سورة
اية:

وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير، لا يستويان بل بينهما فرق وبون كثير، وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور، كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات، وهذا مثل ضربه اللّه تعالى للمؤمنين وهم الأحياء، وللكافرين وهم الأموات، كقوله تعالى: { أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها} . وقال عزَّ وجلَّ: { مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلاً} ؟ فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم، في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون، والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج له منها، بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة، حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم { وظل من يحموم لا بارد ولا كريم} ، وقوله تعالى: { إن اللّه يسمع من يشاء} أي يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها { وما أنت بمسمع من في القبور} أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها، كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم، ولا تستطيع هدايتهم { إن أنت إلا نذير} ، أي إنما عليك البلاغ والإنذار واللّه يضل من يشاء ويهدي من يشاء، { إنا أرسلناك بالحق بشيراً ونذيراً} أي بشيراً للمؤمنين ونذيراً للكافرين، { وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} أي وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث اللّه تعالى إليهم النذر وأزاح عنهم العلل، كما قال تعالى: { إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} ، وكما قال تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطاغوت} الآية، والآيات في هذا كثيرة. وقوله تبارك وتعالى: { وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات} وهي المعجزات الباهرات والأدلة القاطعات، { وبالزبر} وهي الكتب، { وبالكتاب المنير} أي الواضح البين، { ثم أخذت الذين كفروا} ، أي ومع هذا كله كذب أولئك رسلهم فيما جاءوهم به فأخذتهم أي بالعقاب والنكال، { فكيف كان نكير} أي فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيماً شديداً بليغاً؟ واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ وما يستوي الأعمى والبصير } الكافر والمؤمن .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى } عَنْ دِين اللَّه الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَالْبَصِير } الَّذِي قَدْ أَبْصَرَ فِيهِ رَشَدَهُ , فَاتَّبَعَ مُحَمَّدًا وَصَدَّقَهُ , وَقَبِلَ عَنِ اللَّه مَا ابْتَعَثَهُ بِهِ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِير } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى } عَنْ دِين اللَّه الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَالْبَصِير } الَّذِي قَدْ أَبْصَرَ فِيهِ رَشَدَهُ , فَاتَّبَعَ مُحَمَّدًا وَصَدَّقَهُ , وَقَبِلَ عَنِ اللَّه مَا ابْتَعَثَهُ بِهِ'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير} أي الكافر والمؤمن والجاهل والعالم. مثل: { قل لا يستوي الخبيث والطيب} المائدة : 100]. { ولا الظلمات ولا النور} قال الأخفش سعيد "لا" زائدة؛ والمعنى ولا الظلمات والنور، ولا الظل والحرور. قال الأخفش : والحرور لا يكون إلا مع شمس النهار، والسموم يكون بالليل، أو قيل بالعكس. وقال رؤبة بن العجاج : الحرور تكون بالنهار خاصة، والسموم يكون بالليل خاصة، حكاه المهدوي. وقال الفراء : السموم لا يكون إلا بالنهار، والحرور يكون فيهما. النحاس : وهذا أصح؛ لأن الحرور فعول من الحر، وفيه معنى التكثير، أي الحر المؤذي. قلت : وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (قالت النار رب أكل بعضي بعضا فأذن لي أتنفس فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فما وجدتم من برد أو زمهرير فمن نفس جهنم وما وجدتم من حر أو حرور فمن نفس جهنم). وروي من حديث الزهري عن سعيد عن أبي هريرة : (فما تجدون من الحر فمن سمومها وشدة ما تجدون من البرد فمن زمهريرها) وهذا يجمع تلك الأقوال، وأن السموم والحرور يكون بالليل والنهار؛ فتأمله. وقيل : المراد بالظل والحرور الجنة والنار؛ فالجنة ذات ظل دائم، كما قال تعالى: { أكلها دائم وظلها} الرعد : 35] والنار ذات حرور، وقال معناه الذي. وقال ابن عباس : أي ظل الليل، وحر السموم بالنهار. قطرب : الحرور الحر، والظل البرد. قوله تعالى: { وما يستوي الأحياء ولا الأموات} قال ابن قتيبة : الأحياء العقلاء، والأموات الجهال. قال قتادة : هذه كلها أمثال؛ أي كما لا تستوي هذه الأشياء كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. { إن الله يسمع من يشاء} أي يسمع أولياءه الذين خلقهم لجنته. { وما أنت بمسمع من في القبور} أي الكفار الذين أمات الكفر قلوبهم؛ أي كما لا تسمع من مات، كذلك لا تسمع من مات قلبه. وقرأ الحسن وعيسى الثقفي وعمرو بن ميمون: "بمسمع من في القبور" بحذف التنوين تخفيفا؛ أي هم بمنزلة أهل القبور في أنهم لا ينتفعون بما يسمعونه ولا يقبلونه.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة فاطر الايات 12 - 19


سورة فاطر الايات 18 - 27

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه حقائق يقررها الحق سبحانه، فالمتناقضان لا يستويان، لأن الأعمى لا يعرف مواقع الأشياء من حركته، والبصير يعرف مواقع الأشياء من حركته، البصير يرى مواقع الأشياء ويتفادى الأخطار، أما الأعمى فلا بُدَّ له من مرافق يتطوع بصداقة عينه السليمة للعين الغائبة، لذلك نقول: إنْ أعطى الأعمى للعمى حقه صار مبصراً، كيف؟ لأنه لا يتكبر أن يستعين بالمبصر، فحين ينادي على مَنْ يأخذ بيده تتسابق إليه كل العيون من حوله لتساعده، أما إنْ تعالى فسرعان ما (يندب) على وجهه.

والعمى والبصر حِسِّيات توضح المعنوي، فالمراد لا يستوي الجاهل والعالم؛ لأن حركة الحياة تنقسم إلى حركة مادية: تأتي وتذهب، تزرع وتقلع.. إلخ وحركة قيمية معنوية، وهي الروحانيات والأخلاقيات العالية، مثل معاني: الإيمان، الصدق، الوفاء، العدل، الرحمة.. إلخ.

وإذا كانت الحركة المادية الحسية تحتاج إلى نور حسيٍّ يهديك حتى لا تصطدم بما هو أقوى منك فيحطمك، أو بما هو أضعف منك فتحطمه، فكذلك الحركة القيمية المعنوية الروحية تحتاج إلى نور معنوي يهدي خُطَاك كي لا تضلّ، هذا النور المعنوي هو المنهج الذي قال الله فيه:
{  قَدْ جَآءَكُمْ مِّنَ ٱللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ* يَهْدِي بِهِ ٱللَّهُ مَنِ ٱتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ ٱلسَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ ٱلظُّلُمَاتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }
[المائدة: 15-16].

فالشمس هي النور الحسي، والقرآن هو النور المعنوي؛ لذلك قلنا في قوله تعالى:
{  ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ }
[النور: 35] أي: مُنوِّرهما بالنُّوريْن.

الحق سبحانه سبق أنْ ذكر لنا التقابل بين الماءيْنِ العذب والمالح، فقال سبحانه:
{  وَمَا يَسْتَوِي ٱلْبَحْرَانِ هَـٰذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَآئِغٌ شَرَابُهُ وَهَـٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ }
[فاطر: 12] نعم، لا يستويان، لكن العلاقة بينهما علاقة تقابل كالليل والنهار، لا علاقة تضادٍّ كالأعمى والبصير، بدليل أن الله جمعهما معاً، فقال:
{  وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا }
[فاطر: 12] فإن اختلف المتقابلان، فلكل منهما مهمة يؤديها، فهما متساندان لا متعاندان.

وبعد أن ذكر الحق سبحانه عدم استواء الأعمى والبصير يقول: { وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ } [فاطر: 20]، لأن النور هو مصدر الإبصار فالمبصر لا يرى شيئاً في الظلمة.

هذا في العمى والبصر الحسي، أما القيم والمعنويات فلها مقياس آخر؛ لذلك يقول تعالى:
{  فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ }
[الحج: 46]، فقد يكون الرجل مبصراً وهو أعمى بصيرة. والأعمى في المعنويات هو الذي يجهل الحكم الذي يهديه إلى منطقة الحق في كل القيم، والبصير هو العالم بهذه الأحكام.

وحين تتأمل أسلوب هاتين الآيتين. تجد فيهما ملمحاً من ملامح الإعجاز في كلام الله، فالأولى { وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَعْمَىٰ وَٱلْبَصِيرُ } [فاطر: 19] قرنت بين الاثنين باستخدام واو العطف، أما الأخرى { وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ } [فاطر: 20] فذكرت (لا) النافية الدالة على توكيد عدم الاستواء، فلم يَقُل الحق سبحانه كما في الأولى: ولا الظلمات والنور، لماذا؟

قالوا: لأن العمى والبصر صفتان قد تجتمعان في الشخص الواحد، فقد يكون أعمى اليوم ويبصر غداً، قد يكون جاهلاً ويتعلم، أو كافراً ويؤمن، فيطرأ عليه الوصفان؛ لذلك لم يؤكد معنى عدم الاستواء، أما الظلمات والنور فهما متقابلان لا يجتمعان.كما تلحظ في دقة الأداء القرآني؛ لأن الحق سبحانه هو المتكلم، فقال: { وَلاَ ٱلظُّلُمَاتُ وَلاَ ٱلنُّورُ } [فاطر: 20] فالظلمات جمع والنور مفرد؛ لأن مذاهب الضلال شتى، فهذا يعبد النجوم، وهذا يعبد الأصنام، وهذا يعبد الملائكة.. الخ. أما النور فواحد، هو منهج الله المنزل في كتابه.

لذلك لما أراد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُعلِّم أصحابه هذا الدرس خَطَّ لهم خطاً مستقيماً، ومن حوله خطوط متعرجة، ثم تلا:
{  وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ }
[الأنعام: 153].

ثم يقول سبحانه: { وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ } [فاطر: 21] وهما أيضاً متقابلان لا يجتمعان، كذلك { وَمَا يَسْتَوِي ٱلأَحْيَآءُ وَلاَ ٱلأَمْوَاتُ } [فاطر: 22] وتلحظ هنا أن الحق سبحانه أعاد ذكر الفعل المنفي { وَمَا يَسْتَوِي } [فاطر: 22] لتأكيد عدم الاستواء بين الحي والميت.

وكذلك ذكر (لا) النافية الدالة على التوكيد؛ لأن كلمة الأحياء تعني المؤمنين الإيمانَ الحق، الذين يستحقون حياة أبدية باقية تتصل بحياتهم الدنيوية الفانية، أما الأموات فهم الكفار الذين تأبَّوْا على منهج الله. أو: أن الأحياء هم الذين عرفوا أن الحياة الحقة هي العيش بمنهج ربهم الذي يؤدي بهم إلى الحياة الحقيقية الباقية التي قال الله عنها:
{  وَإِنَّ ٱلدَّارَ ٱلآخِرَةَ لَهِيَ ٱلْحَيَوَانُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ }
[العنكبوت: 64].

وهذه هي الحياة المرادة في قوله تعالى:
{  يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ }
[الأنفال: 24] كيف وهو يخاطبهم وهم أحياء بالفعل؟ إذن: المعنى يُحييكم الحياة الحقيقية التي لا تنتهي بموت، ولا تُسلب منها نعمة.

ومن ذلك أيضاً قوله سبحانه:
{  أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا.. }
[الأنعام: 122].

ومن المعاني التى نفهمها من عدم استواء الأحياء والأموات أن الحيَّ خلقه الله وأمدَّه بأجهزة نفسية: عقلاً، وأعصاباً، وعضلات، وسمعاً وبصراً.. الخ وهذه الأعضاء لها قيمة، ولها مهمة، وعليه أنْ يستخدم هذه النعم استخداماً يجعلها وسائل لِنِعَم أخرى، ثم ليعلم أنه في رحلة حياته لا بُدَّ أنه سيموت، لكن ربه عز وجل أبهم له أجله ليكون ذلك عَيْن البيان، وليظل على ذِكْر له طوال الوقت وينتظره في كل لحظة، فعمرك محسوب بعدٍّ تنازلي، وسهم الموت أُطلِق في اتجاهك بالفعل، وعمرك بقدر وصوله إليك.

بعد أن تكلم الحق سبحانه عن الحال في التكليفات فقال: لا يستوي الأعمى الجاهل بأصول دينه والبصير العالم بها، ولا يستوي نور الإيمان والهداية مع ظلمات الضلال، يتكلم سبحانه عن المآل، فيقول: { وَلاَ ٱلظِّلُّ وَلاَ ٱلْحَرُورُ } [فاطر: 21] الظل كناية عن نعيم الجنة، وفي موضع آخر قال:
{  ظِـلاًّ ظَلِيلاً }
[النساء: 57] والحَرُور كناية عن العذاب وشدة حَرِّه.

ثم يقول سبحانه مخاطباً نبيه صلى الله عليه وسلم ومُسلِّياً له: { إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ } [فاطر: 22] النبي صلى الله عليه وسلم جاء على كفر وجهالة من قومه، فكانت دعوته أنْ يخرجهم من العمى والجهالة إلى ما ينير بصائرهم ويُخرِجهم من ظلمات الضلال إلى نور الإيمان.

وقد كان صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على هداية قومه يكاد يُهلك نفسه في سبيل دعوته؛ لذلك خاطبه ربه بقوله:
{  فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفاً }
[الكهف: 6].

كذلك هنا يخاطبه بقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَآءُ } [فاطر: 22] أي سماع هداية إقبال، وإلا فَهُمْ جميعاً يسمعون، لكن هناك سماعُ إعراضٍ وسماعُ إقبال، منهم مَنْ يقبل ويؤمن ويتأثر بكلام الله، ومنهم مَنْ يسمع ثم يُعرض وينصرف عما سمع؛ لذلك قال الله فيهم:
{  وَلَوْ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُمْ مُّعْرِضُونَ }
[الأنفال: 23].

إذن: يا محمد، لقد أديتَ ما عليك نحوهم، وخاطبتَهم خطابَ هداية، وخطابَ تهديد ووعيد، فلم يسمعوا { وَمَآ أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي ٱلْقُبُورِ } [فاطر: 22] فجعلهم الله لعدم سماعهم كالأموات، وإلا " فرسول الله خاطب أهل قليب بدر من الكفار حين وقف عليهم وناداهم بأسمائهم: " يا عتبة بن ربيعة، يا شبيبة بن ربيعة، يا أبا جهل أليس وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً، فإنَّا وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً ".

فقال عمر: أتكلمهم وقد جَيَّفوا؟ قال صلى الله عليه وسلم: " والله، ما أنتم بأسمعَ منهم، ولكنهم لا يتكلمون " ".

فالمعنى: ما أنت بمسمع السماع المؤدي إلى الهداية، كما أنك لا تُسمع مَنْ في القبور؛ لأن زمن السماع وقبول الهداية انتهى بالموت.

لكن إذا كان رسول الله لا يُسمع مَنْ في القبور، فما مهمته؟ يقول سبحانه بعدها:

{ إِنْ أَنتَ إِلاَّ نَذِيرٌ }.


www.alro7.net