سورة
اية:

وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مخبراً عن الذي اعتمده إخوة يوسف بعد ما ألقوه في غيابة الجب أنهم رجعوا إلى أبيهم في ظلمة الليل يبكون ويظهرون الأسف والجزع على يوسف، ويتغممون لأبيهم، وقالوا معتذرين عما وقع فيما زعموا: { إنا ذهبنا نستبق} أي نترامى، { وتركنا يوسف عند متاعنا} أي ثيابنا وأمتعتنا، { فأكله الذئب} وهو الذي كان قد جزع منه وحذر عليه، وقوله: { وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين} تلطف عظيم في تقرير ما يحاولونه، يقولون: ونحن نعلم أنك لا تصدّقنا والحالة هذه لو كنا عندك صادقين، فكيف وأنت تتهمنا في ذلك لأنك خشيت أن يأكله الذئب فأكله الذئب؟ فأنت معذور في تكذيبك لنا، لغرابة ما وقع، وعجيب ما اتفق لنا في أمرنا هذا، { وجاؤوا على قميصه بدم كذب} أي مكذوب مفترى، وهذا من الأفعال التي يؤكدون بها ما تمالأوا عليه من المكيدة، وهو أنهم عمدوا إلى سخلة ذكره مجاهد والسدي وغير واحد ، فذبحوها ولطخوا ثوب يوسف بدمها، موهمين أن هذا قميصه الذي أكله فيه الذئب، وقد أصابه من دمه، ولكنهم نسوا أن يخرقوه، فلهذا لم يرج هذا الصنيع على نبي اللّه يعقوب، بل قال لهم معرضاً عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه: { بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل} ، أي فسأصبر صبراً جميلاً على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه اللّه بعونه ولطفه، { واللّه المستعان على ما تصفون} أي على ما تذكرون من الكذب والمحال، قال ابن عباس: { وجاؤوا على قميصه بدم كذب} قال: لو أكله السبع لخرق القميص، وقال مجاهد: الصبر الجميل الذي لا جزع فيه، وقد روي مرفوعاً عن حبان بن أبي حبلة قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن قوله: { فصبر جميل} فقال: صبر لا شكوى فيه. وقال الثوري: ثلاث من الصبر: أن لا تحدث بوجعك، ولا بمصيبتك، ولا تزكي نفسك، وذكر البخاري ههنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر قولها: واللّه لا أجد لي ولكم مثلاً إلا كما قال أبو يوسف: { فصبر جميل واللّه المستعان على ما تصفون} .

تفسير الجلالين

{ وجاءُوا أباهم عِشاءً } وقت المساء { يبكون } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَاءُو أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَجَاءَ إِخْوَة يُوسُف أَبَاهُمْ بَعْد مَا أَلْقَوْا يُوسُف فِي غَيَابَة الْجُبّ { عِشَاء يَبْكُونَ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَجَاءُو أَبَاهُمْ عِشَاء يَبْكُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَجَاءَ إِخْوَة يُوسُف أَبَاهُمْ بَعْد مَا أَلْقَوْا يُوسُف فِي غَيَابَة الْجُبّ { عِشَاء يَبْكُونَ } .'

تفسير القرطبي

فيه مسألتان: الأولى: قوله تعالى { وجاؤوا أباهم عشاء} أي ليلا، وهو ظرف يكون في موضع الحال؛ وإنما جاؤوا عشاء ليكونوا أقدر على الاعتذار في الظلمة، ولذا قيل : لا تطلب الحاجة بالليل، فإن الحياء في العينين، ولا تعتذر بالنهار من ذنب فتتلجلج في الاعتذار؛ فروي أن يعقوب عليه السلام لما سمع بكاءهم قال : ما بكم؟ أجرى في الغنم شيء؟ قالوا : لا. قال : فأين يوسف؟ قالوا : ذهبنا نستبق فأكله الذئب، فبكى وصاح وقال : أين قميصه؟ على ما يأتي بيانه إن شاء الله. وقال السدي وابن حبان : إنه لما قالوا أكله الذئب خر مغشيا عليه، فأفاضوا عليه الماء فلم يتحرك، ونادوه فلم يجب؛ قال وهب : ولقد وضع يهوذا يده على مخارج نفس يعقوب فلم يحس بنفس، ولم يتحرك له عرق؛ فقال لهم يهوذا : ويل لنا من ديان يوم الدين ضيعنا أخانا، وقتلنا أبانا، فلم يفق يعقوب إلا ببرد السَّحَر، فأفاق ورأسه في حجر روبيل؛ فقال : يا روبيل ألم آتمنك على ولدي؟ ألم أعهد إليك عهدا؟ فقال : يا أبت كف عني بكاءك أخبرك؛ فكف يعقوب بكاءه فقال : يا أبت { إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب} . الثانية: قال علماؤنا : هذه الآية دليل على أن بكاء المرء لا يدل على صدق مقاله، لاحتمال أن يكون تصنعا؛ فمن الخلق من يقدر على ذلك، ومنهم من لا يقدر. وقد قيل : إن الدمع المصنوع لا يخفى؛ كما قال حكيم : إذا اشتبكت دموع في خدود ** تبين من بكى ممن تباكى

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يوسف الايات 16 - 21

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهنا تتجلى لنا قدرة أداء القرآن أداء دقيقاً معبراً عن الانفعالات التي توجد في النفس الإنسانية، فها هم إخوة خدعوا أباهم ومكروا بأخيهم، وأخذوه وألقوْه في الجُبِّ مع أنهم يعلمون أن أباه يحبه، وكان ضنيناً أن يأتمنهم عليه، فكيف يواجهون هذا الأب؟

هذا هو الانفعال النفسي الذي لا تستطيع فطرة أن تثبته؛ فقالوا: نؤخر اللقاء لأبينا إلى العشاء: والعشاء مَحَلُّ الظلمة، وهو ستر للانفعالات التي توجد على الوجوه من الاضطراب؛ ومن مناقضة كذب ألسنتهم؛ لأنهم لن يخبروا الأب بالواقع الذي حدث؛ بل بحديث مُخْتلق.

وقد تخدعهم حركاتهم، ويفضحهم تلجلجهم، وتنكشف سيماهم الكاذبة أمام أبيهم؛ فقالوا: الليل أخْفَى للوجه من النهار، وأستَر للفضائح؛ وحين ندخل على أبينا عِشَاءً؛ فلن تكشفنا انفعالاتنا.

وبذلك اختاروا الظرف الزمني الذي يتوارون فيه من أحداثهم:

{ وَجَآءُوۤ أَبَاهُمْ عِشَآءً يَبْكُونَ } [يوسف: 16].

والبكاء انفعال طبيعي غريزي فطريّ؛ ليس للإنسان فيه مجال اختيار؛ ومَنْ يريد أن يفتعله فهو يتباكى، بأن يَفْرُك عينيه، أو يأتي ببعض ريقه ويُقرِّبه من عينيه، ولا يستر ذلك إلا أن يكون الضوء خافتاً؛ لذلك جاءوا أباهم عشاء يُمثِّلون البكاء.

والحق سبحانه حينما تكلم عن الخصائص التي أعطاها لذاته، ولم يُعْطِها لأحد من خلقه؛ أعلمنا أنه سبحانه هو الذي يميت ويحي، وهو الذي يُضحك ويُبْكي.

والحق سبحانه هو القائل:
{  وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَىٰ * وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا }
[النجم: 43-44].

ولا يوجد فَرْق بين ضحك أو بكاء إنسان إنجليزي وآخر عربي؛ ولا يوجد فرق بين موت أو ميلاد إنسان صيني وآخر عربي أو فرنسي؛ فهذه خصائص مشتركة بين كل البشر.

وإذا ما افتعل الإنسان الضحك؛ فهو يتضاحك؛ وإذا ما افتعل الإنسان البكاء فهو يتباكى؛ أي: يفتعل الضحك أو البكاء. والذي يفضح كل ذلك هو النهار.

والتاريخ يحمل لنا الكثير من الحكايات عن اتخاذ الليل كستار للمواقف؛ والمثل في سيدنا الحسين رضي الله عنه وأرضاه؛ حين جاءت موقعة كربلاء، ورأى العدو وقد أحاط به؛ ورأى الناس وقد انفضوا عنه بعد أن دَعَوْهُ ليبايعوه، ولم يَبْقَ معه إلا قلة؛ وعَزَّتْ عليه نفسه؛ وعَزَّ عليه أن يقتل هؤلاء في معركة غير متكافئة صمم هو على دخولها.

فلما أقبل الليل دعا أصحابه وقال لهم:

" إن كنتم قد استحييتم أن تفروا عني نهاراً، فالليل جاء وقد ستركم، فمَنْ شاء فليذهب واتركوني ".

يقص الحق سبحانه ما بدر منهم فَوْرَ أنْ دخلوا على أبيهم: { قَالُواْ يَٰأَبَانَآ... }.


www.alro7.net