الله، والعزى من العزيز، ومناة من منى الله الشيء إذا قدره. وقرأ ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وحميد وأبو صالح { اللات} بتشديد التاء وقالوا : كان رجلا يلت السويق للحاج ذكر البخاري عن ابن عباس - فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه. ابن عباس : كان يبيع السويق والسمن عند صخرة ويصبه عليها، فلما مات ذلك الرجل عبدت ثقيف تلك الصخرة إعظاما لصاحب السويق. أبو صالح : إنما كان رجلا بالطائف فكان يقوم على آلهتهم ويلُتُّ لهم السويق فلما مات عبدوه. مجاهد : كان رجل في رأس جبل له غنيمه يسلي منها السمن ويأخذ منها الأقط ويجمع رسلها، ثم يتخذ منها حيسا فيطعم الحاج، وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه وهو اللات. وقال الكلبي كان رجلا من ثقيف يقال له صرمة بن غنم. وقيل : إنه عامر بن ظرب العدواني. قال الشاعر : لا تنصروا اللات إن الله مهلكها ** وكيف ينصركم من ليس ينتصر والقراءة الصحيحة { اللات} بالتخفيف اسم صنم والوقوف عليها بالتاء وهو اختيار الفراء. قال الفراء : وقد رأيت الكسائي سأل أبا فقعس الأسدي فقال ذاه لذات ولاه للات وقرأ { أفرأيتم اللاه} وكذا قرأ الدوري عن الكسائي والبزي عن ابن كثير { اللاه} بالهاء في الوقف، ومن قال : إن { اللات} من الله وقف بالهاء أيضا. وقيل : أصلها لاهة مثل شاة أصلها شاهة وهي من لاهت أي اختفت؛ قال الشاعر : لاهت فما عرفت يوما بخارجة ** يا ليتها خرجت حتى رأيناها وفي الصحاح : اللات اسم صنم كان لثقيف وكان بالطائف، وبعض العرب يقف عليها بالتاء، وبعضهم بالهاء؛ قال الأخفش : سمعنا من العرب من يقول اللات والعزى، ويقول هي اللات فيجعلها تاء في السكوت وهي اللات فأعلم أنه جر في موضع الرفع؛ فهذا مثل أمس مكسور على كل حال وهو أجود منه؛ لأن الألف واللام اللتين في اللات لا تسقطان وإن كانتا زائدتين؛ وأما ما سمعنا من الأكثر في اللات والعزى في السكوت عليها فاللاه لأنها هاء فصارت تاء في الوصل وهي في تلك اللغة مثل كان من الأمر كيت وكيت، وكذلك هيهات في لغة من كسرها؛ إلا أنه يجوز في هيهات أن تكون جماعة ولا يجوز ذلك في اللات؛ لأن التاء لا تزاد في الجماعة إلا مع الألف، وإن جعلت الألف والتاء زائدتين بقي الاسم على حرف واحد. قوله تعالى { ومناة الثالثة الأخرى} قرأ ابن كثير وابن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي والأعشى عن أبي بكر { ومناءة} بالمد والهمز. والباقون بترك الهمز لغتان. وقيل : سمي بذلك؛ لأنهم كانوا يريقون عنده الدماء يتقربون بذلك إليه. وبذلك سميت منى لكثرة ما يراق فيها من الدماء. وكان الكسائي وابن كثير وابن محيصن يقفون بالهاء على الأصل. الباقون بالتاء اتباعا لخط المصحف. وفي الصحاح : ومناة اسم صنم كان لهذيل وخزاعة بين مكة والمدينة، والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء وهي لغة، والنسبة إليها منوي. وعبد مناة بن أد بن طابخة، وزيد مناة بن تميم بن مريمد ويقصر؛ قال هوبر الحارثي : ألا هل أتى التيم بن عبد مناءة ** على الشنء فيما بيننا ابن تميم قوله تعالى: { الأخرى} العرب لا تقول للثالثة أخرى وإنما الأخرى نعت للثانية، واختلفوا في وجهها فقال الخليل : إنما قال ذلك لوفاق رءوس الآي؛ كقوله { مآرب أخرى} [طه : 18] ولم يقل آخر. وقال الحسين بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير مجازها أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة. وقيل : إنما قال { ومناة الثالثة الأخرى} لأنها كانت مرتبة عند المشركين في التعظيم بعد اللات والعزى فالكلام على نسقه. وقد ذكرنا عن ابن هشام : أن مناة كانت أولا في التقديم، فلذلك كانت مقدمة عندهم في التعظيم؛ والله أعلم. وفي الآية حذف دل عليه الكلام؛ أي أفرأيتم هذه الآلهة هل نفعت أو ضرت حتى تكون شركاء لله. ثم قال على جهة التقريع والتوبيخ { ألكم الذكر وله الأنثى} ردًّا عليهم قولهم : الملائكة بنات الله، والأصنام بنات الله. { تلك إذا} يعني هذه القسمة { قسمة ضيزى} أي جائرة عن العدل، خارجة عن الصواب، مائلة عن الحق. يقال : ضاز في الحكم أي جار، وضاز حقه يضيزه ضيزا - عن الأخفش - أي نقصه وبخسه. قال : وقد يهمز فيقال ضأزه يضأزه ضأزا وأنشد : فإن تنأ عنا ننتقصك وإن تقم ** فقسمك مضؤوز وأنفك راغم وقال الكسائي : يقال ضاز يضيز ضيزا، وضاز يضوز، وضأز يضأز ضأزا إذا ظلم وتعدى وبخس وانتقص؛ قال الشاعر : ضازت بنو أسد بحكمهم ** إذ يجعلون الرأس كالذنب قوله تعالى { قسمة ضيزى} أي جائرة، وهي فعلى مثل طوبى وحبلى؛ وإنما كسروا الضاد لتسلم الياء؛ لأنه ليس في الكلام فعل صفة، وإنما هو من بناء الأسماء كالشعرى والدفلى. قال الفراء : وبعض العرب تقول ضوزى وضئزى بالهمز. وحكى أبو حاتم عن أبي زيد : أنه. سمع العرب تهمز { ضيزى} . قال غيره : وبها قرأ ابن كثير؛ جعله مصدرا مثل ذكرى وليس بصفة؛ إذ ليس في الصفات فعلى ولا يكون أصلها فعلى؛ إذ ليس فيها ما يوجب القلب، وهي من قولهم ضأزته أي ظلمته. فالمعنى قسمة ذات ظلم. وقد قيل هما لغتان بمعنى. وحكى فيها أيضا سواهما ضيزى وضازى وضوزى وضؤزى. وقال المؤرج : كرهوا ضم الضاد في ضيزى، وخافوا انقلاب الياء واوا وهي من بنات الواو؛ فكسروا الضاد لهذه العلة، كما قالوا في جمع أبيض بيض، والأصل بوض؛ مثل حمر وصفر وخضر. فأما من قال : ضاز يضوز فالاسم منه ضوزى مثل شورى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النجم الايات 11 - 22

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الاستفهام في { أَفَرَأَيْتُمُ... } [النجم: 19] بمعنى أخبروني عن شأن هذه الأصنام التي اتخذتموها آلهة من دون الله، وقد كانوا يتخذون الآلهة على أشكال شتى، إنسان أو حيوان أو شجرة، وربما يتخذون صنماً لا شكلَ له.

و { ٱللاَّتَ... } [النجم: 19] صنم على شكل رجل كان عندهم يلتُّ العجين ليريح النساء من هذا العمل الشاق، ومات ولم يترك خَلفاً بعده يقوم بهذا العمل، فحزنوا لموته، وصنعوا له تمثالاً تكريماً لذكراه ثم بعد ذلك عبدوه.

و { وَٱلْعُزَّىٰ } [النجم: 19] اسم شجرة كانوا يعبدونها، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم خالداً أن يذهب ويقطعها، وكان يقول:
يا عُزَّى كفرانك لا غفرانك   إني رأيت الله قد أهانك
{ وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } [النجم: 20] مناة أيضاً اسم صنم لهم، وقال: { ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } [النجم: 20] فهي ثالثتهم ولم تكُنْ على شكل إنسان أو حيوان، فقال: { ٱلأُخْرَىٰ } [النجم: 20] على سبيل تحقيرهم والاستهزاء بهم وبمَنْ عبدوهم.

الحق سبحانه وتعالى جعلهم حكاماً على ما يفعلون وعلى عبادتهم للأصنام، فقال لهم: أخبروني عن هذه الأصنام هل تستحق أنْ تُعبد، هل لها قدرة أو إرادة، وهي أحجار جئتم بها بأيديكم وصوَّرتموها على صورة تريدونها؟

ثم إذا سقط الصنم وأطاحت به الريح أقمتموه، وإذا كسر ذراعه أصلحتموه، فكيف تعبدونها؟ وأين عقولكم؟

لكنها طبيعة التدُّين في الفطرة البشرية، فقد جبل الخالق سبحانه الإنسان على التدين، وقبل أنْ يُخلق آدم وهو ما يزال في عالم الذر وأخذ علينا العهد ونحن في عالم الذر في ظهر آدم عليه السلام.

فقال سبحانه:
{  وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِيۤ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدْنَآ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَـٰذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوۤاْ إِنَّمَآ أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلْمُبْطِلُونَ }
[الأعراف: 172-173].

إذن: عبدوا الأصنام لما عندهم من إيمان الفطرة في النفس، لكن الإيمان له تبعات ومطلوبات قد تشقُّ على النفس وتقيد حركتها نحو الشهوات، فيميل الإنسانُ إلى عبادة إله بدون تكليف ليُرضيَ غريزة التدين في نفسه، ومن هنا عبدوا الأصنام لأنها آلهة في زعمهم، لكن ليس لها مطلوبات وليس لها منهج، وما عبدوها إلا لراحة مواجيدهم الإيمانية.

ونلاحظ هنا دقة الأداء القرآني في قوله تعالى: { أَفَرَأَيْتُمُ ٱللاَّتَ وَٱلْعُزَّىٰ * وَمَنَاةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلأُخْرَىٰ } [النجم: 19-20] لأنهم عبدوا أيضاً الملائكة من دون الله، لكن لم يذكرها مع اللات والعزى ومناة، لأن الملائكة لا تُرى.

فلا يصح أنْ يقول: أفرأيتم الملائكة لأنهم لم يروا الملائكة، إنما سمعوا عنها وآمنوا بها غيباً، وقالوا على كل هؤلاء: شعفاؤنا عند الله، وقالوا:
{  مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ... }
[الزمر: 3] إذن: حتى في كفرهم بالله يتمحَكون في الله.

وقوله: { أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلأُنْثَىٰ } [النجم: 21] استفهام للتعجُّب والإنكار عليهم، حيث نسبوا لله تعالى الملائكة وجعلوها إناثاً لوجود تاء التأنيث بها.

والملائكة مخلوقات لله تعالى نورانية لا تأكل ولا تشرب ولا تتناسل، ولا تُوصف بذكورة ولا بأنوثة.

فهذا تعدٍّ في الحكم وقسمة سماها القرآن { تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَىٰ } [النجم: 22] جائزة ظالمة، لأنكم نسبتُم لأنفسكم الجنس الأعلى ولله الجنس الأدنى، فالخطأ الأول أنهم جعلوا الملائكة إناثاً، والثاني أنهم عبدوها.

والحق سبحانه يرد عليهم:
{  وَجَعَلُواْ ٱلْمَلاَئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمْ عِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ إِنَاثاً أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ }
[الزخرف: 19]. وقال:
{  إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ... }
[الأنبياء: 98] أي: وقودها الذي تتأجج به والعياذ بالله.

فالمأزق الذي وقع فيه عُبَّاد الأصنام أنهم قالوا:
{  مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ... }
[الزمر: 3] ولو قالوا: ما نتقربُّ إليهم إلا ليقربونا إلى الله لكانت مقبولة، لكن قالوا: (نعبدهم) وهو قول باطل، فردَّ الله عليهم:
{  إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ... }
[الأنبياء: 98].

فإنْ قلتَ: فما ذنب عيسى والعُزير؟ وما ذنب الملائكة وقد عبدوها من دون الله؟ والجواب في نفس الآية، تأمل
{  وَمَا تَعْبُدُونَ... }
[الأنبياء: 98] فـ(ما) هنا لغير العاقل ولم يقُلْ: ومَنْ تعبدون، فسيدنا عيسى والعزير والملائكة لا يشملهم هذا الحكم.

وتأمل كلمة { ضِيزَىٰ } [النجم: 22] تجدها كلمة غريبة في تركيبها وفي نقطها ولم تتكر في مفردات القرآن، جاءت هكذا عجيبة لتدل على أن فعلهم غريب وعجيب، وأن قسمتهم هذه جائزة ظالمة، لأنهم نسبوا لله تعالى وهو الخالق الجنس الأدنى. أي: في نظرهم هم.

فالعقائد لا تُفضّل الذكر على الأنثى، فهما سواء في ميزان الشرع، ولبيان هذه المسألة اقرأ مثلاً في قصة السيدة مريم:
{  إِذْ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً... }
[آل عمران: 35] أي: محرراً وموقوفاً على خدمة البيت، والخدمة في أماكن العبادة خاصة بالذكور ولا تصح لها الإناث.


{  فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أُنْثَىٰ وَٱللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلأُنْثَىٰ... }
[آل عمران: 36] أي: ليس كلأنثى في آداء هذه المهمة، فبيَّن الله لها أن الأنثى التي أريدها ستأخذ منزلة لم تأخذها أنثى غيرها.

فالذكر الذي طلبْتِه ليس كالأنثى التي وهبتُها لك، لأن هذه الأنثى سيكون لها منزلة في تاريخ العقائد، موقف يرفعها على جميع النساء.

لذلك لما تكلم عن نماذج من النساء قال (امرأة) ولم يُسمِّ إلا مريم، فقال:
{  ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱمْرَأَتَ نُوحٍ وَٱمْرَأَتَ لُوطٍ... }
[التحريم: 10] وقال:
{  وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ ٱمْرَأَتَ فِرْعَوْنَ... }
[التحريم: 11] ولم يُسمِّها إلا رسول الله، فقال: هي آسية بنت مزاحم.

فالحق سبحانه لم يُسمّ هؤلاء، فهُنَّ نماذج لحالات مختلفة هدفها واحد وهو حرية العقيدة للمرأة، ولا أحدَ يستطيع أنْ يُرغم أحداً على عقيدة بعينها.أما مريم فسمَّاها باسمها واسم أبيها
{  وَمَرْيَمَ ٱبْنَتَ عِمْرَانَ... }
[التحريم: 12] لأنها نموذج فريد وحالة خاصة لن تتكرر بعدها. إذن: إبهام الشخصيات له موضعه، وتعيُّنها له موضعه، وكُلّ له حكمته.

ففي قصة أهل الكهف ذكر قصة الفتية
{  إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُواْ بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى }
[الكهف: 13] ولم يُعيِّن القرآن أسماءهم ولا عددهم، ولا يذكر عنهم إلا وصف الإيمان بالله، وهذا هو القدر المراد في قصتهم ولا يُهم بعد ذلك عددهم أو أسمائهم، فهو عِلْم لا نفع، وجهل لا يضر كما يقولون.

فهم نموذج للفتية المؤمنين المتمسكين بعقيدتهم المجابهة للظم في أيِّ زمان وفي أيِّ مكان، بأيِّ عدد وبأيِّ صورة، ولو عيّنهم وسمّاهم لكانوا حالة خاصة ليس بالضرورة أن تتكرر.

وأحبُّ أنْ استدرك الحديث عن مسألة رؤية سيدنا رسول الله لربه، لأنها مسألة كَثُر فيها الكلام بين المفسرين، وتباينت فيها الآراء بين مؤيد ومعارض.

وأقول: أولاً إنها مسألة لا تضر أصل العقيدة، لأنها لا تأتي بشيء جديد إلا أنْ نعرف منزلة محمد من ربه، فالذين يحبون رسول الله يريدون أنْ يصلوا به إلى مرتبة أنه رأى ربه فيُثبتون له ذلك.

وآخرون مُحبَّون أيضاً لرسول الله لكنهم يريدون أنْ يُجنِّبوا الناس متاهات الشك، فيحاولون تخفيف هذه المسألة بأنها رؤية على غير الحقيقة.

ونحن بدورنا نريد أنْ نُبسِّط المسألة تبسيطاً يُيسِّرها على الجميع، ومن الطبيعي أنْ تختلف آراء العلماء، وهو اختلاف يُعزِّز الدين في ذاته ولا يقدح فيه.

والمتتبع لآيات سورة النجم من أولها يجدها تحدثتْ عن الوحي في موضعين: الأول:
{  إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَىٰ * عَلَّمَهُ شَدِيدُ ٱلْقُوَىٰ }
[النجم: 4-5] والمراد: الوحي الذي نزل به جبريل على محمد وهو في الأرض.

إذن: فقوله تعالى بعدها:
{  فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ }
[النجم: 10] ليست بالمعنى الأول، بل تضيف جديداً، فالوحي فيها يُقصد به الوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد.

بدليل أن الآية هنا لم تذكر جبريل واسطة الوحي، ثم أبهمتْ الوحي فقالت:
{  مَآ أَوْحَىٰ }
[النجم: 10] والوحي الذي نزل به جبريل معلوم وغير مُبْهم.

كما أن إبهام الوحي هنا يدل على عِظمة، وأنه شيء كثير فوق الحصر، أو أنه شيء غريب وعجيب كما جاء في قوله تعالى:
{  فَغَشِيَهُمْ مِّنَ ٱلْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ }
[طه: 78].

إذن: نحن أمام نوعين من الوحي، وإذا كانا بمعنى واحد فما ضرورة أنْ يذهب رسول الله في هذه الرحلة من الأرض إلى السماء ما دام جبريل ينزل عليه. ويُوحي إليه؟

نفهم من ذلك أن
{  فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَآ أَوْحَىٰ }
[النجم: 10] عطاء جديد لرسول الله، لكنه عطاء مُغلّف بالغيب، فليست كل العقول مهيئة لتقبُّله، وعلى قدر صفاء النفس يكون الاقتناع بمثل هذه المواقف، والناس يختلفون كثيراً في هذه المسألة.ومن هنا رأينا المؤيد والمعارض، والحمد لله فهذا خلاف لا يقدح في العقيدة، والحق سبحانه وتعالى خاطب الجميع مَنْ اكتفى بالفرائض، ومَنْ زاد عليها وأوغل في النوافل، جعل لكلٍّ عطاءً يناسبه.

والوحي المباشر من الله تعالى لنبيه محمد يقتضي القُرْب، ويقتضي السماع، وقد أوضح سيدنا رسول الله الرؤية فقال: " نور أنَّى أراه " فقد رأى صلى الله عليه وسلم النور، وهل بعد ذلك غاية تُدرك؟

وقد ورد في أثر ما يؤكد هذا أن رسول الله ضرب على صدر أحد الصحابة حتى أحسَّ برد أنامله. وقال: أعطاني ربي ثلاثة أوعية: وعاء أمرني بتبليغه وهو الصلاة، ووعاء خيَّرني فيه (يعني: أبلغه لأصحاب الصفاء الذين يحسنون الاستقبال عني وأكتمه عن الذين لا يُحسنون الاستقبال)، ووعاءً نهاني الله عنه (وفي هذا الوعاء أمور فوق مدارك البشر جميعاً ولا تتحمله عقولهم فأُمِر رسول الله بأنْ يكتمه).

والصحابة أنفسهم كانوا يتفاوتون في فَهْم مثل هذه الأمور، فسيدنا عمر لما طاف بالكعبة ووقف أمام الحجر الأسود قال: والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنِّي رأيتُ رسول الله يُقبِّلك ما قبَّلتك.

يريد عمر أنْ يلفتنا إلى أن العمل العبادي لا يُؤدّى لذاته، إنما ثقة في الآمر به. أما سيدنا علي فعنده لَوْن آخر من الفيض ومن الفهم، فيأتي سيدنا عمر ويقول له بينه وبينه: يا أمير المؤمنين، ولكني أعرف أنه يضر وينفع، ألا يشهد لصاحبه يوم القيامة.

إذن: ليس بالضرورة أنْ نعلم كلَّ شيء، والله يقول:
{  وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً }
[الإسراء: 85] مهما كنت، وعندنا في حياتنا اليومية نغلف الشيء النفيس في أكثر من غلاف، فنضعه في ظرف، والظرف في خزينة مُحكمة، والخزينة في مكان خاص، فما بالك إذا كان الأمرُ خاصّاً برؤية الله جَلَّ وعلا، فلا بأس أنْ تغلف في هذه الأساليب ولكل عقل أنْ يتقبَّل منها ما يريد.

ثم في قوله سبحانه:
{  أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ }
[النجم: 12] الوحي يُرَى أم يُسمع؟ الوحي يُسمع، فلماذا قال
{  عَلَىٰ مَا يَرَىٰ }
[النجم: 12] إذن: لابد أن يكون هناك رؤية. والذين لا يقبلون الرؤية يستشهدون بقوله تعالى:
{  لاَّ تُدْرِكُهُ ٱلأَبْصَٰرُ وَهُوَ يُدْرِكُ ٱلأَبْصَٰرَ... }
[الأنعام: 103].

نعم لا تدركه الأبصار، فقد حدد آلة الإدراك وهي (الأبصار)، وهذا يعني أنه لا مانعَ أنْ يدرك بغير الأبصار، فالمنع هنا للإبصار فقط، فحين يرد خبر معناه: انعكس بصري على بصيرتي، فرأيت مَنْ لا كمثله شيء لابد أن نفهم أن المسألة فيها تغليف وسَتْر لأمر نفيس وعجيب.

بل إن المتدبر للآيات يجدها تذهب إلى أبعد مما تتكلَّمون فيه، اقرأ:
{  أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ }
[النجم: 12] وبعدها
{  لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ ٱلْكُبْرَىٰ }
[النجم: 18] يعني: رأى أكثر من الذي تتكلمون فيه، فما حالكم لو أخبرناكم بكلِّ ما رأى؟

وفي قصة سيدنا موسى عليه السلام لما قال لربه:
{  رَبِّ أَرِنِيۤ أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَـٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً وَخَرَّ موسَىٰ صَعِقاً... }
[الأعراف: 143].

تأمل أولاً
{  لَن تَرَانِي... }
[الأعراف: 143] ولم يقُلْ: لن أرى، يعني: لن تراني يا موسى وأنت على هذه الهيئة لأنها لا تُمكنك من الرؤية، لكن تجلى للجبل والتجلِّي يقتضي الرؤية. إ ذن: الأمر هنا في الرائي ومدى استعداده للرؤية.

ومحمد مثل موسى في هذه المسألة، لكنه لما صعد إلى السماء أخذ شيئاً من الملائكية تُمكنه من الصعود والاختراق، ملائكية غطَّتْ على بشريته وتغلَّبتْ عليها.


www.alro7.net