سورة
اية:

مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ

تفسير بن كثير

قال الشعبي: الخالق يقسم بما شاء من خلقه، والمخلوق لا ينبغي له أن يقسم إلا بالخالق، واختلف المفسرون في معنى قوله: { والنجم إذا هوى} فقال مجاهد: يعني بالنجم الثريا إذا سقطت مع الفجر، واختاره ابن جرير، وزعم السدي: أنها الزهرة، وقال الضحّاك: { والنجم إذا هوى} إذا رمي به الشياطين، وهذه الآية كقوله تعالى: { فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم} . وقوله تعالى: { ما ضل صاحبكم وما غوى} هذا هو المقسم عليه، وهو الشهادة للرسول صلى اللّه عليه وسلم بأنه راشد، تابع للحق ليس بضال، والغاوي: هو العالم بالحق العادل عنه قصداً إلى غيره، فنزه اللّه رسوله عن مشابهة أهل الضلال، كالنصارى وطرائق اليهود، وهي علم الشيء وكتمانه، والعمل بخلافه، بل هو صلاة اللّه وسلامه عليه، وما بعثه اللّه به من الشرع العظيم، في غاية الاستقامة والاعتدال والسداد، ولهذا قال تعالى: { وما ينطق عن الهوى} أي ما يقول قولاً عن هوى وغرض { إن هو إلا وحي يوحى} أي إنما يقول ما أمر به، يبلغه إلى الناس كاملاً موفوراً، من غير زيادة ولا نقصان، كما روى الإمام أحمد، عن عبد اللّه بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش، فقالوا: إنك تكتب كل شيء تسمعه من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب، فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا الحق) ""أخرجه أحمد وأبو داود وفي بعض الروايات: بشرٌ يتكلم في الرضى والغضب"". وقال صلى اللّه عليه وسلم: (ما أخبرتكم أنه من عند اللّه فهو الذي لا شك فيه) "أخرجه الحافظ البزار". وعن أبي هريرة، عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (لا أقول إلا حقاً) قال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يا رسول اللّه؟ قال: (إني لا أقول إلا حقاً) "أخرجه الإمام أحمد".

تفسير الجلالين

{ ما ضل صاحبكم } محمد عليه الصلاة والسلام عن طريق الهداية { وما غوى } ما لابس الغي وهو جهل من اعتقاد فاسد .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { مَا ضَلَّ صَاحِبكُمْ وَمَا غَوَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا حَادَ صَاحِبكُمْ أَيّهَا النَّاس عَنِ الْحَقّ وَلَا زَالَ عَنْهُ , وَلَكِنَّهُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَدَاد . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَمَا غَوَى } : وَمَا صَارَ غَوِيًّا , وَلَكِنَّهُ رَشِيد سَدِيد ; يُقَال : غَوَى يُغْوِي مِنَ الْغَيّ , وَهُوَ غَاوٍ , وَغَوِيَ يَغْوَى مِنَ اللَّبَن : إِذَا بَشِمَ , وَقَوْله : { مَا ضَلَّ صَاحِبكُمْ } جَوَاب قَسَم وَالنَّجْم .وَقَوْله : { مَا ضَلَّ صَاحِبكُمْ وَمَا غَوَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : مَا حَادَ صَاحِبكُمْ أَيّهَا النَّاس عَنِ الْحَقّ وَلَا زَالَ عَنْهُ , وَلَكِنَّهُ عَلَى اسْتِقَامَةٍ وَسَدَاد . وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَمَا غَوَى } : وَمَا صَارَ غَوِيًّا , وَلَكِنَّهُ رَشِيد سَدِيد ; يُقَال : غَوَى يُغْوِي مِنَ الْغَيّ , وَهُوَ غَاوٍ , وَغَوِيَ يَغْوَى مِنَ اللَّبَن : إِذَا بَشِمَ , وَقَوْله : { مَا ضَلَّ صَاحِبكُمْ } جَوَاب قَسَم وَالنَّجْم .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { والنجم إذا هوى} قال ابن عباس ومجاهد : معنى { والنجم إذا هوى} والثريا إذا سقطت مع الفجر؛ والعرب تسمي الثريا نجما وإن كانت في العدد نجوما؛ يقال : إنها سبعة أنجم، ستة منها ظاهرة وواحد خفي يمتحن الناس به أبصارهم. وفي [الشفا]للقاضي عياض : أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى في الثريا أحد عشر نجما. وعن مجاهد أيضا أن المعنى والقرآن إذا نزل؛ لأنه كان ينزل نجوما. وقاله الفراء. وعنه أيضا : يعني نجوم السماء كلها حين تغرب. وهو قول الحسن قال : أقسم الله بالنجوم إذا غابت. وليس يمتنع أن يعبر عنها بلفظ واحد ومعناه جمع؛ كقول الراعي : فباتت تعد النجم في مستحيرة ** سريع بأيدي الآكلين جمودها وقال عمر بن أبي ربيعة : أحسن النجم في السماء الثريا ** والثريا في الأرض زين النساء وقال الحسن أيضا : المراد بالنجم النجوم إذا سقطت يوم القيامة. وقال السدي : إن النجم هاهنا الزهرة لأن قوما من العرب كانوا يعبدونها. وقيل : المراد به النجوم التي ترجم بها الشياطين؛ وسببه أن الله تعالى لما أراد بعث محمد صلى الله عليه وسلم رسولا كثر انقضاض الكواكب قبل مولده، فذعر أكثر العرب منها - وفزعوا إلى كاهن كان لهم ضريرا، كان يخبرهم بالحوادث فسألوه عنها فقال : انظروا البروج الاثني عشر فإن انقضى منها شيء فهو ذهاب الدنيا، فإن لم ينقض منها شيء فسيحدث في الدنيا أمر عظيم، فاستشعروا ذلك؛ فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الأمر العظيم الذي استشعروه، فأنزل الله تعالى { والنجم إذا هوى} أي ذلك النجم الذي هوى هو لهذه النبوة التي حدثت. وقيل : النجم هنا هو النبت الذي ليس له ساق، وهوى أي سقط على الأرض. وقال جعفر بن محمد بن علي بن الحسين رضي الله عنهم { والنجم} يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { إذا هوى} إذا نزل من السماء ليلة المعراج. وعن عروة ابن الزبير رضي الله عنهما أن عتبة بن أبي لهب وكان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد الخروج إلى الشام فقال : لآتين محمدا فلأوذينه، فأتاه فقال : يا محمد هو كافر بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى. ثم تفل في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورد عليه ابنته وطلقها؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اللهم سلط عليه كلبا من كلابك) وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها وقال : ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة، فرجع عتبة إلى أبيه فأخبره، ثم خرجوا إلى الشام، فنزلوا منزلا، فأشرف عليهم راهب من الدير فقال لهم : إن هذه أرض مسبعة. فقال أبو لهب لأصحابه : أغيثونا يا معشر قريش هذه الليلة! فإني أخاف على ابني من دعوة محمد؛ فجمعوا جمالهم وأناخوها حولهم، وأحدقوا بعتبة، فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتبة فقتله. وقال حسان : من يرجع العام إلى أهله ** فما أكيل السبع بالراجع وأصل النجم الطلوع؛ يقال : نجم السن ونجم فلان ببلاد كذا أي خرج على السلطان. والهوي النزول والسقوط؛ يقال : هوى يهوي هويا مثل مضى يمضى مضيا؛ قال زهير : فشج بها الأماعز وهي تهوي ** هوي الدلو أسلمها الرشاء وقال آخر : بينما نحن بالبلاكث فالقا ** ع سراعا والعيس تهوي هويا خطرت خطرة على القلب من ذكـ ** ـراك وهنا فما استطعت مضيا الأصمعي : هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل. قال : وكذلك آنهوى في السير إذا مضى فيه، وهوى وانهوى فيه لغتان بمعنى، وقد جمعهما الشاعر في قوله : وكم منزل لولاي طحت كما هوى ** بأجرمه من قلة النيق منهوي وقال في الحب : هوي بالكسر يهوى هوى؛ أي أحب. قوله تعالى { ما ضل صاحبكم} هذا جواب القسم؛ أي ما ضل محمد صلى الله عليه وسلم عن الحق وما حاد عنه. { وما غوى} الغي ضد الرشد أي ما صار غاويا. وقيل : أي ما تكلم بالباطل. وقيل : أي ما خاب مما طلب والغي الخيبة؛ قال الشاعر : فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره ** ومن يغو لا يعدم على الغي لائما أي من خاب في طلبه لامه الناس. ثم يجوز أن يكون هذا إخبارا عما بعد الوحي. ويجوز أن يكون إخبارا عن أحواله على التعميم؛ أي كان أبدا موحدا لله. وهو الصحيح على ما بيناه في [الشورى] عند قوله { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان} [الشورى : 52]. قوله تعالى { وما ينطق عن الهوى . إن هو إلا وحي يوحى} فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { وما ينطق عن الهوى} قال قتادة : وما ينطق بالقرآن عن هواه { إن هو إلا وحي يوحى} إليه. وقيل { عن الهوى} أي بالهوى؛ قال أبو عبيدة؛ كقوله تعالى { فاسأل به خبيرا} [الفرقان : 59] أي فاسأل عنه. النحاس : قول قتادة أولى، وتكون { عن} على بابها، أي ما يخرج نطقه عن رأيه، إنما هو بوحي من الله عز وجل؛ لأن بعده { إن هو إلا وحي يوحى} . الثانية: وقد يحتج بهذه الآية من لا يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاجتهاد في الحوادث. وفيها أيضا دلالة على أن السنة كالوحي المنزل في العمل. وقد تقدم في مقدمة الكتاب حديث المقدام بن معد يكرب في ذلك والحمد لله. قال السجستاني : إن شئت أبدلت { إن هو إلا وحي يوحى} من { ما ضل صاحبكم} قال ابن الأنباري : وهذا غلط؛ لأن { إن} الخفيفة لا تكون مبدلة من { ما} الدليل على هذا أنك لا تقول : والله ما قمت إن أنا لقاعد. قوله تعالى { علمه شديد القوى} يعني جبريل عليه السلام في قول سائر المفسرين؛ سوى الحسن فإنه قال : هو الله عز وجل، ويكون قوله تعالى { ذو مرة} على قول الحسن تمام الكلام، ومعناه ذو قوة والقوة من صفات الله تعالى؛ وأصله من شدة فتل الحبل، كأنه استمر به الفتل حتى بلغ إلى غاية يصعب معها الحل. { فاستوى} يعني الله عز وجل؛ أي استوى على العرش. روي معناه عن الحسن. وقال الربيع بن أنس والفراء { فاستوى. وهو بالأفق الأعلى} أي استوى جبريل ومحمد عليهما الصلاة والسلام. وهذا على العطف على المضمر المرفوع بـ { هو} . وأكثر العرب إذا أرادوا العطف في مثل هذا الموضع أظهروا كناية المعطوف عليه؛ فيقولون : استوى هو وفلان؛ وقلما يقولون استوى وفلان؛ وأنشد الفراء : ألم تر أن النبع يصلب عوده ** ولا يستوي والخروع المتقصف أي لا يستوي هو والخروع؛ ونظير هذا { أإذا كنا ترابا وآباؤنا} [النمل : 67] والمعنى أإذا كنا ترابا نحن وآباؤنا. ومعنى الآية : استوى جبريل هو ومحمد عليهما السلام ليلة الإسراء بالأفق الأعلى. وأجاز العطف على الضمير لئلا يتكرر. وأنكر ذلك الزجاج إلا في ضرورة الشعر. وقيل : المعنى فاستوى جبريل بالأفق الأعلى، وهو أجود. وإذا كان المستوي جبريل فمعنى { ذو مرة} في وصفه ذو منطق حسن؛ قال ابن عباس. وقال قتادة : خلق طويل حسن. وقيل : معناه ذو صحة جسم وسلامة من الآفات؛ ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم. (لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي). وقال امرؤ القيس : كنت فيهم أبدا ذا حيلة ** محكم المرة مأمون العقد وقد قيل { ذو مرة} ذو قوة. قال الكلبي : وكان من شدة جبريل عليه السلام : أنه اقتلع مدائن قوم لوط من الأرض السفلى، فحملها على جناحه حتى رفعها إلى السماء، حتى سمع أهل السماء نبح كلابهم وصياح ديكتهم ثم قلبها. وكان من شدته أيضا : أنه أبصر إبليس يكلم عيسى عليه السلام على بعض عقاب من الأرض المقدسة فنفحه بجناحه نفحة ألقاه بأقصى جبل في الهند. وكان من شدته : صيحته بثمود في عددهم وكثرتهم، فأصبحوا جاثمين خامدين. وكان من شدته : هبوطه من السماء على الأنبياء وصعوده إليها في أسرع من الطرف. وقال قطرب : تقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل : ذو مرة. قال الشاعر : قد كنت قبل لقاكم ذا مرة ** عندي لكل مخاصم ميزانه وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله : أن الله ائتمنه على وحيه إلى جميع رسله. قال الجوهري : والمرة إحدى الطبائع الأربع والمرة القوة وشدة العقل أيضا. ورجل مرير أي قوي ذو مرة. قال : ترى الرجل النحيف فتزدريه ** وحشو ثيابه أسد مرير وقال لقيط : حتى استمرت على شزر مريرته ** مر العزيمة لا رتا ولا ضرعا وقال مجاهد وقتادة { ذو مرة} ذو قوة؛ ومنه قول خفاف بن ندبة : إني امرؤ ذو مرة فاستبقني ** فيما ينوب من الخطوب صليب فالقوة تكون من صفة الله عز وجل، ومن صفة المخلوق. { فاستوى} يعني جبريل على ما بينا؛ أي ارتفع وعلا إلى مكان في السماء بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم، قاله سعيد بن المسيب وابن جبير. وقيل { فاستوى} أي قام في صورته التي خلقه الله تعالى عليها؛ لأنه كان يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي جبله الله عليها فأراه نفسه مرتين : مرة في الأرض ومرة في السماء؛ فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء، فطلع له جبريل من المشرق فسد الأرض إلى المغرب، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه. فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى صدره، وجعل يمسح الغبار عن وجهه؛ فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال : (يا جبريل ما ظننت أن الله خلق أحدا على مثل هذه الصورة). فقال : يا محمد إنما نشرت جناحين من أجنحتي وإن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب. فقال : (إن هذا لعظيم) فقال : وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا، ولقد خلق الله إسرافيل له ستمائة جناح، كل جناح منها العصفور الصغير؛ دليله قوله تعالى { ولقد رآه بالأفق المبين} [التكوير : 23] وأما في السماء فعند سدرة المنتهى، ولم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا محمدا صلى الله عليه وسلم. وقول ثالث أن معنى { فاستوى} أي استوى القرآن في صدره. وفيه على هذا وجهان : أحدهما في صدر جبريل حين نزل به عليه. الثاني في صدر محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه. وقول رابع أن معنى { فاستوى} فاعتدل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم. وفيه على هذا وجهان : أحدهما فاعتدل في قوته. الثاني في رسالته. ذكرهما الماوردي. قلت : وعلى الأول يكون تمام الكلام { ذو مرة} ، وعلى الثاني { شديد القوى} . وقول خامس أن معناه فارتفع. وفيه على هذا وجهان : أحدهما أنه جبريل عليه السلام ارتفع إلى مكانه على ما ذكرنا أنفا. الثاني أنه النبي صلى الله عليه وسلم ارتفع بالمعراج. وقول سادس { فاستوى} يعني الله عز وجل، أي استوى على العرش على قول الحسن. وقد مضى القول فيه في [الأعراف]. قوله تعالى { وهو بالأفق الأعلى} جملة في موضع الحال، والمعنى فاستوى عاليا، أي استوى جبريل عاليا على صورته ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك يراه عليها حتى سأله إياها على ما ذكرنا. والأفق ناحية السماء وجمعه آفاق. وقال قتادة : هو الموضع الذي تأتى منه الشمس. وكذا قال سفيان : هو الموضع الذي تطلع منه الشمس. ونحوه عن مجاهد. ويقال : أفق وأفق مثل عسر وعسر. وقد مضى في [حم السجدة] وفرس أفق بالضم أي رائع وكذلك الأنثى؛ قال الشاعر : أرجل لمتي وأجر ذيلي ** وتحمل شكتي أفق كميت وقيل { وهو} أي النبي صلى الله عليه وسلم { بالأفق الأعلى} يعني ليلة الإسراء وهذا ضعيف؛ لأنه يقال : استوى هو وفلان، ولا يقال استوى وفلان إلا في ضرورة الشعر. والصحيح استوى جبريل عليه السلام وجبريل بالأفق الأعلى على صورته الأصلية؛ لأنه كان يتمثل للنبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بالوحي في صورة رجل، فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أن يراه على صورته الحقيقية، فاستوى في أفق المشرق فملأ الأفق. { ثم دنا فتدلى} أي دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض { فتدلى} فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي. المعنى أنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم من عظمته ما رأى، وهاله ذلك رده الله إلى صورة آدمي حين قرب من النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، وذلك قوله تعالى { فأوحى إلى عبده} يعني أوحى الله إلى جبريل وكان جبريل { قاب قوسين أو أدنى} قاله ابن عباس والحسن وقتادة والربيع وغيرهم. وعن ابن عباس أيضا في قوله تعالى { ثم دنا فتدلى} أن معناه أن الله تبارك وتعالى { دنا} من محمد صلى الله عليه وسلم { فتدلى} . وروى نحوه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم. والمعنى دنا منه أمره وحكمه. وأصل التدلي النزول إلى الشيء حتى يقرب منه فوضع موضع القرب؛ قال لبيد : فتدليت عليه قافلا ** وعلى الأرض غيابات الطفل وذهب الفراء إلى أن الفاء في { فتدلى} بمعنى الواو، والتقدير ثم تدلى جبريل عليه السلام ودنا. ولكنه جائز إذا كان معنى الفعلين واحدا أو كالواحد قدمت أيهما شئت، فقلت فدنا فقرب وقرب فدنا، وشتمني فأساء وأساء فشتمني؛ لأن الشتم والإساءة شيء واحد. وكذلك قوله تعالى { اقتربت الساعة وانشق القمر} [القمر : 1] المعنى والله أعلم : انشق القمر واقتربت الساعة. وقال الجرجاني : في الكلام تقديم وتأخير أي تدلى فدنا؛ لأن التدلي سبب الدنو. وقال ابن الأنباري : ثم تدلى جبريل أي نزل من السماء فدنا من محمد صلى الله عليه وسلم. وقال ابن عباس : تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج فجلس عليه ثم رفع فدنا من ربه. وسيأتي. ومن قال : المعنى فاستوى جبريل ومحمد بالأفق الأعلى قد يقول : ثم دنا محمد من ربه دنو كرامة فتدلى أي هوى للسجود. وهذا قول الضحاك. قال القشيري : وقيل على هذا تدلى أي تدلل؛ كقولك تظني بمعنى تظنن، وهذا بعيد؛ لأن الدلال غير مرضي في صفة العبودية. قوله تعالى { فكان قاب قوسين أو أدنى} أي { كان} محمد من ربه أو من جبريل { قاب قوسين} أي قدر قوسين عربيتين. قال ابن عباس وعطاء والفراء. الزمخشري : فإن قلت كيف تقدير قوله { فكان قاب قوسين} قلت : تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين، فحذفت هذه المضافات كما قال أبوعلي في قوله : وقد جعلتني من حزيمة إصبعا أي ذا مقدار مسافة إصبع { أو أدنى} أي على تقديركم؛ كقوله تعالى { أو يزيدون} [الصافات : 147]. وفي الصحاح : وتقول بينهما قاب قوس، وقيب قوس وقاد قوس، وقيد قوس؛ أي قدر قوس. وقرأ زيد بن علي { قاد} وقرئ { قيد} و { قدر} . ذكره الزمخشري. والقاب ما بين المقبض والسية. ولكل قوس قابان. وقال بعضهم في قوله تعالى { قاب قوسين} أراد قابي قوس فقلبه. وفي الحديث : (ولقاب قوس أحدكم من الجنة وموضع قده خير من الدنيا وما فيها) والقد السوط. ""في الصحيح عن أبي هريرة""قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : (ولقاب قوس أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها). وإنما ضرب المثل بالقوس، لأنها لا تختلف في القاب. والله أعلم. قال القاضي عياض : اعلم أن ما وقع من إضافة الدنو والقرب من الله أو إلى الله فليس بدنو مكان ولا قرب مدى، وإنما دنو النبي صلى الله عليه وسلم من ربه وقربه منه : إبانة عظيم منزلته، وتشريف رتبته، وإشراق أنوار معرفته، ومشاهدة أسرار غيبه وقدرته. ومن الله تعالى له : مبرة وتأنيس وبسط وإكرام. ويتأول في قوله عليه السلام : (ينزل ربنا إلى سماء الدنيا) على أحد الوجوه : نزول إجمال وقبول وإحسان. قال القاضي : وقوله { فكان قاب قوسين أو أدنى} فمن جعل الضمير عائدا إلى الله تعالى لا إلى جبريل كان عبارة عن نهاية القرب، ولطف المحل، وإيضاح المعرفة، والإشراف على الحقيقة من محمد صلى الله عليه وسلم، وعبارة عن إجابة الرغبة، وقضاء المطالب، وإظهار التحفي، وإنافة المنزلة والقرب من الله؛ ويتأول في قوله عليه السلام : (من تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) قرب بالإجابة والقبول، وإتيان بالإحسان وتعجيل المأمول. وقد قيل { ثم دنا} جبريل من ربه { فكان قاب قوسين أو أدنى} قاله مجاهد. ويدل عليه ما روي في الحديث : (إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام). وقيل : أو بمعنى الواو أي قاب قوسين وأدنى. وقيل : بمعنى بل أي بل أدنى. وقال سعيد بن المسيب : القاب صدر القوس العربية حيث يشد عليه السير الذي يتنكبه صاحبه، ولكل قوس قاب واحد. فأخبر أن جبريل قرب من محمد صلى الله عليه وسلم كقرب قاب قوسين. وقال سعيد بن جبير وعطاء وأبو إسحاق الهمداني وأبو وائل شقيق بن سلمة : (فكان قاب قوسين) أي قدر ذراعين، والقوس الذراع يقاس بها كل شيء، وهى لغة بعض الحجازيين. وقيل : هي لغة أزد شنوءة أيضا. وقال الكسائي : قوله { فكان قاب قوسين أو أدنى} أراد قوسا واحدا؛ كقول الشاعر : ومهمهين قذفين مرتين ** قطعته بالسمت لا بالسمتين أراد مهمها واحدا. والقوس تذكر وتؤنث فمن أنث قال في تصغيرها قويسة ومن ذكر قال قويس؛ وفي المثل هو من خير قويس سهما. والجمع قسي قسي وأقواس وقياس؛ وأنشد أبو عبيدة : ووتر الأساور القياسا والقوس أيضا بقية النمر في الجلة أي الوعاء. والقوس برج في السماء. فأما القوس بالضم فصومعة الراهب؛ قال الشاعر وذكر امرأة : لاستفتنتني وذا المسحين في القوس قوله تعالى { فأوحى إلى عبده ما أوحى} تفخيم للوحي الذي أوحى إليه. وتقدم معنى الوحي وهو إلقاء الشيء بسرعة ومنه الوحاء الوحاء. والمعنى فأوحى الله تعالى إلى عبده محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى. وقيل : المعنى { فأوحى إلى عبده} جبريل عليه السلام { ما أوحى} . وقيل : المعنى فأوحى جبريل إلى عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم ما أوحى إليه ربه. قاله الربيع والحسن وابن زيد وقتادة. قال قتادة : أوحى الله إلى جبريل وأوحى جبريل إلى محمد. ثم قيل : هذا الوحي هل هو مبهم؟ لا نطلع عليه نحن وتعبدنا بالإيمان به على الجملة، أو هو معلوم مفسر؟ قولان. وبالثاني قال سعيد بن جبير، قال : أوحى الله إلى محمد : ألم أجدك يتيما فأويتك! ألم أجدك ضالا فهديتك! ألم أجدك عائلا فأغنيتك! { ألم نشرح لك صدرك. ووضعنا عنك وزرك. الذي أنقض ظهرك. ورفعنا لك ذكرك { الانشراح : 1ـ4]. وقيل : أوحى الله إليه أن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الحق سبحانه وتعالى يقسم بما يشاء من مخلوقاته وهنا يقسم بالنجم، فالواو واو القسم (النجم) مُقسَم به، والنجم يُطلق في اللغة على معنيين: النجم الذي في السماء كالشمس والقمر.

وقد قال الله فيه
{  وَعَلامَاتٍ وَبِٱلنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ }
[النحل: 16] أي: في سيرهم ليلاً، والنجم هو العُشْب الذي لا ساقَ له وترعاه الإبل في الصحراء.

وقد جمع الحق سبحانه المعنيين في قوله تعالى:
{  ٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ }
[الرحمن: 5-6].

وجمعمها الشاعر فقال:
أرَاعِي النجْمَ فِي سَيْري إليْهَا   وَيَرْعَاهُ مِنَ البيدا جَوَادِيَ
وتأمل هنا دقة الأداء القرآني، فالشمس والقمر دلَّتْ على نجم السماء، والشجر دَلَّ بالمصاحبة على نجم الأرض، والجميع يسجد لله ويخضع له أعظم شيء وأدنى شيء، الكل في الانقياد سواء.

وفي موضع آخر قال سبحانه:
{  فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ ٱلنُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }
[الواقعة: 75-76] فالقسم بالنجم قسَم بآية عظيمة من آيات الله، والقسَم بالنجم هنا يخصُّ حالة من حالاته.

{ وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ } [النجم: 1] أي: سقط، فالنجم علامة في السماء تهدي السائر وتدلُّه، فإذا سقط امتنعتْ الهداية، وامتنعت الفائدة، لكن محمداً صلى الله عليه وسلم ما ضَلَّ وما غوى.

{ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَىٰ } [النجم: 2] وهذا هو جواب القسم، وكأنه سبحانه يقول: وإنْ سقط النجم الذي يهدي السائرين، فنجم محمد لا يسقط أبداً، نجم السماء يهدي للماديات وهي موقوتة، ونجم محمد يهدي للقيم وللمعنويات وهي باقية دائمة.

ومعنى { مَا ضَلَّ... } [النجم: 2] أي: ما حاد عن الحق ولا مال عنه، ولا عدل عن سبيل الهدى { صَاحِبُكُمْ... } [النجم: 2] هو محمد صلى الله عليه وسلم، وصاحب القوم واحد منهم مُحبَّب إليهم ذو مكانة بينهم { وَمَا غَوَىٰ } [النجم: 2] الغواية هي الاعتقاد الباطل، فما اعتقد محمد اعتقاداً باطلاً أبداً حتى قبل بعثته.

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

ما ضلّ صاحبكم وما غوى:نفي شيئين الضلالة والغواية. وهناك فرق بين الضلالة والغواية فالضلالة قد تكون عن قصد أو عن غير قصد (فأضلّه الله على علم) (الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا) سورة الكهف، أما الغواية فهي عن قصد وهو الإمعان في الضلال. والضلال عام نقول ضلّت الدابة ولا نقول غوت الدابّة والغواية هي للمكلّف. والضلال نقيض الهدى والغواية نقيض الرشد (يُضلّ من يشاء ويهدي من يشاء) (وأضلّ فرعون قومه وما هدى) سورة طه، (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغيّ يتخذوه سبيلا) (قد تبيّن الرشد من الغيّ) سورة البقرة.
ما ضل صاحبكم وما غوى: نفى الله تعالى عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - الأمرين الضلالة والغواية وقد ذكر كلمة(صاحبكم) ولم يقل اسمه وقد وردت صاحبكم في ثلاث مواضع في القرآن الكريم: إما لنفي الضلال وإما لنفي الجنون (ما بصاحبكم من جِنّة، وما صاحبكم بمجنون، ما ضل صاحبكم ) وهذا لأن فيها معنى الصحبة فقد لبث الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيهم عمراً طويلاً وخالطهم وعاشرهم وعرفوا صدقه وأمانته ولا يكذّبونه فهو صاحبهم فكيف يمكن لهم أن يتهموه بالضلال؟ وقد وردت كلمة صاحبكم دائماً لنفي الجنون والغواية وهذا فيه معنى الصحبة أيضاً
ولو لاحظنا القسم في بداية السورة هو دلالة على الهوي والسقوط ، والضلال والغيّ هما سقوط في السلوك ودائماً يأتي في القرآن الضلال مع الحرف (في) (في ضلال مبين) وهذا دليل على السقوط أما عند ذكر الهداية فيأتي بالحرف (على) لأن الهدى تفيد الإستعلاء وهو - صلى الله عليه وسلم - متمكن من وقع قدمه وقادر أن يرى حتى الهمزة تفيد السقوط تأتي مع (في) الظرفية دلالة على السقوط (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) والنجم إذا ضلّ مساره سقط.

تكرار ما في قوله تعالى (ما ضلّ صاحبكم وما غوى): وهذا حتى لا يُتصوّر أنه نفى الجمع بينهما فقط وإنما نفى الجمع بينهما والإفراد. ما ضلّ صاحبكم وما غوى تعني نفي الضلالة والغواية معاً أو كل منهما على حدة. أما القول ما ضلّ صاحبكم وغوى فهي تفيد النفي بالجمع بين الصفتين. وهذا من باب الإحتياط للمعنى نفاهما على سبيل الجمع والإفراد ومعناه أنه - صلى الله عليه وسلم - اهتدى ورشد فهو مهتد رشيد. إذن لماذا لم يقل (هدى ورشد) بدل ما ضلّ وما غوى؟ لو قال اهتدى قد يكون في وقت من الماضي أو لفترة زمنية محددة قد تفيد أنه قد يكون قبل الهداية ضالاً لكنه - صلى الله عليه وسلم - مهتد رشيد لم يسبق له ضلالة (ما ضلّ صاحبكم وما غوى) تفيد أنه مهتد رشيد لم يسبق له ضلالة في أي وقت وزمن كان.


www.alro7.net