سورة
اية:

أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن المشركين فيما افتروه وكذبوه، في جعلهم بعض الأنعام لطواغيتهم، وبعضها للّه تعالى، وكذلك جعلوا له من الأولاد أخسهما وأردأهما وهو البنات، كما قال تعالى: { ألكم الذكر وله الأنثى . تلك إذاً قسمة ضيزى} ، وقال جلَّ وعلا ههنا: { وجعلوا له من عباده جزءاً إن الإنسان لكفور مبين} ، ثم قال جلَّ وعلا: { أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين} ؟ وهذا إنكار عليهم غاية الإنكار، ثم ذكر تمام الإنكار فقال جلَّت عظمته: { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلاً ظلّ وجهه مسوداً وهو كظيم} أي إذا بشر أحد هؤلاء بما جعلوه للّه من البنات، يأنف من ذلك غاية الأنفة، وتعلوه كآبة من سوء ما بُشِّرَ به، ويتوارى من القوم من خجله من ذلك، يقول تبارك وتعالى: فكيف تأنفون أنتم من ذلك، وتنسبونه إلى اللّه عزَّ وجلَّ؟ ثم قال سبحانه وتعالى: { أو من ينشَّأُ في الحِلية وهو في الخصام غير مبين} أي المرأة ناقصة يكمل نقصها بلبس الحلي، منذ تكون طفلة، وإذا خاصمت فهي عاجزة عَييِّة، أو من يكون هكذا ينسب إلى جناب اللّه العظيم؟ فالأنثى ناقصة الظاهر والباطن في الصورة والمعنى، فيكمل نقص مظاهرها وصورتها بلبس الحلي، ليجبر ما فيها من نقص، كما قال بعض شعراء العرب: وما الحلي إلا زينة من نقيصة * يتمِّم من حسن إذا الحسن قَصَّرا وأما إذا كان الجمال مُوَفَّراً * كحسنك لم يحتج إلى أن يُزَوّرا وأما نقص معناها فإنها ضعيفة عاجزة عن الانتصار، كما قال بعض العرب وقد بشر ببنت: (ما هي بنعم الولد، نصرها بكاء، وبرها سرقة). وقوله تبارك وتعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً} أي اعتقدوا فيهم ذلك فأنكر عليهم تعالى قولهم ذلك فقال: { أشهدوا خلقهم} ؟ أي شاهدوه وقد خلقهم اللّه إناثاً؟ { ستكتب شهادتهم} أي بذلك { ويسألون} عن ذلك يوم القيامة، وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، { وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم} أي لو أراد اللّه لحال بيننا وبين عبادة هذه الأصنام، التي هي على صور الملائكة بنات اللّه، فإنه عالم بذلك وهو يقرنا عليه. فجمعوا بين أنواع كثيرة من الخطأ: أحدهما : جعلهم للّه تعالى ولداً، تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً، الثاني : دعواهم أنه اصطفى البنات على البنين، فجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً، الثالث : عبادتهم لهم مع ذلك كله بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الآراء والأهواء، والتقليد للأشراف والكبراء، والخبط في الجاهلية الجهلاء، الرابع : احتجاجهم بتقديرهم على ذلك قدراً، وقد جهلوا في هذا الاحتجاج جهلاً كبيراً، فإنه منذ بعث الرسل وأنزل الكتب يأمر بعبادته وحده لا شريك له وينهى عن عبادة ما سواه، قال تعالى: { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} ؟ وقال جلَّ وعلا في هذه الآية: { ما لهم بذلك من علم} أي بصحة ما قالوه واحتجوا به { إن هم إلا يخرصون} أي يكذبون ويتقولون، وقال مجاهد: يعني ما يعلمون قدرة اللّه تبارك وتعالى على ذلك.

تفسير الجلالين

{ أو } همزة الإنكار وواو العطف بجملة، أي يجعلون لله { من يُنشأ في الحلية } الزينة { وهو في الخصام غير مبين } مظهر الحجة لضعفه عنها بالأنوثة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَمَنْ يَنْبُت فِي الْحِلْيَة وَيُزَيَّن بِهَا { وَهُوَ فِي الْخِصَام } يَقُول : وَهُوَ فِي مُخَاصَمَة مَنْ خَاصَمَهُ عِنْد الْخِصَام غَيْر مُبِين , وَمَنْ خَصَمَهُ بِبُرْهَانٍ وَحُجَّة , لِعَجْزِهِ وَضَعْفه , جَعَلْتُمُوهُ جُزْء اللَّه مِنْ خَلْقه وَزَعَمْتُمْ أَنَّهُ نَصِيبه مِنْهُمْ , وَفِي الْكَلَام مَتْرُوك اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ مِنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْت . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْجَوَارِي وَالنِّسَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23804 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : يَعْنِي الْمَرْأَة . 23805 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَلْقَمَة , عَنْ مَرْثَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْحَرِير وَالذَّهَب , وَقَرَأَ { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : يَعْنِي الْمَرْأَة . 23806 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : قَالَ ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : الْجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا , كَيْفَ تَحْكُمُونَ . 23807 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : الْجَوَارِي يُسَفِّههُنَّ بِذَلِكَ , غَيْر مُبِين بِضَعْفِهِنَّ . 23808 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } يَقُول : جَعَلُوا لَهُ الْبَنَات وَهُمْ إِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِهِنَّ ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم . قَالَ : وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } يَقُول : قَلَّمَا تَتَكَلَّم امْرَأَة فَتُرِيد أَنْ تَتَكَلَّم بِحُجَّتِهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهَا . 23809 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : النِّسَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَوْثَانهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23810 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } . ... الْآيَة , قَالَ : هَذِهِ تَمَاثِيلهمْ الَّتِي يَضْرِبُونَهَا مِنْ فِضَّة وَذَهَب يَعْبُدُونَهَا هُمُ الَّذِينَ أَنْشَئُوهَا , ضَرَبُوهَا مِنْ تِلْكَ الْحِلْيَة , ثُمَّ عَبَدُوهَا { وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : لَا يَتَكَلَّم , وَقَرَأَ { فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُبِين } 36 77 وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ الْجَوَارِي وَالنِّسَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيب خَبَر اللَّه عَنْ إِضَافَة الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَات , وَقِلَّة مَعْرِفَتهمْ بِحَقِّهِ , وَتَحْلِيَتهمْ إِيَّاهُ مِنْ الصِّفَات وَالْبُخْل , وَهُوَ خَالِقهمْ وَمَالِكهمْ وَرَازِقهمْ , وَالْمُنْعِم عَلَيْهِمْ النِّعَم الَّتِي عَدَّدَهَا فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة مَا لَا يَرْضَوْنَهُ لِأَنْفُسِهِمْ , فَاتِّبَاع ذَلِكَ مِنَ الْكَلَام مَا كَانَ نَظِيرًا لَهُ أَشْبَه وَأَوْلَى مِنْ اتِّبَاعه مَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ " أَوَمَنْ يَنْشَأ " بِفَتْحِ الْيَاء وَالتَّخْفِيف مِنْ نَشَأَ يَنْشَأ , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { يُنَشَّأ } بِضَمِّ الْيَاء وَتَشْدِيد الشِّين مِنْ نَشَّأْته فَهُوَ يُنَشَّأ. وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَنْشَأ مِنَ الْإِنْشَاء نَاشِئ , وَالنَّاشِئ مُنَشَّأ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " أَوَمَنْ لَا يُنَشَّأ إِلَّا فِي الْحِلْيَة " , وَفِي " مَنْ " وُجُوه مِنْ الْإِعْرَاب الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف وَالنَّصْب عَلَى إِضْمَار يَجْعَلُونَ كَأَنَّهُ قِيلَ : أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة يَجْعَلُونَ بَنَات اللَّه , وَقَدْ يَجُوز النَّصْب فِيهِ أَيْضًا عَلَى الرَّدّ عَلَى قَوْله : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُق بَنَات أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة , فَيَرُدّ " مَنْ " عَلَى الْبَنَات , وَالْخَفْض عَلَى الرَّدّ عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَوَمَنْ يَنْبُت فِي الْحِلْيَة وَيُزَيَّن بِهَا { وَهُوَ فِي الْخِصَام } يَقُول : وَهُوَ فِي مُخَاصَمَة مَنْ خَاصَمَهُ عِنْد الْخِصَام غَيْر مُبِين , وَمَنْ خَصَمَهُ بِبُرْهَانٍ وَحُجَّة , لِعَجْزِهِ وَضَعْفه , جَعَلْتُمُوهُ جُزْء اللَّه مِنْ خَلْقه وَزَعَمْتُمْ أَنَّهُ نَصِيبه مِنْهُمْ , وَفِي الْكَلَام مَتْرُوك اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ مَا ذَكَرَ مِنْهُ وَهُوَ مَا ذَكَرْت . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْجَوَارِي وَالنِّسَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23804 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : يَعْنِي الْمَرْأَة . 23805 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَلْقَمَة , عَنْ مَرْثَد , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْحَرِير وَالذَّهَب , وَقَرَأَ { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : يَعْنِي الْمَرْأَة . 23806 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : قَالَ ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : الْجَوَارِي جَعَلْتُمُوهُنَّ لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا , كَيْفَ تَحْكُمُونَ . 23807 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : الْجَوَارِي يُسَفِّههُنَّ بِذَلِكَ , غَيْر مُبِين بِضَعْفِهِنَّ . 23808 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا ابْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } يَقُول : جَعَلُوا لَهُ الْبَنَات وَهُمْ إِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِهِنَّ ظَلَّ وَجْهه مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيم . قَالَ : وَأَمَّا قَوْله : { وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } يَقُول : قَلَّمَا تَتَكَلَّم امْرَأَة فَتُرِيد أَنْ تَتَكَلَّم بِحُجَّتِهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهَا . 23809 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : النِّسَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَوْثَانهمْ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُون اللَّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23810 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } . ... الْآيَة , قَالَ : هَذِهِ تَمَاثِيلهمْ الَّتِي يَضْرِبُونَهَا مِنْ فِضَّة وَذَهَب يَعْبُدُونَهَا هُمُ الَّذِينَ أَنْشَئُوهَا , ضَرَبُوهَا مِنْ تِلْكَ الْحِلْيَة , ثُمَّ عَبَدُوهَا { وَهُوَ فِي الْخِصَام غَيْر مُبِين } قَالَ : لَا يَتَكَلَّم , وَقَرَأَ { فَإِذَا هُوَ خَصِيم مُبِين } 36 77 وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : عَنَى بِذَلِكَ الْجَوَارِي وَالنِّسَاء , لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيب خَبَر اللَّه عَنْ إِضَافَة الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَات , وَقِلَّة مَعْرِفَتهمْ بِحَقِّهِ , وَتَحْلِيَتهمْ إِيَّاهُ مِنْ الصِّفَات وَالْبُخْل , وَهُوَ خَالِقهمْ وَمَالِكهمْ وَرَازِقهمْ , وَالْمُنْعِم عَلَيْهِمْ النِّعَم الَّتِي عَدَّدَهَا فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة مَا لَا يَرْضَوْنَهُ لِأَنْفُسِهِمْ , فَاتِّبَاع ذَلِكَ مِنَ الْكَلَام مَا كَانَ نَظِيرًا لَهُ أَشْبَه وَأَوْلَى مِنْ اتِّبَاعه مَا لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْر . وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ " أَوَمَنْ يَنْشَأ " بِفَتْحِ الْيَاء وَالتَّخْفِيف مِنْ نَشَأَ يَنْشَأ , وَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفَة { يُنَشَّأ } بِضَمِّ الْيَاء وَتَشْدِيد الشِّين مِنْ نَشَّأْته فَهُوَ يُنَشَّأ. وَالصَّوَاب مِنَ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدنَا أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَة الْأَمْصَار , مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَنْشَأ مِنَ الْإِنْشَاء نَاشِئ , وَالنَّاشِئ مُنَشَّأ , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " أَوَمَنْ لَا يُنَشَّأ إِلَّا فِي الْحِلْيَة " , وَفِي " مَنْ " وُجُوه مِنْ الْإِعْرَاب الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف وَالنَّصْب عَلَى إِضْمَار يَجْعَلُونَ كَأَنَّهُ قِيلَ : أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة يَجْعَلُونَ بَنَات اللَّه , وَقَدْ يَجُوز النَّصْب فِيهِ أَيْضًا عَلَى الرَّدّ عَلَى قَوْله : أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُق بَنَات أَوَمَنْ يُنَشَّأ فِي الْحِلْيَة , فَيَرُدّ " مَنْ " عَلَى الْبَنَات , وَالْخَفْض عَلَى الرَّدّ عَلَى " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدهمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا } .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى: { أومن ينشأ} أي يربى ويشب. والنشوء : التربية؛ يقال : نشأت في بني فلان نشأ ونشوءا إذا شببت فيهم. ونشئ وأنشئ بمعنى. وقرأ ابن عباس والضحاك وابن وثاب وحفص وحمزة والكسائي وخلف { ينشأ} بضم الياء وفتح النون وتشديد الشين؛ أي يربى ويكبر في الحلية. واختاره أبو عبيد، لأن الإسناد أيها أعلى. وقرأ الباقون { ينشأ} بفتح الياء وإسكان النون، واختاره أبو حاتم، أي يرسخ وينبت، وأصله من نشأ أي ارتفع، قال الهروي. فـ { ينشأ} متعد، و { ينشأ} لازم. الثانية: قوله تعالى: { في الحلية} أي في الزينة. قال ابن عباس وغيره : هن الجواري زيهن غير زي الرجال. قال مجاهد : رخص للنساء في الذهب والحرير؛ وقرأ هذه الآية. قال الكيا : فيه دلالة على إباحة الحلي للنساء، والإجماع منعقد عليه والأخبار فيه لا تحصى. قلت : روي عن أبي هريرة أنه كان يقول لابنته : يا بنية، إياك والتحلي بالذهب ! فإني أخاف عليك اللهب. قوله تعالى: { وهو في الخصام غير مبين} أي في المجادلة والإدلاء بالحجة. قال قتادة، ما تكلمت امرأة ولها حجة إلا جعلتها على نفسها. وفي مصحف عبدالله { وهو في الكلام غير مبين} . ومعنى الآية : أيضاف إلى الله من هذا وصفه! أي لا يجوز ذلك. وقيل : المنشأ في الحلية أصنامهم التي صاغوها من ذهب وفضة وحلوها؛ قال ابن زيد والضحاك. ويكون معنى { وهو في الخصام غير مبين} على هذا القول : أي ساكت عن الجواب. و { من} في محل نصب، أي اتخذوا لله من ينشأ في الحلية. ويجوز أن يكون رفعا على الابتداء والخبر مضمر؛ قال الفراء. وتقديره : أو من كان على هذه الحالة يستحق العبادة. وإن شئت قلت خفض ردا إلى أول الكلام وهو قوله: { بما ضرب} أو على { ما} في قوله: { مما يخلق بنات} . وكون البدل في هذين الموضعين ضعيف لكون ألف الاستفهام حائلة بين البدل والمبدل منه. { وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا} قرأ الكوفيون { عباد} بالجمع. واختاره أبو عبيد؛ لأن الإسناد فيها أعلى، ولأن الله تعالى إنما كذبهم في قولهم إنهم بنات الله، فأخبرهم أنهم عبيد وأنهم ليسوا ببناته. وعن ابن عباس أنه قرأ { عباد الرحمن} ، فقال سعيد بن جبير : إن في مصحفي { عبدالرحمن} فقال : امحها واكتبها { عباد الرحمن} . وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: { بل عباد مكرمون} [الأنبياء : 26]. وقوله تعالى: { أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء} [الكهف : 102]. وقوله تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم} [الأعراف : 194] وقرأ الباقون { عند الرحمن} بنون ساكنة واختاره أبو حاتم. وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: { إن الذين عند ربك} وقوله: { وله من في السماوات والأرض ومن عنده} [الأنبياء : 19]. والمقصود إيضاح كذبهم وبيان جهلهم في نسبة الأولاد إلى الله سبحانه، ثم في تحكمهم بأن الملائكة إناث وهم بنات الله. وذكر العباد مدج لهم؛ أي كيف عبدوا من هو نهاية العبادة، ثم كيف حكموا بأنهم إناث من غير دليل. والجعل هنا بمعنى القول والحكم؛ تقول : جعلت زيدا أعلم الناس؛ أي حكمت له بذلك. { أشهدوا خلقهم} أي أحضروا حالة خلقهم حتى حكموا بأنهم إناث. وقيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم وقال : [فما يدريكم أنهم إناث] ؟ فقالوا : سمعنا بذلك من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا في أنهم إناث، فقال الله تعالى: { ستكتب شهادته ويسألون} أي يسألون عنها في الآخرة. وقرأ نافع: { أوشْهدوا} بهمزة استفهام داخلة على همزة مضمومة مسهلة، ولا يمد سوى ما روى المسيبي عنه أنه يمد. وروى المفضل عن عاصم مثل ذلك وتحقق الهمزتين. والباقون { أشهدوا} بهمزة واحدة للاستفهام. وروي عن الزهري { أُشْهِدوا خلقهم} على الخبر، { ستكتب} قراءة العامة بضم التاء على الفعل المجهول { شهادتهم} رفعا. وقرأ السلمى وابن السميقع وهبيرة عن حفص { سنكتب} بنون، { شهادتهم} نصبا بتسمية الفاعل. وعن أبي رجاء { ستكتب شهاداتهم} بالجمع.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الزخرف الايات 11 - 19

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

الهمزة هنا أيضاً للاستفهام، يقول سبحانه: أتستوي عندكم البنت التي تُنشَّأ في الحلية بالولد. ومعنى { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ } [الزخرف: 18] يعني: تُربِّي في الزينة والرفاهية، فالبنت عندنا مثلاً نهتم بها وبملبسها ومظهرها، نُلبسها الحَلَق والأسوْرة والثياب الجميلة على خلاف الولد.

{ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ } [الزخرف: 18] أي: في مواقف الجدل والدفاع { غَيْرُ مُبِينٍ } [الزخرف: 18] يعني: ليس له قوة في إظهار الحجة.

إذن: البنت التي نسبوها لله تُربَّى على الرفاهية والنعمة، ولبس الحرير والذهب والزينة، لأنها خُلقَتْ للاستمالة، ونحن نحرص على مظهر البنت وشكلها ونُزيِّنها أولاً وأخيراً لتتزوج.

وفي الغالب نلجأ للزينة وللجمال الصناعي حينما لا يتوفر للبنت الجمال الطبيعي، بدليل أن العرب كانت تسمى المرأة الجميلة غانية. يعني: استغنت بجمالها الطبيعي عن أيِّ زينة.

أما الذكر فعلى خلاف ذلك، الذكر مع أبيه في الحقل وفي المصنع، وفي الخصام والجدال، وفي كل عمل شاقّ، فهل يستويان؟

وهذا لا يعني أن هذه قاعدة عامة في الجنس كله، فقد نجد في النساء صاحبة الرأي السديد والحجة القوية التي فاقتْ الرجال. تذكرون لما مُنع الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته من دخول مكة للعمرة وهم على مشارفها، واضطرَّ رسول الله لأنْ يبرم معاهدة الحديبية مع كفار مكة على أنْ يعودَ هذا العام ويحجّ في العام الذي يليه.

عندما غضب الصحابة وثاروا وعزَّ عليهم أنْ يُمنعوا من البيت وهم على مشارف مكة، حتى أن سيدنا عمر ثار وقال: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى، قال: أليسوا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فَلِمَ نعطي الدَّنية في ديننا؟

وكان القوم يخرجون عن طاعة رسول الله ويعصون أوامره، حتى دخل خباءه على السيدة أم سلمة وهو مُغْضَب، فقالت له: ما لي أراك مُغْضباً يا رسول الله؟ فقال: هلك القوم، أمرتُهم فلم يمتثلوا.

فقالت: يا رسول الله، اعذرهم فهم قوم مكروبون، وقد جاءوا من المدينة على شوق للبيت، ويشقّ عليهم أنْ يُمْنَعوه وهم على مشارف مكة، فاذهب يا رسول الله إلى ما أمرك الله، فافعله أمامهم، فلو رأوْكَ تفعل علموا أن الأمر عزيمة لا جدالَ فيه، فلما فعل الرسول أمامهم فعلوا مثله، وانتهت المشكلة وعادوا إلى المدينة.

ورحمةً بغيرة المسلمين على دينهم نزل الوحي على سيدنا رسول الله وهو في الطريق وقبل أنْ يصلوا المدينة يوضح لهم الحكمة الإلهية من عودتهم هذا العام، فقال تعالى:
{  هُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِّيُدْخِلَ ٱللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً }
[الفتح: 25].

إذن: الحكمة من العودة هذا العام أن مكة كان بها كثير من المسلمين الذين أخفوْا إسلامهم، فلو دخلتم مكة عُنْوة، وحدث بينكم وبين الكفار قتال فسوف يصيب إخوانكم المسلمين، وسوف تُلحقون بهم الضرر دون علم منكم. وهكذا علموا صواب رأي رسول الله، وأنه صلى الله عليه وسلم على الحق.

هذا مثال لسداد الرأي في النساء، والتاريخ مليء بنماذج من نساء تفوقن على الرجال في الجدل وقوة وسداد الرأي لأن الخالق سبحانه لا يخلق بطريقة ميكانيكية، إنما بقدرة وحكمة فليس شرطاً جميعاً أن يكون الرجال جميعاً عندهم قوة في الجدال، والنساء جميعاً عندهُنَّ ضعف في الرأي وعدم قدرة على الجدال، فالقاعدة لابدَّ أنْ يكون لها شواذ.

فإذا كانت القاعدةُ في النساء { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي ٱلْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي ٱلْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ } [الزخرف: 18] فطلاقة القدرة لله عز وجل تجعل من هذا الضعف قوة تتفوق على قوة الرجال، فنرى من النساء مَنْ كانت ملكة على قومها، مثل ملكة سبأ مثلاً التي قصَّ القرآنُ قصَّتها مع سيدنا سليمان.

فهل وصلت للمُلْك لعدم وجود الرجال؟ أبداً، بل تفوقتْ بذكائها وقوة رأيها حتى سلَم لها الرجال وقدَّموها عليهم.

وحين نقرأ قصتها في سورة النمل نجد ما يدل على هذا الذكاء وهذه الفطنة والسياسة والقدرة على الجدل، فلما وصفها الهدهد قال:
{  إِنِّي وَجَدتُّ ٱمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ }
[النمل: 23].

ولما وصلها كتاب سليمان لم تستأثر بالرأي؛ إنما شاورت أهل الرأي:
{  قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ إِنِّيۤ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ }
[النمل: 29] وأخذت بمبدأ الشورى
{  قَالَتْ يٰأَيُّهَا ٱلْمَلأُ أَفْتُونِي فِيۤ أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ }
[النمل: 32].

ثم تحاول حَلَّ المسألة بطريقة ودية بعيدة عن العنف وإراقة الدماء لأنها تعلم طبيعة الملوك:
{  قَالَتْ إِنَّ ٱلْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُواْ قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوۤاْ أَعِزَّةَ أَهْلِهَآ أَذِلَّةً وَكَذٰلِكَ يَفْعَلُونَ * وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ ٱلْمُرْسَلُونَ }
[النمل: 34-35].

وتأمل لباقتها وسياستها في الرد لما نكّروا لها عرشها وسألوها:
{  أَهَكَذَا عَرْشُكِ.. }
[النمل: 42]؟
{  قَالَتْ كَأَنَّهُ هُوَ.. }
[النمل: 42] ولما انتهى الأمر بإسلامها قالت:
{  رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَالَمِينَ }
[النمل: 44] فهي لم تُسلم خوفاً من سليمان، ولا إرضاء له، إنما أسلمتْ معه لله، فأنا وهو سواء في إسلام الوجه لله تعالى.

وعندنا في مصر (شجر الدر)، وكان لها رأي سديد وحنكة سياسية مكَّنتها من تجاوز الأزمة لمَّا مات زوجها فأخفتْ نبأ موته، وأدارت هي دفّة الحكم حتى لا تفُتّ في عَضُد الجيش الذي كان خارج البلاد في مهمة حربية (شجر الدر) هي التي أوصلتنا بالكعبة وهي التي كسَتْهَا، وهي امرأة.

وهذه الأمثلة ليستْ في تاريخ الإسلام فحسب، إنما أيضاً في الجاهلية وجدنا نساء بارزات لهُنَّ رأي وحكمة تفوق الرجال.ويُروَى أن أُمامة بنت الحارث بن عمر تزوجتْ من عوف بن مُحلِّم الشيباني وأنجبتْ له بنتاً اسمها أم أُناس، وكانت جميلة، تسامع العرب بجمالها وفصاحتها، فأراد أنْ يتزوجها عمرو بن حُجْر أميرة كندة، وكان سيِّداً من سادات العرب.

فقال عمرو لصاحبه ابن سنان: أرأيتَ يا بن سنان لو أنِّي خطبتُ من أيِّ حَيٍّ من العرب أيردُّونني؟ قال: نعم، أعرف مَنْ يردك، قال: مَنْ؟ قال: عوف بن مُحلِّم، قال: فهيا نذهب إليه.

فلما ذهبا ودخلا عليه قال: مرحباً بك يا عمرو، ماذا جاء بك؟ قال: أتيتُكَ خاطباً، قال له: ولكنك لستَ هنالك - يعني: لستَ كُفْؤاً لأنْ تتزوج ابنتي. سمعت امرأة عوف هذا الحوار فقالت له: يا عوف ما رجلٌ جاء إليك راكباً فلم يُطِلْ معك الكلام؟

فقال: إنه عمرو بن حجر سيد من سادات العرب، فقالت: ولماذا لم تستنزله؟ يعني: تستشيفه وتكرمه - قال: لأنه استهجنني، قالت: بماذا؟ قال: أتاني خاطباً، قالت: إنْ كان سيداً من سادات العرب وجاءك خاطباً، فمَنْ تُزوِّج بناتك إنْ لم تُزوِّجهن سادات العرب؟ الحق به واسترضه.

لحق عوفٌ بعمرو وصاحبه ابن سنان وناداه: يا عمرو أربع عليَّ ولك عندي ما تحب، فرجع عمرو وصاحبه، فقال عوف: أتيتني وأنا مُغْضَب وقلتُ لك ما قلتُ، ولكن راجعتُ نفسي، وأخذه إلى البيت.

وكان عند عوف ثلاث بنات: كبرى ووسطي وصغري. فجاء إلى الكبرى. وقال لها: يا ابنتي إن عمرو بن حُجْر جاء يخطبك، فقالت: لا يا أبي، قال: لم؟ قالت: إنِّي امرأة فيَّ ردة - يعني في وجهي شيء يردُّ الناظر إليها - وفي خُلُقي شدة، والحارث ليس بجار لك ولا أنا بنت عمه، وأخشى إنْ حدث شيء مني أنْ يطلقني فيصبح ذلك سُبَّة لي، قال: قُومي بارك الله فيك.

ثم ذهب إلى الوسطى فقال لها ما قال لأختها، فقالت: لا يا أبي إنِّي امرأة لستُ جميلة ولا صَنَاع وأخشى أنْ يُطلِّقني فيصبح ذلك سُبَّة لي.

فقال لها: قومي بارك الله فيك.

ثم جاء بالصغرى وقال لها مثل ما قال لأختيْها، فقالت له: نعم يا أبي، فأنا الحسنة خُلُقاً، والجميلة خَلْقاً، والصَّنَاع يداً، فإنْ طلَّقني فلا باركَ الله له ولا أخلف عليه.

فخرج عوف وقال لعمرو: زوَّجتُك ابنتي الصغرى بهيسة، ثم أعدَّ له خباءً في بيته ليدخل فيه على عروسه، فلما دخل عليها قالت له: لقد كنتُ أحببتُك واحترمتُك، لكني الآن زهدتُ فيك، قال: لم؟ أيكون هذا عند أبي وبين إخوتي، والله لا يكون أبداً.

فقال: إذن نرحل إلى ديارنا.

وأمر صاحبه ابن سنان أنْ يسير مع الركْب، وتخلَّف هو في جانب الطريق ودخل عليها، فقالت: أهكذا كما يُفعل بالسَّبية الأخيذة، والله لا يكون أبداً إلا حين تذهب إلى حَيِّكَ وتنحر وتذبح وتُطعم الناس، وتصنع ما يصنع مثلُك لمثلي.فلما وصل إلى حَيِّه ذبح الذبائح وأطعم الناس، ثم أراد أنْ يدخل عليها، فقالت: يا عمرو أترغب في النساء وفي العرب حَيَّانِ يقتتلان، اذهب فأصلح بينهما أولاً، ثم لا يفوتك من أهلك شيء.

خرج عمرو وأصلح بين الحيِّيْن ودفع دِيَة القتلى من الجانبين ثلاثة آلاف بعير من ماله، ثم عاد إلى زوجته فلما علمتْ بما فعل قالت له: الآن يا حارث. هذه أمثلة من النساء اللاتي كان لهُنَّ عقل راجح ورأي سديد وقدرة على الجدل.

ولما أراد عمر خطبة أم أُناس بنت عوف دعا امرأة من كندة اسمها عصام، وقال لها: اذهبي حتى تعلمي لي عِلْمَ ابنه عوف، فذهبتْ إلى بيت عوف وقابلت أمامة، وعرفتْ منها سبب مجيئها، جعلتْ أُمامة لبنتها خيمة وقالت: اجلسي فيها وستدخل عليك عصام فلا تستري عنها شيئاً أرادت النظر إليه من وجه وخَلْق، وناطقيها فيما استنطقتك به، لأنها جاءت لكذا وكذا.

دخلتْ عصام على أُم أناس فوجدتها كما أرادتْ، لم تُخْفِ عنها شيئاً. فقالت: تَرَكَ الخداع من كَشَف القناع، فصارت مثلاً عند العرب حتى الآن.

فلما انتهت إلى عمرو قال لها: ما وراءك يا عصام؟ قالت: أبدى المخض عن الزبد - يعني: الرحلة جاءتْ بالنتيجة المرضية - فقال لها: ناطقيني، قالت: أخبرك حقاً وصدقاً، ثم أخذتْ تصف له أم أُناس (من ساسها لراسها) وتكتفي هنا بوصف ما لا يحرم.

قالت: رأيتُ جبهة كالمرآة الصقيلة، يُزينها شعر كأذناب الخيل المضفورة، إن مشطته خِلْتَه السلاسل، وإنْ أرسلتْهُ قلتَ: عناقيد كَرْم جَلاَها الوابل، تحته حاجبان مُتقوِّسان كأنما خُطَّا بقلم أو سُوَّدا بحمم، قد تقوَّسا على عيني الظبية العبهرة التي لم يرعها قانص، ولم يُفزعها قسورة.

بينهما أنف كحدِّ السيف المصقول لم يخنس به قِصَر، ولم يُمعن به طول، حَلَّقت به وجنتان كالأرجوان في بياض كالجُمان، فيه فم كالخاتم لذيذ المبتسم، ذو ثنايا غُرّ، وفيه لسان مُليء بياناً، يزينه شفتان حمراوان كأنهما الورد، يجلبان ريقاً كالشهد، وتحته عنق كإبريق الفضة اتصل به عضدان ممتلئان.. إلى آخر ما قالتْ عصام في الوصف.

وقبل أنْ تغادر أم أناس بيت أبيها إلى بيت زوجها لم يَفُتْ أمامة بنت الحارث أنْ توصي ابنتها هذه الوصية الغالية التي تضمن لها السعادة الزوجية، إنْ هي التزمت بها، واسمع أمامة تقول:

أي بُنيَّة.. إن الوصية لو تُركَتْ لفضل أدب تُركت لذلك منك، ولكنها تذكرة للغافل ومعونة للعاقل، ولو أن امرأة استغنتْ عن الزوج لِغَنى أبويها وشدَّة حاجتهما إليك كنتِ أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خُلِقْنَ، ولهُنَّ خُلِق الرجال.

أي بنية.. إنك مفارقة الجو الذي منه خرجتِ، وخلفتِ العُشَّ الذي فيه درجتْ، إلى وكْر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فاحفظي له خصالاً عشراً يكُنْ لكِ ذُخراً:

أما الأولى والثانية: فالرضا له بالقناعة، وحُسْن السمع له والطاعة.وأما الثالثة والرابعة: فالتفقُّد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينُه منكِ على قبيح. ولا يشمُّ أنفه منكِ إلا أطيب ريح.

وأما الخامسة والسادسة: فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإنَّ تواتُرَ مَلْهبة، وتنغيص النوم مَغْضبة. وأما السابعة والثامنة: فالإحراز لماله، والإرعاء على حَشمه وعياله، ومِلاك الأمر في المال حُسْن التدبير وفي العيال حُسْن التقدير.

وأما التاسعة والعاشرة: فلا تَعصِين له أمراً، ولا تُفشِينَّ له سراً، فإنك إنْ خالفت أمره أوغرتِ صدره، وإن أفشيتِ سِرَّه لم تأمني غدره.

ثم إياك والفرح بين يديه إنْ كان مُهتماً، والكآبة بين يديه إنْ كان فَرحاً.. هذه نماذج من النساء صاحبات العقل الراجح والتفكير السديد. ولو أخذت الزوجاتُ بهذه النصيحة لكفَتْنا شراً كثيراً من الخلافات الزوجية التي نعاني منها اليوم.


www.alro7.net