سورة
اية:

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ

تفسير بن كثير

يأمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله ويزجرهم عن مخالفته والتشبه بالكافرين به المعاندين له، ولهذا قال: { ولا تولوا عنه} أي تتركوا طاعته وامتثال أوامره وترك زواجره، { وأنتم تسمعون} أي بعدما علمتم ما دعاكم إليه، { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} قيل: المراد المشركون، واختاره ابن جرير، وقال ابن إسحاق: هم المنافقون فإنهم يظهرون أنهم قد سمعوا واستجابوا وليسوا كذلك، ثم أخبر تعالى أن هذا الضرب من بني آدم شر الخلق والخليقة فقال: { إن شر الدواب عند اللّه الصم} أي عن سماع الحق، { البكم} عن فهمه، ولهذا قال: { الذين لا يعقلون} فهؤلاء شر البرية لأن كل دابة مما سواهم مطيعة للّه فيما خلقها له، وهؤلاء خلقوا للعبادة فكفروا، ولهذا شبههم بالأنعام في قوله: { أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون} وقيل: المراد بهؤلاء المذكورين نفر من بني عبد الدار من قريش؛ ثم أخبر تعالى بأنهم لا فهم لهم صحيح ولا قصد لهم صحيح - ولو فرض أن لهم فهما - فقال: { ولو علم اللّه فيهم خيرا لأسمعهم} أي لأفهمهم وتقدير الكلام و لكن لا خير فيهم فلم يفهمهم لأنه يعلم أنه { لو أسمعهم} أي أفهمهم { لتولوا} عن ذلك قصدا وعنادا بعد فهمهم ذلك { وهم معرضون} عنه.

تفسير الجلالين

{ ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون } سماع تدبر واتعاظ وهم المنافقون أو المشركون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله مِنْ أَصْحَاب نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكُونُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي مُخَالَفَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ إِذَا سَمِعُوا كِتَاب اللَّه يُتْلَى عَلَيْهِمْ , قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا بِآذَانِنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ; يَقُول : وَهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ مَا يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ . وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ , وَتَرْكهمْ أَنْ يُوعُوهُ قُلُوبهمْ وَيَتَدَبَّرُوهُ ; فَجَعَلَهُمْ اللَّه لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَوَاعِظ الْقُرْآن وَإِنْ كَانُوا قَدْ سَمِعُوهَا بِأَذَانِهِمْ , بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَسْمَعهَا . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِأَصْحَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي الْإِعْرَاض عَنْ أَمْر رَسُول اللَّه وَتَرْك الِانْتِهَاء إِلَيْهِ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَهُ بِآذَانِكُمْ كَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ مَوَاعِظ كِتَاب اللَّه بِآذَانِهِمْ , وَيَقُولُونَ : قَدْ سَمِعْنَا , وَهُمْ عَنْ الِاسْتِمَاع لَهَا وَالِاتِّعَاظ بِهَا مُعْرِضُونَ , كَمَنْ لَمْ يَسْمَعهَا . وَكَانَ اِبْن إِسْحَاق يَقُول فِي ذَلِكَ , مَا : 12317 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } أَيْ كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ لَهُ الطَّاعَة , وَيُسِرُّونَ الْمَعْصِيَة . 12318 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } قَالَ : عَاصُونَ 12319 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَلِلَّذِي قَالَ اِبْن إِسْحَاق وَجْه , وَلَكِنْ قَوْله : { وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } فِي سِيَاق قَصَص الْمُشْرِكِينَ , وَيَتْلُوهُ الْخَبَر عَنْهُمْ بِذَمِّهِمْ , وَهُوَ قَوْله : { إِنَّ شَرّ الدَّوَابّ عِنْد اللَّه الصُّمّ الْبُكْم الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ } فَلِأَنْ يَكُون مَا بَيْنهمَا خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُون خَبَرًا عَنْ غَيْرهمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُوله مِنْ أَصْحَاب نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكُونُوا أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي مُخَالَفَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ إِذَا سَمِعُوا كِتَاب اللَّه يُتْلَى عَلَيْهِمْ , قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا بِآذَانِنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ; يَقُول : وَهُمْ لَا يَعْتَبِرُونَ مَا يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ . وَلَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ لِإِعْرَاضِهِمْ عَنْهُ , وَتَرْكهمْ أَنْ يُوعُوهُ قُلُوبهمْ وَيَتَدَبَّرُوهُ ; فَجَعَلَهُمْ اللَّه لَمَّا لَمْ يَنْتَفِعُوا بِمَوَاعِظ الْقُرْآن وَإِنْ كَانُوا قَدْ سَمِعُوهَا بِأَذَانِهِمْ , بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَسْمَعهَا . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِأَصْحَابِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي الْإِعْرَاض عَنْ أَمْر رَسُول اللَّه وَتَرْك الِانْتِهَاء إِلَيْهِ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَهُ بِآذَانِكُمْ كَهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ مَوَاعِظ كِتَاب اللَّه بِآذَانِهِمْ , وَيَقُولُونَ : قَدْ سَمِعْنَا , وَهُمْ عَنْ الِاسْتِمَاع لَهَا وَالِاتِّعَاظ بِهَا مُعْرِضُونَ , كَمَنْ لَمْ يَسْمَعهَا . وَكَانَ اِبْن إِسْحَاق يَقُول فِي ذَلِكَ , مَا : 12317 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق : { وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } أَيْ كَالْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ لَهُ الطَّاعَة , وَيُسِرُّونَ الْمَعْصِيَة . 12318 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } قَالَ : عَاصُونَ 12319 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَلِلَّذِي قَالَ اِبْن إِسْحَاق وَجْه , وَلَكِنْ قَوْله : { وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } فِي سِيَاق قَصَص الْمُشْرِكِينَ , وَيَتْلُوهُ الْخَبَر عَنْهُمْ بِذَمِّهِمْ , وَهُوَ قَوْله : { إِنَّ شَرّ الدَّوَابّ عِنْد اللَّه الصُّمّ الْبُكْم الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ } فَلِأَنْ يَكُون مَا بَيْنهمَا خَبَرًا عَنْهُمْ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُون خَبَرًا عَنْ غَيْرهمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا} أي كاليهود أو المنافقين أو المشركين. وهو من سماع الأذن. { وهم لا يسمعون} أي لا يتدبرون ما سمعوا، ولا يفكرون فيه، فهم بمنزلة من لم يسمع وأعرض عن الحق. نهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. فدلت الآية على أن قول المؤمن : سمعت وأطعت، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله. فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها، واعتمد النواهي فاقتحمها فأي سمع عنده وأي طاعة! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافقين الذي يظهر الإيمان، ويسر الكفر؛ وذلك هو المراد بقوله { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} . يعني بذلك المنافقين، أي اليهود أو المشركين، على مما تقدم. ثم أخبر تعالى أن الكفار شر ما دب على الأرض. وفي البخاري عن ابن عباس { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون} قال : هم نفر من بني عبدالدار. والأصل أشر، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال. وكذا خير؛ الأصل أخير.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 19 - 24

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ففي هذه الآية الكريمة ينهانا الحق جل وعلا أن نكون مثل من قالوا: " سمعنا " وحكم الله بأنهم لا يسمعون، وهؤلاء هم من أخذوا السمع بقانون الأحداث الجارية على ظواهر الحركة فسمعوا ولم يلتفتوا؛ لأن المراد بالسماع ليس أن تسمع فقط، بل أن تؤدي مطلوب ما سمعت، فإن لم تؤد مطلوب ما سمعت، فكأنك لم تسمع. بل تكون شرّاً ممن لم يسمع؛ لأن الذي لم يسمع لم تبلغه دعوة، أماَّ أنت فسمعت فبلغتك الدعوة ولكنك لك تستجب ولم تنفذ مطلوبها.

إذن قول الله تعالى:

{ سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } [الأنفال: 21].

يفسر لنا أن هذا السماع منهم كان مجرد انتقال الصوت من المتكلم إلى أذن السامع بالذبذبة التي تحدث، ولم يأخذوا ما سمعوه مأخذاً جاداً ليكون له الأثر العميق في حياتهم. فإذا لم يتأثروا بالمنهج، فكأنهم لم يسمعوا، وياليتهم لم يسمعوا؛ لأنهم صاروا شرّا ممن لم يسمع.

{ وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } [الأنفال: 21].

أو أن السمع يراد ويقصد به القبول، مثلما نقول: اللهم اسمع دعاء فلان، وأنت تعلم أن الله سميع الدعاء وإن لم تقل أنت ذلك، لكنك تقول: اللهم اسمع دعاء فلان بمعنى " اللهم اقبله " ، فيكون المراد بالسمع القبول.

ويقول الحق تبارك وتعالى بعد ذلك: { إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَابِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلْبُكْمُ... }


www.alro7.net