سورة
اية:

وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتِنَا ۚ قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا ۚ إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه إذا أذاق الناس رحمة من بعد ضراء مستهم كالرخاء بعد الشدة، والخصب بعد الجدب، والمطر بعد القحط، ونحو ذلك { إذا لهم مكر في آياتنا} ، قال مجاهد استهزاء وتكذيب، { قل اللّه أسرع مكرا} أي أشد استدراجاً وإمهالاً حتى يظن الظان من المجرمين أنه ليس بمعذب، وإنما هو في مهلة ثم يؤخذ على غرة منه، والكاتبون الكرام يكتبون عليه جميع ما يفعله ويحصونه عليه، ثم يعرضونه على عالم الغيب والشهادة فيجازيه على النقير والقطمير، ثم أخبر تعالى أنه: { هو الذي يسيركم في البر والبحر} أي يحفظكم ويكلؤكم بحراسته، { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها} أي بسرعة سيرهم رافلين، فبينما هم كذلك إذ { جاءتها} أي تلك السفن { ريح عاصف} أي شديدة، { وجاءهم الموج من كل مكان} أي اغتلم البحر عليهم، { وظنوا أنهم أحيط بهم} أي هلكوا، { دعوا اللّه مخلصين له الدين} أي لا يدعون معه صنماً ولا وثناً يفردونه بالدعاء والابتهال، كقوله تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه} ، { لئن أنجيتنا من هذه} أي هذه الحال { لنكونن من الشاكرين} أي لا نشرك بك أحداً ولنفردنك بالعبادة كما أفردناك بالدعاء ههنا، قال اللّه تعالى: { فلما أنجاهم} أي من تلك الورطة، { إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق} أي كأن لم يكن من ذلك شيء، { كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} ، ثم قال تعالى: { يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم} أي إنما يذوق وبال هذا البغي أنتم أنفسكم، ولا تضرون به أحداً غيركم، كما جاء في الحديث: (ما من ذنب أجدر أن يعجل اللّه عقوبته في الدنيا مع ما يدخر اللّه لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم)، وقوله: { متاع الحياة الدنيا} أي إنما لكم متاع في الحياة الدنيا الدنيئة الحقيرة، { ثم إلينا مرجعكم} أي مصيركم ومآلكم، { فننبئكم} أي فنخبركم بجميع أعمالكم ونوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد اللّه، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

تفسير الجلالين

{ وإذا أذقنا الناس } أي كفار مكة { رحمة } مطرا وخصبا { من بعد ضراء } بؤس وجدب { مستهم إذا لهم مكر في آياتنا } بالاستهزاء والتكذيب { قل } لهم { الله أسرع مكراً } مجازاة { إن رسلنا } الحفظة { يكتبون ما تمكرون } بالتاء والياء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَة مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا رَزَقْنَا الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ فَرَجًا بَعْد كَرْب وَرَخَاء بَعْد شِدَّة أَصَابَتْهُمْ . وَقِيلَ : عَنَى بِهِ الْمَطَر بَعْد الْقَحْط , وَالضَّرَّاء : وَهِيَ الشِّدَّة , وَالرَّحْمَة : هِيَ الْفَرَج . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَة مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَإِذَا رَزَقْنَا الْمُشْرِكِينَ بِاَللَّهِ فَرَجًا بَعْد كَرْب وَرَخَاء بَعْد شِدَّة أَصَابَتْهُمْ . وَقِيلَ : عَنَى بِهِ الْمَطَر بَعْد الْقَحْط , وَالضَّرَّاء : وَهِيَ الشِّدَّة , وَالرَّحْمَة : هِيَ الْفَرَج .' يَقُول : { إِذَا لَهُمْ مَكْر فِي آيَاتنَا } اِسْتِهْزَاء وَتَكْذِيب . كَمَا : 13640 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتنَا } قَالَ : اِسْتِهْزَاء وَتَكْذِيب . * - قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .يَقُول : { إِذَا لَهُمْ مَكْر فِي آيَاتنَا } اِسْتِهْزَاء وَتَكْذِيب . كَمَا : 13640 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آيَاتنَا } قَالَ : اِسْتِهْزَاء وَتَكْذِيب . * - قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .' وَقَوْله : { قُلْ اللَّه أَسْرَع مَكْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ مِنْ حُجَجنَا وَأَدِلَّتنَا يَا مُحَمَّد : اللَّه أَسْرَع مَكْرًا , أَيْ أَسْرَع مُحَالًا بِكُمْ وَاسْتِدْرَاجًا لَكُمْ وَعُقُوبَة مِنْكُمْ مِنْ الْمَكْر فِي آيَات اللَّه . وَالْعَرَب تَكْتَفِي بِـ " إِذَا " مِنْ " فَعَلْت " وَ " فَعَلُوا " , فَلِذَلِكَ حَذَفَ الْفِعْل مَعَهَا . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَة مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ مَكَرُوا فِي آيَاتنَا , فَاكْتَفَى مِنْ " مَكَرُوا " , بِـ " إِذَا لَهُمْ مَكْر " .وَقَوْله : { قُلْ اللَّه أَسْرَع مَكْرًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ مِنْ حُجَجنَا وَأَدِلَّتنَا يَا مُحَمَّد : اللَّه أَسْرَع مَكْرًا , أَيْ أَسْرَع مُحَالًا بِكُمْ وَاسْتِدْرَاجًا لَكُمْ وَعُقُوبَة مِنْكُمْ مِنْ الْمَكْر فِي آيَات اللَّه . وَالْعَرَب تَكْتَفِي بِـ " إِذَا " مِنْ " فَعَلْت " وَ " فَعَلُوا " , فَلِذَلِكَ حَذَفَ الْفِعْل مَعَهَا . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاس رَحْمَة مِنْ بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ مَكَرُوا فِي آيَاتنَا , فَاكْتَفَى مِنْ " مَكَرُوا " , بِـ " إِذَا لَهُمْ مَكْر " .' يَقُول : إِنَّ حَفَظَتَنَا الَّذِينَ نُرْسِلهُمْ إِلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَمْكُرُونَ فِي آيَاتنَا .يَقُول : إِنَّ حَفَظَتَنَا الَّذِينَ نُرْسِلهُمْ إِلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس يَكْتُبُونَ عَلَيْكُمْ مَا تَمْكُرُونَ فِي آيَاتنَا .'

تفسير القرطبي

يريد كفار مكة. { رحمة من بعد ضراء مستهم} قيل : رخاء بعد شدة، وخصب بعد جدب. { إذا لهم مكر في آياتنا} أي استهزاء وتكذيب. وجواب قوله: { وإذا أذقنا} { إذا لهم} على قول الخليل وسيبويه. { قل الله أسرع مكرا} ابتداء وخبر. { مكرا} على البيان؛ أي أعجل عقوبة على جزاء مكرهم، أي أن ما يأتيهم من العذاب أسرع في إهلاكهم مما أتوه من المكر. { إن رسلنا يكتبون ما تمكرون} يعني بالرسل الحفظة. وقراءة العامة { تمكرون} بالتاء خطابا. وقرأ يعقوب في رواية رويس وأبو عمرو في رواية هارون العتكي { يمكرون} بالياء؛ لقول: { إذا لهم مكر في آياتنا} قيل : قال أبو سفيان قحطنا بل بدعائك فإن سقيتنا صدقناك؛ فسقوا باستسقائه صلى الله عليه وسلم فلم يؤمنوا، فهذا مكرهم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 19 - 22

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

والرسول صلى الله عليه وسلم حين ضاق ذرعاً بالكافرين من صناديد قريش دعا عليهم أن يهديهم الحق بسنين الجدب كالسنين التي أصابت مصر واستطاع سيدنا يوسف عليه السلام أن يدبر أمرها، فلسط الحق سبحانه على قريش الجدب والقحط، ثم جاء لهم بالرحمة من بعد ذلك. وكان من المفروض أن يرجعوا إلى الله، وأن يؤمنوا برسالة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد أن علموا أن ما مسَّهم من القحط ومن الجدب كان بسبب دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم: " اللهم اجعلها عليهم سنين كَسِنِيِّ يوسف ".

وانتهت السنوات السبع وجاء لهم الرحمة ممثلة في المطر، ولم يلتفتوا إلى ضرورة شكر الله والإيمان برسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنهم ظلوا يبحثون عن أسباب المطر، فمنهم من قال: لقد جاء مطرنا نتيجة لِنوْءِ كذا، ولأن الرياح هبَّت على مناطق كذا، وفعلوا ذلك دون التفات لانتهاء دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مثلهم مَثَل مَنْ جلس يبحث في أسباب النصر في الحرب، وجعلوا أسبابها مادية في العُدَّة والعتاد، ولا أحد ينكر أهمية الاستعداد للقتال وجدواه، ولكن يبقى توفيق الله سبحانه وتعالى فوق كل اعتبار؛ لأن المؤمنين بالله الذين استعدوا للقتال ودخلوا المعارك وجدوا المعجزات تتجلى بنصر الله؛ لأن الحق سبحانه ينصر مَنْ ينصره.

أما الذين يحصرون أسباب النصر في الاستعداد القتالي فقط، فالمقاتلون الذين خاضوا الحرب بعد التدريب الجاد، يعلمون أن التدريب وحده لا يصنع روح المقاتل، بل تصقل روحه رغبته في القتال ونَيْل الشهادة ودخول الجنة.

إذن: فلمدد السماء مدخل، ومَن رأى من المقاتلين آية مخالفة لنواميس الكون، فليعلم علم اليقين أن يد الله كانت فوق أيدي المؤمنين المقاتلين. ومن يدعي أن أي نصر هو نتيجة للحضارة، يجد الرد عليه من المقاتلين أنفسهم بأن الحضارة بلا إيمان هي مجرد تقدم مادة هش لا يصنع نصراً، والنصر لا يكون بالمادة وحدها، وقد أمرنا الله بحسن الاستعداد المادي، ولكن النصر يكون بالإيمان فوق المادة.

ولذلك نجد مَنْ خاضوا حربنا المنتصرة في العاشر من رمضان 1393هـ يعلمون أن مدد الله كان معهم بعد أن أحسنوا الاستعداد، ولا أحد من المقاتلين يصدق أن الاستعداد المادي وحده يمكن أن يكفي للنصر، إنه ضرورة، ولكن بالإيمان وحسن استخدام السلاح يكون النصر؛ ولذلك لا يصدق المقاتلون من ينسب النصر للمادة وحدها، وينسحب عدم التصديق على كل ما يقوله من ينكر دور الإيمان في الانتصار.

وهكذا نجد أن مَنْ يجرد النصر من قيمة الإيمان إنما يخدم الإيمان؛ لأن إنكار الإيمان يقلل من قيمة الرأي المادى. وهكذا ينصر الله دينه حتى يثبته في قلوب جنده، ويقلل من قيمة ومكانة مَنْ ينكرون قيمة الإيمان.ومثال هذا في تاريخ الإسلام أن اليهود الذين كانوا يستفتحون على أهل المدينة من الأوس والخزرج بأن رسولاً سوف يظهر، وأنهم ـ أي: اليهود ـ سيتبعونه، وسوف يقتلون العرب من الأوس والخزرج قَتْل عادٍ وإرم.

ولما جاء وقت ظهور محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم بمكة، أسرعت الأوس والخزرج إلى الإيمان به، وقالوا: إنه النبي الذي تهددنا به يهود، فَلْنسبق إليه حتى لا يسبقونا.

هكذا كانت كلمة اليهود هي دافع الأوس والخزرج إلى الإيمان.

إذن: فالله ينصر دينه بالفاجر، رغم ظن الفاجر أنه يكيد للدين.

وكذلك حين جاءت لهم الرحمة بعد القحط أرجفوا وظلوا يحللون سبب سقوط المطر بأسباب علمية محدودة بالمادة، لا بالإيمان الذي فوق المادة.

ولذلك يقول الحق سبحانه هنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها:

{ وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } [يونس: 21]

والمكر: هو الكلام الملتوي الذي لا يريد أن يعترف برحمة الله، والادعاء بأن نوء كذا هو السبب في سقوط المطر، وبرج كذا هو السبب في سقوط المطر.

وقوله الحق: { مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا } والمكر هو الكيد الخفي، والمقصود به هنا محاولة الالتفاف؛ لتجريد العجائب من صنع الله لها، وحتى العلم وقوانينه فهو هبة من الله، والحق هو القادر على أن يوقف الأسباب وأن يفعل ما يريد وأن يخرق القوانين، فهو سبحانه رب القوانين، فلا تنسبوا أي خبر إلا له سبحانه؛ حتى لا نضل ضلال الفلاسفة الذين قالوا بأن الله موجود، وهو الذي خلق الكون وخلق النواميس؛ لتحكم الكون بقوانين.

ونقول: لو خلق الحق سبحانه القوانين والنواميس وتركها تتحكم لما شَذَّ شيء عن تلك القوانين، فالمعجزات مع الرسل ـ على سبيل المثال ـ كانت خروجاً عن القوانين. وأبقى الله في يده التحكُّم في القوانين، صحيح أنه سبحانه قد أطلقها، ولكنه ظل قيُّوماً عليها، فيعطل القانون متى شاء ويبرزه متى شاء ويُوجِّه كيفما شاء.

والمكر كما نعلم مأخوذ من التفاف أغصان الشجرة كالضفيرة، فلا تتعرف على منبت ورقة الشجر ومن أي غصن خرجت، فقد اختلطت منابت الأوراق؛ حتى صارت خفية عليك، وأخذ من ذلك الكيد الخفيّ، وأنت قد تكيد لمساويك، لكنك لن تقدر على أن تكيد لمن هو أعلى منك، فإن كنتم تمكرون فإن الله أسرع مكراً، والحق سبحانه يقول: { قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً } ، وهذه أسمها " مشاكلة التعبير ".

أي: عليك أن تأخذ ذلك في مقابله في ذات الفاعل والفعل، ولكن لا تأخذ من هذا القول اسماً لله، فإياك أن تقول: إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ ماكر؛ لأن المكر كيد خفيٌّ تفعله أنت مع مساويك، ولكنك لن تستطيع ذلك مع من هو مُطَّلع على كيدك، ولا تطّلع أنت على ما يشاء لك.وانظر إلى أي جماعة تكيد لأي أمر، وستجد من بينهم من يبلغ عنهم السلطات، وأجهزة الأمن، فإذا كان كيد البشر للبشر مفضوحاً بمن يشي منه بالآخرين، بل هناك من البشر غير الكائدين من يستطيع بنظرته أن يستنبط ويستكشف من يكيدون له.

وهناك من الأجهزة المعاصرة ما تستطيع تسجيل مكالمات الناس والتنصُّت عليهم؛ وكل ذلك مكر من البشر للبشر، فما بالنا إن كاد الله لأحد، وليس هناك أحد مع الله ـ سبحانه وتعالى ـ ليبلغنا بكيده، ولا أحد يستطيع أن يتجسَّس عليه؟!

مكر الله سبحانه ـ إذن ـ أقوى من أي مكرٍ بشري؛ لأن مكر البشر قد يُهدَم من بعض الماكرين أو من التجسس عليهم، لكن إذا كاد الله لهم، أيعلمون من كيده شيئاً؟ طبعاً لا يعملون.

وكلمة { أَسْرَعُ مَكْراً } تلفتك إلى أن هناك اثنين يتنافسان في سباق، وحين تقول: فلان أسرع من فلان، فمعنى ذلك: أن كلاّ منهما يحاول الوصول إلى نفس الغاية، لكن هناك واحداً أسرع من الآخر في الوصول إلى الغاية.

ومكركم البشري هو أمر حادث، لكن الله ـ سبحانه ـ أزلي الوجود، يعلم كل شيء قبل أن يقع، ويرتِّب كل أمر قبل أن يحدث؛ لذلك فهو الأسرع في الرد على مكركم، إن مكرتم.

وهناك يقول الحق سبحانه: { وَإِذَآ أَذَقْنَا ٱلنَّاسَ رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَّكْرٌ فِيۤ آيَاتِنَا } و " إذا " الأولى ظرف، أما إذا الثانية فهي " إذا الفجائية " مثلما تقول: خرجت فإذا الأسد بالباب.

وهم حين أنزل الحق لهم الأمطار رحمة منه، فهم لا يهدأون ويستمتعون ويذوقون رحمة الله تعالى بهم من الماء الذي جاءهم من بعد الجدب، بل دبروا المكر فجأة، فيأتي قول الحق سبحانه: { قُلِ ٱللَّهُ أَسْرَعُ مَكْراً إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ }.

وهكذا ترى أن ما يبطل كيد الماكرين من البشر، يكون بإحدى تالك الوسائل: إما أن يكون بوشاية من أحد الماكرين، وإما أن يكون بقوة التخابر من الغير، وإما أن يكون من رسل العليّ القدير وهم الملائكة الذين يكتبون كل ما يفعله البشر، فسبحانه القائل:
{  وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ }
[الانفطار: 10ـ12]

واقرأ أيضاً قول الحق سبحانه:
{  ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً }
[الإسراء: 14].

وجاء الحق سبحانه بكل ما سبق؛ لأنه سبحانه قد شاء أن يعطي لقريش فرصة التراجع في عنادها للرسول صلى الله عليه وسلم، هذا العناد الذي قالوا فيه: إنهم يتبعون ما وجدوا عليه آباءهم، وهذا قول مغلوط؛ لأن الآباء في الأصل كانوا مؤمنين، ولكن جاءهم الضلال كأمر طارىء، والأصنام التي عبدوها طارئة عليهم من الروم، جاء بها إنسان ممن ساحوا في بلاد الروم هو " عمرو بن لحيّ " ، فإن رجعتُم إلى الإيمان بعد عنادكم؛ فهذا هو الطريق المستقيم الذي كان عليه آباؤكم بالفطرة والميثاق الأول.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { هُوَ ٱلَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ }


www.alro7.net