سورة
اية:

إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ

تفسير بن كثير

أخبر اللّه تعالى عن حال السعداء فقال: { إن المتقين في جنات ونعيم} وذلك بضد ما أولئك فيه من العذاب والنكال، { فاكهين بما آتاهم ربهم} أي يتفكهون بما آتاهم اللّه من النعيم، من أصناف الملاذ من مآكل ومشارب، وملابس ومساكن ومراكب وغير ذلك، { ووقاهم ربهم عذاب الجحيم} أي وقد نجاهم من عذاب النار، وتلك نعمة مستقلة بذاتها، مع ما أضيف إليها من دخول الجنة، التي فيها من السرور ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقوله تعالى: { كلوا واشربوا هنيئاً بما كنتم تعملون} ، كقوله تعالى: { كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية} أي هذا بذاك تفضلاً منه وإحساناً، وقوله تعالى: { متكئين على سرر مصفوفة} قال ابن عباس: السرر في الحجال، وفي الحديث: (إن الرجل ليتكيء المتكأ مقدار أربعين سنة ما يتحول عنه ولا يمله يأتيه ما اشتهت نفسه ولذات عينه) ""أخرجه ابن أبي حاتم عن الهيثم بن مالك الطائي مرفوعاً"". وعن ثابت قال: (بلغنا أن الرجل ليتكيء في الجنة سبعين سنة عنده من أزواجه وخدمه، وما أعطاه اللّه من الكرامة والنعيم، فإذا حانت منه نظرة، فإذا أزواج له لم يكن رآهن قبل ذلك فيقلن: قد آن لك أن تجعل لنا منك نصيباً) ""أخرجه ابن أبي حاتم أيضاً عن ثابت البناني موقوفاً""ومعنى { مصفوفة} أي وجوه بعضهم إلى بعض كقوله: { على سرر متقابلين} ، { وزوجناهم بحور عين} أي وجعلنا لهم قرينات صالحات، وزوجات حساناً من الحور العين، وقال مجاهد { وزوجناهم} أنكحناهم بحور عين، وقد تقدم وصفهن في غير وضع بما أغنى عن إعادته ههنا.

تفسير الجلالين

{ إن المتقين في جنات ونعيم } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَعِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا اللَّه بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه فِي جَنَّات : يَقُول فِي بَسَاتِين وَنَعِيم فِيهَا , وَذَلِكَ فِي الْآخِرَة . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَنَعِيم } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا اللَّه بِأَدَاءِ فَرَائِضه , وَاجْتِنَاب مَعَاصِيه فِي جَنَّات : يَقُول فِي بَسَاتِين وَنَعِيم فِيهَا , وَذَلِكَ فِي الْآخِرَة .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن المتقين في جنات ونعيم} لما ذكر حال الكفار ذكر حال المؤمنين أيضا { فاكهين} أي ذوي فاكهة كثيرة؛ يقال : رجل فاكه أي ذو فاكهة، كما يقال : لابن وتامر؛ أي ذو لبن وتمر؛ قال : وغررتني وزعمت أنـ ** ـك لابنٌ بالصيف تامر أي ذو لبن وتمر. وقرأ الحسن وغيره { فكهين} بغير ألف ومعناه معجبين ناعمين في قول ابن عباس وغيره؛ يقال : فكه الرجل بالكسر فهو فكه إذا كان طيب النفس مزاحا. والفكه أيضا الأشر البطر. وفد مضى في [الدخان] القول في هذا. { بما آتاهم} أي أعطاهم { ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم} { كلوا واشربوا} أي يقال لهم ذلك. { هنيئا بما كنتم تعملون} الهنيء ما لا تنغيص فيه ولا نكد ولا كدر. قال الزجاج : أي ليهنئكم ما صرتم إليه { هنيئا} . وقيل : أي متعتم بنعيم الجنة إمتاعا هنيئا وقيل : أي كلوا واشربوا هنئتم { هنيئا} فهو صفة في موضع المصدر. { هنيئا} : أي حلالا. وقيل : لا أذى فيه ولا غائلة. وقيل { هنيئا} أي لا تموتون؛ فإن ما لا يبقى أو لا يبقى الإنسان معه منغص غير هنيء. قوله تعالى { متكئين على سرر} سرر جمع سرير وفي الكلام حذف تقديره : متكئين على نمارق سرر. { مصفوفة} قال ابن الأعرابي : أي موصولة بعضها إلى بعض حتى تصير صفا. وفي الأخبار أنها تصف في السماء بطول كذا وكذا؛ فإذا أراد العبد أن يجلس عليها تواضعت له؛ فإذا جلس عليها عادت إلى حالها. قال ابن عباس : هي سرر من ذهب مكللة بالزبرجد والدر والياقوت، والسرير ما بين مكة وأيلة. { وزوجناهم بحور عين} أي قرناهم بهن. قال يونس بن حبيب : تقول العرب زوجته امرأة وتزوجت امرأة؛ وليس من كلام العرب تزوجت بامرأة. قال : وقول الله عز وجل { وزوجناهم بحور عين} أي قرناهم بهن؛ من قول الله تعالى { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} [الصافات : 22] أي وقرناءهم. وقال الفراء : تزوجت بامرأة لغة في أزد شنوءة. وقد مضى القول في معنى الحور العين.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الطور الايات 6 - 21

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ذِكْر المتقابلات سمة من سمات الأسلوب القرآني، ومظهر من مظاهر عظمته، فكما قلنا: الضد يظهر حُسْنه الضد، لذلك كثيراً ما نقرأ هذه المتقابلات كما في قوله سبحانه:
{  إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ }
[الانفطار: 13-14].

وهنا بعد أنْ تكلَّم عن الكافرين وجزائهم في جهنم والعياذ بالله يُحدِّثنا سبحانه عن المتقين وما ينتظرهم من النعيم.

فساعة نقرأ هذه الآيات ونستحضر الصورتين المتقابلتين يقول المؤمن: الحمد لله أن إيماني أنقذني من هذا المصير المخزي. ويقول الكافر: يا حسرتي لقد أبعدني الكفر وحرمني هذا النعيم.

فالمقابلة تُفرح المؤمن وتُحزن الكافر، تُعِز المؤمن وتُذل الكافر، لذلك قال تعالى:
{  فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ... }
[آل عمران: 185].

وقوله تعالى: { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ... } [الطور: 17] معنى التقوى أنْ تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية، وقلنا: إن الحق سبحانه قال:
{  ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ... }
[البقرة: 278] وقال:
{  فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ... }
[البقرة: 24] والمعنى واحد هو أنْ تجعلَ بينك وبين صفات الجلال لله وقاية، وحين تقي نفسك من النار فإنك تقي نفسك من الله، لأنها جُند من جنود الله.

وتلاحظ هنا { إِنَّ ٱلْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ } [الطور: 17] (المتقين) جمع و(جنات) جمع. وهذا يعني أن لكلِّ مُتَّق جنة خاصة به، كما لو قلنا للتلاميذ: أخرجوا كتبكم. أي: ليُخرج كلُّ واحد منكم كتابه، فمقابلة الجمع بالجمع تقتضي القسمة آحاداً.

لذلك قلنا في آية الرحمن:
{  وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ }
[الحمن: 46] فكيف نجمع بينهما؟ قالوا: جنتان، لأن الحديث هنا عن الإنس والجن الثقلان
{  سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ ٱلثَّقَلاَنِ }
[الرحمن: 31].

فالمراد: مَنْ خاف مقام ربه من الجن له جنة، ومن خاف مقام ربه من الإنس له جنة.

وحرف الجر { فِي جَنَّاتٍ... } [الطور: 17] يعني: أن الجنات ظرف والمتقين مظروف، الجنة محيطة بالمتقي، ثم قال: { وَنَعِيمٍ } [الطور: 17] لأن مَنْ في الجنة ليس بالضرورة أنْ يكون في نعيم.

كما نرى مثلاً الباشا يجلس في حديقة منزله، وفيها الأشجار والزهور والثمار، وعنده العامل يقصف الأشجار يُقلِّمها ويرويها، فالحديقة نعيم فقط لصحابها، لكنها لستْ نعيماً لمَنْ يعمل فيها.

أما هؤلاء المتقون فهم في جنات وفي نعيم، فهم يتنعَّمون فيها، لذلك أكّد الحق سبحانه هذا المعنى، فقال بعدها: { فَاكِهِينَ بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ... } [الطور: 18] أي: فاكهين بما هم فيه من النعيم، وفاكهين يعني: فرحين. هذه إضافة أخرى لأن الإنسان قد يكون في جنة وفي نعيم لكنه غير فرح بما هو فيه.

وهذه المسألة رأيناها مثلاً في مصر بعد الثورة، حيث رأينا الباشا فلان عنده الحدائق والبساتين وفيها ألوان الفاكهة والثمار ويأكل منها، لكنه غير فرح بها ويُنغِّصها عليه خوفُ التأميم، لأنهم كانوا يأخذون الأرض منهم ويُؤممونها للدولة، فهو في جنة، وفي نعيم، لكنه غير فاكه بها.ومعنى { بِمَآ آتَاهُمْ رَبُّهُمْ... } [الطور: 18] أي: بالمسبِّب لا بالأسباب.

فالمتقون في جنات وفي نعيم وهم فرحون به فاكهون بما آتاهم ربهم، وفوق ذلك وقبله: { وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ ٱلْجَحِيمِ } [الطور: 18] وهذا من تمام النعمة، فيمكن بعد أنْ يدخل الجنة يخاف أنْ يخرج منها النار.

فيقول له: لا لأن الذي يدخلها يبقى فيها لا يخرج منها، أو وقاهم عذاب الجحيم بداية قبل أنْ يدخلوا الجنة كما قال سبحانه:
{  فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ... }
[آل عمران: 185].

وقوله تعالى: { كُلُواْ وَٱشْرَبُواْ هَنِيئَاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } [الطور: 19] وفي آية آخرى قال تعالى:
{  فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَّرِيئاً }
[النساء: 4] أي: في الجنة كلوا منها واشربوا هنيئاً مريئاً.

فالهنيء هو الطعام أو الشراب تتناوله فتجد له طعماً ولذة تمتعك لحظة تأكل أو تشرب، لكن ربما أحسسْتَ بعدها بآثار غير مرغوب فيها، كأنَّ بعده حموضة في المعدة مثلاً أو غازات وانتفاخات وغير ذلك.

فهو إذن هنيء لكن ليس مريئاً، فالله يصف طعام الجنة وشرابها بإنه هنيء ومريء. يعني: يمري عليك ولا تجد له آثاراً ضارة.

وإنْ كان طعام الجنة وشرابها ليس فيه شيء من هذا لأن الإنسان هناك لا يأكل عن جوع، بل يأكل تفكُّهاً، وحتى لو لم يأكل لا فرق.

ثم يذكر سبحانه ألواناً أخرى من ألوان النعيم.


www.alro7.net