سورة
اية:

حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: أشغلكم حب الدنيا ونعيمها وزهرتها عن طلب الآخرة وابتغائها، وتمادى بكم ذلك حتى جاءكم الموت وزرتم المقابر، وصرتم من أهلها، عن زيد بن أسلم قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: ( { ألهاكم التكاثر} عن الطاعة، { حتى زرتم المقابر} حتى يأتيكم الموت) ""أخرجه ابن أبي حاتم""، وقال الحسن البصري: { ألهاكم التكاثر} في الأموال والأولاد، وعن أُبيّ بن كعب قال: كنا نرى هذا من القرآن حتى نزلت: { ألهاكم التكاثر} يعني: (لو كان لابن آدم واد من ذهب) ""رواه البخاري في الرقاق""، وروى الإمام أحمد عن عبد اللّه بن الشخير قال: انتهيت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو يقول: ( { ألهاكم التكاثر} يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت؟) ""أخرجه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي"". وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال؛ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يقول العبد: مالي مالي، وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدّق فأمضى، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس) ""تفرد به مسلم"". وروى البخاري عن أنَس بن مالك قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (يتبع الميت ثلاثة فيرجع اثنان ويبقى معه واحد: يتبعه أهله وماله وعمله، فيرجع أهله وماله، ويبقى عمله) ""أخرجه البخاري ومسلم والترمذي"". وعن أنَس أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (يهرم ابن آدم ويبقى معه اثنتان: الحرص والأمل) ""أخرجاه في الصحيحين"". وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة الأحنف بن قيس أنه رأى في يد رجل درهماً فقال: لمن هذا الدرهم؟ فقال الرجل: لي، فقال: إنما هو لك إذا أنفقته في أجر، أو ابتغاء شكر، ثم أنشد الأحنف متمثلاً قول الشاعر: أنت للمال إذا أمسكته ** فإذا أنفقته فالمال لك وقال ابن بريدة: نزلت في قبيلتين من قبائل الأنصار بني حارثة وبني الحارث تفاخروا وتكاثروا، فقالت إحداهما: فيكم مثل فلان بن فلان وفلان، وقال الآخرون: مثل ذلك تفاخروا بالأحياء، ثم قالوا: انطلقوا بنا إلى القبور فجعلت إحدى الطائفتين، تقول: فيكم مثل فلان يشيرون إلى القبور، ومثل فلان. وفعل الآخرون مثل ذلك، فأنزل اللّه: { ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر} ""أخرجه ابن أبي حاتم""لقد كان لكم فيما رأيتم عبرة وشغل، وقال قتادة: كانوا يقولون: نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان، حتى صاروا من أهل القبور كلهم، والصحيح أن المراد بقوله: { زرتم المقابر} أي صرتم إليها ودفنتم فيها، كما جاء في الصحيح أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم دخل على رجل من الأعراب يعوده، فقال: (لا بأس طهور إن شاء اللّه)، فقال، قلت: طهور، بل هي حمى تفور، على شيخ كبير، تزيره القبور، قال: (فنعم إذن). وعن ميمون بن مهران قال: كنت جالساً عند عمر بن عبد العزيز فقرأ: { ألهاكم التكاثر . حتى زرتم المقابر} فلبث هنيهة ثم قال: يا ميمون ما أرى المقابر إلا زيارة وما للزائر بد من أن يرجع إلى منزله، يعني أن يرجع إلى منزله أي إلى جنة أو إلى نار، وهكذا ذكر أن بعض الأعراب سمع رجلاً يتلو هذه الآية: { حتى زرتم المقابر} فقال: بعث اليوم ورب الكعبة، أي أن الزائر سيرحل من مقامه ذلك إلى غيره، وقوله تعالى: { كلا سوف تعلمون . ثم كلا سوف تعلمون} قال الحسن البصري هذا وعيد بعد وعيد، وقال الضحّاك { كلا سوف تعلمون} يعني أيها الكفار، { ثم كلا سوف تعلمون} يعني أيها المؤمنون، وقوله تعالى: { كلا لو تعلمون علم اليقين} أي لو علمتم حق العلم لما ألهاكم التكاثر عن طلب الدار الآخرة حتى صرتم إلى المقابر ثم قال: { لترون الجحيم . ثم لترونها عين اليقين} هذا تفسير الوعيد المتقدم، وهو قوله: { كلا سوف تعلمون . ثم كلا سوف تعلمون} توعدهم بهذا الحال وهو رؤية أهل النار، التي إذا زفرت زفرة واحدة، خرّ كل ملك مقرب ونبي مرسل على ركبتيه، من المهابة والعظمة ومعاينة الأهوال، على ما جاء به الأثر المروي في ذلك. وقوله تعالى: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} أي ثم لتسألن يومئذ عن شكر ما أنعم اللّه به عليكم، من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما إذا قابلتم به نعمه من شكره وعبادته. روى ابن جرير، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال: بينما أبو بكر وعمر جالسان إذ جاءهما النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال: (ما أجلسكما ههنا؟)، قالا: والذي بعثك بالحق ما أخرجنا من بيوتنا إلا الجوع، قال: (والذي بعثني بالحق ما أخرجني غيره)، فانطلقوا حتى أتوا بيت رجل من الأنصار، فاستقبلتهم المرأة، فقال لها النبي صلى اللّه عليه وسلم: (أين فلان؟) فقالت: ذهب يستعذب لنا ماء، فجاء صاحبهم يحمل قربته، فقال: مرحباً ما زار العباد شيء أفضل من نبي زارني اليوم، فعلق قربته بكرب نخلة، وانطلق فجاءهم بعذق، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (ألا كنت اجتنيت)، فقال: أحببت أن تكونوا الذين تختارون على أعينكم، ثم أخذ الشفرة، فقال له النبي صلى اللّه عليه وسلم: (إياك والحلوب) فذبح لهم يومئذ، فأكلوا فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (لتسألن عن هذا يوم القيامة أخرجكم الجوع، فلم ترجعوا حتى أصبتم هذا، فهذا من النعيم) ""أخرجه ابن جرير ورواه مسلم وأصحاب السنن الأربعة بنحوه"". وروى الإمام أحمد عن جابر بن عبد اللّه قال: أكل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأبو بكر وعمر رطباً وشربوا ماء، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (هذا من النعيم الذي تسألون عنه) ""أخرجه أحمد والنسائي"". وروى الإمام أحمد عن محمود بن الربيع قال: لما نزلت { ألهاكم التكاثر} فقرأ حتى بلغ { لتسألن يومئذ عن النعيم} قالوا: يا رسول اللّه عن أي نعيم نسأل؟ وإنما هما الأسودان الماء والتمر، وسيوفنا على رقابنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل؟ قال: (أما إن ذلك سيكون) ""أخرجه أحمد"". وروى الترمذي، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (إن أول ما يسأل عنه العبد من النعيم، أن يقال له ألم نصحّ لك بدنك، ونروك من الماء البارد)؟ ""أخرجه الترمذي وابن حيان""وروى ابن أبي حاتم، عن عبد اللّه بن الزبير قال، قال الزبير: لمّا نزلت { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قالوا: يا رسول اللّه لأي نعيم نسأل عنه وإنما هما الأسودان التمر والماء؟ قالوا: (إن ذلك سيكون) ""أخرجه ابن أبي حاتم ورواه الترمذي وابن ماجة"". وفي رواية عن عكرمة: قالت الصحابة: يا رسول اللّه، وأي نعيم نحن فيه؟ وإنما نأكل في أنصاف بطوننا خبز الشعير؟ فأوحى إلى نبّيه صلى اللّه عليه وسلم: قل لهم: أليس تحتذون النعال، وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم. وعن ابن مسعود مرفوعاً: (الأمن والصحة). وقال زيد بن أسلم عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} يعني شبع البطون، وبارد الشراب، وظلال المساكن، واعتدال الخلق، ولذة النوم، وقال مجاهد: عن كل لذة من لذات الدنيا، وقال الحسن البصري: من النعيم الغداء والعشاء، وقول مجاهد أشمل هذه الأقوال، وقال ابن عباس: { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم} قال: النعيم صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يسأل اللّه العباد فيما استعملوها، وهو أعلم بذلك منهم، وهو قوله تعالى: { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً} . وثبت في صحيح البخاري وسنن الترمذي عن ابن عباس قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ) ""أخرجه البخاري""، ومعنى هذا أنهم مقصرون في شكر هاتين النعمتين لا يقومون بواجبهما، ومن لا يقوم بحق ما وجب عليه فهو مغبون.

تفسير الجلالين

{ حتى زرتم المقابر } بأن متم فدفنتم فيها، أو عددتم الموتى تكاثرا.

تفسير الطبري

وَقَوْله : { حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر } يَعْنِي : حَتَّى صِرْتُمْ إِلَى الْمَقَابِر فَدُفِنْتُمْ فِيهَا ; وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقَوْل بِعَذَابِ الْقَبْر , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ أَلْهَاهُمْ التَّكَاثُر , أَنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ مَا يَلْقَوْنَ إِذَا هُمْ زَارُوا الْقُبُور وَعِيدًا مِنْهُ لَهُمْ وَتَهَدُّدًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29314- حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عَطِيَّة , عَنْ قَيْس , عَنْ حَجَّاج , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ زِرّ , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : كُنَّا نَشُكّ فِي عَذَاب الْقَبْر , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر } ... إِلَى : { كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } فِي عَذَاب الْقَبْر . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ زِرّ , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : نَزَلَتْ { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر } فِي عَذَاب الْقَبْر. * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ زِرّ , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : مَا زِلْنَا نَشُكّ فِي عَذَاب الْقَبْر , حَتَّى نَزَلَتْ : { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر } . وَقَوْله : { حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر } يَعْنِي : حَتَّى صِرْتُمْ إِلَى الْمَقَابِر فَدُفِنْتُمْ فِيهَا ; وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقَوْل بِعَذَابِ الْقَبْر , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ أَلْهَاهُمْ التَّكَاثُر , أَنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ مَا يَلْقَوْنَ إِذَا هُمْ زَارُوا الْقُبُور وَعِيدًا مِنْهُ لَهُمْ وَتَهَدُّدًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29314- حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عَطِيَّة , عَنْ قَيْس , عَنْ حَجَّاج , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ زِرّ , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : كُنَّا نَشُكّ فِي عَذَاب الْقَبْر , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر } ... إِلَى : { كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } فِي عَذَاب الْقَبْر . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ زِرّ , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : نَزَلَتْ { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر } فِي عَذَاب الْقَبْر. * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ زِرّ , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : مَا زِلْنَا نَشُكّ فِي عَذَاب الْقَبْر , حَتَّى نَزَلَتْ : { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر } . '

تفسير القرطبي

فيه خمس مسائل: الأولى: قوله تعالى { ألهاكم التكاثر} { ألهاكم} شغلكم. قال : فألهيتها عن ذي تمائم مغيل أي شغلكم المباهاة بكثرة المال والعدد عن طاعة الله، حتى متم ودفنتم في المقابر. وقيل { ألهاكم} : أنساكم. { التكاثر} أي من الأموال والأولاد، قال ابن عباس والحسن. وقال قتادة : أي التفاخر بالقبائل والعشائر. وقال الضحاك : أي ألهاكم التشاغل بالمعاش والتجارة. يقال : لهيت عن كذا بالكسر ألهى لهيا ولهيانا : إذا سلوت عنه، وتركت ذكره، وأضربت عنه. وألهاه : أي شغله. ولهاه به تلهية أي علله. والتكاثر : المكاثرة. قال مقاتل وقتادة وغيرهما : نزلت في اليهود حين قالوا : نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان، ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضلالا. وقال ابن زيد : نزلت في فخذ من الأنصار. وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي : نزلت في حيين من قريش : بني عبد مناف، وبني سهم، تعادوا وتكاثروا بالسادة والأشراف في الإسلام، فقال كل حي منهم نحن أكثر سيدا، وأعز عزيزا، وأعظم نفرا، وأكثر عائذا، فكثر بنو عبد مناف سهما. ثم تكاثروا بالأموات، فكثرتهم سهم، فنزلت { ألهاكم التكاثر} بأحيائكم فلم ترضوا { حتى زرتم المقابر} مفتخرين بالأموات. وروى سعيد عن قتادة قال : كانوا يقولون نحن أكثر من بني فلان، ونحن أعد من بني فلان؛ وهم كل يوم يتساقطون إلى آخرهم، والله مازالوا كذلك حتى صاروا من أهل القبور كلهم. وعن عمرو بن دينار : حلف أن هذه السورة نزلت في التجار. وعن شيبان عن قتادة قال : نزلت في أهل الكتاب. قلت : الآية تعم جميع ما ذكر وغيره. وفي صحيح مسلم عن مطرف عن أبيه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ { ألهاكم التكاثر} قال : (يقول ابن آدم : مالي مالي! وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت (وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس). و""روى البخاري عن ابن شهاب"" : أخبرني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (لو أن لابن آدم واديا من ذهب، لأحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب). قال ثابت عن أنس عن أبي : كنا نرى هذا من القرآن، حتى نزلت { ألهاكم التكاثر} . قال ابن العربي : وهذا نص صحيح مليح، غاب عن أهل التفسير فجهلوا والحمد لله على المعرفة. وقال ابن عباس : قرأ النبي صلى الله عليه وسلم { ألهاكم التكاثر} قال : (تكاثر الأموال : جمعها من غير حقها، ومنعها من حقها، وشدها في الأوعية ). الثانية: قوله تعالى { حتى زرتم المقابر} أي حتى أتاكم الموت، فصرتم في المقابر زوار، ترجعون منها كرجوع الزائر إلى منزله من جنة أو نار. يقال لمن مات : قد زار قبره. وقيل : أي ألهاكم التكاثر حتى عددتم الأموات، على ما تقدم. وقيل : هذا وعيد. أي أشغلتم بمفاخرة الدنيا، حتى تزوروا القبور، فتروا ما ينزل بكم من عذاب الله عز وجل. { المقابر} جمع مقبرة ومقبرة بفتح الباء وضمها. والقبور : جمع القبر قال : أرى أهل القصور إذا أميتوا ** بنوا فوق المقابر بالصخور أبوا إلا مباهاة وفخرا ** على الفقراء حتى في القبور وقد جاء في الشعر المقبر قال : لكل أناس مقبر بفنائهم ** فهم ينقصون والقبور تزيد وهو المقبري والمقبري : لأبي سعيد المقبري؛ وكان يسكن المقابر. وقبرت الميت أقبره وأقبره قبرا، أي دفنته. وأقبرته أي أمرت بأن يقبر. وقد مضى في سورة { عبس } القول فيه. والحمد لله. الرابعة: لم يأت في التنزيل ذكر المقابر إلا في هذه السورة. وزيارتها من أعظم الدواء للقلب القاسي؛ لأنها تذكر الموت والآخرة. وذلك يحمل على قصر الأمل، والزهد في الدنيا، وترك الرغبة فيها. قال النبي صلى الله عليه وسلم : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروا القبور، فإنها تزهد في الدنيا، وتذكر الآخرة) ""رواه ابن مسعود؛ أخرجه ابن ماجه""."" وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة"" : (فإنها تذكر الموت)."" وفي الترمذي عن بريدة"" : (فإنها تذكر الآخرة). قال : هذا حديث حسن صحيح. وفيه عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن زوارات القبور. قال : وفي الباب عن ابن عباس وحسان بن ثابت. قال أبو عيسى : وهذا حديث حسن صحيح. وقد رأى بعض أهل العلم أن هذا كان قبل أن يرخص النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة القبور؛ فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء. وقال بعضهم : إنما كره زيارة القبور للنساء لقلة صبرهن، وكثرة جزعهن. قلت : زيارة القبور للرجال متفق عليه عند العلماء، مختلف فيه للنساء. أما الشواب فحرام عليهن الخروج، وأما القواعد فمباح لهن ذلك. وجائز لجميعهن. ذلك إذا انفردن بالخروج عن الرجال؛ ولا يختلف في هذا إن شاء الله. وعلى هذا المعنى يكون قوله : (زوروا القبور) عاما. وأما موضع أو وقت يخشى فيه الفتنة من اجتماع الرجال والنساء، فلا يحل ولا يجوز. فبينا الرجل يخرج ليعتبر، فيقع بصره على امرأة فيفتتن، وبالعكس فيرجع كل واحد من الرجال والنساء مأزورا غير مأجور. والله أعلم. الخامسة: قال العلماء : ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين. فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه؛ فإن انتفع بالإكثار من ذكر الموت، وانجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت فيه دواعي الذنب؛ فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير. وفي مشاهدة من احتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة؛ فلذلك كان أبلغ من الأول؛ قال صلى الله عليه وسلم : (ليس الخبر كالمعاينة) رواه ابن عباس. فأما الاعتبار بحال المحتضرين، فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات. وأما زيارة القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر. فينبغي لمن عزم على الزيارة، أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها التطواف على الأحداث فقط؛ فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة. ونعوذ بالله من ذلك. بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء، ويتجنب المشي على المقابر، والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا، وأتاه من تلقاء وجهه، لأنه في زيارته كمخاطبته حيا، ولو خاطبه حيا لكان الأدب استقباله بوجهه؛ فكذلك ها هنا. ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر؛ فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه. فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه الذين بلغوا المال، وجمعوا الأموال؛ كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم. وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب. وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع، والهلاك السريع، كغفلتهم، وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه. وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه، وليتحقق أن حاله كحاله، ومآل كمآله. وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه.

اسباب النزول - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي

قوله تعالى: { أَلْهَاكُمُ ٱلتَّكَّاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ ٱلْمَقَابِرَ} [1-2].
قال مقاتلٌ والكلبيُّ: نزلت في حيَّيْنِ من قريش: بني عبد منافٍ وبني سَهْم، كان بينهما لِحَاءٌ فتعادُّوا السادةَ والأشرافَ أيُّهم أكثرُ؟ فقال بنو عبد منافٍ: نحن أكثرُ سيداً، وأعزُّ عزيزاً، وأعظمُ نَفَراً. وقال بنو سهم مثلَ ذلك، فكَثَرَهُم بنو عبد مناف. ثم قالوا: نَعُدُّ موتانا، حتى زاروا القبورَ فعدُّوا موتاهم. فكَثَرَهُم بنو سَهْم: لأنهم كانوا أكثر عدداً في الجاهلية.
وقال قتادة: نزلتْ في اليهود، قالوا: نحن أكثر من بني فلانٍ، وبنو فلانٍ أكثرُ من بني فلانٍ. ألهاهم ذلك حتى ماتوا ضُلاَّلاً.


www.alro7.net