سورة
اية:

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۗ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} أي جعلكم تعمرونها جيلاً بعد جيل، وقرناً بعد قرن وخلفاً بعد سلف، كقوله تعالى: { ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون} ، وكقوله تعالى: { ويجعلكم خلفاء الأرض} ، وقوله: { إني جاعل في الأرض خليفة} ، وقوله: { عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} ، وقوله: { ورفع بعضكم فوق بعض درجات} ، أي فاوت بينكم في الأرزاق والأخلاق والمحاسن والمساوي، والمناظر والأشكال والألوان، وله الحكمة في ذلك، كقوله تعالى: { نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً} ، وقوله: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلاً} ، وقوله تعالى: { ليبلوكم في ما آتاكم} أي ليختبركم في الذي أنعم به عليكم وامتحنكم به ليختبر الغني في غناه، ويسأله عن شكره، والفقير في فقره ويسأله عن صبره. وفي صحيح مسلم قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن اللّه مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) ""رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً"". وقوله تعالى: { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور رحيم} ترهيب وترغيب أن حسابه وعقابه سريع فيمن عصاه وخالف رسله، { وإنه لغفور رحيم} لمن والاه واتبع رسله فيما جاءوا به من خبر وطلب. وقال محمد بن إسحاق: ليرحم العباد على ما فيهم. وكثيراً ما يقرن اللّه تعالى في القرآن بين هاتين الصفتين، كقوله: { نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم} إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على الترغيب والترهيب. فتارة يدعو عباده إليه بالرغبة وصفة الجنة والترغيب فيما لديه، وتارة يدعوهم إليه بالرهبة وذكر النار وأنكالها وعذابها والقيامة وأهوالها، وتارة بهما لينجع في كل بحسبه، جعلنا اللّه ممن أطاعه فيما أمر، وترك ما عنه نهى وزجر، وصدقه فيما أخبر، إنه قريب مجيب سميع الدعاء، جواد كريم وهاب. وقد روى الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لو يعلم المؤمن ما عند اللّه من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند اللّه من الرحمة ما قنط أحد من الجنة. خلق اللّه مائة رحمة فوضع واحدة بين خلقه، يتراحمون بها وعند اللّه تسعة وتسعون) ""أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة مرفوعاً""، وعنه أيضاً قال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (جعل اللّه الرحمة مائة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك تتراحم الخلائق، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) ""أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً"". المجلد الثاني سورة الأعراف بسم اللّه الرحمن الرحيم.

تفسير الجلالين

{ وهو الذي جعلكم خلائف الأرض } جمع خليفة : أي يخلف بعضكم بعضا فيها { ورفع بعضكم فوق بعض درجات } بالمال والجاه وغير ذلك { ليبلوكم } ليختبركم { فيما آتاكم } أعطاكم ليظهر المطيع منكم والعاصي { إن ربك سريع العقاب } لمن عصاه { وإنه لغفور } للمؤمنين { رحيم } بهم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِف الْأَرْض وَرَفَعَ بَعْضكُمْ فَوْق بَعْض دَرَجَات لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته : وَاَللَّه { الَّذِي جَعَلَكُمْ } أَيّهَا النَّاس { خَلَائِف الْأَرْض } بِأَنْ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْقُرُون وَالْأُمَم الْخَالِيَة , وَاسْتَخْلَفَكُمْ فَجَعَلَكُمْ خَلَائِف مِنْهُمْ فِي الْأَرْض , تَخْلُفُونَهُمْ فِيهَا , وَتَعْمُرُونَهَا بَعْدهمْ . وَالْخَلَائِف : جَمْع خَلِيفَة , كَمَا الْوَصَائِف جَمَعَ وَصِيفَة , وَهِيَ مِنْ قَوْل الْقَائِل : خَلَفَ فُلَان فُلَانًا فِي دَارِهِ يَخْلُفُهُ فَهُوَ خَلِيفَة فِيهَا , كَمَا قَالَ الشَّمَّاخ : تُصِيبُهُمْ وَتُخْطِئُنِي الْمَنَايَا وَأُخْلَفُ فِي رُبُوعٍ عَنْ رُبُوع وَذَلِكَ كَمَا : 11126 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِف الْأَرْض } قَالَ : أَمَّا خَلَائِف الْأَرْض : فَأَهْلَكَ الْقُرُون , وَاسْتَخْلَفْنَا فِيهَا بَعْدَهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { وَرَفَعَ بَعْضكُمْ فَوْق بَعْض دَرَجَات } فَإِنَّهُ يَقُول : وَخَالَفَ بَيْن أَحْوَالكُمْ , فَجَعَلَ بَعْضكُمْ فَوْق بَعْض , بِأَنْ رَفَعَ هَذَا عَلَى هَذَا بِمَا بَسَطَ لِهَذَا مِنْ الرِّزْق فَفَضَّلَهُ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الْمَال وَالْغِنَى عَلَى هَذَا الْفَقِير فِيمَا خَوَّلَهُ مِنْ أَسْبَاب الدُّنْيَا , وَهَذَا عَلَى هَذَا بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الْأَيْدِي وَالْقُوَّة عَلَى هَذَا الضَّعِيف الْوَاهِن الْقُوَى , فَخَالَفَ بَيْنهمْ بِأَنْ رَفَعَ مِنْ دَرَجَة هَذَا عَلَى دَرَجَة هَذَا وَخَفَضَ مِنْ دَرَجَة هَذَا عَنْ دَرَجَة هَذَا . وَذَلِكَ كَاَلَّذِي : 11127 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَرَفَعَ بَعْضكُمْ فَوْق بَعْض دَرَجَات } يَقُول : فِي الرِّزْق . وَأَمَّا قَوْله : { لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : لِيَخْتَبِركُمْ فِيمَا خَوَّلَكُمْ مِنْ فَضْله وَمَنَحَكُمْ مِنْ رِزْقه , فَيَعْلَم الْمُطِيع لَهُ مِنْكُمْ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ وَالْعَاصِي , وَمَنْ الْمُؤَدِّي مِمَّا آتَاهُ الْحَقّ الَّذِي أَمَرَهُ بِأَدَائِهِ مِنْهُ وَالْمُفَرِّط فِي أَدَائِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِف الْأَرْض وَرَفَعَ بَعْضكُمْ فَوْق بَعْض دَرَجَات لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّته : وَاَللَّه { الَّذِي جَعَلَكُمْ } أَيّهَا النَّاس { خَلَائِف الْأَرْض } بِأَنْ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ الْقُرُون وَالْأُمَم الْخَالِيَة , وَاسْتَخْلَفَكُمْ فَجَعَلَكُمْ خَلَائِف مِنْهُمْ فِي الْأَرْض , تَخْلُفُونَهُمْ فِيهَا , وَتَعْمُرُونَهَا بَعْدهمْ . وَالْخَلَائِف : جَمْع خَلِيفَة , كَمَا الْوَصَائِف جَمَعَ وَصِيفَة , وَهِيَ مِنْ قَوْل الْقَائِل : خَلَفَ فُلَان فُلَانًا فِي دَارِهِ يَخْلُفُهُ فَهُوَ خَلِيفَة فِيهَا , كَمَا قَالَ الشَّمَّاخ : تُصِيبُهُمْ وَتُخْطِئُنِي الْمَنَايَا وَأُخْلَفُ فِي رُبُوعٍ عَنْ رُبُوع وَذَلِكَ كَمَا : 11126 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِف الْأَرْض } قَالَ : أَمَّا خَلَائِف الْأَرْض : فَأَهْلَكَ الْقُرُون , وَاسْتَخْلَفْنَا فِيهَا بَعْدَهُمْ . وَأَمَّا قَوْله : { وَرَفَعَ بَعْضكُمْ فَوْق بَعْض دَرَجَات } فَإِنَّهُ يَقُول : وَخَالَفَ بَيْن أَحْوَالكُمْ , فَجَعَلَ بَعْضكُمْ فَوْق بَعْض , بِأَنْ رَفَعَ هَذَا عَلَى هَذَا بِمَا بَسَطَ لِهَذَا مِنْ الرِّزْق فَفَضَّلَهُ بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الْمَال وَالْغِنَى عَلَى هَذَا الْفَقِير فِيمَا خَوَّلَهُ مِنْ أَسْبَاب الدُّنْيَا , وَهَذَا عَلَى هَذَا بِمَا أَعْطَاهُ مِنْ الْأَيْدِي وَالْقُوَّة عَلَى هَذَا الضَّعِيف الْوَاهِن الْقُوَى , فَخَالَفَ بَيْنهمْ بِأَنْ رَفَعَ مِنْ دَرَجَة هَذَا عَلَى دَرَجَة هَذَا وَخَفَضَ مِنْ دَرَجَة هَذَا عَنْ دَرَجَة هَذَا . وَذَلِكَ كَاَلَّذِي : 11127 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَرَفَعَ بَعْضكُمْ فَوْق بَعْض دَرَجَات } يَقُول : فِي الرِّزْق . وَأَمَّا قَوْله : { لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : لِيَخْتَبِركُمْ فِيمَا خَوَّلَكُمْ مِنْ فَضْله وَمَنَحَكُمْ مِنْ رِزْقه , فَيَعْلَم الْمُطِيع لَهُ مِنْكُمْ فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ وَالْعَاصِي , وَمَنْ الْمُؤَدِّي مِمَّا آتَاهُ الْحَقّ الَّذِي أَمَرَهُ بِأَدَائِهِ مِنْهُ وَالْمُفَرِّط فِي أَدَائِهِ .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ رَبّك سَرِيع الْعِقَاب وَإِنَّهُ لَغَفُور رَحِيم } . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد لَسَرِيع الْعِقَاب لِمَنْ أَسْخَطَهُ بِارْتِكَابِهِ مَعَاصِيه وَخِلَافه أَمْره فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ , وَلِمَنْ اِبْتَلَى مِنْهُ فِيمَا مَنَحَهُ مِنْ فَضْله وَطَوْلِهِ , تَوَلِّيًا وَإِدْبَارًا عَنْهُ , مَعَ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِ وَتَمْكِينه إِيَّاهُ فِي الْأَرْض , كَمَا فَعَلَ بِالْقُرُونِ السَّالِفَة . { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ } : وَإِنَّهُ لَسَاتِر ذُنُوب مَنْ اِبْتَلَى مِنْهُ إِقْبَالًا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ عِنْد اِبْتِلَائِهِ إِيَّاهُ بِنِعْمَةٍ , وَاخْتِبَاره إِيَّاهُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيه , فَمُغَطٍّ عَلَيْهِ فِيهَا وَتَارِك فَضِيحَته بِهَا فِي مَوْقِف الْحِسَاب . { رَحِيم } بِتَرْكِهِ عُقُوبَته عَلَى سَالِف ذُنُوبه الَّتِي سَلَفَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنه إِذْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ قَبْل لِقَائِهِ وَمَصِيره إِلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ رَبّك سَرِيع الْعِقَاب وَإِنَّهُ لَغَفُور رَحِيم } . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد لَسَرِيع الْعِقَاب لِمَنْ أَسْخَطَهُ بِارْتِكَابِهِ مَعَاصِيه وَخِلَافه أَمْره فِيمَا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ , وَلِمَنْ اِبْتَلَى مِنْهُ فِيمَا مَنَحَهُ مِنْ فَضْله وَطَوْلِهِ , تَوَلِّيًا وَإِدْبَارًا عَنْهُ , مَعَ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِ وَتَمْكِينه إِيَّاهُ فِي الْأَرْض , كَمَا فَعَلَ بِالْقُرُونِ السَّالِفَة . { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ } : وَإِنَّهُ لَسَاتِر ذُنُوب مَنْ اِبْتَلَى مِنْهُ إِقْبَالًا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ عِنْد اِبْتِلَائِهِ إِيَّاهُ بِنِعْمَةٍ , وَاخْتِبَاره إِيَّاهُ بِأَمْرِهِ وَنَهْيه , فَمُغَطٍّ عَلَيْهِ فِيهَا وَتَارِك فَضِيحَته بِهَا فِي مَوْقِف الْحِسَاب . { رَحِيم } بِتَرْكِهِ عُقُوبَته عَلَى سَالِف ذُنُوبه الَّتِي سَلَفَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنه إِذْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ قَبْل لِقَائِهِ وَمَصِيره إِلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض} { خلائف} جمع خليفة، ككرائم جمع كريمة. وكل من جاء بعد من مضى فهو خليفة. أي جعلكم خلفا للأمم الماضية والقرون السالفة. قال الشماخ : تصيبهم وتخطئني المنايا ** وأخلف في ربوع عن ربوع { ورفع بعضكم فوق بعض} في الخلق. الرزق والقوة والبسطة والفضل والعلم. { درجات} نصب بإسقاط الخافض، أي إلى درجات. { ليبلوكم} نصب بلام كي. والابتلاء الاختبار؛ أي ليظهر منكم ما يكون غايته التواب والعقاب. ولم يزل بعلمه غنيا؛ فابتلي الموسر بالغني وطلب منه الشكر، وأبتلي المعسر بالفقر وطلب منه الصبر. ويقال { ليبلوكم} أي بعضكم ببعض. كما قال { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة} [الفرقان : 20] على ما يأتي بيانه. ثم خوفهم فقال { إن ربك سريع العقاب} لمن عصاه. { وإنه لغفور رحيم} لمن أطاعه. وقال { سريع العقاب} مع وصفه سبحانه بالإمهال، ومع أن عقاب النار في الآخرة؛ لأن كل آت قريب؛ فهو سريع على هذا. كما قال تعالى { وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب} [النحل : 77]. وقال { يرونه بعيدا ونراه قريبا} [المعارج : 6،7]. ويكون أيضا سريع العقاب لمن استحقه في دار الدنيا؛ فيكون تحذيرا لمواقع الخطيئة على هذه الجهة. والله أعلم. تمت سورة الأنعام بحمد الله تعالى وصلواته على محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 162 - 165


سورة الانعام اية رقم 165

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهناك قول كريم في آية أخرى:
{  هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي ٱلأَرْضِ... }
[فاطر: 39]

وهنا يقول الحق: { جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ }.

ومعنى " خليفة " أي الذي يخلف غيره؛ فإما أن يخلفه زماناً، وإما أن يخلفه مكاناً. وخلفه الزمان أن يأتي عصره بعد عصره، ويومه بعد يومه، وخلفة المكان أي أن يكون جالساً ثم يرحل ليأتي آخر ليستقر مكانه، وانظر إلى كل قواعد الحياة بالنسبة للإِنسان تجده في شبابه قويًّا، ثم يرحل عنه الشباب ليأخذه آخره، ويذهب إلى الشيخوخة. وكذلك نجد إنساناً يملك مكاناً ثم يتركه ويأتي واحد آخر يملكه. أو أن الحق سبحانه وتعالى أراد من الخلافة، لا خلافة بعضنا لبعض ولكن خلافة الإِنسان لرب الإِنسان في الأرض؛ لأن كل شيء منفعل لله قهراً، والحق سبحانه وتعالى منح بسعة عطائه؛ فجعل بعض الأشياء تنفعل لبعضها هبةً منه سبحانه، فإذا أوقدت النار- على سبيل المثال- تنفعل لك، وإذا حرثت في الأرض ووضعت فيها البذور تنفعل لك، وإذا شربت ترتوي، وإذا أكلت تشبع. من أين أخذت كل ذلك؟.

إنك قد أخذته من أن الحق الذي سخّر لك ما في الكون، وجعل أسباباً ومسببات، فكأنك أنت خليفة إرادات؛ لكي يثبت لنا سبحانه أنه يفعل ما يريد، فعلينا أن نأخذ هذه القضية قضية مسلمة، وإن أردت أن تختبر ذلك فانظر إلى أي إنسان ولو كان كافراً ويريد أن يقوم من مكانه، وتنفعل له جوارحه فيقوم، فأي جارحة أمرها أن تفعل ذلك؟. إنه لا يعرف إلا أنه بمجرد أنه أراد أن يقوم قد قام. وحتى لا تفهم أنك أخذت كل ذلك بشطارتك فهو يجعل بعضاً من الأمور مشاعاً عالمياً، مثل الموت والحياة إنهما أمران، لا يختلف فيهما الإنجليزي عن الفرنسي، عن العربي، وكذلك الضحك والبكاء، وهل هناك فرق بين ضحكة إنجليزية، أو ضحكة شيوعية أو ضحكة رأسمالية؟. طبعاً لا، فكلها ضحك وهو لغة عالمية، ولذلك قال:
{  وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ }
[النجم: 43]

وسبحانه جاء بأمر مشترك موجود في الناس كلها، فأنت تتكلم وتعمل على الصورة والكيفية التي تريدها، لكنك ساعة تضحك فهو سبحانه الذي يضحك. وأنت حين تود مجاملة أحد وتضحك له فتفاجأ بأن ضحكتك صناعية.

والحق يوضح لك: إن زمام كوني في يدي، أجعل القوم مختارين في أشياء، وأجعلهم مرغمين ومتحدين على رغم أنوفهم في أشياء؛ فأنا الذي أضحك وأبكي. ولا يوجد بكاء إنجليزي أو بكاء فرنساوي أو بكاء ألماني، وكل البشر شركاء في مثل هذه الأمور. { وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ... } [الأنعام: 165]

إن إرادتك على أبعاضك، وعلى جوارحك- أيها الإنسان- موهوبة لك من الواهب الأعلى والمريد الأعلى، وسبحانه يسلب ذلك من بعض الأفراد، فيأمر المخ: إياك أن ترسل إشارة لتلك الجارحة لتنفعل.فيصاب هذا الإنسان بالشلل.

ولو كان الأمر شطارة من الإنسان لقاوم ذلك.

أنتم- إذن- خلائف الأرض؛ تنفعل لكم الأشياء بقدر ما أراد الله أن تنفعل لكم، فإذا سلب انفعلها عنكم فلكي يثبت أنكم لم تسخروها بقدراتكم، بل به هو، إن شاء أطلق الخلافة، وإن شاء قيد الخلافة، وإن شاء قيد الخلافة. { رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ }

كأن من الخلافة أننا لا نكون متماثلين متطابقين، بل أراد سبحانه أن نكون متكاملين في المواهب، وفي الكماليات؛ لأن الناس لو كانوا صورة مكررة في المواهب، لفسدت الحياة، فلابد أن تختلف مواهبنا، لأن مطلوبات الحياة متعددة، فلو أصبحنا كلنا أطباء فالأمر لا يصلح، ولو كنا قضاة لفسد الأمر، وكذلك لو كنا مهندسين أو فلاحين. إذن فلابد من أن تتحقق إرادة الله في قوله سبحانه: { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ... } [الأنعام: 165]

أي أن البعض قد رُفِعَ، والبعض الآخر رُفِعَ عليه، فمن هو البعض المرفوع؟

ومن هو البعض المرفوع عليه؟. إن كل واحد فيكم مرفوع في جهة مواهبه، ومرفوع عليه فيما لا مواهب له فيه؛ لأن الحق يريد أن يتكاتف المخلوقون، ولا ينشأ التكاتف تفضلاً، وإنما ينشأ لحاجة، فلابد أن تكون إدارة المصالح في الكون اضطراراً، وهذه هي هندسة المكون الأعلى سبحانه التي تتجلى في أنك وضعت خريطة لمن دخلوا معك في مرحلة التعليم الابتدائي. ومن ترك منهم الدراسة ومن استمر ليدخل الدراسة الإعدادية. إنك تجدهم أقل، ومن درس في المرحلة الثانوية أقل، ومن تعلم التعليم العالي أقل، ومن نال الدكتوراه أقل.

وهكذا نجد أن البعض يتساقط من التعليم لأن هناك أكثر من مهمة في الكون لا تحتاج إلا إلى حامل الابتدائية فقط، أو حامل الإعدادية، أو إلى حامل شهادة إتمام الدراسة الثانوية، ولو ظل كل واحد منهم في التعليم العالي، فلن نجد لتلك المهام أحداً. لذلك جعل الله التكاتف في الكون احتياجاً لا تفضلاً.

والحظوا جيداً: أن الإنسان إذا عضّه جوع بطنه أو جوع عياله فهو يقبل أي عمل، وإن رضي بقدر الله فيما وضعه فيه، ولم يحقد على سواه فسيتقن هذا العمل، وسيتفوق فيه وسيرزقه الله الرزق الحلال الطيب. ولذلك قال الإمام علي: قيمة كل امرئ ما يحسنه، فإن أحسن الإنسان عمله، فهو إنسان ناجح في الوجود.

وهكذا أراد الحق سبحانه وتعالى ألا يجلنا أشخاصاً مكررين، ولكن جعلنا متفاضلين متفاوتين، فرفع بعضاً على بعض، وكل منا مرفوع فيما يجيد، ومرفوع عليه فيما لا يجيد، حتى يحتاج الإنسان منا إلى غيره ليؤدي له العمل الذي لا يجيده وبذلك يرتبط العالم ارتباط مصلحة وحاجة لا ارتباط تفضل. { وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ... } [الأنعام: 165]

كأن هذا الرفع هو اختبار للبشر فيما أعطاهم الله من الواهب. ليعلم علم الإلزام للعبد؛ فسبحانه يعلم أزلاً كل ما يصدر عن العبد، ولكنه يترك للعبد فرصة أن يؤدي العمل ليكون ملتزماً بم فعل. وتكون حجة على العبد. وحينما يقول الحق: { لِّيَبْلُوَكُمْ } فالمقصود ليختبركم اختبار إقرار على نفوسكم، لا إخباراً له. {... لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الأنعام: 165]

وسبحانه " سريع العقاب " ، وإياك أن تستبطئ الآخرة، فالثواب والعقاب سيأتي بعد أن ننتهي ونموت. وليس الموت سبب؛ فكل إنسان عرضة لأن يموت، وبذلك تكون قيامته قد قامت، وإن قامت قيامة الإنسان فلن يقوم بأي عمل آخر. إذن فسبحانه سريع العقاب. ولكن البعض من القوم يغريهم حلم الله ويستبطئون الآخرة. لذلك يقول أحد العارفين: اجعل شكرك لمن لا تنقطع نعمه عنك، واجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه وسلطانه.

إذن فكل صفة من صفات الحق يتجلى ويظهر أثرها في المخلوق هبة من الله له، فأنت إذا أردت أن تقف، مثلاً، لا تعرف ما هي العضلات التي تحركها لتقف، ولكنك بمجرد إرادتك ان تقف تقف، وذلك مظهر لإرادة الله إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.

وما دمنا خلائف فلابد أن نتكامل ولا نتكرر، بمعنى أن كل واحد فيه موهبة تنقص من الآخر، وفي الأخر موهبة تنقص في غيره، ليضطر كل مخلوق في الأرض أن يتعاون مع آخر، ليأخذ ثمرة مواهب غيره، ويعطي هو ثمرة مواهبه. ولا يريد الحق منا أن نعطي ثمرات المواهب تفضلاً، وإنما يريد أن يجعلها حاجة. فأنت تحتاج إلى موهبة من لا موهبة لك فيه، إنك تحتاج إلى الغير، وهو كذلك أيضاً يحتاج إلى عملك.

وحين يستخلفنا الله تبارك وتعالى بهذه الصورة فبعضنا في ظاهر الأمر يكون أعلى من بعض، لذلك يوضح سبحانه: أنا فضلت بعضكم على بعض، لكني لم أفضل طائفة لأجعل طائفة مفضولاً عليها، ولكن كلْ مفضل في شيء لأن له فيه مواهب، ويكون مفضلا عليه في شيء آخر لا مواهب له فيه، وهكذا يتساوى الناس جميعا.

إننا جميعاً عيال الله، وليس أحد منا أولى بالله من أحد؛ لأنه سبحانه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً؛ ولذلك إن حاولنا إحصاء المواهب في البشر وتوزيعها على الخلق جميعاً لوجدنا أن مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر، ولكن أنت تأخذ في موهبة ما تفوقاً، وفي الموهبة الأخرى لا تجد نفسك قادراً عليها، وفي موهبة ثالثة قد تقدر عليها لكنك لا تحبها، واجمع الدرجات كلها في جميع المواهب ستجد أن كل إنسان يساوي الآخر، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.{ وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ ٱلأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ... } [الأنعام: 165]

إذن فكل واحد منا يقدر أن يقول: أنا مرفوع، ولكن عليه ألاّ يغتر؛ لأنه مرفوع عليه أيضاً. والتوازن يأتي من هذه الناحية، فلا غرور برفعتك في درجة، ولا مذلة بانخفاضك في درجة؛ لأن هذا مراد الله وذلك مراد له - سبحانه - والذي يحترم قدر الله في توزيع مواهبه على الخلق يعطيه الله خير موهبته، فلا يتميز ذو موهبة أخرى عليه أبداً.

ولكن أينجح الناس جميعاً في هذا؟. لا، فهناك أناس يتساقطون، وهناك من يرى واحداً أغنى منه وهو فقير، فيبدأ في الغل والحقد والحسد، ونقول له: انظر إلى قوتك فقد تكون أقوى منه، وقد تكون أسعد منه في أمور كثيرة. خذ الموهبة التي أعطاها الله لك، والموهبة التي أعطاها لغيرك وستجد مجموع كل إنسان يساوي مجموع كل إنسان، فالذي ينجح في هذه المعادلات التفاضلية يكون له من الله ثواب. فيتجاوز له سبحانه عن بعض سيئاته، ويغفر له. والذي لا يحترم قدر الله في خلق الله يعاقبه الله؛ لذلك أوضح سبحانه: أنا أبلوكم وأختبركم، فمن ينجح فله غفران ورحمة، ومن لا ينجح فله عقاب، ولا تظنوا أن عقابي بعيد؛ لأن ما بين الإنسان والعقاب أن يموت، وليس هناك سبب معروف للموت؛ فمن الممكن أن يموت الإنسان لوقته، فيبدأ عقابه. {... إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ ٱلْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } [الانعام: 165]

وبذلك ختمت سورة الأنعام، التي استهلها الله بقوله سبحانه: { ٱلْحَمْدُ للَّهِ }.

وختمها بقوله: { وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ }.

فالحمد لله في الأولى.

والحمد لله في الآخرة.


www.alro7.net