سورة
اية:

اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المنافقين، أنهم إنما يتفوهون بالإسلام ظاهراً فأما في باطن الأمر فليسوا كذلك بل على الضد من ذلك، ولهذا قال تعالى: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول اللّه} أي إذا حضروا عندك واجهوك بذلك، وأظهروا لك ذلك، وليس كما يقولون ولهذا اعترض بجملة مخبرة أنه رسول اللّه فقال: { واللّه يعلم إنك لرسوله} . ثم قال تعالى: { واللّه يشهد إن المنافقين لكاذبون} أي فيما أخبروا به لأنهم لم يكونوا يعتقدون صحة ما يقولون ولا صدقه، ولهذا كذّبهم بالنسبة إلى اعتقادهم، وقوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل اللّه} أي اتقوا الناس بالأيمان الكاذبة ليصدقوا فيما يقولون فاغتر بهم من لا يعرف جلية أمرهم، فاعتقدوا أنهم مسلمون، وهم من شأنهم أنهم كانوا في الباطن لا يألون الإسلام وأهله خبالاً، فحصل بهذا القدر ضرر كبير على كثير من الناس، ولهذا قال تعالى: { فصدوا عن سبيل اللّه إنهم ساء ما كانوا يعملون} ، وقوله تعالى: { ذلك بأنهم آمنوا، ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون} أي إنما قدر عليهم النفاق لرجوعهم عن الإيمان إلى الكفران، واستبدالهم الضلالة بالهدى، { فطبع اللّه على قلوبهم فهم لا يفقهون} أي فلا يصل إلى قلوبهم هدى، ولا يخلص إليها خير فلا تعي ولا تهتدي. وقوله تعالى: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم} أي وكانوا أشكالاً حسنة وذوي فصاحة وألسنة، وإذا سمعهم السامع يصغي إلى قولهم لبلاغتهم، وهم مع ذلك في غاية الضعف والخور والهلع والجزع، ولهذا قال تعالى: { يحسبون كل صيحة عليهم} أي كلما وقع أمر أو خوف، يعتقدون لجبنهم أنه نازل بهم، كما قال تعالى: { فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت} فهم جهامات وصور بلا معاني، ولهذا قال تعالى: { هم العدو فاحذرهم قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون} أي كيف يصرفون عن الهدى إلى الضلال، وفي الحديث: (إن للمنافقين علامات يعرفون بها: تحيّتهم لعنة، وطعامهم نهبة، وغنيمتهم غلول، ولا يقربون المساجد إلا هجراً، ولا يأتون الصلاة إلا دبراً، مستكبرين، لا يألفون ولا يؤلفون، خُشُب بالليل صُخُب بالنهار) ""أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال يزيد بن مرة: سُخُب بالنهار أي بالسين"".

تفسير الجلالين

{ اتخذوا أَيْمانهم جُنَّةً } سترة على أموالهم ودمائهم { فصدوا } بها { عن سبيل الله } أي عن الجهاد فيهم { إنهم ساء ما كانوا يعملون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اِتَّخَذَ الْمُنَافِقُونَ أَيْمَانهمْ جُنَّة , وَهِيَ حَلِفهمْ , كَمَا : 26457 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة } : أَيْ حَلِفهمْ جُنَّة. 26458 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة } قَالَ : يَجِيئُونَ بِهَا , قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. 26459 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة } يَقُول : حَلِفهمْ بِاَللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ جُنَّة . وَقَوْله : { جُنَّة } : سُتْرَة يَسْتَتِرُونَ بِهَا كَمَا يَسْتَتِر الْمُسْتَجِنّ بِجُنَّتِهِ فِي حَرْب وَقِتَال , فَيَمْنَعُونَ بِهَا أَنْفُسهمْ وَذَرَارِيّهمْ وَأَمْوَالهمْ , وَيَدْفَعُونَ بِهَا عَنْهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26460 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { جُنَّة } لِيَعْصِمُوا بِهَا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ. الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : اِتَّخَذَ الْمُنَافِقُونَ أَيْمَانهمْ جُنَّة , وَهِيَ حَلِفهمْ , كَمَا : 26457 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة } : أَيْ حَلِفهمْ جُنَّة. 26458 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة } قَالَ : يَجِيئُونَ بِهَا , قَالَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا. 26459 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة } يَقُول : حَلِفهمْ بِاَللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ جُنَّة . وَقَوْله : { جُنَّة } : سُتْرَة يَسْتَتِرُونَ بِهَا كَمَا يَسْتَتِر الْمُسْتَجِنّ بِجُنَّتِهِ فِي حَرْب وَقِتَال , فَيَمْنَعُونَ بِهَا أَنْفُسهمْ وَذَرَارِيّهمْ وَأَمْوَالهمْ , وَيَدْفَعُونَ بِهَا عَنْهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 26460 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { جُنَّة } لِيَعْصِمُوا بِهَا دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ. ' وَقَوْله . { فَصَدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه } يَقُول : فَأَعْرَضُوا عَنْ دِين اللَّه الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرِيعَته الَّتِي شَرَعَهَا لِخَلْقِهِوَقَوْله . { فَصَدُّوا عَنْ سَبِيل اللَّه } يَقُول : فَأَعْرَضُوا عَنْ دِين اللَّه الَّذِي بَعَثَ بِهِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَرِيعَته الَّتِي شَرَعَهَا لِخَلْقِهِ' { إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَقُول : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي اِتِّخَاذهمْ أَيْمَانهمْ جُنَّة , لِكَذِبِهِمْ وَنِفَاقهمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُورهمْ . { إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } يَقُول : إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا أَيْمَانهمْ جُنَّة سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ فِي اِتِّخَاذهمْ أَيْمَانهمْ جُنَّة , لِكَذِبِهِمْ وَنِفَاقهمْ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ أُمُورهمْ .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { اتخذوا أيمانهم جنة} أي سترة. وليس يرجع إلى قوله { نشهد إنك لرسول الله} وإنما يرجع إلى سبب الآية التي نزلت عليه، حسب ما ذكره البخاري والترمذي عن ابن أبي أنه حلف ما قال وقد قال. وقال الضحاك : يعني حلفهم بالله { إنهم لمنكم} وقيل : يعني بأيمانهم ما أخبر الرب عنهم في سورة التوبة إذ قال { يحلفون بالله ما قالوا} [التوبة : 74]. الثانية: من قال أقسم بالله أو أشهد بالله أو أعزم بالله أو أحلف بالله، أو أقسمت بالله أو أشهدت بالله أو أعزمت بالله أو أحلفت بالله، فقال في ذلك كله { بالله} فلا خلاف أنها يمين. وكذلك عند مالك وأصحابه إن قال : أقسم أو أشهد أو أعزم أو أحلف، ولم يقل { بالله} ، إذا أراد { بالله} . وإن لم يرد { بالله} فليس بيمين. وحكاه الكيا عن الشافعي، قال الشافعي : إذا قال أشهد بالله ونوى اليمين كان يمينا. وقال أبو حنيفة وأصحابه : لو قال أشهد بالله لقد كان كذا كان يمينا، ولو قال أشهد لقد كان كذا دون النية كان يمينا لهذه الآية، لأن الله تعالى ذكر منهم الشهادة ثم قال { اتخذوا أيمانهم جنة} . وعند الشافعي لا يكون ذلك يمينا وإن نوى اليمين، لأن قوله تعالى { اتخذوا أيمانهم جنة} ليس يرجع إلى قوله { قالوا نشهد} وإنما يرجع إلى ما في التوبة من قوله تعالى { يحلفون بالله ما قالوا} [التوبة : 74]. الثالثة: قوله تعالى { فصدوا عن سبيل الله} أي أعرضوا، وهو من الصدود. أو صرفوا المؤمنين عن إقامة حكم الله عليهم من القتل والسبي وأخذ الأموال، فهو من الصد، أو منعوا الناس عن الجهاد بأن يتخلفوا ويفتدي بهم غيرهم. وقيل : فصدوا اليهود والمشركين عن الدخول في الإسلام، بأن يقولوا ها نحن كافرون بهم، ولو كان محمد حقا لعرف هذا منا، ولجعلنا نكالا. فبين الله أن حالهم لا يخفي عليه، ولكن حكمه أن من أظهر الإيمان أجرى عليه في الظاهر حكم الإيمان. { إنهم ساء ما كانوا يعملون} أي بئست أعمالهم الخبيثة ـ من نفاقهم وأيمانهم الكاذبة وصدهم عن سبيل الله ـ أعمالا.


www.alro7.net