سورة
اية:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ۗ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ۩

تفسير بن كثير

يخبر تعالى أنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، فإنه يسجد لعظمته كل شيء طوعاً وكرهاً، وسجود كل شيء مما يختص به كما قال تعالى: { أو لم يروا إلى ما خلق اللّه من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا للّه وهم داخرون} وقال ههنا { ألم تر أن اللّه يسجد له من في السماوات ومن في الأرض} ، أي من الملائكة في أقطار السماوات، والحيوانات في جميع الجهات، من الإنس والجن والدواب والطير، { وإن من شيء إلا يسبّح بحمده} ، وقوله: { والشمس والقمر والنجوم} إنما ذكر هذه على التنصيص لأنها قد عبدت من دون اللّه، فبين أنها تسجد لخالقها وأنها مربوبة مسخرة، { لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا للّه الذي خلقهن} الآية. وفي الصحيحين عن أبي ذر رضي اللّه عنه قال، قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (أتدري أين تذهب هذه الشمس؟) قلت: اللّه ورسوله أعلم، قال: (فإنها تذهب فتسجد تحت العرش، ثم تستأمر فيوشك أن يقال لها ارجعي من حيث جئت). وفي حديث الكسوف: (إن الشمس والقمر خلقان من خلق اللّه وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته ولكن اللّه عزَّ وجلَّ إذا تجلى لشيء من خلقه خشع له) ""أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه"". وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع للّه ساجداً حين يغيب ثم ينصرف حتى يؤذن له فيأخذ ذات اليمين حتى يرجع إلى مطلعه، وأما الجبال والشجر فسجودهما بفيء ظلالهما عن اليمين والشمائل. وعن ابن عباس قال: جاء رجل فقال: يا رسول اللّه إني رأيتني الليلة وأنا نائم كأني أصلي خلف شجرة فسجدتُ، فسجدت الشجرة لسجودي فسمعتها وهي تقول: اللهم اكتب لي بها عندك أجراً، وضع عني بها وزراً، واجعلها لي عندك ذخراً، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود، قال ابن عباس: فقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم سجدة، ثم سجد فسمعته وهو يقول مثل ما أخبره الرجل عن قول الشجرة ""رواه الترمذي وابن ماجه وابن حبان"". وقوله: { والدواب} أي الحيوانات، كلها، وقد جاء في الحديث عن الإمام أحمد أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم نهى عن اتخاذ ظهور الدواب منابر، فرب مركوبة خير وأكثر ذكراً للّه تعالى من راكبها. وقوله: { وكثير من الناس} أي يسجد للّه طوعاً مختاراً متعبداً بذلك، { وكثير حق عليه العذاب} أي ممن امتنع وأبى واستكبر، { ومن يهن اللّه فما له من مكرم إن اللّه يفعل ما يشاء} . وقال ابن أبي حاتم: قيل لعلي إن ههنا رجلاً يتكلم في المشيئة، فقال له علي: يا عبد اللّه، خلقك اللّه كما يشاء أو كما شئت؟ قال: بل كما شاء، قال: فيمرضك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيشفيك إذا شاء أو إذا شئت؟ قال: بل إذا شاء، قال: فيدخلك حيث شئت أو حيث يشاء، قال: بل حيث يشاء. قال: واللّه لو قلت غير ذلك لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وعن أبي هريرة قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد لها اعتزل الشيطان يبكي يقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار) ""أخرجه مسلم في صحيحه"".

تفسير الجلالين

{ ألم تر } تعلم { أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب } أي يخضع له بما يراد منه { وكثير من الناس } وهم المؤمنون بزيادة على الخضوع في سجود الصلاة { وكثير حق عليه العذاب } وهم الكافرون لأنهم أبوا السجود المتوقف على الإيمان { ومن يهن الله } يشقه { فما له من مكرم } مسعد { إن الله يفعل ما يشاء } من الإهانة والإكرام .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَسْجُد لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالْجِبَال وَالشَّجَر وَالدَّوَابّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّد بِقَلْبِك , فَتَعْلَم أَنَّ اللَّه يَسْجُد لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات مِنَ الْمَلَائِكَة , وَمَنْ فِي الْأَرْض مِنَ الْخَلْق مِنَ الْجِنّ وَغَيْرهمْ , وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم فِي السَّمَاء , وَالْجِبَال , وَالشَّجَر , وَالدَّوَابّ فِي الْأَرْض ; وَسُجُود ذَلِكَ ظِلَاله حِين تَطْلُع عَلَيْهِ الشَّمْس وَحِين تَزُول إِذَا تَحَوَّلَ ظِلّ كُلّ شَيْء ; فَهُوَ سُجُوده . كَمَا : 18881 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَسْجُد لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالْجِبَال وَالشَّجَر وَالدَّوَابّ } قَالَ : ظِلَال هَذَا كُلّه . وَأَمَّا سُجُود الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم , فَإِنَّهُ كَمَا : 18882 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَا : ثنا عَوْف , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة الرَّيَاحِيّ يَقُول : مَا فِي السَّمَاء نَجْم وَلَا شَمْس وَلَا قَمَر إِلَّا يَقَع لِلَّهِ سَاجِدًا حِين يَغِيب , ثُمَّ لَا يَنْصَرِف حَتَّى يُؤْذَن لَهُ فَيَأْخُذ ذَات الْيَمِين وَزَادَ مُحَمَّد : حَتَّى يَرْجِع إِلَى مَطْلَعه . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَسْجُد لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالْجِبَال وَالشَّجَر وَالدَّوَابّ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ تَرَ يَا مُحَمَّد بِقَلْبِك , فَتَعْلَم أَنَّ اللَّه يَسْجُد لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات مِنَ الْمَلَائِكَة , وَمَنْ فِي الْأَرْض مِنَ الْخَلْق مِنَ الْجِنّ وَغَيْرهمْ , وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم فِي السَّمَاء , وَالْجِبَال , وَالشَّجَر , وَالدَّوَابّ فِي الْأَرْض ; وَسُجُود ذَلِكَ ظِلَاله حِين تَطْلُع عَلَيْهِ الشَّمْس وَحِين تَزُول إِذَا تَحَوَّلَ ظِلّ كُلّ شَيْء ; فَهُوَ سُجُوده . كَمَا : 18881 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّه يَسْجُد لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض وَالشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالْجِبَال وَالشَّجَر وَالدَّوَابّ } قَالَ : ظِلَال هَذَا كُلّه . وَأَمَّا سُجُود الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم , فَإِنَّهُ كَمَا : 18882 - حَدَّثَنَا بِهِ ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي عَدِيّ وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَا : ثنا عَوْف , قَالَ : سَمِعْت أَبَا الْعَالِيَة الرَّيَاحِيّ يَقُول : مَا فِي السَّمَاء نَجْم وَلَا شَمْس وَلَا قَمَر إِلَّا يَقَع لِلَّهِ سَاجِدًا حِين يَغِيب , ثُمَّ لَا يَنْصَرِف حَتَّى يُؤْذَن لَهُ فَيَأْخُذ ذَات الْيَمِين وَزَادَ مُحَمَّد : حَتَّى يَرْجِع إِلَى مَطْلَعه . ' وَقَوْله : { وَكَثِير مِنَ النَّاس } يَقُول : وَيَسْجُد كَثِير مِنْ بَنِي آدَم , وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . كَمَا : 18883 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَثِير مِنَ النَّاس } قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ . وَقَوْله : { وَكَثِير مِنَ النَّاس } يَقُول : وَيَسْجُد كَثِير مِنْ بَنِي آدَم , وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . كَمَا : 18883 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَثِير مِنَ النَّاس } قَالَ : الْمُؤْمِنُونَ . ' وَقَوْله : { وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَثِير مِنْ بَنِي آدَم حَقَّ عَلَيْهِ عَذَاب اللَّه فَوَجَبَ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ بِهِ , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَسْجُد لِلَّهِ ظِلّه . كَمَا : 18884 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } وَهُوَ يَسْجُد مَعَ ظِلّه . فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِد , وَقَعَ قَوْله : { وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْله : { وَكَثِير مِنَ النَّاس } وَيَكُون دَاخِلًا فِي عِدَاد مَنْ وَصَفَهُ اللَّه بِالسُّجُودِ لَهُ , وَيَكُون قَوْله : { حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } مِنْ صِلَة " كَثِير " , وَلَوْ كَانَ " الْكَثِير " الثَّانِي مَنْ لَمْ يَدْخُل فِي عِدَاد مَنْ وُصِفَ بِالسُّجُودِ كَانَ مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْره فِي قَوْله : { حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : وَكَثِير أَبَى السُّجُود ; لِأَنَّ قَوْله : { حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } يَدُلّ عَلَى مَعْصِيَة اللَّه وَإِبَائِهِ السُّجُود , فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْعَذَاب .وَقَوْله : { وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَكَثِير مِنْ بَنِي آدَم حَقَّ عَلَيْهِ عَذَاب اللَّه فَوَجَبَ عَلَيْهِ بِكُفْرِهِ بِهِ , وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَسْجُد لِلَّهِ ظِلّه . كَمَا : 18884 -حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنِ ابْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } وَهُوَ يَسْجُد مَعَ ظِلّه . فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ مُجَاهِد , وَقَعَ قَوْله : { وَكَثِير حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } بِالْعَطْفِ عَلَى قَوْله : { وَكَثِير مِنَ النَّاس } وَيَكُون دَاخِلًا فِي عِدَاد مَنْ وَصَفَهُ اللَّه بِالسُّجُودِ لَهُ , وَيَكُون قَوْله : { حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } مِنْ صِلَة " كَثِير " , وَلَوْ كَانَ " الْكَثِير " الثَّانِي مَنْ لَمْ يَدْخُل فِي عِدَاد مَنْ وُصِفَ بِالسُّجُودِ كَانَ مَرْفُوعًا بِالْعَائِدِ مِنْ ذِكْره فِي قَوْله : { حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام حِينَئِذٍ : وَكَثِير أَبَى السُّجُود ; لِأَنَّ قَوْله : { حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَاب } يَدُلّ عَلَى مَعْصِيَة اللَّه وَإِبَائِهِ السُّجُود , فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ الْعَذَاب .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُهِنِ اللَّه فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يُهِنْهُ اللَّه مِنْ خَلْقه فَيُشْقِهِ , { فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم } بِالسَّعَادَةِ يُسْعِدهُ بِهَا ; لِأَنَّ الْأُمُور كُلّهَا بِيَدِ اللَّه , يُوَفِّق مَنْ يَشَاء لِطَاعَتِهِ وَيَخْذُل مَنْ يَشَاء , وَيُشْقِي مَنْ أَرَادَ وَيُسْعِد مَنْ أَحَبَّ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُهِنِ اللَّه فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَمَنْ يُهِنْهُ اللَّه مِنْ خَلْقه فَيُشْقِهِ , { فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم } بِالسَّعَادَةِ يُسْعِدهُ بِهَا ; لِأَنَّ الْأُمُور كُلّهَا بِيَدِ اللَّه , يُوَفِّق مَنْ يَشَاء لِطَاعَتِهِ وَيَخْذُل مَنْ يَشَاء , وَيُشْقِي مَنْ أَرَادَ وَيُسْعِد مَنْ أَحَبَّ .' وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه يَفْعَل مَا يَشَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يَفْعَل فِي خَلْقه مَا يَشَاء مِنْ إِهَانَة مَنْ أَرَادَ إِهَانَته وَإِكْرَام مَنْ أَرَادَ كَرَامَته ; لِأَنَّ الْخَلْق خَلْقه وَالْأَمْر أَمْره . { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَرَأَهُ : " فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم " بِمَعْنَى : فَمَا لَهُ مِنْ إِكْرَام , وَذَلِكَ قِرَاءَة لَا أَسْتَجِيز الْقِرَاءَة بِهَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَى خِلَافه.وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه يَفْعَل مَا يَشَاء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يَفْعَل فِي خَلْقه مَا يَشَاء مِنْ إِهَانَة مَنْ أَرَادَ إِهَانَته وَإِكْرَام مَنْ أَرَادَ كَرَامَته ; لِأَنَّ الْخَلْق خَلْقه وَالْأَمْر أَمْره . { لَا يُسْأَل عَمَّا يَفْعَل وَهُمْ يُسْأَلُونَ } . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ قَرَأَهُ : " فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِم " بِمَعْنَى : فَمَا لَهُ مِنْ إِكْرَام , وَذَلِكَ قِرَاءَة لَا أَسْتَجِيز الْقِرَاءَة بِهَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنَ الْقُرَّاء عَلَى خِلَافه.'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض} هذه رؤية القلب؛ أي ألم تر بقلبك وعقلك. وتقدم معنى السجود في { البقرة} ، وسجود الجماد في { النحل} . { والشمس} معطوفة على { من} . وكذا { والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس} . ثم قال { وكثير حق عليه العذاب} وهذا مشكل من الإعراب، كيف لم ينصب ليعطف ما عمل فيه الفعل على ما عمل فيه الفعل؛ مثل { والظالمين أعد لهم عذابا أليما} ؟ [الإنسان : 31] فزعم الكسائي والفراء أنه لو نصب لكان حسنا، ولكن اختير الرفع لأن المعنى وكثير أبى السجود، فيكون ابتداء وخبرا، وتم الكلام عند قوله { وكثير من الناس} . ويجوز أن يكون معطوفا، على أن يكون السجود التذلل والانقياد لتدبير الله عز وجل من ضعف وقوة وصحة وسقم وحسن وقبح، وهذا يدخل فيه كل شيء. ويجوز أن ينتصب على تقدير : وأهان كثيرا حق عليه العذاب، ونحوه. وقيل : تم الكلام عند قوله { والدواب} ثم ابتدأ فقال { وكثير من الناس} في الجنة { وكثير حق عليه العذاب} . وكذا روي عن ابن عباس أنه قال : (المعنى وكثير من الناس في الجنة وكثير حق عليه العذاب)؛ ذكره ابن الأنباري. وقال أبو العالية : ما في السماوات نجم ولا قمر ولا شمس إلا يقع ساجدا لله حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع من مطلعه). قال القشيري : وورد هذا في خبر مسند في حق الشمس؛ فهذا سجود حقيقي، ومن ضرورته تركيب الحياة والعقل في هذا الساجد. قلت : الحديث المسند الذي أشار إليه خرجه مسلم، وسيأتي في سورة { يس} عند قوله تعالى { والشمس تجري لمستقر لها} [يس : 38]. وقد تقدم في البقرة معنى السجود لغة ومعنى. قوله تعالى { ومن يهن الله فما له من مكرم} أي من أهانه بالشقاء والكفر لا يقدر أحد على دفع الهوان عنه. وقال ابن عباس : (إن تهاون بعبادة الله صار إلى النار). قوله تعالى { إن الله يفعل ما يشاء} يريد أن مصيرهم إلى النار فلا اعتراض لأحد عليه. وحكى الأخفش والكسائي والفراء { ومن يهن الله فما له من مكرم} أي إكرام.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 15 - 18


سورة الحج الايات 18 - 19

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ.. } [الحج: 18] يعني: ألم تعلم؛ لأن السُجود من هذه الأشياء سجود على حقيقته كما نعلمه في السجود من أنفسنا، ولكل جنس من أجناس الكون سجود يناسبه.

وسبق أن تحدثنا عن أجناس الكون وهي أربعة: أدناها الجماد، ثم يليه النبات، حيث يزيد عليه خاصية النمو وخاصية الحركة، ثم يليه الحيوان الذي يزيد خاصية الإحساس، ثم يليه الإنسان ويزيد عليه خاصية الفكر والاختيار بين البدائل.

وكل جنس من هذه الأجناس يخدم ما هو أعلى منه، حيث تنتهي هذه الدائرة بأن كل مَا في كون الله مُسخَّر لخدمة الإنسان، وفي الخبر: " يا ابن آدم خلقتُ الأشياء من أجلك، وخلقتُكَ من أجلي، فلا تشتغل بما هو لك عَمَّنْ أنت له ".

فكان على الإنسان أن يفكر في هذه الميْزة التي منحه ربه إياها، ويعلم أن كل شيء في الوجود مهما صَغُر فله مهمة يؤديها، ودَوْر يقوم به. فأَوْلَى بك أيها الإنسان وأنت سيد هذا الكون أن يكون لك مهمة ، وأن يكون لك دور في الحياة فلستَ بأقلَّ من هذه المخلوقات التي سخَّرها الله لك، وإلاَّ صِرْتَ أقلّ منها وأدنى.

إن كانت مهمة جميع المخلوقات أنْ تخدمك لأنك أعلى منها، فانظر إلى مهمتك لمَنْ هو أعلى منك، فإذا جاءك رسول من أعلى منك ليُنبِّهك إلى هذه المهمة كان عليك أن تشكره؛ لأنه نبَّهك إلى ما ينبغي لك أن تشتغل به، وإلى مَنْ يجب عليك الاتصال به دائماً لذلك فالرسول لا يصح أن تنصرف عنه أبداً؛ لأنه يُوضِّح لك مسائل كثيرة هي مَحَلٌّ للبحث العقلي.

وكان على العقل البشري أن يفكر في كل هذه الأجناس التي تخدمه: ألك قدرة عليها؟ لقد خدمتْكَ منذ صِغَرِك قبل أنْ تُوجِّه إليها أمراً، وقبل أنْ توجدَ عندك القدرة لتأمر أو لتتناول هذه الأشياء، كان عليك أنْ تتنبه إلى القوة الأعلى منك ومن هذه المخلوقات، القوة التي سخَّرَتْ الكون كله لخدمتك، وهذا بَحْث طبيعي لا بُدَّ أن يكون.

هذه الأشياء في خدمتها لك لم تتأبَّ عليك، ولم تتخلف يوماً عن خدمتك، انظر إلى الشمس والقمر وغيرهما: أقالت الشمس يوماً: إن هؤلاء القوم لا يستحقون المعروف، فلن أطلع عليهم اليوم؟!

الأرض: هل ضنَّتْ في يوم على زراعها؟ الريح: هل توقفتْ عن الهبوب. وكلها مخلوقات أقوى منك، ولا قدرةَ لك عليها، ولا تستطيع تسخيرها، إنما هي في قبضة الله - عز وجل - ومُسخَّرة لك بأمره سبحانه، ولأنها مُسخَّرة فلا تتخلف أبداً عن أداء مهمتها.

أما الإنسان فيأتي منه الفساد، ويأتي منه الخروج عن الطاعة لما منحه الله من منطقة الاختيار.البعض يقول عن سجود هذه المخلوقات أنه سجود دلالة، لا سجوداً على حقيقته، لكن هذا القول يعارضه قول الله تعالى:
{  كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ.. }
[النور: 41].

فلكل مخلوق مهما صَغُر صلاة وتسبيح وسجود، يتناسب وطبيعته، إنك لو تأملت سجود الإنسان بجبهته على الأرض لوجدتَ اختلافاً بين الناس باختلاف الأحوال، وهم نوع واحد، فسجود الصحيح غير سجود المريض الذي يسجد وهو على الفراش، أو جالس على مقعد، وربما يشير بعينه، أو أصبعه للدلالة على السجود، فإن لم يستطع أجرى السجود على خاطره.

فإذا كان السجود يختلف بهذه الصورة في الجنس الواحد حَسْب حالة وقدرته وطاقته، فلماذا نستبعد أن يكون لكل جنس سجوده الخاص به، والذي يتناسب مع طبيعته؟

وإذا كان هذا حال السجود في الإنسان، فهل ننتظر مثلاً أن نرى سجود الشمس أو سجود القمر؟! ما دام الحق - سبحانه وتعالى - قال إنها تسجد، فلا بُدَّ أن نؤمن بسجودها، لكن على هيئة لا يعلمها إلا خالقها عز وجل.

بالله، لو جلس مريض يصلي على مقعد أو على الفراش، أتعرف وهو أمامك أنه يسجد؟ إذن: كيف نطمع في معرفة كيفية سجود هذه المخلوقات؟

ومن معاني السجود: الخضوع والطاعة، فمَنْ يستبعد أن يكون سجود هذه المخلوقات سجوداً على الحقيقة، فليعتبر السجود هنا للخضوع والانقياد والطاعة، كما تقول على إنسان متكبر: جاء ساجداً يعني: خاضعاً ذليلاً، ومنه قوله تعالى:
{  ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ٱئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ }
[فصلت: 11].

إذن: لك أن تفهم السجود على أيِّ هذه المعاني تحب، فلن تخرج عن مراده سبحانه، ومن رحمة الله أنْ جعل هذه المخلوقات خاضعة لإرادته، لا تنحلّ عنها أبداً ولا تتخلف، كما قال سبحانه:
{  إِنَّا عَرَضْنَا ٱلأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ٱلإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً }
[الأحزاب: 72].

ونحن نتناقل الآن، ونروي بعض حوارات السالكين وأهل المعرفة وأصحاب الفيوضات الذين فَهِموا عن الله وتذوَّقوا لذَّة قُرْبه، وكانوا يتحاورون ويتنافسون لا للمباهاة والافتخار، إنما للترقي في القرب من الله.

جلس اثنان من هؤلاء العارفين وفي فَمِ أحدهم نَخْمة يريد أنْ يبصقها، وبدتْ عليه الحيرة، وهو ينظر هنا وهناك فقال لَه صاحبه: أَلْقِها واسترحِ، فقال: كيف وكلما أردتُ أنْ أبصقها سمعت الأرض تُسبِّح فاستحيْتُ أنْ أُلقيها على مُسبِّح، فقال الآخر - ويبدو أنه كان في منزلة أعلى منه - وقد افتعل البَصْق وقال: مُسبِّح في مُسبِّح.

إذن: فأهل الكشف والعارفون بالله يدركون هذا التسبيح، ويعترفون به، وعلى قدر ما لديك من معرفة بالله، وما لديك من فَهْم وإدراك يكون تلقِّيك وتقبُّلك لمثل هذه الأمور الإيمانية.

والحق - سبحانه وتعالى - حين قال: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ.. } [الحج: 18] معلوم أن مَنْ في السموات هم الملائكة ولسنْا منهم، لكن نحن من أهل الأرض ويشملنا حكم السجود وندخل في مدلولة، فلماذا قال بعدها: { وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ.. } [الحج: 18].

كلمة: { وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ.. } [الحج: 18] تُبيّن أن لنا قهريةً وتسخيراً وسجوداً كباقي أجناس الكون، ولنا أيضاً نطقة اختيار. فالكافر الذي يتعوَّد التمرُّد على خالقه: يأمره بالإيمان فيكفر، ويأمره بالطاعة فيعصي، فلماذا لا يتمرد على طول الخط؟ لماذا لا يرفض المرض إنْ أمرضه الله؟ ولماذا لا يرفض الموت إنْ حَلَّ به؟

إذن: الإنسان مُؤتمِر بأمر الله مثل الشجر والحجر والحيوان، ومنطقة الاختيار هي التي نشأ عنها هذا الانقسام: كثير آمن، وكثير حَقَّ عليه العذاب.

لكن، لماذا لم يجعل الله - سبحانه وتعالى - الخَلْق جميعاً مُسخَّرين؟

قالوا: لأن صفة التسخير وعدم الخروج عن مرادات الله تثبت لله تعالى صفة القدرة على الكل، إنما لا تُثبت لله المحبوبية، المحبوبية لا تكون إلا مع الاختيار: أن تكون حُرَّا مختاراً في أنْ تُؤمنَ أو تكفر فتختار الإيمان، وأنْ تكون حُراً وقادراً على المعصية، لكنك تطيع.

وضربنا لذلك مثلاً - ولله المثل الأعلى -: هَبْ أن عندك عبدين، تربط أحدهما إليك في سلسلة مثلاً، وتترك الآخر حُراً، فإن ناديتَ عليهما أجاباك، فأيهما يكون أطْوعَ لك: المقهور المجبر، أم الحر الطليق؟.

إذن: التسخير والقهر يُثبت القدرة، والاختيار يُثبت المحبة.

والخلاف الذي حدث من الناس، فكثير منهم آمن، وكثير منهم حَقَّ عليه العذاب، من أين هذا الاختلاف يا رب؟ مما خلقتُه فيك من اختيار، فمَنْ شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، فكأن كفر الكافر واختياره؛ لأن الله سَخَّره للاختيار، فهو حتى في اختياره مُسخَّر.

أما قوله تعالى: { وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ.. } [الحج: 18] يعني: باختياراتهم، وكان المفروض أن يقول في مقابلها: وقليل، لكن هؤلاء كثير، وهؤلاء كثير أيضاً.

ومعنى: { حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ.. } [الحج: 18] حقَّ: يعني ثبتَ، فهذا أمر لا بُدَّ منه، حتى لا يستوي المؤمن والكافر:
{  أَفَنَجْعَلُ ٱلْمُسْلِمِينَ كَٱلْمُجْرِمِينَ }
[القلم: 35] إذن: لا بُدَّ أنْ يعاقب هؤلاء، والحق يقتضي ذلك.

وقوله سبحانه: { وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } [الحج: 18] لأن أحقيَّة العذاب من مُساوٍ لك. قد يأتي مَنْ هو أقوى منه فيمنعه، أو يأتي شافع يشفع له، وكأن الحق - سبحانه وتعالى - يُيئَّسُ هؤلاء من النجاة من عذابه، فلن يمنعهم أحد.

فمَنْ أراد الله إهانته فلن يُكرمه أحد، لابنُصْرته ولا بالشفاعة له، فالمعنى: { وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ.. } [الحج: 18] أي: بالعذاب الذي حَقَّ عليه وثبت { فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ.. } [الحج: 18] يعني: يكرمه ويُخلِّصه من هذا العذاب، كذلك لا يوجد مَنْ يُعِزه؛ لأن عِزَّته لا تكون إلا قَهْراً عن الله، وهذا مُحَال، أو يكون بشافع يشفع له عند الله، ولا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه سبحانه.

لذلك، نقول: إن الحق سبحانه يُجير على خَلْقه ولا يُجَار عليه، يعني: لا أحد يقول لله: هذا في جواري؛ لذلك ذيَّلَ الآية بقوله تعالى: { ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ } [الحج: 18].

ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: { هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ.. }.


www.alro7.net