سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن أهل هذه الأديان المختلفة من المؤمنين، ومن سواهم من اليهود والصابئين تقدم في سورة البقرة التعريف بهم واختلاف الأقوال فيهم فارجع إليه هناك""، والنصارى والمجوس، والذين أشركوا فعبدوا مع اللّه غيره فإنه تعالى { يفصل بينهم يوم القيامة} ويحكم بينهم بالعدل، فيدخل من آمن به الجنة ومن كفر به النار، فإنه تعالى شهيد على أفعالهم، حفيظ لأقوالهم، عليم بسرائرهم وما تكن ضمائرهم.

تفسير الجلالين

{ إن الذين آمنوا والذين هادوا } هم اليهود { والصابئين } طائفة منهم { والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة } بإدخال المؤمنين الجنة وإدخال غيرهم النار { إن الله على كل شيء } من عملهم { شهيد } عالم به علم مشاهدة

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّه يَفْصِل بَيْنهمْ يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الْفَصْل بَيْن هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّه عَلَى حَرْف , وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ فَعَبَدُوا الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , وَالَّذِينَ هَادُوا , وَهُمُ الْيَهُود وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس الَّذِي عَظَّمُوا النِّيرَان وَخَدَمُوهَا , وَبَيْن الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُله إِلَى اللَّه , وَسَيَفْصِلُ بَيْنهمْ يَوْم الْقِيَامَة بِعَدْلٍ مِنَ الْقَضَاء وَفَصْله بَيْنهمْ إِدْخَاله النَّار الْأَحْزَاب كُلّهمْ وَالْجَنَّة الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ ; فَذَلِكَ هُوَ الْفَصْل مِنَ اللَّه بَيْنهمْ . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ , مَا : 18880 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } قَالَ : الصَّابِئُونَ : قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ , وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور . وَالْمَجُوس : يَعْبُدُونَ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنِّيرَان . وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا : يَعْبُدُونَ الْأَوْثَان . وَالْأَدْيَان سِتَّة : خَمْسَة لِلشَّيْطَانِ , وَوَاحِد لِلرَّحْمَنِ . وَأُدْخِلَتْ " إِنَّ " فِي خَبَر " إِنَّ " الْأُولَى لِمَا ذَكَرْت مِنَ الْمَعْنَى , وَأَنَّ الْكَلَام بِمَعْنَى الْجَزَاء , كَأَنَّهُ قِيلَ : مَنْ كَانَ عَلَى دِين مِنْ هَذِهِ الْأَدْيَان ; فَفَصْل مَا بَيْنه وَبَيْن مَنْ خَالَفَهُ عَلَى اللَّه . وَالْعَرَب تُدْخِل أَحْيَانًا فِي خَبَر " إِنَّ " " إِنَّ " إِذَا كَانَ خَبَر الِاسْم الْأَوَّل فِي اسْم مُضَاف إِلَى ذِكْره , فَتَقُول : إِنَّ عَبْد اللَّه إِنَّ الْخَيْر عِنْده لَكَثِير , كَمَا قَالَ الشَّاعِر . إِنَّ الْخَلِيفَة إِنَّ اللَّه سَرْبَلَهُ سِرْبَال مُلْك بِهِ تُرْجَى الْخَوَاتِيم وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : مَنْ قَالَ هَذَا لَمْ يَقُلْ : إِنَّك إِنَّك قَائِم , وَلَا إِنَّ إِيَّاكَ إِنَّهُ قَائِم ; لِأَنَّ الِاسْمَيْنِ قَدِ اخْتَلَفَا , فَحَسُنَ رَفْض الْأَوَّل , وَجُعِلَ الثَّانِي كَأَنَّهُ هُوَ الْمُبْتَدَأ , فَحَسُنَ لِلِاخْتِلَافِ وَقَبُحَ لِلِاتِّفَاقِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّه يَفْصِل بَيْنهمْ يَوْم الْقِيَامَة } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الْفَصْل بَيْن هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّه عَلَى حَرْف , وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا بِاللَّهِ فَعَبَدُوا الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , وَالَّذِينَ هَادُوا , وَهُمُ الْيَهُود وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس الَّذِي عَظَّمُوا النِّيرَان وَخَدَمُوهَا , وَبَيْن الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُله إِلَى اللَّه , وَسَيَفْصِلُ بَيْنهمْ يَوْم الْقِيَامَة بِعَدْلٍ مِنَ الْقَضَاء وَفَصْله بَيْنهمْ إِدْخَاله النَّار الْأَحْزَاب كُلّهمْ وَالْجَنَّة الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرُسُلِهِ ; فَذَلِكَ هُوَ الْفَصْل مِنَ اللَّه بَيْنهمْ . وَكَانَ قَتَادَة يَقُول فِي ذَلِكَ , مَا : 18880 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا } قَالَ : الصَّابِئُونَ : قَوْم يَعْبُدُونَ الْمَلَائِكَة , وَيُصَلُّونَ لِلْقِبْلَةِ , وَيَقْرَءُونَ الزَّبُور . وَالْمَجُوس : يَعْبُدُونَ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنِّيرَان . وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا : يَعْبُدُونَ الْأَوْثَان . وَالْأَدْيَان سِتَّة : خَمْسَة لِلشَّيْطَانِ , وَوَاحِد لِلرَّحْمَنِ . وَأُدْخِلَتْ " إِنَّ " فِي خَبَر " إِنَّ " الْأُولَى لِمَا ذَكَرْت مِنَ الْمَعْنَى , وَأَنَّ الْكَلَام بِمَعْنَى الْجَزَاء , كَأَنَّهُ قِيلَ : مَنْ كَانَ عَلَى دِين مِنْ هَذِهِ الْأَدْيَان ; فَفَصْل مَا بَيْنه وَبَيْن مَنْ خَالَفَهُ عَلَى اللَّه . وَالْعَرَب تُدْخِل أَحْيَانًا فِي خَبَر " إِنَّ " " إِنَّ " إِذَا كَانَ خَبَر الِاسْم الْأَوَّل فِي اسْم مُضَاف إِلَى ذِكْره , فَتَقُول : إِنَّ عَبْد اللَّه إِنَّ الْخَيْر عِنْده لَكَثِير , كَمَا قَالَ الشَّاعِر . إِنَّ الْخَلِيفَة إِنَّ اللَّه سَرْبَلَهُ سِرْبَال مُلْك بِهِ تُرْجَى الْخَوَاتِيم وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول : مَنْ قَالَ هَذَا لَمْ يَقُلْ : إِنَّك إِنَّك قَائِم , وَلَا إِنَّ إِيَّاكَ إِنَّهُ قَائِم ; لِأَنَّ الِاسْمَيْنِ قَدِ اخْتَلَفَا , فَحَسُنَ رَفْض الْأَوَّل , وَجُعِلَ الثَّانِي كَأَنَّهُ هُوَ الْمُبْتَدَأ , فَحَسُنَ لِلِاخْتِلَافِ وَقَبُحَ لِلِاتِّفَاقِ .' وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء شَهِيد } يَقُول : إِنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مِنْ أَعْمَال هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاء كُلّهَا شَهِيد لَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ .وَقَوْله : { إِنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء شَهِيد } يَقُول : إِنَّ اللَّه عَلَى كُلّ شَيْء مِنْ أَعْمَال هَؤُلَاءِ الْأَصْنَاف الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَغَيْر ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاء كُلّهَا شَهِيد لَا يَخْفَى عَنْهُ شَيْء مِنْ ذَلِكَ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن الذين آمنوا} أي بالله وبمحمد صلى الله عليه وسلم. { والذين هادوا} اليهود، وهم المنتسبون إلى ملة موسى عليه السلام. { والصابئين} هم قوم يعبدون النجوم. { والنصارى} هم المنتسبون إلى ملة عيسى. { والمجوس} هم عبدة النيران القائلين أن للعالم أصلين : نور وظلمة. قال قتادة : الأديان خمسة، أربعة للشيطان وواحد للرحمن. وقيل : المجوس في الأصل النجوس لتدينهم باستعمال النجاسات؛ والميم والنون يتعاقبان كالغيم والغين، والأيم والأين. وقد مضى في البقرة هذا كله مستوفى. { والذين أشركوا} هم العرب عبدة الأوثان. { إن الله يفصل بينهم يوم القيامة} أي يقضي ويحكم؛ فللكافرين النار، وللمؤمنين الجنة. وقيل : هذا الفصل بأن يعرفهم المحق من المبطل بمعرفة ضرورية، واليوم يتميز المحق عن المبطل بالنظر والاستدلال. { إن الله على كل شيء شهيد} أي من أعمال خلقه وحركاتهم وأقوالهم، فلا يعزب عنه شيء منها، سبحانه! وقوله { إن الله يفصل بينهم} خبر { إن} في قوله { إن الذين آمنوا} كما تقول : إن زيدا إن الخير عنده. وقال الفراء : ولا يجوز في الكلام إن زيدا إن أخاه منطلق؛ وزعم أنه إنما جاز في الآية لأن في الكلام معنى المجازاة؛ أي من آمن ومن تهود أو تنصر أو صبأ يفصل بينهم، وحسابهم على الله عز وجل. ورد أبو إسحاق على الفراء هذا القول، واستقبح قوله : لا يجوز إن زيدا إن أخاه منطلق؛ قال : لأنه لا فرق بين زيد وبين الذين، و { إن} تدخل على كل مبتدأ فتقول إن زيدا هو منطلق، ثم تأتي بإن فتقول : إن زيدا إنه منطلق. وقال الشاعر : إن الخليفة إن الله سربله ** سربال عز به ترجى الخواتيم

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 15 - 18

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه فئات ست أخبر الله عنها بقوله: { إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ.. } [الحج: 17] ومعنى الفصل بينهم أن بينهم خلافاً ومعركة، ولو تتبعتَ الآيات التي ذكرت هذه الفئات تجد أن هناك آيتين في البقرة وفي المائدة.

يقول تعالى:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
[البقرة: 62].

وفي المائدة يُقدِّم الصابئين على النصارى، وفي هذا الموضع تأتي بالرفع بالواو، يقول تعالى:
{  إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئُونَ وَٱلنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وعَمِلَ صَالِحاً فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
[المائدة: 69].

{ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ.. } [الحج: 17] أي: بمحمد صلى الله عليه وسلم، { وَٱلَّذِينَ هَادُواْ.. } [الحج: 17] أي: اليهود، ثم النصارى وهما قبل الإسلام، أما الصابئون: فهؤلاء جماعة كانوا على دين إبراهيم عليه السلام، ثم عبدوا الكواكب فَسُمُّوا الصابئة لخروجهم عن الدين الحق. أما المجوس: فهم عبدة النار، والذين أشركوا: هم المشركون عَبَدة الأصنام والأوثان.

أما التقديم والتأخير بين النصارى والصابئين، قالوا: لأن النصارى فرقة كبيرة معروفة ولهم نبي، أما الصابئة فكانوا جماعة خرجوا على نبيهم وخالفوه وأتَوْا بعقيدة غير عقيدته، فهم قلَّة، لكن سبقوا النصارى في الترتيب الزمني؛ لذلك حين يراعي السَّبْقَ الزمني يقول: { وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَى.. } [الحج: 17] وحين يراعي الكثرة والشهرة، يقول:
{  وَٱلنَّصَارَىٰ وَٱلصَّابِئِينَ.. }
[البقرة: 62] فكلٌّ من التقديم أو التأخير مُراد لمعنى مُعيَّن.

أما قوله:
{  وَٱلصَّابِئُونَ.. }
[المائدة: 69] بالرفع على خلاف القاعدة في العطف، حيث عطفت على منصوب، والمعطوف تابع للمعطوف عليه في إعرابه، فلماذا وسَّط مرفوعاً بين منصوبات؟

قالوا: لا يتم الرفع بين المنصوبات إلا بعد تمام الجملة، فكأنه قال: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى، والصابئون كذلك، فعطف هنا جملة تامة، فهي مُؤخَّرة في المعنى، مُقدَّمة في اللفظ، وهكذا تشمل الآية التقديم والتأخير السابق.

لكن، كيف ينشأ الخلاف بين الأديان؟

ينشأ الخلاف من أن قوماً يؤمنون بإله ويؤمنون بالنبي المبلِّغ عن هذا الإله، لكنهم يختلفون على أشياء فيما بينهم، كما نرى الخلاف مثلاً بين المعتزلة وأهل السنة، أو الجبرية والقدرية، فجماعة تثبت الصفات، وآخرون يُنكرونها، جماعة يقولون: الإنسان مُجْبَر في تصرفاته، وآخرون يقولون: بل هو مختار.

وقد ينشأ الخلاف بين الأديان للاختلاف في النبوات، فأهل الديانات يؤمنون بالإله الفاعل المختار، لكن يختلفون في الأنبياء موسى وعيسى ومحمد مع أنهم جميعاً حَقٌّ. وقد ينشأ الخلاف من الادعاء، كالذين يدَّعُون النبوة كهؤلاء الذين يعبدون النار، أو يعبدون بوذا مثلاً.

فهذه ست طوائف مختلفة ذكرتهم الآية، فما حكم هؤلاء جميعاً بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم؟

نقول: أما المشركون الذين عبدوا الأصنام، وكذلك الذين عبدوا النبوة المدَّعاة، فهؤلاء كفار ضائعون.أما اليهود والنصارى الذين يؤمنون بإله فاعل مختار، ويؤمنون بنبوة صادقة، فشأنهم بعد ظهور الإسلام، أن الله تعالى أقام لنا تصفية آخر الأمر لهذه الديانات، فمَنْ كان يهودياً قبل الإسلام، ومن كان نصرانياً قبل الإسلام، فإن الله أجْرى لهم تصفية عقدية هي الإسلام، فإنْ كانوا مؤمنين الإيمان الأول بالله تعالى فعليهم أنْ يبدأوا من جديد مؤمنين مسلمين.

لذلك قال بعدها:
{  مَنْ آمَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }
[البقرة: 62].

فبعد ظهور الإسلام بدأت لهؤلاء جميعاً - اليهود والنصارى والمجوس والمشركين - حياة جديدة، وفُتِحَتْ لهم صفحة جديدة هم فيها أولاد اليوم، حيث لزمهم جميعاً الإيمان بالله تعالى والإيمان بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن الإسلام تصفية (وأوكازيون إيماني) يجُبُّ ما قبله، وعفا الله عما سلف.

والحق - سبحانه - حينما تكلم عن الأجيال السابقة لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال:
{  وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي قَالُوۤاْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَٱشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِّنَ ٱلشَّاهِدِينَ }
[آل عمران: 81] لذلك نبَّه كُلٌّ من موسى وعيسى - عليهما السلام - بوجود محمد صلى الله عليه وسلم وبشَّروا به، بدليل قول الله تعالى:
{  فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ.. }
[البقرة: 89] والمراد اليهود والنصارى.

وقد جاء محمد صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، وجامعاً للأديان كلها في الإسلام الذي زاد عليها ما زاد مما تقتضيه أمور الحياة وتطورات العصر، إلى أن تقوم الساعة.

جاء الإسلام تصفية لهؤلاء، استأنفوها بإيمان، واستأنفوها بعمل صالح، فكان لهم أجرهم كاملاً عند ربهم لا يطعن فيهم دينهم السابق، ولا عقائدهم الفاسدة الكافرة.

أما إنْ حدث خلاف حول النبوات كما تذكر الآية التي نحن بصددها: { إِنَّ ٱللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [الحج: 17] والفَصْل أن نعرف مِنَ المحقُّ ومَنِ المبطل، وهكذا جمعتْ الآيات بين حالة الاتفاق وحالة الاختلاف وبيَّنَتْ جزاء كل منهما.

فالفصل إما فصل أماكن، وإما فصل جزاءات، قالوا: بالطبع فالحكم بينهم: هذا مُحِقٌّ وهذا مُبطِل سيؤدي إلى اختلاف الأماكن واختلاف الجزاءات.

وقوله تعالى: { إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [الحج: 17] لأن الله تعالى هو الحكَم الذي يفصل بين عباده، والحكم يحتاج إما إلى بينة أو شهود، والشهود لا بُدَّ أن يكونوا عُدولاً، ولا يتحقق العدل في الشهادة إلا بدين يمنع الإنسان أنْ يميل عن الحق، فإن كان الحكم هو الله فلا حاجة لبيِّنة، ولا حاجةَ لشهود؛ لأنه سبحانه يحيط علمه بكل شيء، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض.

ومن العجيب أن الحُكْم والفَصْل من الحق سبحانه يشمل كل السلطات: التشريعية والقضائية والتنفيذية، فحُكْمه سبحانه لا يُؤجَّل ولا يُتحّايل عليه، ولا تضيع فيه الحقوق كما تضيع في سراديب وأدراج المحاكم.

أما حُكْم البشر فينفصل فيه التشريع عن القضاء عن التنفيذ، فربما صدر الحكم وتعطَّل تنفيذه، أما حكم الله فنافذ لا يُؤجِّله شيء.

إذن: المسألة لن تمرَّ هكذا، بل هي محسوبة لك أو عليك.

ثم يقول الحق سبحانه: { أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَاوَاتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ.. }.


www.alro7.net