سورة
اية:

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { قل} يا محمد لهؤلاء المشركين باللّه في إخلاص العبادة له والتوكل عليه { أغير اللّه أبغي رباً} أي أطلب رباً سواه، { وهو رب كل شيء} يربيني ويحفظني ويكلؤني ويدبر أمري، أي لا أتوكل إلا عليه ولا أنيب إلا إليه لأنه رب كل شيء وملكيه وله الخلق والأمر، ففي هذه الآية الأمر بإخلاص التوكل كما تضمنت التي قبلها إخلاص العبادة للّه وحده لا شريك له، وهذا المعنى يقرن بالآخر كثيراً في القرآن كقوله تعالى مرشداً لعباده أن يقولوا له: إياك نعبد وإياك نستعين} ، وقوله: { فاعبده وتوكل عليه} ، وقوله: { قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا} ، وقوله: { رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلاً} وأشباه ذلك من الآيات. وقوله تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى} إخبار عن الواقع يوم القيامة في جزاء اللّه تعالى وحكمه وعدله أن النفوس إنما تجازى بأعمالها إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأنه لا يحمل من خطيئة أحد على أحد، وهذا من عدله تعالى كما قال: { وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى} ، وقوله تعالى: { فلا يخاف ظلماً ولا هضماً} قال علماء التفسير أي فلا يظلم بأن يحمل عليه سيئات غيره ولا يهضم بأن ينقص من حسناته، وقال تعالى: { كل نفس بما كسبت رهينة إلا أصحاب اليمين} معناه كل نفس مرتهنة بعملها السيء إلا أصحاب اليمين فإنه قد يعود بركة أعمالهم الصالحة على ذرياتهم وقراباتهم كما قال في سورة الطور: { والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء} أي ألحقنا بهم ذريتهم في المنزلة الرفيعة في الجنة وإن لم يكونوا قد شاركوهم في الأعمال، بل في أصل الإيمان، وما ألتناهم أي نقصنا أولئك السادة الرفعاء من أعمالهم شيئاً حتى ساويناهم، وهؤلاء الذين هم أنقص منهم منزلة، بل رفعهم تعالى إلى منزلة الآباء ببركة أعمالهم بفضله ومنته، ثم قال: { كل امرىء بما كسب رهين} أي من شر، وقوله: { ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون} أي اعملوا على مكانتكم إنا عاملون على ما نحن عليه فستعرضون ونعرض عليه، وينبئنا وإياكم بأعمالنا وأعمالكم، وما كنا نختلف فيه في الدار الدنيا كقوله: { قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعلمون * قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بالحق وهو الفتاح العليم} .

تفسير الجلالين

{ قل أغير الله أبغي ربّا } إلها أي لا أطلب غيره { وهو ربُّ } مالك { كل شيء ولا تكسب كل نفس } ذنبا { إلا عليها ولا تزر } تحمل نفس { وازرة } آثمة { وزر } نفس { أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَغْيَر اللَّه أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء وَلَا تَكْسِب كُلّ نَفْس إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان , الدَّاعِيكَ إِلَى عِبَادَة الْأَصْنَام وَاتِّبَاع خُطُوَات الشَّيْطَان : { أَغْيَرَ اللَّه أَبْغِي رَبًّا } يَقُول : أَسِوَى اللَّه أَطْلُب سَيِّدًا يَسُودُنِي . { وَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء } يَقُول : وَهُوَ سَيِّد كُلّ شَيْء دُونه , وَمُدَبِّره وَمُصْلِحه . { وَلَا تَكْسِب كُلّ نَفْس إِلَّا عَلَيْهَا } يَقُول : وَلَا تَجْتَرِح نَفْس إِثْمًا إِلَّا عَلَيْهَا ; أَيْ لَا يُؤْخَذ بِمَا أَتَتْ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَرَكِبَتْ مِنْ الْخَطِيئَة سِوَاهَا , بَلْ كُلّ ذِي إِثْم فَهُوَ الْمُعَاقَب بِإِثْمِهِ وَالْمَأْخُوذ بِذَنْبِهِ . { وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } يَقُول : وَلَا تَأْثَم نَفْس آثِمَة بِإِثْمِ نَفْس أُخْرَى غَيْرهَا , وَلَكِنَّهَا تَأْثَم بِإِثْمِهَا وَعَلَيْهِ تُعَاقَب دُون إِثْم أُخْرَى غَيْرهَا . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول هَذَا الْقَوْل لَهُمْ , يَقُول : قُلْ لَهُمْ : إِنَّا لَسْنَا مَأْخُوذِينَ بِآثَامِكُمْ , وَعَلَيْكُمْ عُقُوبَة إِجْرَامِكُمْ , وَلَنَا جَزَاء أَعْمَالِنَا . وَهَذَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِع آخَر أَنْ يَقُول لَهُمْ : { لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين } . وَذَلِكَ كَمَا : 11125 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان لَا مَخْرَج لِلْعُلَمَاءِ الْعَابِدِينَ إِلَّا إِحْدَى خُلَّتَيْنِ , إِحْدَاهُمَا أَفْضَل مِنْ صَاحِبَتهَا : إِمَّا أَمْر وَدُعَاء إِلَى الْحَقّ , أَوْ الِاعْتِزَال , فَلَا تُشَارِك أَهْل الْبَاطِل فِي عَمَلهمْ , وَتُؤَدِّي الْفَرَائِض فِيمَا بَيْنك وَبَيْن رَبّك , وَتُحِبّ لِلَّهِ , وَتُبْغِض لِلَّهِ , وَلَا تُشَارِك أَحَدًا فِي إِثْم . قَالَ : وَقَدْ أُنْزِلَ فِي ذَلِكَ آيَة مُحْكَمَة : { قُلْ أَغْيَر اللَّه أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء } . .. إِلَى قَوْله : { فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } , وَفِي ذَلِكَ قَالَ : { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب إِلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَة } . يُقَال مِنْ الْوِزْر : وَزِرَ يَوْزَر , فَهُوَ وَزِير , وَوُزِرَ يُوزَر فَهُوَ مَوْزُور . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَغْيَر اللَّه أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء وَلَا تَكْسِب كُلّ نَفْس إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان , الدَّاعِيكَ إِلَى عِبَادَة الْأَصْنَام وَاتِّبَاع خُطُوَات الشَّيْطَان : { أَغْيَرَ اللَّه أَبْغِي رَبًّا } يَقُول : أَسِوَى اللَّه أَطْلُب سَيِّدًا يَسُودُنِي . { وَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء } يَقُول : وَهُوَ سَيِّد كُلّ شَيْء دُونه , وَمُدَبِّره وَمُصْلِحه . { وَلَا تَكْسِب كُلّ نَفْس إِلَّا عَلَيْهَا } يَقُول : وَلَا تَجْتَرِح نَفْس إِثْمًا إِلَّا عَلَيْهَا ; أَيْ لَا يُؤْخَذ بِمَا أَتَتْ مِنْ مَعْصِيَة اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَرَكِبَتْ مِنْ الْخَطِيئَة سِوَاهَا , بَلْ كُلّ ذِي إِثْم فَهُوَ الْمُعَاقَب بِإِثْمِهِ وَالْمَأْخُوذ بِذَنْبِهِ . { وَلَا تَزِر وَازِرَة وِزْر أُخْرَى } يَقُول : وَلَا تَأْثَم نَفْس آثِمَة بِإِثْمِ نَفْس أُخْرَى غَيْرهَا , وَلَكِنَّهَا تَأْثَم بِإِثْمِهَا وَعَلَيْهِ تُعَاقَب دُون إِثْم أُخْرَى غَيْرهَا . وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول هَذَا الْقَوْل لَهُمْ , يَقُول : قُلْ لَهُمْ : إِنَّا لَسْنَا مَأْخُوذِينَ بِآثَامِكُمْ , وَعَلَيْكُمْ عُقُوبَة إِجْرَامِكُمْ , وَلَنَا جَزَاء أَعْمَالِنَا . وَهَذَا كَمَا أَمَرَهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِع آخَر أَنْ يَقُول لَهُمْ : { لَكُمْ دِينكُمْ وَلِيَ دِين } . وَذَلِكَ كَمَا : 11125 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَان لَا مَخْرَج لِلْعُلَمَاءِ الْعَابِدِينَ إِلَّا إِحْدَى خُلَّتَيْنِ , إِحْدَاهُمَا أَفْضَل مِنْ صَاحِبَتهَا : إِمَّا أَمْر وَدُعَاء إِلَى الْحَقّ , أَوْ الِاعْتِزَال , فَلَا تُشَارِك أَهْل الْبَاطِل فِي عَمَلهمْ , وَتُؤَدِّي الْفَرَائِض فِيمَا بَيْنك وَبَيْن رَبّك , وَتُحِبّ لِلَّهِ , وَتُبْغِض لِلَّهِ , وَلَا تُشَارِك أَحَدًا فِي إِثْم . قَالَ : وَقَدْ أُنْزِلَ فِي ذَلِكَ آيَة مُحْكَمَة : { قُلْ أَغْيَر اللَّه أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْء } . .. إِلَى قَوْله : { فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } , وَفِي ذَلِكَ قَالَ : { وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب إِلَّا مِنْ بَعْد مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَة } . يُقَال مِنْ الْوِزْر : وَزِرَ يَوْزَر , فَهُوَ وَزِير , وَوُزِرَ يُوزَر فَهُوَ مَوْزُور .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ إِلَى رَبّكُمْ مَرْجِعكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان : كُلّ عَامِل مِنَّا وَمِنْكُمْ فَلَهُ ثَوَاب عَمَله وَعَلَيْهِ وِزْرُهُ , فَاعْمَلُوا مَا أَنْتُمْ عَامِلُوهُ . { ثُمَّ إِلَى رَبّكُمْ } أَيّهَا النَّاس , { مَرْجِعُكُمْ } يَقُول : ثُمَّ إِلَيْهِ مَصِيركُمْ وَمُنْقَلَبكُمْ , { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ } فِي الدُّنْيَا , { تَخْتَلِفُونَ } مِنْ الْأَدْيَان وَالْمِلَل , إِذْ كَانَ بَعْضكُمْ يَدِينُ بِالْيَهُودِيَّةِ , وَبَعْض بِالنَّصْرَانِيَّةِ , وَبَعْض بِالْمَجُوسِيَّةِ , وَبَعْض بِعِبَادَةِ الْأَصْنَام , وَادَّعَاهُ الشُّرَكَاء مَعَ اللَّه وَالْأَنْدَاد , ثُمَّ يُجَازِي جَمِيعكُمْ بِمَا كَانَ يَعْمَل فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , فَتَعْلَمُوا حِينَئِذٍ مَنْ الْمُحْسِن مِنَّا وَالْمُسِيء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ إِلَى رَبّكُمْ مَرْجِعكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان : كُلّ عَامِل مِنَّا وَمِنْكُمْ فَلَهُ ثَوَاب عَمَله وَعَلَيْهِ وِزْرُهُ , فَاعْمَلُوا مَا أَنْتُمْ عَامِلُوهُ . { ثُمَّ إِلَى رَبّكُمْ } أَيّهَا النَّاس , { مَرْجِعُكُمْ } يَقُول : ثُمَّ إِلَيْهِ مَصِيركُمْ وَمُنْقَلَبكُمْ , { فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ } فِي الدُّنْيَا , { تَخْتَلِفُونَ } مِنْ الْأَدْيَان وَالْمِلَل , إِذْ كَانَ بَعْضكُمْ يَدِينُ بِالْيَهُودِيَّةِ , وَبَعْض بِالنَّصْرَانِيَّةِ , وَبَعْض بِالْمَجُوسِيَّةِ , وَبَعْض بِعِبَادَةِ الْأَصْنَام , وَادَّعَاهُ الشُّرَكَاء مَعَ اللَّه وَالْأَنْدَاد , ثُمَّ يُجَازِي جَمِيعكُمْ بِمَا كَانَ يَعْمَل فِي الدُّنْيَا مِنْ خَيْر أَوْ شَرّ , فَتَعْلَمُوا حِينَئِذٍ مَنْ الْمُحْسِن مِنَّا وَالْمُسِيء .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء} أي مالكه. روي أن الكفار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : ارجع يا محمد إلى ديننا، واعبد آلهتنا، واترك ما أنت عليه، ونحن نتكفل لك بكل تباعة تتوقعها في دنياك وآخرتك؛ فنزلت الآية. وهي استفهام يقتضي التقرير والتوبيخ. و { غير} نصب بـ { أبغي} و { ربا} تمييز. قوله تعالى { ولا تكسب كل نفس إلا عليها} أي لا ينفعني في ابتغاء رب غير الله كونكم على ذلك؛ إلا تكسب كل نفس إلا عليها؛ أي لا يؤخذ بما أتت من المعصية، وركبت من الخطيئة سواها. وقد استدل بعض العلماء من المخالفين بهذه الآية على أن بيع الفضولي لا يصح، وهو قول الشافعي. وقال علماؤنا : المراد من الآية تحمل الثواب والعقاب دون أحكام الدنيا، بدليل قوله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى} على ما يأتي. وبيع الفضولي عندنا موقوف على إجازة المالك، فإن أجازه جاز. هذا عروة البارقي قد باع للنبي صلى الله عليه وسلم واشترى وتصرف بغير أمره، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم؛ وبه قال أبو حنيفة. وروى البخاري والدارقطني عن عروة بن أبي الجعد قال : عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني دينارا وقال : (أي عروة ايت الجلب فاشتر لنا شاة بهذا الدينار) فأتيت الجلب فساومت فاشتريت شاتين بدينار، فجئت أسوقهما - أو قال أقودهما - فلقيني رجل في الطريق فساومني فبعته إحدى الشاتين بدينار، وجئت بالشاة الأخرى وبدينار، فقلت : يا رسول الله، هذه الشاة وهذا ديناركم. قال : (كيف صنعت)؟ فحدثته الحديث. قال : (اللهم بارك له في صفقة يمينه). قال : فلقد رأيتني أقف في كناسة الكوفة فأربح أربعين ألفا قبل أن أصل إلى أهلي. لفظ الدارقطني. قال أبو عمر : وهو حديث جيد، وفيه صحة ثبوت النبي صلى الله عليه وسلم للشاتين، ولو لا ذلك ما أخذ منه الدينار ولا أمضى له البيع. وفيه دليل على جواز الوكالة، ولا خلاف فيها بين العلماء. فإذا قال الموكل لو كيله : اشتر كذا؛ فاشترى زيادة على ما وكل به فهل يلزم ذلك الأمر أم لا؟. كرجل قال لرجل : أشتر بهذا الدرهم رطل لحم، صفته كذا؛ فاشترى له أربعة أرطال من تلك الصفة بذلك الدرهم. فالذي عليه مالك وأصحابه أن الجميع يلزمه إذا وافق الصفة ومن جنسها؛ لأنه محسن. وهو قول أبي يوسف ومحمد بن الحسن. وقال أبو حنيفة : الزيادة للمشتري. وهذا الحديث حجة عليه. قوله تعالى { ولا تزر وازرة وزر أخرى} أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى، أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقبة بإثمها. وأصل الوزر الثقل؛ ومنه قوله تعالى { ووضعنا عنك وزرك} [الشرح : 2]. وهو هنا الذنب؛ كما قال تعالى { وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم { الأنعام : 31]. قال الأخفش : يقال وزر يوزر، ووزر يزر، ووزر يوزر وزرا. ويجوز إزرا، كما يقال : إسادة. والآية نزلت في الوليد بن المغيرة، كان يقول : اتبعوا سبيلي أحمل أوزاركم؛ ذكره ابن عباس. وقيل : إنها نزلت ردا على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه وبجريرة حليفه. قلت : ويحتمل أن يكون المراد بهذه الآية في الآخرة، وكذلك التي قبلها؛ فأما التي في الدنيا فقد يؤاخذ فيها بعضهم بجرم بعض، لا سيما إذا لم ينه الطائعون العاصين، كما تقدم في حديث أبي بكر في قوله { عليكم أنفسكم} [المائدة : 105]. وقوله تعالى { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} [الأنفال : 25]. { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد : 11]. وقالت زينب بنت جحش : يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : (نعم إذا كثر الخبث). قال العلماء : معناه أولاد الزنى. والخبث (بفتح الباء) اسم للزنى. فأوجب الله تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ على العاقلة حتى لا يطل دم الحر المسلم تعظيما للدماء. وأجمع أهل العلم على ذلك من غير خلاف بينهم في ذلك؛ فدل على ما قلناه. وقد يحتمل أن يكون هذا في الدنيا، في ألا يؤاخذ زيد بفعل عمرو، وأن كل مباشر لجريمة فعليه مغبتها. وروى أبو داود عن أبي رمثة قال؛ انطلقت مع أبي نحو النبي صلى الله عليه وسلم، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي : (ابنك هذا)؟ قال : أي ورب الكعبة. قال : (حقا). قال : أشهد به. قال : فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم ضاحكا من ثبت شبهي في أبي، ومن حلف أبي علي. ثم قال : (أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه). وقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولا تزر وازرة وزر أخرى} . ولا يعارض ما قلناه أولا بقوله { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم} [العنكبوت : 13]؛ فإن هذا مبين في الآية الأخرى قوله { ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم} [النحل : 25]. فمن كان إماما في الضلالة ودعا إليها واتبع عليها فإنه يحمل وزر من أضله من غير أن ينقص من وزر المضل شيء، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 162 - 165

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

معنى الرب هو الذي تولى التربية، وله السيادة، وكل شيء في الوجود مربوب لله، فكيف أخذ شيئا من الأشياء التي هو ربها ليكون شريكا له؟!! إن ذلك لا يصح أبدآ. { قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً... }

وهذا إنكار يأتي في صورة استفهام من كل سامع. وكأن الحق يقول لكل منا: أعرض هذا على ذهنك عرضاً غير متحيّز، وأنا سأئتمنك على الجواب. ولا تقال ذلك إلا وقد تأكد أن الجواب يكون: لا، فلو كان الجواب يحتمل هذه أو تلك لما آمنك على الجواب. وكأنه يقول: إن أي عاقل يجيب على هذا السؤال سيوافقني في أنه لا ينبغي أن يتخذ غير الله ربًّا. { قُلْ أَغَيْرَ ٱللَّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا... } [الأنعام: 164]

و " أبغى " أي أطلب، و " تكسب " مأخوذة من مادة " كسب " و " اكتسب " ، و " كسب " دائماً تأتي في الخير- كما علمنا من قبل-، و " اكتسب " تأتي في الشر. لكنْ هناك أناس يعتادون على فعل السيئات ولم تعد تكلفهم شيئاً، فكأنها لسهولة ذلك عليهم تعتبر كسباً. ومن الحمق أن تقول هذا كسب، وهو عليك وليس لك؛ لأنك حين تنظر إلى التسمية نفسها تفهم أنها ليست رصيداً لك بل عليك. { وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ... } [الأنعام: 164]

والوزر هو الحمل الشاق، وإن اشتق منه شيء فإن المشقة والصعوبة تلازمه؛ ككلمة " وزير " ، والحق هو القائل:
{  وَٱجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * ٱشْدُدْ بِهِ أَزْرِي }
[طه: 29-31]

كأن موسى عليه السلام عرف أن حمل الرسالة إلى اليهود عملية شاقة فقال لله: أعطني أخي يساعدني في هذه المشقة.

والحق هو القائل:
{  أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ * ٱلَّذِيۤ أَنقَضَ ظَهْرَكَ }
[الشرح: 1-3]

وكان النبي عليه الصلاة والسلام في أول استقباله للوحي قد عانى من وقع هذه العملية وكان أمرها شاقاً عليه؛ لأن المسألة تقتضي التقاءات مَلَكية ببشرية، ولابد أن يحدث تفاعل، وهذا التفاعل الذي كان يظهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحمر وجهه، ويتصبب منه العرق، وبعد ذلك يقول: زملوني زملوني ودثروني، وإن كان قاعداً وركبته على ركبة أحد بجانبه فيشعر جاره بالثقل، وإن كان على دابة تئط وتئن تعباً، لأن التقاء الوحي برسول الله صلى الله عليه وسلم يحتاج إلى أمرين: إما أن يتحول الوحي وهو حامل الرسالة إلى بشرية مماثلة لبشرية الرسول، وإما أن الرسول ينتقل إلى ملائكية تتناسب مع استقباله للملك. وهكذا كان التقاؤه بالملكية يتطلب انفعالاً وتفاعلاً.لكن لما أنس صلى الله عليه وسلم بالوحي عرف حلاوة استقباله نسي المتاعب، ولذلك عندما فتر الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتاق إليه. وكان الوحي من قبل ذلك يتعبه، ويجهده، فأراد الحق سبحانه وتعالى أن يبقى في نفسه حلاوة ما أوحي به إليه، وتهدأ نفسه وترتاح ويشتاق إلى الوحي، فإذا ما استقبل الوحي بشوق فلن يتذكر المتاعب. {...وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [الأنعام: 164]

إذن مادة الوزر هي الثقل بمشقة، أي لا يحمل إنسان مشقة ثقيلة عن آخر؛ فالمسئولية لا تتعدى إلا إذا تعدى الفعل، وعرفنا من قبل الفارق بين من ضل في ذاته، ومن أضل غيره ليحمل أوزاره مع أوزارهم لتعديه بإضلالهم. وسنعود جميعاً إلى ربنا لينبئنا بما كنا فيه نختلف.

ويقول جل وعلا بعد ذلك: { وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَكُمْ... }


www.alro7.net