سورة
اية:

لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۚ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ

تفسير بن كثير

عن جرير بن عبد اللّه قال: كنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صدر النهار قال، فجاءه قوم حفاة عراة، مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتغّير وجه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، لما رأى بهم من الفاقة، قال، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن، وأقام الصلاة فصلّى، ثم خطب فقال: { يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة} - إلى آخر الآية، وقرأ الآية التي في الحشر - { ولتنظر نفس ما قدمت لغد} - تصدق رجل من ديناره من درهمه، من ثوبه، من صاع بر، من صاع تمرة، - حتى قال - ولو بشق تمرة. قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتهلل وجهه، كأنه مذهبة، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (من سنَّ في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء) ""أخرجه مسلم والإمام أحمد""، فقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا اللّه} أمر بتقواه وهو يشمل فعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر، وقوله تعالى: { ولتنظر نفس ما قدمت لغد} أي حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكم من الأعمال الصالحة ليوم معادكم وعرضكم على ربكم، { واتقوا اللّه} تأكيد ثان { إن اللّه خبير بما تعملون} أي اعلموا أنه عالم بجميع أعمالكم وأحوالكم لا تخفى عليه منكم خافية، ولا يغيب عنه من أموركم جليل ولا حقير، وقوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم} أي لا تنسوا ذكر اللّه تعالى فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم، فإن الجزاء من جنس العمل، ولهذا قال تعالى: { أولئك هم الفاسقون} أي الخارجون عن طاعة اللّه، الهالكون يوم القيامة، الخاسرون يوم معادهم، كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر اللّه ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} . خطب أبو بكر الصدّيق رضي اللّه عنه فقال: أما تعلمون أنكم تغدون وتروحون لأجل معلوم، فمن استطاع أن يقضي الأجل، وهو في عمل اللّه عزَّ وجلَّ، فليفعل، ولن تنالوا ذلك إلا باللّه عزَّ وجلَّ، إن قوماً جعلوا آجالهم لغيرهم فنهاكم اللّه عزَّ وجلَّ أن تكونوا أمثالهم { ولا تكونوا كالذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم} ، أين من تعرفون من إخوانكم؟ قدموا على ما قدموا في أيام سلفهم، وخلوا بالشقوة والسعادة، أين الجبارون الأولون الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحوائط؟ قد صاروا تحت الصخر والآبار، هذا كتاب اللّه لا تفنى عجائبه، فاستضيئوا منه ليوم ظلمة، واستضيئوا بسنائه وبيانه، إن اللّه تعالى أثنى على زكريا وأهل بيته فقال لهم: { إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغباً ورهباً وكانوا لنا خاشعين} ، لا خير في قول لا يراد به وجه اللّه، ولا خير في مال لا ينفق في سبيل اللّه، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في اللّه لومة لائم) ""أخرجه الحافظ الطبراني، قال ابن كثير: إسناده جيد ورجاله كلهم ثقات"". وقوله تعالى: { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} أي لا يستوي هؤلاء وهؤلاء في حكم اللّه تعالى يوم القيامة كما قال تعالى: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} ، وقال تعالى: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجّار} ، ولهذا قال تعالى ههنا: { أصحاب الجنة هم الفائزون} أي الناجون المسلَّمون من عذاب اللّه عزَّ وجلَّ.

تفسير الجلالين

{ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجَنَّة أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ الْفَائِزُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا يَعْتَدِل أَهْل النَّار وَأَهْل الْجَنَّة , أَهْل الْجَنَّة هُمْ الْفَائِزُونَ , يَعْنِي أَنَّهُمْ الْمُدْرِكُونَ مَا طَلَبُوا وَأَرَادُوا , النَّاجُونَ مِمَّا حُذِّرُوا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجَنَّة أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ الْفَائِزُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَا يَعْتَدِل أَهْل النَّار وَأَهْل الْجَنَّة , أَهْل الْجَنَّة هُمْ الْفَائِزُونَ , يَعْنِي أَنَّهُمْ الْمُدْرِكُونَ مَا طَلَبُوا وَأَرَادُوا , النَّاجُونَ مِمَّا حُذِّرُوا .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة} أي في الفضل والرتبة { أصحاب الجنة هم الفائزون} أي المقربون المكرمون. وقيل : الناجون من النار. وقد مضى الكلام في معنى هذه الآية في المائدة عند قوله تعالى { قل لا يستوي الخبيث والطيب} [المائدة : 100] وفي سورة السجدة عند قوله تعالى { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} [السجدة : 18]. وفي سورة ص { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص : 28] فلا معنى للإعادة، والحمد لله.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحشر الايات 18 - 23


www.alro7.net