سورة
اية:

هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط، ونحو ذلك { إذا لهم مكر في آياتنا} ، قال مجاهد استهزاء وتكذيب، { قل اللّه أسرع مكرا} أي أشد استدراجاً وإمهالاً حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب، وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة فيجازيه على النقير والقطمير، ثم أخبر تعالى أنه: { هو الذي يسيركم في البر والبحر} أي يحفظكم ويكلؤكم بحراسته، { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها} أي بسرعة سيرهم رافلين، فبينما هم كذلك إذ { جاءتها} أي تلك السفن { ريح عاصف} أي شديدة، { وجاءهم الموج من كل مكان} أي اغتلم البحر عليهم، { وظنوا أنهم أحيط بهم} أي هلكوا، { دعوا اللّه مخلصين له الدين} أي لا يدعون معه صنماً ولا وثناً يفردونه بالدعاء والابتهال، كقوله تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} ، { لئن أنجيتنا من هذه} أي هذه الحال { لنكونن من الشاكرين} أي لا نشرك بك أحداً ولنفردنك بالعبادة كما أفردناك بالدعاء ههنا، قال اللّه تعالى: { فلما أنجاهم} أي من تلك الورطة، { إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} أي كأن لم يكن من ذلك شيء، { كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} ، ثم قال تعالى: { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم، ولا تضرون به أحداً غيركم، كما جاء في الحديث: (ما من ذنب أجدر أن يعجل اللّه عقوبته في الدنيا مع ما يدخر اللّه لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)، وقوله: { متاع الحياة الدنيا} أي إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة، { ثم إلينا مرجعكم} أي مصيركم ومآلكم، { فننبئكم} أي فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

تفسير الجلالين

{ هو الذي يسيركم } وفي قراءة ينشركم { في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك } السفن { وجرين بهم بريح } وجرين فيه التفات عن الخطاب بريح طيبة } لينة { وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف } شديد الهبوب تكسر كل شيء { وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم } أي أهلكوا { دعوا الله مخلصين له الدين } الدعاء { لئن } لام قسم { أنجيتنا من هذه } الأهوال { لنكونن من الشاكرين } الموحدين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيح عَاصِف وَجَاءَهُمْ الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين لَئِنْ أَنْجَيْتنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه الَّذِي يُسَيِّركُمْ أَيّهَا النَّاس فِي الْبَرّ عَلَى الظَّهْر وَفِي الْبَحْر فِي الْفُلْك ; { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك } وَهِيَ السُّفُن , { وَجَرَيْنَ بِهِمْ } يَعْنِي : وَجَرَتْ الْفُلْك بِالنَّاسِ , { بِرِيحٍ طَيِّبَة } فِي الْبَحْر , { وَفَرِحُوا بِهَا } يَعْنِي : وَفَرِحَ رُكْبَان الْفُلْك بِالرِّيحِ الطَّيِّبَة الَّتِي يَسِيرُونَ بِهَا . وَالْهَاء فِي قَوْله : " بِهَا " عَائِدَة عَلَى الرِّيح الطَّيِّبَة . { جَاءَتْهَا رِيح عَاصِف } يَقُول : جَاءَتْ الْفُلْك رِيح عَاصِف , وَهِيَ الشَّدِيدَة , وَالْعَرَب تَقُول : رِيح عَاصِف وَعَاصِفَة , وَقَدْ أَعْصَفَتْ الرِّيح وَعَصَفَتْ وَأَعْصَفَتْ فِي بَنِي أَسَد فِيمَا ذُكِرَ , قَالَ بَعْض بَنِي دُبَيْر : حَتَّى إِذَا أَعَصَفَتْ رِيح مُزَعْزَعَة فِيهَا قِطَار وَرَعْد صَوْته زَجِل { وَجَاءَهُمْ الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَاءَ رُكْبَان السَّفِينَة الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان . { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ } يَقُول : وَظَنُّوا أَنَّ الْهَلَاك قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ وَأَحْدَقَ . { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } يَقُول : أَخْلَصُوا الدُّعَاء لِلَّهِ هُنَالِكَ دُون أَوْثَانهمْ وَآلِهَتهمْ , وَكَانَ مَفْزَعهمْ حِينَئِذٍ إِلَى اللَّه دُونهَا . كَمَا : 13641 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } قَالَ : إِذَا مَسَّهُمْ الضُّرّ فِي الْبَحْر أَخْلَصُوا لَهُ الدُّعَاء . 13642 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , فِي قَوْله : { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } هياشراهيا , تَفْسِيره : يَا حَيّ يَا قَيُّوم . 13643 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَة مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } ... إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّه مَا يَدْعُونَ , فَإِذَا كَانَ الضُّرّ لَمْ يَدْعُو إِلَّا اللَّه , فَإِذَا نَجَّاهُمْ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لَئِنْ أَنْجَيْتنَا مِنْ هَذِهِ الشِّدَّة الَّتِي نَحْنُ فِيهَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ لَك عَلَى نِعَمك وَتَخْلِيصك إِيَّانَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِإِخْلَاصِنَا الْعِبَادَة لَك وَإِفْرَاد الطَّاعَة دُون الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ } فَقَرَأْته عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ } مِنْ السَّيْر بِالسِّينِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر الْقَارِي : " هُوَ الَّذِي يَنْشُركُمْ " مِنْ النَّشْر , وَذَلِكَ الْبَسْط ; مِنْ قَوْل الْقَائِل : نَشَرْت الثَّوْب , وَذَلِكَ بَسْطه وَنَشْره مِنْ طَيّه . فَوَجَّهَ أَبُو جَعْفَر مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّه يَبْعَث عِبَاده , فَيَبْسُطهُمْ بَرًّا وَبَحْرًا , وَهُوَ قَرِيب الْمَعْنَى مِنْ التَّسْيِير . وَقَالَ : { وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة } وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { فِي الْفُلْك الْمَشْحُون } . 36 41 فَوَحَّدَ , وَالْفُلْك : اِسْم لِلْوَاحِدَةِ وَالْجِمَاع وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث . قَالَ : { وَجَرَيْنَ بِهِمْ } وَقَدْ قَالَ : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ } فَخَاطَبَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْخَبَر عَنْ الْغَائِب ; وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ الْكِتَاب بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَجَوَاب قَوْله : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك } : { وَجَاءَتْهَا رِيح عَاصِف } وَأَمَّا جَوَاب قَوْله : { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ } فَـ { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْر حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيح عَاصِف وَجَاءَهُمْ الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين لَئِنْ أَنْجَيْتنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اللَّه الَّذِي يُسَيِّركُمْ أَيّهَا النَّاس فِي الْبَرّ عَلَى الظَّهْر وَفِي الْبَحْر فِي الْفُلْك ; { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك } وَهِيَ السُّفُن , { وَجَرَيْنَ بِهِمْ } يَعْنِي : وَجَرَتْ الْفُلْك بِالنَّاسِ , { بِرِيحٍ طَيِّبَة } فِي الْبَحْر , { وَفَرِحُوا بِهَا } يَعْنِي : وَفَرِحَ رُكْبَان الْفُلْك بِالرِّيحِ الطَّيِّبَة الَّتِي يَسِيرُونَ بِهَا . وَالْهَاء فِي قَوْله : " بِهَا " عَائِدَة عَلَى الرِّيح الطَّيِّبَة . { جَاءَتْهَا رِيح عَاصِف } يَقُول : جَاءَتْ الْفُلْك رِيح عَاصِف , وَهِيَ الشَّدِيدَة , وَالْعَرَب تَقُول : رِيح عَاصِف وَعَاصِفَة , وَقَدْ أَعْصَفَتْ الرِّيح وَعَصَفَتْ وَأَعْصَفَتْ فِي بَنِي أَسَد فِيمَا ذُكِرَ , قَالَ بَعْض بَنِي دُبَيْر : حَتَّى إِذَا أَعَصَفَتْ رِيح مُزَعْزَعَة فِيهَا قِطَار وَرَعْد صَوْته زَجِل { وَجَاءَهُمْ الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَجَاءَ رُكْبَان السَّفِينَة الْمَوْج مِنْ كُلّ مَكَان . { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ } يَقُول : وَظَنُّوا أَنَّ الْهَلَاك قَدْ أَحَاطَ بِهِمْ وَأَحْدَقَ . { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } يَقُول : أَخْلَصُوا الدُّعَاء لِلَّهِ هُنَالِكَ دُون أَوْثَانهمْ وَآلِهَتهمْ , وَكَانَ مَفْزَعهمْ حِينَئِذٍ إِلَى اللَّه دُونهَا . كَمَا : 13641 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } قَالَ : إِذَا مَسَّهُمْ الضُّرّ فِي الْبَحْر أَخْلَصُوا لَهُ الدُّعَاء . 13642 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , فِي قَوْله : { مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } هياشراهيا , تَفْسِيره : يَا حَيّ يَا قَيُّوم . 13643 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَة مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } ... إِلَى آخِر الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّه مَا يَدْعُونَ , فَإِذَا كَانَ الضُّرّ لَمْ يَدْعُو إِلَّا اللَّه , فَإِذَا نَجَّاهُمْ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ لَئِنْ أَنْجَيْتنَا مِنْ هَذِهِ الشِّدَّة الَّتِي نَحْنُ فِيهَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ لَك عَلَى نِعَمك وَتَخْلِيصك إِيَّانَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ بِإِخْلَاصِنَا الْعِبَادَة لَك وَإِفْرَاد الطَّاعَة دُون الْآلِهَة وَالْأَنْدَاد . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ } فَقَرَأْته عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز وَالْعِرَاق : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ } مِنْ السَّيْر بِالسِّينِ . وَقَرَأَ ذَلِكَ أَبُو جَعْفَر الْقَارِي : " هُوَ الَّذِي يَنْشُركُمْ " مِنْ النَّشْر , وَذَلِكَ الْبَسْط ; مِنْ قَوْل الْقَائِل : نَشَرْت الثَّوْب , وَذَلِكَ بَسْطه وَنَشْره مِنْ طَيّه . فَوَجَّهَ أَبُو جَعْفَر مَعْنَى ذَلِكَ إِلَى أَنَّ اللَّه يَبْعَث عِبَاده , فَيَبْسُطهُمْ بَرًّا وَبَحْرًا , وَهُوَ قَرِيب الْمَعْنَى مِنْ التَّسْيِير . وَقَالَ : { وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة } وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : { فِي الْفُلْك الْمَشْحُون } . 36 41 فَوَحَّدَ , وَالْفُلْك : اِسْم لِلْوَاحِدَةِ وَالْجِمَاع وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث . قَالَ : { وَجَرَيْنَ بِهِمْ } وَقَدْ قَالَ : { هُوَ الَّذِي يُسَيِّركُمْ } فَخَاطَبَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْخَبَر عَنْ الْغَائِب ; وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ الْكِتَاب بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَجَوَاب قَوْله : { حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك } : { وَجَاءَتْهَا رِيح عَاصِف } وَأَمَّا جَوَاب قَوْله : { وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيط بِهِمْ } فَـ { دَعَوْا اللَّه مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين } '

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} أي يحملكم في البر على الدواب وفي البحر على الفلك. وقال الكلبي : يحفظكم في السير. والآية تتضمن تعديد النعم فيما هي الحال بسبيله من ركوب الناس الدواب والبحر. وقد مضى الكلام في ركوب البحر في { البقرة} . { يسيركم} قراءة العامة. ابن عامر { ينشركم} بالنون والشين، أي يبثكم ويفرقكم. والفلك يقع على الواحد والجمع، ويذكر ويؤنث، وقد تقدم القول فيه. وقوله: { وجربن بهم} خروج من الخطاب إلى الغيبة، وهو في القرآن وأشعار العرب كثير؛ قال النابغة : يا دار مية بالعلياء فالسند ** أقوت وطال عليها سالف الأمد قال ابن الأنباري : وجائز في اللغة أن يرجع من خطاب الغيبة إلى لفظ المواجهة بالخطاب؛ قال الله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا} [الإنسان : 21 - 22] فأبدل الكاف من الهاء. قوله تعالى: { بريح طيبة وفرحوا بها} تقدم الكلام فيها في البقرة. { جاءتها ريح عاصف} الضمير في { جاءتها} للسفينة. وقيل للريح الطيبة. والعاصف الشديدة؛ يقال : عصفت الريح وأعصفت، فهي عاصف ومعصف ومعصفة أي شديدة، قال الشاعر : حتى إذا أعصفت ريح مزعزعة ** فيها قطار ورعد صوته زجل وقال { عاصف} بالتذكير لأن لفظ الريح مذكر، وهي القاصف أيضا. والطيبة غير عاصف ولا بطيئة. { وجاءهم الموج من كل مكان} والموج ما ارتفع من الماء { وظنوا} أي أيقنوا { أنهم أحيط بهم} أي أحاط بهم البلاء؛ يقال لمن وقع في بلية : قد أحيط به، كأن البلاء قد أحاط به؛ وأصل هذا أن العدو إذا أحاط بموضع فقد هلك أهله. { دعوا الله مخلصين له الدين} أي دعوه وحده وتركوا ما كانوا يعبدون. وفي هذا دليل على أن الخلق جبلوا على الرجوع إلى الله في الشدائد، وأن المضطر يجاب دعاؤه، وإن كان كافرا؛ لانقطاع الأسباب ورجوعه إلى الواحد رب الأرباب؛ على ما يأتي بيانه في { النمل} إن شاء الله تعالى. وقال بعض المفسرين : إنهم قالوا في دعائهم أهيا شراهيا؛ أي يا حي يا قيوم. وهي لغة العجم. مسألة : هذه الآية تدل على ركوب البحر مطلقا، ومن السنة حديث أبي هريرة وفيه : إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء... الحديث. وحديث أنس في قصة أم حرام يدل على جواز ركوبه في الغزو، وقد مضى هذا المعنى في { البقرة} مستوفى والحمد لله. وقد تعدم في آخر { الأعراف} حكم راكب البحر في حال ارتجاجه وغليانه، هل حكمه حكم الصحيح أو المريض المحجور عليه؛ فتأمله هناك. قوله تعالى: { لئن أنجيتنا من هذه} أي هذه الشدائد والأهوال. وقال الكلبي : من هذه الريح. { لنكونن من الشاكرين} أي من العاملين بطاعتك على نعمة الخلاص. { فلما أنجاهم} أي خلصهم وأنقذهم.. { إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} أي يعملون في الأرض بالفساد وبالمعاصي. والبغي : الفساد والشرك؛ من بغى الجرح إذا فسد؛ وأصله الطلب، أي يطلبون الاستعلاء بالفساد. { بغير الحق} أي بالتكذيب؛ ومنه بغت المرأة طلبت غير زوجها. قوله تعالى: { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} أي وباله عائد عليكم؛ وتم الكلام، ثم ابتدأ فقال: { متاع الحياة الدنيا ثم إلي مرجعكم فننبئكم بما كنتم تعملون} أي هو متاع الحياة الدنيا؛ ولا بقاء له. قال النحاس: { بغيكم} رفع بالابتداء وخبره { متاع الحياة الدنيا} . و { على أنفسكم} مفعول معنى فعل البغي. ويجوز أن يكون خبره { على أنفسكم} وتضمر مبتدأ، أي ذلك متاع الحياة الدنيا، أو هو متاع الحياة الدنيا؛ وبين المعنيين حرف لطيف، إذا رفعت متاعا على أنه خبر { بغيكم} فالمعنى. إنما بغي بعضكم على بعض؛ مثل { فسلموا على أنفسكم} [النور : 61] وكذا { لقد جاءكم رسول من أنفسكم} [التوبة : 128]. وإذا كان الخبر { على أنفسكم} فالمعنى إنما فسادكم راجع عليكم؛ مثل { وإن أسأتم فلها} . وروي عن سفيان بن عيينة أنه قال : أراد أن البغي متاع الحياة الدنيا، أي عقوبته تعجل لصاحبه في الدنيا؛ كما يقال : البغي مصرعة. وقرأ ابن أبي إسحاق { متاع} بالنصب على أنه مصدر؛ أي تتمتعون متاع الحياة الدنيا. أو ينزع الخافض، أي لمتاع، أو مصدر، بمعنى المفعول على الحال، أي متمتعين. أو هو نصب على الظرف، أي في متاع الحياة الدنيا، ومتعلق الظرف والجار والحال معنى الفعل في البغي. و { على أنفسكم} مفعول ذلك المعنى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 19 - 22


سورة يونس الايات 22 - 24

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذه الآية الكريمة جاءت مرحلة من مراحل إخبار الله سبحانه وتعالى عن المعاندين لدعوة الإسلام، التي بدأها الحق سبحانه بأنه قد رحمهم فأجّل لهم استجابة دعائهم على أنفسهم بالشر، ولو أنه أجابهم إلى ما دَعَوْا به على أنفسهم من الشر في قولهم:
{  إِن كَانَ هَـٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ }
[الأنفال: 32]

لقضي أمرهم: فمن رحمة الله تعالى أنه لم يُجِبْهم إلى دعائهم.

وإذا كان الله سبحانه قد أجَّل استجابة دعائهم على أنفسهم بالشر رحمة بهم، فيجب أن يعرفوا أن تأجيل استجابتهم بدعاء الخير رحمة بهم أيضاً؛ لأنهم قد يدعون بالشر وهم يظنون أنهم يدعون بالخير، وبعد ذلك دلّل على كذبهم في دعائهم على أنفسهم بالشر بأنهم إذا مسّهم ضرٌّ دعوا الله تعالى مضطجعين وقاعدين وقائمين.

فلو كانوا يحبون الشر لأنفسهم؛ لظلوا على ما هم فيه من البلاء إلى أن يقضي الله تعالى فيهم أمراً.

ثم عرض سبحانه قضية أخرى، وهي أنه سبحانه إذا مسهم بضر؛ ليعتبروا، جاء الله سبحانه برحمته؛ لينقذهم من هذا الضر. فياليتهم شركوا نعمة الله تعالى في الرحمة من بعد الضر، ولكنهم مرُّوا كأن لم يدعوا الله سبحانه إلى ضر مسَّهم.

وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، يصور لنا الحق سبحانه وضعاً آخر، هو وضع السير في البر والبحر، فيقول: { هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ } [يونس: 22].

وكلمة { يُسَيِّرُكُمْ } تدل على أن الذي يسِّير هو الله، ولكن في القرآن آيات تثبت أن السير يُنسب إلى البشر حين يقول:
{  قُلْ سِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ }
[النمل: 69]

وحين يقول الحق سبحانه:
{  فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ }
[القصص: 29].

وهو سبحانه يقول:
{  سِيرُواْ فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ }
[سبأ: 18]

فكأن هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها قد نسبت التسيير إلى الله سبحانه، وبعض الآيات الأخرى نسبت التسيير إلى النفس الإنسانية، ونقول لمن توهموا أن في ذلك تعارضاً:

لو أنكم فطنتم إلى تعريف الفاعل عند النحاة وكيف يرفعونه؛ لعرفتم أن تحقق أي فعل إنما يعود إلى مشيئة الله سبحانه، فحين نقول: " نجح فلان " فهل هو الذي نجح، أم أن الذي سمح له بالنجاح غيره؟ إن الممتحن والمصحِّح هما من سمحا له بالنجاح؛ تقديراً لإجاباته التي تدل على بذَل المجهود في الاستذكار.

وكذلك نقول: " مات فلان " ، فهل فلان فعل الموت بنفسه؟ خصوصاً ونحن نعرب " مات " كفعل ماضٍ، ونعرب كلمة (فلان) " فاعل " أو نقول: إن الموت قد وقع عليه واتَّصف به؛ لأن تعريف الفاعل: هو الذي يفعل الفعل، أو يتّصف به.وإذا أردنا أن ننسب الأشياء إلى مباشرتها السببية؛ قلنا: " سار الإنسان ".

وإذا أردنا أن نؤرِّخ لسير الإنسان بالأسباب، وترحَّلنا به إلى الماضي؛ لوجدنا أن الذي سيَّره هو الله تعالى.

وكل أسباب الوجود إنْ نظرتَ إليها مباشرة؛ وجدتها منسوبة إلى من هو فاعل لها؛ لكنك إذا تتبَّعتها أسباباً؛ وجدتّها تنتسب إلى ا لله سبحانه.

فمثلاً: إذا سُئلت: مَنْ صنع الكرسي؟ تجيب: النجار. وإنْ سألت النجار: من أين أتيت بالخشب؟ سيجيبك: مِن التاجر. وسيقول لك التاجر أنه استورده من بلاد الغابات، وهكذا.

إذن: إذا أردت أن تسلسل كل حركة في الوجود؛ لا بد أن تنتهي إلى الله تعالى.

وحين قال الحق سبحانه:
{  فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى ٱلأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ }
[القصص:29]

نفهم من ذلك أن موسى ـ عليه السلام ـ قد سُيِّر بأهله؛ لأن التسيير في كل مقوماته من الله تعالى.

والمثال الآخر: نحن نقرأ في القرآن قوله الحق:
{  وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ }
[النجم: 43]

فهو سبحانه الذي خلق الضحك، وخلق البكاء.

فنجد من يقول: كيف يقول الله سبحانه إنه خلق الضحك والبكاء وهو الذي يقول في القرآن:
{  فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً }
[التوبة: 82]

ونقول: أنت إن نظرت إلى القائم بالضحك، فهو الإنسان الذي ضحك، وإن نظرت إلى من خلق غريزة الضحك في الإنسان؛ تجده الله سبحانه.

وغريزة الضحك موجودة باتفاق شامل لكل أجناس الوجود، وكذلك البكاء فلا يوجد ضحك عربي، وضحك انجليزي، ولا يوجد بكاء فرنسي، أو بكاء روسي.

إذن: فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الضحك والبكاء.

وقد صدق قوله الحق:
{  وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ }
[النجم: 43]

لكن الضاحك والباكي يقوم به الوصف. وكذلك قوله الحق:
{  وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ }
[الأنفال: 17]

فقد شاء الحق سبحانه أن يمكن رسوله صلى الله عليه وسلم بالبشرية أن يرمي الحصى، ولكن إيصال الحصى لكل فرد في الجيش المقابل له، فتلك إرادة الله.

إذن: فقول الحق سبحانه: { هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ }. لا يتعارض مع أنهم هم الذين يسيرون، وأنت إذا علّلت السير في الأرض أو في البحر؛ ستجد أن السير هو انتقال السائر من مكان إلى مكان، وهو يحدِّد غاية السير بعقله، والأرض أو البحر الذي يسير في أي منهما بأقدامه أو بالسيارة أو بالمركب، هذا العقل خلقه الله تعالى، والأرض كذلك، والبحر أيضاً، كلها مخلوقات خلقها الله سبحانه وتعالى. وأنت حين تحرِّك ساقيك؛ لتسير، لا تعرف كيف بدأت السير ولا كَمْ عضلة تحركت في جسدك، فالذي أخضع كل طاقات جسمك لمراد عقلك هو الله تعالى.

إذن: فكل أمر مرجعه إلى الله سبحانه.

وهنا ملحظ في السير في البر والبحر، فكلاهما مختلف، فالإنسان ساعة يسير في الأرض على اليابسة، قد تنقطع به السبل، ويمكنه أن يستصرخ أحداً من المارة، أو ينتظر إلى أن يمر عليه بعض المارة؛ ليعاونه.أما المرور في البحر؛ فلا توجد به سابلة أو سالكة كثيرة؛ حتى يمكن للإنسان أن يستصرخهم.

إذن: فالمرور في البحر أدق من المرور في البر؛ ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول عن السير في البحر: { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ } [يونس: 22]

وهكذا لا نجد أن في الآية نفسها حديثاً عن السير في البر؛ لأن الحق سبحانه ما دام قد تكلم عن إزالة الخطر للمضطر في البحر، فهذا يتضمن إزالته عمن يسير في البر من باب أولى. وإذا ما جاء الدليل الأقوى، فهو لا بد أن ينضوي فيه الدليل الأقل.

ومثال هذا قول الحق سبحانه:


{  وَوَصَّيْنَا ٱلإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً }
[الأحقاف: 15].

وجاءت كل الحيثيات بعد ذلك للأم، ولم يأت بأي حيثية للأب، فيقول:
{  حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاَثُونَ شَهْراً }
[الأحقاف: 15]

وشاء الحق سبحانه ذلك؛ لأن حيثية الأم مبنية على الضعف، فيريد أن يرقق قلب ابنها عليها، فالأب رجل، قد يقدر على الكدح في الدنيا، كما أن فضل الأب على الولد يدركه الولد، لكن فضل أمه عليه وهو في بطنها؛ لا يعيه، وفي طفولته الأولى لا يعي أيضاً هذا الفضل.

ولكنه يعي من بعد ذلك أن والده يحضر له كل مستلزمات حياته، من مأكل وملبس، ويبقى دور الأم في نظر الطفل ماضياً خافتاً.

إذن: فحيثية الأم هي المطلوبة؛ لأن تعبها في الحمل والإرضاع لم يكن مُدْرَكاً من الطفل.

وكذلك هنا في هذه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها، ترك الحق سبحانه حيثية البر وأبان بالتفصيل حيثية البحر:

{ هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ } [يونس: 22]

وكلمة (الفلك) تأتي مرة مفردة، وتأتي مرة جمعاً، والوزن واحد في الحالتين ومثال هذا أنه حين أراد الله سبحانه أن ينجي نوحاً عليه السلام، وأن يغرق الكافرين به، قال لسيدنا نوح:
{  وَٱصْنَعِ ٱلْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا }
[هود: 37].

إذن هي تطلق على المفرد، وعلى الجمع، ولها نظائر في اللغة في كلتا الحالتين، فهي في الإفراد تكون مثل: قُفْل، وقُرْط. وعند الجمع تكون مثل: أسْد.

والحق سبحانه وتعالى يصف الريح هنا بأنها طيبة، والقرآن الكريم طبيعة أسلوبه حين يتكلم عن الريح بلفظ الإفراد يكون المقصود بها هو العذاب، مثل قوله الحق:
{  فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هَـٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا ٱسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا }
[الأحقاف: 24ـ25].

وإن تكلم عنها بلفظ الجمع فهي للرحمة، وسبحانه القائل:


{  وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَاحَ لَوَاقِحَ }
[الحجر: 22].

ويقول سبحانه أيضاً:


{  وَهُوَ ٱلَّذِي يُرْسِلُ ٱلرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّىٰ إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ ٱلْمَآءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَاتِ }
[الأعراف: 57].

والرياح هنا جاءت في صيغة الجمع، وعلّة وجود ريح الشر، ورياح للخير، يمكنك أن تستشفها من النظر إلى الوجود كله؛ هذا النظر يوضح لك أن الهواء له مراحل، فهواء الرُّخَاء هو الذي يمر خفيفاً، مثل النسيم العليل، وأحياناً يتوقف الهواء فلا تمر نسمة واحدة، ولكننا نتنفس الهواء الساكن الساخن أثناء حرارة الجو، ثم يشتد الهواء أحياناً؛ فيصير رياحاً قوية بعض الشيء، ثم يتحول إلى أعاصير.

والهواء ـ كما نعلم ـ هو المقوِّم الأساسي لكل كائن حي، ولكل كائن ثابت غير حي، فإذا كان الهواء هو المقوم الأساسي للنفس الإنسانية، فالعمارات الضخمة ـ مثل ناطحات السحاب ـ لا تثبت بمكانها إلا نتيجة توازن تيارات الهواء حولها، وإن حدث تفريغ للهواء تجاه جانب من جوانبها؛ فالعمارة تنهار.

إذن: فالذي يحقق التوازن في الكون كله هو الهواء.

ولذلك نجد القرآن الكريم قد فصّل أمر الرياح وأوضح مهمتها، وهنا يقول الحق سبحانه: { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ } وكأنه سبحانه يتكلم هنا عن السفن الشراعية التي تسير بالهواء المتجمِّع في أشرعتها. وإذا كان التقدم في صناعة السفن قد تعدَّى الشراع، وانتقل إلى البخار، ثم الكهرباء، فإن كلمة الحق سبحانه: { برِيحٍ طَيِّبَةٍ } تستوعب كل مراحل الارتقاء، خصوصاً وأن كلمة " الريح " قد وردت في القرآن الكريم بمعنى القوة أيا كانت: من هواء، أو محرك يسير بأية طاقة. وسبحانه القائل:
{  وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ }
[الأنفال: 46].

وهكذا نفهم أن معنى الريح ينصرف إلى القوة. وأيضاً كلمة " الريح " تنسجم مع كل تيسيرات البحر.

وقوله الحق: { حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا } هذا القول الكريم يضم ثلاثة وقائع: الوجود في الفُلْك، وجرى الفُلْك بريح طيبة، ثم فرحهم بذلك؛ هذه ثلاثة أشياء جاءت في فعل الشرط، ثم يأتي جواب الشرط وفيه ثلاثة أشياء أيضاً:

أولها: { جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ } وثانيها: { وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ } وثالثها: { وَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ }.

أما الريح العاصف: فهي المدمرة، ويقال: فلان يعصف بكذا، وفي القرآن:
{  كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ }
[الفيل: 5].

إذن: { رِيحٌ عَاصِفٌ } هي الريح المدمِّرة والمغرِقة. وقوله الحق: { وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ }.

فالموج يأتي من أسفل، والريح تأتي من أعلى، وترفع الريح الموج فيدخل الموج إلى المركب، ونعلم أنهم يقيسون ارتفاع الموج كل يوم حسب قوة الريح: فحين تكون الريح خفيفة؛ يظهر سطح مياه البحر مجعّداً، وحين تكون الريح ساكنة؛ فأنت لا تجد صفحة المياه مجعدة، بل مبسوطة، وقد جاءتهم الريح عاصفاً فيزداد عنف الموج، ويتحقق نتيجة لذلك الظن بأنهم قد أحيط بهم.ومعنى الإحاطة هو عدم وجود منفذ للفرار؛ ولذلك نجد الحق سبحانه يتكلم عن الكافرين بقوله:
{  وٱللَّهُ مُحِيطٌ بِٱلْكَافِرِينَ }
[البقرة: 19].

أي: ليس هناك منفذ يفلتون منه.

ولحظة ظنهم أنه قد أحيط بهم؛ لا يسلمون أنفسهم لهذه الحالة؛ بدعوى الاعتزاز بأنفسهم غريزياً، بل يتجهون إلى الله بالدعاء، هذا الإله الذي أنكروه، لكنهم لحظة الخطر لا يكذب أحد على نفسه أو يخدعها.

ولذلك نجد سيدنا جعفر الصادق يجيب على سائل سأله: أهناك دليل على وجود الصانع الأعلى؟ فيقول سيدنا جعفر: ما عملك؟ فيجيب السائل: تاجر أبحر في البحر. فسأله سيدنا جعفر: أوَلم يحدث لك فيه حال؟ قال الرجل: بل حدث. فسأل سيدنا جعفر: ما هو؟ قال: حملت بضائعي في سفينة، فهبت الريح وعلا الموج وغرقت السفينة وتعلقت بلوح من الخشب. قال سيدنا حعفر: الم يخطر على بالك أن تفزع إلى شيء؟ قال الرجل: نعم. قال سيدنا جعفر: هذا الصانع الأعلى.

وكذلك لجأ هؤلاء الذين كفروا بالله إلى الله تعالى حين عصفت بهم الريح، وعلا عليهم الموج، وظنوا أنهم قد أحيط بهم ويقول الحق سبحانه وتعالى ـ وهم في مثل هذه الحالة: { دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ } وهذا يعني أنهم لم يدعوه فقط، بل دَعَوْه بإخلاص وأقروا بوحدانيته، وألاّ شريك له أبداً؛ لأنهم يعلمون أن مثل هذا الشريك لن ينفعهم أبداً.

ثم يجيء الحق سبحانه بصيغة دعائهم: { لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّاكِرِينَ } فهل وَفَّوْا بالعهد؟ لا؛ لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك: { فَلَمَّآ أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي ٱلأَرْضِ }


www.alro7.net