سورة
اية:

وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وما يخلقه فيه من اللالئ والجواهر النفيسة، وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره أي تشقه، وقيل: تمخر الرياح وكلاهما صحيح، الذي أرشد العباد إلى صنعتها، وهداهم إلى ذلك إرثا عن نوح عليه السلام، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى بلد، لجلب ما هناك من الأرزاق، ولهذا قال تعالى: { ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} أي نعمه وإحسانه؛ ثم ذكر تعالى وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات لتقر الأرض ولا تميد، أي تضطرب بما عليها من الحيوانات، فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك، ولهذا قال: { والجبال أرساها} وقال الحسن: لما خلقت الأرض كانت تميد فقالوا: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا، فأصبحوا وقد خلقت الجبال، فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال؟ وقال سعيد، عن قيس بن عبادة: إن اللّه لما خلق الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا، فأصحبت صبحا وفيها رواسيها وفي رواية ابن جرير عن علي قال: لما خلق اللّه الأرض فمضت وقالت: أي ربّ تجعل عليَّ بني آدم يعملون الخطايا ويجعلون عليَّ الخبث؟ قال: فأرسى اللّه فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون . وقوله: { وأنهارا وسبلا} أي جعل فيها أنهارا تجري من مكان إلى آخر رزقا للعباد ينبع في موضع، وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق الجبال والآكان، فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله، وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة وجنوبا وشمالا وشرقا وغربا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينا وتنقطع في وقت، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطيئه بحسب ما أراد وقدّر وسخّر ويسر، فلا إله إلا هو ولا رب سواه، وكذلك جعل فيها { سبلا} أي طرقا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممراً ومسلكاً، كما قال تعالى: { وجعلنا فيها فجاجا سبلا} الآية. وقوله: { وعلامات} أي دلائل من جبال كبار وآكام صغار ونحو ذلك يستدل بها المسافرون براً وبحراً إذا ضلوا الطرق. { وبالنجم هم يهتدون} أي في ظلام الليل، قاله ابن عباس، ثم نبّه تعالى على عظمته وأنه لا تنبغي العبادة إلا له دون ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئاً بل هم يخلقون، ولهذا قال: { أفمن يخلق كمن لا يخلق؟ أفلا تذكرون} ثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم فقال: { وإن تعدوا نعمة اللّه لا تحصوها إن اللّه لغفور رحيم} أي يتجاوز عنكم ولو طالبكم بشكر جميع نعمه لعجزتم عن القيام بذلك، ولو أمركم به لضعفتم وتركتم، ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم، ولكنه غفور رحيم يغفر الكثير ويجازي على اليسير. وقال ابن جرير: يقول: إن اللّه لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته، رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة.

تفسير الجلالين

{ وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها } تضبطوها فضلاً أن تطيقوا شكرها { إن الله لغفور رحيم } حيث ينعم عليكم مع تقصيركم وعصيانكم .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه لَا تُحْصُوهَا } لَا تُطِيقُوا أَدَاء شُكْرهَا .وَقَوْله : { وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَة اللَّه لَا تُحْصُوهَا } لَا تُطِيقُوا أَدَاء شُكْرهَا .' { إِنَّ اللَّه لَغَفُور رَحِيم } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّه لَغَفُور لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِير فِي شُكْر بَعْض ذَلِكَ إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَته وَاتِّبَاع مَرْضَاته , رَحِيم بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبكُمْ عَلَيْهِ بَعْد الْإِنَابَة إِلَيْهِ وَالتَّوْبَة . { إِنَّ اللَّه لَغَفُور رَحِيم } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ اللَّه لَغَفُور لِمَا كَانَ مِنْكُمْ مِنْ تَقْصِير فِي شُكْر بَعْض ذَلِكَ إِذَا تُبْتُمْ وَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَته وَاتِّبَاع مَرْضَاته , رَحِيم بِكُمْ أَنْ يُعَذِّبكُمْ عَلَيْهِ بَعْد الْإِنَابَة إِلَيْهِ وَالتَّوْبَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { أي إن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} تقدم في إبراهيم. { إن الله لغفور رحيم، والله يعلم ما تسرون وما تعلنون} أي ما تبطنونه وما تظهرونه. وقد تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة النحل الايات 15 - 23

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهذه الآية سبقتْ في سورة إبراهيم؛ فقال الحق سبحانه هناك:
{  وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ ٱللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }
[إبراهيم: 34].

وكان الحديث في مجال مَنْ لم يعطوا الألوهية الخالقة، والربوبية الموجدة، والمُمِدَّة حَقَّها، وجحدوا كل ذلك. ونفس الموقف هنا حديث عن نفس القوم، فيُوضِّح الحق سبحانه:

أنتم لو استعرضتم نِعمَ الله فلن تحصوها، ذلك أن المعدود دائماً يكون مكرر الأفراد؛ ولكن النعمة الواحدة في نظرك تشتمل على نِعَم لا تُحصَى ولا تُعَد؛ فما بالك بالنِّعم مجتمعة؟

أو: أن الحق سبحانه لا يمتنُّ إلا بشيء واحد، هو أنه قد جاء لكم بنعمة، وتلك النعمة أفرادها كثير جداً.

ويُنهي الحق سبحانه الآية بقوله:

{ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [النحل: 18].

أي: أنكم رغم كُفْركم سيزيدكم من النعم، ويعطيكم من مناط الرحمة، فمنكم الظلم، ومن الله الغفران، ومنكم الكفر ومن الله الرحمة.

وكأنَّ تذييل الآية هنا يرتبط بتذييل الآية التي في سورة إبراهيم حيث قال هناك:
{  إِنَّ ٱلإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ }
[إبراهيم: 34].

فهو سبحانه غفور لجحدكم ونُكْرانكم لجميل الله، وهو رحيم، فيوالي عليكم النِّعَم رغم أنكم ظالمون وكافرون.

ويقول الحق سبحانه من بعد ذلك: { وَٱللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ.. }.


www.alro7.net