سورة
اية:

قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ ۖ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

يخبر تعالى عن تعنت الكفار من مشركي قريش الجاحدين المعرضين عنه، أنهم إذا قرأ عليهم الرسول صلى اللّه عليه وسلم كتاب اللّه وحججه الواضحة قالوا له: ائت بقرآن غير هذا، أي رد هذا وجئنا بغيره من نمط آخر أو بدله إلى وضع آخر، قال اللّه تعالى لنبيّه صلى اللّه عليه وسلم: { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي} أي ليس هذا إليّ إنما أنا عبد مأمور، ورسول مبلّغ عن اللّه، { إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} ؛ ثم قال محتجاً عليهم في صحة ما جاءهم به؛ { قل لو شاء اللّه ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} أي هذا إنما جئتكم به عن إذن اللّه لي في ذلك ومشيئته وإرادته، والدليل على أني لست أتقوله من عندي، ولا افتريته أنكم عاجزون عن معارضته، وأنكم تعلمون صدقي وأمانتي منذ نشأت بينكم إلى حين بعثني اللّه عزَّ وجلَّ، لا تنتقدون عليَّ شيئاً تغمصوني به، ولهذا قال: { فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون} أي أفليس لكم عقول تعرفون بها الحق من الباطل؟ ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان قال له: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا، وكان أبو سفيان إذ ذاك رأس الكفرة وزعيم المشركين، ومع هذا اعترف بالحق ، والفضل ما شهدت به الأعداء فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب ليكذب على اللّه. وقال جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة: بعث اللّه فينا رسولاً نعرف صدقه ونسبه وأمانته، وقد كانت مدة مقامه عليه السلام بين أظهرنا قبل النبوة أربعين سنة.

تفسير الجلالين

{ قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم } أعلمكم { به } ولا نافية عطف على ما قبله، وفي قراءة بلام جواب لو أي لأعلمكم به على لسان غيري { فقد لبثت } مكثت { فيكم عمرا } سنينا أربعين { من قبله } لا أحدثكم بشيء { أفلا تعقلون } أنه ليس من قِبَلي .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُعَرِّفه الْحُجَّة عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْر هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد { لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ } ; أَيْ مَا تَلَوْت هَذَا الْقُرْآن عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس بِأَنْ كَانَ لَا يَنْزِل عَلَيَّ فَيَأْمُرنِي بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ , { وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول : وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13632 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } : وَلَا أَعْلَمَكُمْ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول : لَوْ شَاءَ اللَّه لَمْ يُعَلِّمكُمُوهُ . 13633 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول : مَا حَذَّرْتُكُمْ بِهِ . 13634 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْر هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ } , وَهُوَ قَوْل مُشْرِكِي أَهْل مَكَّة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْت فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْله أَفَلَا تَعْقِلُونَ } لَبِثَ أَرْبَعِينَ سَنَة . 13635 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ . 13636 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَلَا أَدَرَأْتُكُمْ بِهِ " يَقُول : مَا أَعْلَمْتُكُمْ بِهِ . 13637 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول : وَلَا أَشْعَرَكُمْ اللَّه بِهِ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَة الَّتِي حُكِيَتْ عَنْ الْحَسَن عِنْد أَهْل الْعَرَبِيَّة غَلَط , وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول فِي ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ : " وَلَا أَدَرَأْتُكُمْ بِهِ " , قَالَ : فَإِنْ يَكُنْ فِيهَا لُغَة سِوَى " دَرَيْت " وَ " أَدْرَيْت " , فَلَعَلَّ الْحَسَن ذَهَبَ إِلَيْهَا , وَأَمَّا أَنْ يَصْلُح مِنْ " دَرَيْت " أَوْ " أَدْرَيْت " فَلَا ; لِأَنَّ الْيَاء وَالْوَاو إِذَا اِنْفَتَحَ مَا قَبْلهمَا وَسَكَنَتَا صَحَّتَا , وَلَمْ تَنْقَلِبَا إِلَى أَلِف مِثْل قَضَيْت وَدَعَوْت , وَلَعَلَّ الْحَسَن ذَهَبَ إِلَى طَبِيعَته وَفَصَاحَته فَهَمَزَهَا , لِأَنَّهَا تُضَارِع " دَرَأْت الْحَدّ " وَشَبَهه . وَرُبَّمَا غَلِطَتْ الْعَرَب فِي الْحَرْف إِذَا ضَارَعَهُ آخَر مِنْ الْهَمْز , فَيَهْمِزُونَ غَيْر الْمَهْمُوز . وَسَمِعْت اِمْرَأَة مِنْ طَيّ تَقُول : رَثَأْت زَوْجِي بِأَبْيَاتٍ , وَيَقُولُونَ : لَبَّأْت بِالْحَجِّ وَحَلَّأْتُ السَّوِيق ; يَتَغَلَّطُونَ ; لِأَنَّ " حَلَّأْتُ " قَدْ يُقَال فِي دَفْع الْعِطَاش , مِنْ الْإِبِل , وَ " لَبَّأْت " : ذَهَبْت بِهِ إِلَى اللِّبَأ , لِبَأ الشَّاة , وَ " رَثَأْت زَوْجِي " : ذَهَبْت بِهِ إِلَى رَثَأْت اللَّبَن إِذَا أَنْتَ حَلَبْت الْحَلِيب عَلَى الرَّائِب , فَتِلْكَ الرَّثِيثَة . وَكَانَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ يَقُول : لَا وَجْه لِقِرَاءَةِ الْحَسَن هَذِهِ لِأَنَّهَا مِنْ " أَدْرَيْت " مِثْل " أَعْطَيْت " , إِلَّا أَنَّ لُغَة بَنِي عُقَيْل " أَعْطَأْتُ " يُرِيدُونَ " أَعْطَيْت " , تُحَوَّل الْيَاء أَلِفًا , قَالَ الشَّاعِر : لَقَدْ آذَنَتْ أَهْلَ الْيَمَامَة طَيِّئٌ بِحَرْبٍ كَنَاصَاة الْأَغَرّ الْمُشَهَّر يُرِيد كَنَاصِيَةِ ; حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْمُفَضَّل . وَقَالَ زَيْد الْخَيْل : لَعُمْرك مَا أَخْشَى التَّصَعْلُك مَا بَقَا عَلَى الْأَرْض قَيْسِيٌّ يَسُوق الْأَبَاعِرَا فَقَالَ " بَقَا " . وَقَالَ الشَّاعِر : لَزَجَرْت قَلْبًا لَا يَرِيع الزَّاجِر إِنَّ الْغَوِيّ إِذَا نُهَا لَمْ يُعْتِب يُرِيد " نُهِيَ " . قَالَ : وَهَذَا كُلّه عَلَى قِرَاءَة الْحَسَن , وَهِيَ مَرْغُوب عَنْهَا , قَالَ : وَطَيِّئ تُصَيِّر كُلَّ يَاء اِنْكَسَرَ مَا قَبْلهَا أَلِفًا , يَقُولُونَ : هَذِهِ جَارَاةُ , وَفِي التَّرْقُوَة : تُرْقَاةُ , وَالْعُرْقُوَةُ : عُرْقَاةُ , قَالَ : وَقَالَ بَعْض طَيِّئ : قَدْ لَقَتْ فَزَارَة , حَذْف الْيَاء مِنْ لَقِيت لَمَّا لَمْ يُمْكِنهُ أَنْ يُحَوِّلهَا أَلِفًا لِسُكُونِ التَّاء فَيَلْتَقِي سَاكِنَانِ . وَقَالَ : زَعَمَ يُونُس أَنَّ نَسَا وَرَضَا لُغَة مَعْرُوفَة , قَالَ الشَّاعِر : وَأَبْنَيْتُ بِالْأَعْرَاضِ ذَا الْبَطْن خَالِدًا نَسَا أَوْ تَنَاسَى أَنْ يَعُدّ الْمَوَالِيَا وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قِرَاءَة ذَلِكَ أَيْضًا رِوَايَة أُخْرَى , وَهِيَ مَا : 13638 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْمُعَلَّى بْن أَسَد , قَالَ : ثَنَا خَالِد بْن حَنْظَلَة , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ " . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسَتَجِيزُ أَنْ تَعْدُوهَا هِيَ الْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار : { لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ , وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } بِمَعْنَى : وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ , وَلَا أَشْعَرَكُمْ بِهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُعَرِّفه الْحُجَّة عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْر هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ : قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّد { لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ } ; أَيْ مَا تَلَوْت هَذَا الْقُرْآن عَلَيْكُمْ أَيّهَا النَّاس بِأَنْ كَانَ لَا يَنْزِل عَلَيَّ فَيَأْمُرنِي بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ , { وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول : وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13632 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } : وَلَا أَعْلَمَكُمْ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول : لَوْ شَاءَ اللَّه لَمْ يُعَلِّمكُمُوهُ . 13633 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : { لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول : مَا حَذَّرْتُكُمْ بِهِ . 13634 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتنَا بَيِّنَات قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا اِئْتِ بِقُرْآنٍ غَيْر هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ } , وَهُوَ قَوْل مُشْرِكِي أَهْل مَكَّة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ قَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْت فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْله أَفَلَا تَعْقِلُونَ } لَبِثَ أَرْبَعِينَ سَنَة . 13635 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ . 13636 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَلَا أَدَرَأْتُكُمْ بِهِ " يَقُول : مَا أَعْلَمْتُكُمْ بِهِ . 13637 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } يَقُول : وَلَا أَشْعَرَكُمْ اللَّه بِهِ . وَهَذِهِ الْقِرَاءَة الَّتِي حُكِيَتْ عَنْ الْحَسَن عِنْد أَهْل الْعَرَبِيَّة غَلَط , وَكَانَ الْفَرَّاء يَقُول فِي ذَلِكَ قَدْ ذُكِرَ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَالَ : " وَلَا أَدَرَأْتُكُمْ بِهِ " , قَالَ : فَإِنْ يَكُنْ فِيهَا لُغَة سِوَى " دَرَيْت " وَ " أَدْرَيْت " , فَلَعَلَّ الْحَسَن ذَهَبَ إِلَيْهَا , وَأَمَّا أَنْ يَصْلُح مِنْ " دَرَيْت " أَوْ " أَدْرَيْت " فَلَا ; لِأَنَّ الْيَاء وَالْوَاو إِذَا اِنْفَتَحَ مَا قَبْلهمَا وَسَكَنَتَا صَحَّتَا , وَلَمْ تَنْقَلِبَا إِلَى أَلِف مِثْل قَضَيْت وَدَعَوْت , وَلَعَلَّ الْحَسَن ذَهَبَ إِلَى طَبِيعَته وَفَصَاحَته فَهَمَزَهَا , لِأَنَّهَا تُضَارِع " دَرَأْت الْحَدّ " وَشَبَهه . وَرُبَّمَا غَلِطَتْ الْعَرَب فِي الْحَرْف إِذَا ضَارَعَهُ آخَر مِنْ الْهَمْز , فَيَهْمِزُونَ غَيْر الْمَهْمُوز . وَسَمِعْت اِمْرَأَة مِنْ طَيّ تَقُول : رَثَأْت زَوْجِي بِأَبْيَاتٍ , وَيَقُولُونَ : لَبَّأْت بِالْحَجِّ وَحَلَّأْتُ السَّوِيق ; يَتَغَلَّطُونَ ; لِأَنَّ " حَلَّأْتُ " قَدْ يُقَال فِي دَفْع الْعِطَاش , مِنْ الْإِبِل , وَ " لَبَّأْت " : ذَهَبْت بِهِ إِلَى اللِّبَأ , لِبَأ الشَّاة , وَ " رَثَأْت زَوْجِي " : ذَهَبْت بِهِ إِلَى رَثَأْت اللَّبَن إِذَا أَنْتَ حَلَبْت الْحَلِيب عَلَى الرَّائِب , فَتِلْكَ الرَّثِيثَة . وَكَانَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ يَقُول : لَا وَجْه لِقِرَاءَةِ الْحَسَن هَذِهِ لِأَنَّهَا مِنْ " أَدْرَيْت " مِثْل " أَعْطَيْت " , إِلَّا أَنَّ لُغَة بَنِي عُقَيْل " أَعْطَأْتُ " يُرِيدُونَ " أَعْطَيْت " , تُحَوَّل الْيَاء أَلِفًا , قَالَ الشَّاعِر : لَقَدْ آذَنَتْ أَهْلَ الْيَمَامَة طَيِّئٌ بِحَرْبٍ كَنَاصَاة الْأَغَرّ الْمُشَهَّر يُرِيد كَنَاصِيَةِ ; حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْمُفَضَّل . وَقَالَ زَيْد الْخَيْل : لَعُمْرك مَا أَخْشَى التَّصَعْلُك مَا بَقَا عَلَى الْأَرْض قَيْسِيٌّ يَسُوق الْأَبَاعِرَا فَقَالَ " بَقَا " . وَقَالَ الشَّاعِر : لَزَجَرْت قَلْبًا لَا يَرِيع الزَّاجِر إِنَّ الْغَوِيّ إِذَا نُهَا لَمْ يُعْتِب يُرِيد " نُهِيَ " . قَالَ : وَهَذَا كُلّه عَلَى قِرَاءَة الْحَسَن , وَهِيَ مَرْغُوب عَنْهَا , قَالَ : وَطَيِّئ تُصَيِّر كُلَّ يَاء اِنْكَسَرَ مَا قَبْلهَا أَلِفًا , يَقُولُونَ : هَذِهِ جَارَاةُ , وَفِي التَّرْقُوَة : تُرْقَاةُ , وَالْعُرْقُوَةُ : عُرْقَاةُ , قَالَ : وَقَالَ بَعْض طَيِّئ : قَدْ لَقَتْ فَزَارَة , حَذْف الْيَاء مِنْ لَقِيت لَمَّا لَمْ يُمْكِنهُ أَنْ يُحَوِّلهَا أَلِفًا لِسُكُونِ التَّاء فَيَلْتَقِي سَاكِنَانِ . وَقَالَ : زَعَمَ يُونُس أَنَّ نَسَا وَرَضَا لُغَة مَعْرُوفَة , قَالَ الشَّاعِر : وَأَبْنَيْتُ بِالْأَعْرَاضِ ذَا الْبَطْن خَالِدًا نَسَا أَوْ تَنَاسَى أَنْ يَعُدّ الْمَوَالِيَا وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قِرَاءَة ذَلِكَ أَيْضًا رِوَايَة أُخْرَى , وَهِيَ مَا : 13638 - حَدَّثَنَا بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا الْمُعَلَّى بْن أَسَد , قَالَ : ثَنَا خَالِد بْن حَنْظَلَة , عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْذَرْتُكُمْ بِهِ " . وَالْقِرَاءَة الَّتِي لَا أَسَتَجِيزُ أَنْ تَعْدُوهَا هِيَ الْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا قُرَّاء الْأَمْصَار : { لَوْ شَاءَ اللَّه مَا تَلَوْته عَلَيْكُمْ , وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ } بِمَعْنَى : وَلَا أَعْلَمَكُمْ بِهِ , وَلَا أَشْعَرَكُمْ بِهِ .' يَقُول : فَقَدْ مَكَثْت فِيكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَة مِنْ قَبْل أَنْ أَتْلُوَهُ عَلَيْكُمْ وَمِنْ قَبْل أَنْ يُوحِيه إِلَيَّ رَبِّي , { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } أَنِّي لَوْ كُنْت مُنْتَحِلًا مَا لَيْسَ لِي مِنْ الْقَوْل كُنْت قَدْ اِنْتَحَلْته فِي أَيَّام شَبَابِي وَحَدَاثَتِي وَقَبْل الْوَقْت الَّذِي تَلَوْته عَلَيْكُمْ ؟ فَقَدْ كَانَ لِي الْيَوْم لَوْ لَمْ يُوحَ إِلَيَّ وَأُومَرْ بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ مَنْدُوحَة عَنْ مُعَادَاتكُمْ وَمُتَّسَع فِي الْحَال الَّتِي كُنْت بِهَا مِنْكُمْ قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيَّ وَأُومَر بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ .يَقُول : فَقَدْ مَكَثْت فِيكُمْ أَرْبَعِينَ سَنَة مِنْ قَبْل أَنْ أَتْلُوَهُ عَلَيْكُمْ وَمِنْ قَبْل أَنْ يُوحِيه إِلَيَّ رَبِّي , { أَفَلَا تَعْقِلُونَ } أَنِّي لَوْ كُنْت مُنْتَحِلًا مَا لَيْسَ لِي مِنْ الْقَوْل كُنْت قَدْ اِنْتَحَلْته فِي أَيَّام شَبَابِي وَحَدَاثَتِي وَقَبْل الْوَقْت الَّذِي تَلَوْته عَلَيْكُمْ ؟ فَقَدْ كَانَ لِي الْيَوْم لَوْ لَمْ يُوحَ إِلَيَّ وَأُومَرْ بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ مَنْدُوحَة عَنْ مُعَادَاتكُمْ وَمُتَّسَع فِي الْحَال الَّتِي كُنْت بِهَا مِنْكُمْ قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيَّ وَأُومَر بِتِلَاوَتِهِ عَلَيْكُمْ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى: { قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به} أي لو شاء الله ما أرسلني إليكم فتلوت عليكم القرآن، ولا أعلمكم الله ولا أخبركم به؛ يقال : دريت الشيء وأدراني الله به، ودريته ودريت به. وفي الدراية معنى الختل؛ ومنه دريت الرجل أي ختلته، ولهذا لا يطلق الداري في حق الله تعالى وأيضا عدم فيه التوقيف. وقرأ ابن كثير { ولأدراكم به} بغير ألف بين اللام والهمزة؛ والمعنى : لو شاء الله لأعلمكم به من غير أن أتلوه عليكم؛ فهي لام التأكيد دخلت على ألف أفعل. وقرأ ابن عباس والحسن { ولا أدراتكم به} بتحويل الياء ألفا، على لغة بني عقيل؛ قال الشاعر : لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقي ** على الأرض قيسي يسوق الأباعرا وقال آخر : ألا آذنت أهل اليمامة طـــيئ ** بحرب كناصات الأغر المشهــــر قال أبو حاتم : سمعت الأصمعي يقول سألت أبا عمرو بن العلاء : هل لقراءة الحسن { ولا أدراتكم به} وجه؟ فقال لا. وهل أبو عبيد : لا وجه لقراءة الحسن { ولا أدراتكم به} إلا الغلط. قال النحاس : معنى قول أبي عبيد : لا وجه، إن شاء الله على الغلط؛ لأنه يقال : دريت أي علمت، وأدريت غيري، ويقال : درأت أي دفعت؛ فيقع الغلط بين دريت ودرأت. قال أبو حاتم : يريد الحسن فيما أحسب { ولا أدريتكم به} فأبدل من الياء ألفا على لغة بني الحارث بن كعب، يبدلون من الياء ألفا إذا انفتح ما قبلها؛ مثل: { إن هذان لساحران} [طه : 63]. قال المهدوي : ومن قرأ { أدرأتكم} فوجهه أن أصل الهمزة ياء، فأصله { أدريتكم} فقلبت الياء ألفا وإن كانت ساكنة؛ كما قال : يايس في ييس وطايئ في طيئ، ثم قلبت الألف همزة على لغة من قال في العالم العألم وفي الخاتم الخأتم. قال النحاس : وهذا غلط، والرواية عن الحسن { ولا أدرأتكم} بالهمزة، وأبو حاتم وغيره تكلم أنه بغير همز، ويجوز أن يكون من درأت أي دفعت؛ أي ولا أمرتكم أن تدفعوا فتتركوا الكفر بالقرآن. قوله تعالى: { فقد لبثت فيكم عمرا} ظرف، أي مقدارا من الزمان وهو أربعون سنة. { من قبله} أي من قبل القرآن، تعرفونني بالصدق والأمانة، لا أقرأ ولا أكتب، ثم جئتكم بالمعجزات. { أفلا تعقلون} أن هذا لا يكون إلا من عند الله لا من قبلي. وقيل : معنى { لبثت فيكم عمرا} أي لبثت فيكم مدة شبابي لم أعص الله، أفتريدون مني الآن وقد بلغت أربعين سنة أن أخالف أمر الله، وأغير ما ينزله علي. قال قتادة : لبث فيهم أربعين سنة، وأقام سنتين يرى رؤيا الأنبياء، وتوفي صلى الله عليه وسلم وهو ابن اثنتين وستين سنة.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة يونس الايات 13 - 16


سورة يونس الايات 15 - 19

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهنا يبلِّغ محمدٌ صلى الله عليه وسلم هؤلاء الذين طلبوا تغيير القرآن أو تبديله: لقد عشت طوال عمري معكم، ولم تكن لي قوة بلاغة أو قوة شعر، أو قوة أدب. فمن له موهبة لا يكتمها إلى أن يبلغ الأربعين، ورأيتم أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس إلى معلِّم، بل عندما اتهمتموه وقلتم:


{  إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ }
[النحل: 103]

وفضحكم الحق سبحانه بأن أنزل في القرآن قوله تعالى:


{  لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ }
[النحل: 103]

ولم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من شبه الجزيرة العربية، ولم يقرأ مؤلَّفَات أحد. فمن أين جاء القرآن إذن؟

لقد جاء من الله سبحانه، وعليكم أن تعقلوا ذلك، ولا داعي للاتهام بأن القرآن من عند محمد؛ لأنكم لم تجرّبوه خطيباً أو شاعراً، بل كل ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن نزلت عليه الرسالة، هو بلاغ من عند الله.

وبطبيعة الحال لا يمكن أن يُنسَب الكمال إلى إنسان فينفيه، فالعادة أن يسرق شاعر ـ مثلاً ـ قصيدة من شاعر آخر، أو أن ينتحل كاتب مقالة من آخر. لكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبلِّغكم أن كمال القرآن ليس من عنده، بل هو مجرد مبلِّغ له، وكان يجب أن يتعقَّلوا تلك القضية بمقدِّماتها ونتائجها؛ فلا يلقوا لأفكارهم العنان؛ ليكذبوا ويعاندوا، فالأمر بسيط جداً.

يقول الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:

{ قُل لَّوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } [يونس: 16]

إذن: فالمقدمة التي يريد الحق سبحانه وتعالى أن يقنع بها الكافرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسله الله رسولاً من أنفسهم، فإن قلت:


{  إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ }
[آل عمران: 164]

أي: أنه صلى الله عليه وسلم من جنس الناس، لا من جنس الملائكة، أو { مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } أي: من أمة العرب، لا من أمة العَجَم، أو { مِّنْ أَنْفُسِهِمْ } أي: من قبيلتهم التي يكذِّب أصحابُها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم.

إذن: فحياته صلى الله عليه وسلم معروفة معلومة لكم، لم يَغِبْ عنكم فترة؛ لتقولوا بُعِثَ بعثةً؛ ليتعلَّم علماً من مكان آخر، ولم يجلس إلى معلِّم عندكم ولا إلى معلِّم خارجكم، ولم يَتْلُ كتاباً، فإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن تأخذوا من هذا مقدِّمة وتقولوا: فمن أين جاءت له هذه الحكمة فجأة؟

أنتم تعلمون أن المواهب والعبقريات لا تنشأ في الأربعينات، ولكن مخايل العبقرية إنما ينشأ في نهاية العقد الثاني وأوائل العقد الثالث، فمن الذي آخّر العبقرية عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقول هذا القول البليغ الذي أعجزكم، وأنتم أمّة البلاغة وأمة الفصاحة المرتاضون عليها من قديم، وعجزتم أمام ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم؟

كان يجب أن تقولوا: لم نعرف عنه أنه يعلم شيئاً من هذا، فإذا حَلّ لكم اللغز وأوضح لكم: أن القرآن ليس من عندي؛ كان يجب أن تصدقوه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم يعزوه إلى خالقه وربه سبحانه.والدليل على أنكم مضطربون في الحكم أنكم ساعة يقول لكم: القرآن بلاغ عن الله، تكذِّبونه، وتقولون: لا، بل هو من عندك، فإذا فَترَ عنه الوحي مرّةً قلتم: قلاه ربُّه.

لماذا اقتنعتم بأن له ربّاً يَصِلُه بالوحي ويهجره بلا وحي؟

أنتم ـ إذن ـ أنكرتم حالة الوصل بالوحي، واعترفتم بالإله الخالق عندما غاب عنه الوحي، وكان يجب أن تنتبهوا وتعودوا إلى عقولكم؛ لتحكموا على هذه الأشياء، وقد ذكر الحق سبحانه ذلك الأمر في كثير من آياته، يقول سبحانه:


{  وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ }
[آل عمران: 44]

ويقول سبحانه:


{  وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ }
[القصص: 44]

ويقول سبحانه:


{  وَمَا كُنتَ ثَاوِياً فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ }
[القصص: 45]

ويقول سبحانه:


{  وَمَا كُنتَ تَتْلُواْ مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَّرْتَابَ ٱلْمُبْطِلُونَ }
[العنكبوت: 48]

فمن أين جاءت تلك البلاغة؟ كان يجب أن تأخذوا هذه المقدِّمات؛ لتحكموا بأنه صادق في البلاغ عن الله؛ لذلك يُنهى الحق سبحانه الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها بقوله: { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }.

وحين ينبهك الحق سبحانه وتعالى إلى أن تستعمل عقلك، فهذا دليل على الثقة في أنك إذا استعملت عقلك؛ وصلت إلى القضية المرادة. والله سبحانه وتعالى مُنزَّه عن خديعة عباده، فمن يخدع الإنسان هو من يحاول أن يصيب عقله بالغفلة، لكن الذي ينّبه العقل هو من يعلم أن دليل الحقيقة المناسبة لما يقول، يمكن الوصول إليه بالعقل.

وقول الحق سبحانه في آخر الآية: { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } يدلنا على أن القضية التي كذَّبوا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم نشأت من عدم استعمال عقولهم، فلو أنهم استعملوا عقولهم في استخدام المقدمات المُحسَّة التي يؤمنون بها ويسلمون؛ لانتهوا إلى القضية الإيمانية التي يقولها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ولو أنهم فكّروا وقالوا: محمد نشأ بيننا ولم نعرف له قراءة، ولا تلاوة كتاب ولا جلوساً إلى معلِّم، ولم يَغبْ عنا فترة ليتعلَّم، وظل مدة طويلة إلى سِنِّ الأربعين ولم يرتض على قول ولا على بلاغة ولا على بيان؛ فمن أين جاءته هذه الدفعة القوية؟

كان يجب أن يسألوه هو عنها: من أين جاءتك هذه؟ وما دام قد قال لهم: إنها جاءته من عند الله، فكان يجب أن يصدِّقوه.

ومهمة العقل دائما مأخوذة من اشتقاقه، " فالعقل " مأخوذ من " عقال " البعير.وعقال البعير هو الحبل الذي يربط به ساقي الجمل؛ حتى لا ينهض ويقوم؛ لنوفِّر له حركته فيما نحب أن يتحرك فيه، فبدلاً من أن يسير هكذا بدون غرض، وبدون قصد، فنحن نربط ساقيه؛ ليرتاح ولا يتحرك، إلى أن نحتاجه في حركة.

إذن: فالعقل إنما جاء؛ ليحكم المَلَكَات؛ لأن كل مَلَكَة لها نزوع إلى شيء، فالعين لها مَلَكَة أن ترى كل شيء، فيقول لها العقل: لا داعي أن تشاهدي ذلك؛ لأنه منظر سيؤذيك، والأذن تحب أن تسمع كل قول، فيقول لها العقل: لا تسمعي إلى ذلك؛ حتى لا يضرك.

إذن: فالعقل هو الضابط على بقية الجوارح. وكذلك كلمة " الحِكْمة " ، مأخوذة من " الحَكَمة " هي في " اللِّجام " الذي يوضع في فم الفرس؛ حتى لا يجمح، وتظل حركته محسوبة؛ فلا يتحرك إلا إلى الاتجاه الذي تريده.

إذن: شاء الحق سبحانه أن يميّز الإنسان بالعقل والحكمة؛ ليقيم الموازين لملكات النفس؛ فخذوا المقدمات المُحَسَّة التي تؤمنون بها وتشهدونها وتسلمونها لرسول الله صلى الله عليه سلم لتستنبطوا أنه جاء بكلامه من عند الله تعالى.

ويقول الحق سبحانه بعد ذلك: { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ ٱفْتَرَىٰ }


www.alro7.net