سورة
اية:

وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: لا يستوي المؤمنون والكافرون كما قال في آية أُخْرى: { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون} وقال تبارك وتعالى: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات} أي عملوها وكسبوها { أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم} ؟ أي نساويهم بها في الدنيا والآخرة { ساء ما يحكمون} أي ساء ما ظنوا بنا وبعدلنا أن نساوي بين الأبرار والفجار، فكما لا يجتنى من الشوك العنب، كذلك لا ينال الفجار منازل الأبرار، ذكر محمد بن إسحاق أنهم وجدوا حجراً بمكة من أسّ الكعبة، مكتوب عليه (تعملون السيئات وترجون الحسنات، أجل كما يجنى من الشوك العنب). وعن مسروق أن تميماً الداري قام ليلة حتى أصبح يردد هذه الآية: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات} ""أخرجه الطبراني عن أبي الضحى عن مسروق""ولهذا قال تعالى: { ساء ما يحكمون} ، وقال عزَّ وجلَّ: { وخلق اللّه السماوات والأرض بالحق} أي بالعدل، { ولتجزي كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون} ، ثم قال جلَّ وعلا: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه} أي إنما يأتمر بهواه، فمهما رأه حسناً فعله، ومهما رأه قبيحاً تركه، لا يهوى شيئاً إلا عبده، وقوله: { وأضله اللّه على علم} يحتمل قولين: أحدهما : وأضله اللّه لعلمه أنه يستحق ذلك، والآخر : وأضله اللّه بعد بلوغ العلم إليه وقيام الحجة عليه، والثاني يستلزم الأول ولا ينعكس، { وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة} أي فلا يسمع ما ينفعه ولا يعي شيئاً يهتدي به، ولا يرى حجة يستضيء بها، ولهذا قال تعالى: { فمن يهديه من بعد اللّه أفلا تذكرون} ؟ كقوله تعالى: { من يضلل اللّه فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون} .

تفسير الجلالين

{ وخلق الله السماوات } خلق { والأرض بالحق } متعلق بخلق ليدل على قدرته ووحدانيته { ولتجزى كل نفس بما كسبت } من المعاصي والطاعات فلا يساوي الكافر المؤمن { وهم لا يظلمون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَخَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَخَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ } لِلْعَدْلِ وَالْحَقّ , لَا لِمَا حَسِبَ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ بِاللَّهِ , مِنْ أَنَّهُ يَجْعَل مَنْ اجْتَرَحَ السَّيِّئَات , فَعَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْره , كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَات , إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْل غَيْر أَهْل الْعَدْل وَالْإِنْصَاف , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَمْ يَخْلُق اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض لِلظُّلْمِ وَالْجَوْر , وَلَكِنَّا خَلَقْنَاهُمَا لِلْحَقِّ وَالْعَدْل , وَمِنْ الْحَقّ أَنْ نُخَالِف بَيْن حُكْم الْمُسِيء وَالْمُحْسِن , فِي الْعَاجِل وَالْآجِل . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَخَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَخَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ } لِلْعَدْلِ وَالْحَقّ , لَا لِمَا حَسِبَ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ بِاللَّهِ , مِنْ أَنَّهُ يَجْعَل مَنْ اجْتَرَحَ السَّيِّئَات , فَعَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْره , كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات , فِي الْمَحْيَا وَالْمَمَات , إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْل غَيْر أَهْل الْعَدْل وَالْإِنْصَاف , يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَمْ يَخْلُق اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض لِلظُّلْمِ وَالْجَوْر , وَلَكِنَّا خَلَقْنَاهُمَا لِلْحَقِّ وَالْعَدْل , وَمِنْ الْحَقّ أَنْ نُخَالِف بَيْن حُكْم الْمُسِيء وَالْمُحْسِن , فِي الْعَاجِل وَالْآجِل .' وَقَوْله : { وَلِتُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِيُثِيبَ اللَّه كُلّ عَامِل بِمَا عَمِلَ مِنْ عَمَل خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , الْمُحْسِن بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيء بِمَا هُوَ أَهْله , لَا لِنَبْخَس الْمُحْسِن ثَوَاب إِحْسَانه , وَنَحْمِل عَلَيْهِ جُرْم غَيْره , فَنُعَاقِبهُ , أَوْ نَجْعَل لِلْمُسِيءِ ثَوَاب إِحْسَان غَيْره فَنُكْرِمهُ , وَلَكِنْ لِنَجْزِيَ كُلًّا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ , وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ جَزَاء أَعْمَالهمْ .وَقَوْله : { وَلِتُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلِيُثِيبَ اللَّه كُلّ عَامِل بِمَا عَمِلَ مِنْ عَمَل خَلْق السَّمَوَات وَالْأَرْض , الْمُحْسِن بِالْإِحْسَانِ , وَالْمُسِيء بِمَا هُوَ أَهْله , لَا لِنَبْخَس الْمُحْسِن ثَوَاب إِحْسَانه , وَنَحْمِل عَلَيْهِ جُرْم غَيْره , فَنُعَاقِبهُ , أَوْ نَجْعَل لِلْمُسِيءِ ثَوَاب إِحْسَان غَيْره فَنُكْرِمهُ , وَلَكِنْ لِنَجْزِيَ كُلًّا بِمَا كَسَبَتْ يَدَاهُ , وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ جَزَاء أَعْمَالهمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وخلق الله السماوات والأرض بالحق} أي بالأمر الحق. { ولتجزى} أي ولكي تجزى. { كل نفس بما كسبت} أي في الآخرة. { وهم لا يظلمون} .

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أنْ تكلَّم الحق سبحانه أن الظن الجائر والخاطئ من الكافرين، وهو أنْ نُسوِّيهم بالذين آمنوا.

وبعد أنْ بيَّن سبحانه وجه الظلم في هذا الظن يُحدِّثنا هنا عن عدله سبحانه، وعن ميزان الحق الذي به قامتْ السماوات والأرض بداية، وقبل أنْ يخلقَ الإنسان، وقبل أنْ يوجد المؤمن والكافر.

فبالحق خلق السماوات والأرض، وأنشأهما بحساب دقيق وعدل مطلق، فعدالة السماء لا تقتصر على جزاء الآخرة كُلٌّ بعمله، إنما هي عدالة أزلية بها قامتْ عملية الخلق.

{ وَخَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ بِٱلْحَقِّ وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [الجاثية: 22] والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، ونحن نرى آيات الله في الكون سمائه وأرضه نجدها آيات ثابتة تسير بنظام محكم دقيق لا يتخلف أبداً ولا يتبدل، لأنها بُنيت بدايةً على الحق.

وكأن الله تعالى يعطينا إشارة ويلفت أنظارنا إلى أن حركة حياتنا في هذه الدنيا لن تستقيم ولن تسير في سلام إلا إذا قامتْ على الحق وبُنيت بميزان الحق، الذي به قامتْ السماوات والأرض.

اقرأ مثلاً:
{  ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ }
[الرحمن: 5] أي: خُلِقَتْ بحساب دقيق
{  وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَٱلسَّمَآءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ ٱلْمِيزَانَ }
[الرحمن: 6-7].

وتأمل ختام الآية: { وَلِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } [الجاثية: 22] فما دام الأمر قائماً على الحق، فلا بدَّ أنْ تتحقق العدالة في الجزاء، وأنْ ينتفي الظلم.

ثم يقول الحق سبحانه:

{ أَفَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ.. }


www.alro7.net