سورة
اية:

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ

تفسير بن كثير

نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى هذا قول مجاهد وقتادة والضحّاك والسدي ، وقال ابن عباس: إن اليهود والنصارى اختلفوا قبل مبعث محمد صلى اللّه عليه وسلم فتفرقوا، فلما بعث محمد صلى اللّه عليه وسلم أنزل اللّه عليه: { إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء} الآية، قوله { وكانوا شيعاً} قال: هم الخوارج، وقيل: هم أصحاب البدع، والظاهر أن الآية عامة في كل من فارق دين اللّه وكان مخالفاً له، فإن اللّه بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وشرعه واحد لا اختلاف فيه ولا افتراق، فمن اختلف فيه { وكانوا شيعاً} أي فرقاً كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات، فإن اللّه تعالى قد برأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مما هم فيه وهذه الآية كقوله تعالى: { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك} الآية. وفي الحديث: (نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد)، فهذا هو الصراط المستقيم وهو ما جاءت به الرسل من عبادة اللّه وحده لا شريك له، والتمسك بشريعة الرسول المتأخر، وما خالف ذلك فضلالات وجهالات وآراء وأهواء والرسل برآء منها كما قال اللّه تعالى: { لست منهم في شيء} ، وقوله تعالى: { إنما أمرهم إلى اللّه ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} كقوله تعالى: { إن اللّه يفصل بينهم يوم القيامة} الآية. ثم بين لطفه سبحانه في حكمه وعدله يوم القيامة فقال تعالى:

تفسير الجلالين

{ إن الذين فرَّقوا دينهم } باختلافهم فيه فأخذوا بعضه وتركوا بعضه { وكانوا شيعا } فرقا في ذلك، وفي قراءة فارقوا أي تركوا دينهم الذي أمروا به وهم اليهود والنصارى { لست منهم في شيء } أي فلا تتعرض لهم { إنما أمرهم إلى الله } يتولاه { ثم ينبِّئهم } في الآخرة { بما كانوا يفعلون } فيجازيهم به وهذا منسوخ بآيه السيف .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينهمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه ثُمَّ يُنَبِّئهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { فَرَّقُوا } فَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , مَا : 11082 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , قَرَأَ : " إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ " . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير , قَالَ : قَالَ حَمْزَة الزَّيَّات , قَرَأَهَا عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " . 11083 - وَقَالَ : ثَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ قَتَادَة : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " وَكَأَنَّ عَلِيًّا ذَهَبَ بِقَوْلِهِ : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " خَرَجُوا فَارْتَدُّوا عَنْهُ مِنْ الْمُفَارَقَة . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , كَمَا : 11084 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن رَافِع , عَنْ زُهَيْر , قَالَ : ثَنَا أَبُو إِسْحَاق أَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ يَقْرَؤُهَا : { فَرَّقُوا دِينَهُمْ } . وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة , أَعْنِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه , قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ . وَكَأَنَّ عَبْد اللَّه تَأَوَّلَ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنَّ دِين اللَّه وَاحِد , وَهُوَ دِين إِبْرَاهِيم الْحَنِيفِيَّة الْمُسْلِمَة , فَفَرَّقَ ذَلِكَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , فَتَهَوَّدَ قَوْم , وَتَنَصَّرَ آخَرُونَ , فَجَعَلُوهُ شِيَعًا مُتَفَرِّقَة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ , قَدْ قَرَأَتْ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَئِمَّة مِنْ الْقُرَّاء , وَهُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى غَيْر مُخْتَلِفَتَيْهِ . وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ ضَالّ فَلِدِينِهِ مُفَارِق , وَقَدْ فَرَّقَ الْأَحْزَاب دِين اللَّه الَّذِي اِرْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ , فَتَهَوَّدَ بَعْض , وَتَنَصَّرَ آخَرُونَ , وَتَمَجَّسَ بَعْض , وَذَلِكَ هُوَ التَّفْرِيق بِعَيْنِهِ وَمَصِير أَهْله شِيَعًا مُتَفَرِّقِينَ غَيْر مُجْتَمَعِينَ , فَهُمْ لِدِينِ اللَّه الْحَقّ مُفَارِقُونَ وَلَهُ مُفَرِّقُونَ ; فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَهُوَ لِلْحَقِّ مُصِيب , غَيْر أَنِّي أَخْتَار الْقِرَاءَة بِاَلَّذِي عَلَيْهِ عُظْم الْقُرَّاء , وَذَلِكَ تَشْدِيد الرَّاء مِنْ " فَرَّقُوا " . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11085 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَكَانُوا شِيَعًا } قَالَ : يَهُود . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 11086 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَرَّقُوا دِينهمْ } قَالَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى 11087 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينهمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَأَمَّا قَوْلُهُ : { فَرَّقُوا دِينَهُمْ } فَيَقُول : تَرَكُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا . 1 11088 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينهمْ وَكَانُوا شِيَعًا } وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى اِخْتَلَفُوا قَبْل أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ فَتَفَرَّقُوا , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد أَنْزَلَ اللَّه : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } . 11089 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } يَعْنِي : الْيَهُود وَالنَّصَارَى . 11090 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حُسَيْن بْن عَلِيّ , عَنْ شَيْبَان , عَنْ قَتَادَة : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " قَالَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : أَهْل الْبِدَع مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة الَّذِينَ اِتَّبَعُوا مُتَشَابِه الْقُرْآن دُون مُحْكَمِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11091 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ طَاوُس , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ } قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي هَذِهِ الْأُمَّة . 11092 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ طَاوُس , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } قَالَ : هُمْ أَهْل الضَّلَالَة . 11093 - حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَمْرو السُّكُونِيّ , قَالَ : ثَنَا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ عَبَّاد بْن كَثِير , قَالَ : ثَنِي لَيْث , عَنْ طَاوُس , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَة : " { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } وَلَيْسُوا مِنْك , هُمْ أَهْل الْبِدَع وَأَهْل الشُّبُهَات وَأَهْل الضَّلَالَة مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَرِيء مِمَّنْ فَارَقَ دِينه الْحَقّ , وَفَرَّقَهُ , وَكَانُوا فِرَقًا فِيهِ وَأَحْزَابًا شِيَعًا , وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ وَلَا هُمْ مِنْهُ ; لِأَنَّ دِينه الَّذِي بَعَثَهُ اللَّه بِهِ هُوَ الْإِسْلَام دِين إِبْرَاهِيم الْحَنِيفِيَّة كَمَا قَالَ لَهُ رَبّه وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُول : { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دِينًا قِيَمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } فَكَانَ مَنْ فَارَقَ دِينه الَّذِي بُعِثَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُشْرِك وَوَثَنِيّ وَيَهُودِيّ وَنَصْرَانِيّ وَمُتَحَنِّف مُبْتَدِع قَدْ اِبْتَدَعَ فِي الدِّين مَا ضَلَّ بِهِ عَنْ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم وَالدِّين الْقَيِّم , مِلَّة إِبْرَاهِيم الْمُسْلِم , فَهُوَ بَرِيء مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُحَمَّد مِنْهُ بَرِيء , وَهُوَ دَاخِل فِي عُمُوم قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } . وَأَمَّا قَوْله : { لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرهمْ إِلَى اللَّه } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّ اللَّه بِالْأَمْرِ بِتَرْكِ قِتَال الْمُشْرِكِينَ قَبْل وُجُوب فَرْض قِتَالهمْ , ثُمَّ نَسَخَهَا الْأَمْر بِقِتَالِهِمْ فِي سُورَة بَرَاءَة , وَذَلِكَ قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11094 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : قَوْله : { لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه } لَمْ يُؤْمَر بِقِتَالِهِمْ , ثُمَّ نُسِخَتْ , فَأُمِرَ بِقِتَالِهِمْ فِي سُورَة بَرَاءَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِعْلَامًا مِنْ اللَّه لَهُ أَنَّ مِنْ أُمَّته مَنْ يُحْدِث بَعْده فِي دِينه ; وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ , لِأَنَّهَا خَبَر لَا أَمْر , وَالنَّسْخ إِنَّمَا يَكُون فِي الْأَمْر وَالنَّهْي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11095 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِك بْن مِغْوَل , عَنْ عَلِيّ بْن الْأَقْمَر , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } ثُمَّ يَقُول : بَرِيء نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ . 11096 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي وَابْن إِدْرِيس وَأَبُو أُسَامَة وَيَحْيَى بْن آدَم , عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل , بِنَحْوِهِ . 11097 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا شُجَاع أَبُو بَدْر , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس الْمَلَأ , قَالَ : قَالَتْ أُمّ سَلَمَة : لِيَتَّقِ اِمْرُؤُ أَنْ لَا يَكُون مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْء ! ثُمَّ قَرَأَتْ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } قَالَ عَمْرو بْن قَيْس : قَالَهَا مَرَّة الطَّيِّب وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ قَوْله : { لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } إِعْلَام مِنْ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ مُبْتَدِعَة أُمَّتِهِ الْمُلْحِدَة فِي دِينه بَرِيءٌ , وَمِنْ الْأَحْزَاب مِنْ مُشْرِكِي قَوْمه وَمِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَلَيْسَ فِي إِعْلَامه ذَلِكَ مَا يُوجِب أَنْ يَكُون نَهَاهُ عَنْ قِتَالِهِمْ ; لِأَنَّهُ غَيْر مُحَال أَنَّ فِي الْكَلَام : لَسْت مِنْ دِين الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي شَيْء فَقَاتِلْهُمْ , فَإِنَّ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّه فِي أَنْ يَتَفَضَّل عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ , فَيَتُوب عَلَيْهِ , وَيُهْلِك مِنْ أَرَادَ إِهْلَاكه مِنْهُمْ كَافِرًا , فَيَقْبِض رُوحه , أَوْ يَقْتُلهُ بِيَدِك عَلَى كُفْره , ثُمَّ يُنَبِّئهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ عِنْد مَقْدَمهمْ عَلَيْهِ . وَإِذْ كَانَ غَيْر مُسْتَحِيل اِجْتِمَاع الْأَمْر بِقِتَالِهِمْ , وَقَوْله : { لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه } وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَة دَلِيل وَاضِح عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَة وَلَا وَرَدَ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة عَنْ الرَّسُول خَبَر , كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يُقْضَى عَلَيْهَا بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة حَتَّى تَقُوم حُجَّة مُوجِبَة صِحَّة الْقَوْل بِذَلِكَ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الْمَنْسُوخ هُوَ مَا لَمْ يَجُزْ اِجْتِمَاعه وَنَاسِخه فِي حَال وَاحِدَة فِي كِتَابنَا كِتَاب " اللَّطِيف عَنْ أُصُول الْأَحْكَام " . وَأَمَّا قَوْله : { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه } فَإِنَّهُ يَقُول : أَنَا الَّذِي إِلَيَّ أَمْر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا , وَالْمُبْتَدِعَة مِنْ أُمَّتك الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلك , دُونَك وَدُون كُلّ أَحَد ; إِمَّا بِالْعُقُوبَةِ إِنْ أَقَامُوا عَلَى ضَلَالَتهمْ وَفُرْقَتهمْ دِينهمْ فَأُهْلِكهُمْ بِهَا , وَإِمَّا بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ وَالتَّفَضُّل مِنِّي عَلَيْهِمْ . { ثُمَّ يُنَبِّئهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } يَقُول : ثُمَّ أُخْبِرهُمْ فِي الْآخِرَة عِنْد وُرُودهمْ عَلَيَّ يَوْم الْقِيَامَة بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ; فَأُجَازِي كُلًّا مِنْهُمْ بِمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَفْعَلُونَ , الْمُحْسِن مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ وَالْمُسِيء بِالْإِسَاءَةِ . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا مَبْلَغ جَزَائِهِ مَنْ جَازَى مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ أَوْ بِالْإِسَاءَةِ , فَقَالَ : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينهمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه ثُمَّ يُنَبِّئهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } اِخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { فَرَّقُوا } فَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , مَا : 11082 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار , أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , قَرَأَ : " إِنَّ الَّذِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ " . * حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا جَرِير , قَالَ : قَالَ حَمْزَة الزَّيَّات , قَرَأَهَا عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " . 11083 - وَقَالَ : ثَنَا الْحَسَن بْن عَلِيّ , عَنْ سُفْيَان , عَنْ قَتَادَة : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " وَكَأَنَّ عَلِيًّا ذَهَبَ بِقَوْلِهِ : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " خَرَجُوا فَارْتَدُّوا عَنْهُ مِنْ الْمُفَارَقَة . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , كَمَا : 11084 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا يَحْيَى بْن رَافِع , عَنْ زُهَيْر , قَالَ : ثَنَا أَبُو إِسْحَاق أَنَّ عَبْد اللَّه كَانَ يَقْرَؤُهَا : { فَرَّقُوا دِينَهُمْ } . وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة , أَعْنِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه , قُرَّاء الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَعَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ . وَكَأَنَّ عَبْد اللَّه تَأَوَّلَ بِقِرَاءَتِهِ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنَّ دِين اللَّه وَاحِد , وَهُوَ دِين إِبْرَاهِيم الْحَنِيفِيَّة الْمُسْلِمَة , فَفَرَّقَ ذَلِكَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , فَتَهَوَّدَ قَوْم , وَتَنَصَّرَ آخَرُونَ , فَجَعَلُوهُ شِيَعًا مُتَفَرِّقَة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ , قَدْ قَرَأَتْ بِكُلِّ وَاحِدَة مِنْهُمَا أَئِمَّة مِنْ الْقُرَّاء , وَهُمَا مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى غَيْر مُخْتَلِفَتَيْهِ . وَذَلِكَ أَنَّ كُلّ ضَالّ فَلِدِينِهِ مُفَارِق , وَقَدْ فَرَّقَ الْأَحْزَاب دِين اللَّه الَّذِي اِرْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ , فَتَهَوَّدَ بَعْض , وَتَنَصَّرَ آخَرُونَ , وَتَمَجَّسَ بَعْض , وَذَلِكَ هُوَ التَّفْرِيق بِعَيْنِهِ وَمَصِير أَهْله شِيَعًا مُتَفَرِّقِينَ غَيْر مُجْتَمَعِينَ , فَهُمْ لِدِينِ اللَّه الْحَقّ مُفَارِقُونَ وَلَهُ مُفَرِّقُونَ ; فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ الْقَارِئ فَهُوَ لِلْحَقِّ مُصِيب , غَيْر أَنِّي أَخْتَار الْقِرَاءَة بِاَلَّذِي عَلَيْهِ عُظْم الْقُرَّاء , وَذَلِكَ تَشْدِيد الرَّاء مِنْ " فَرَّقُوا " . ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنَيَيْنِ بِقَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِذَلِكَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11085 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَكَانُوا شِيَعًا } قَالَ : يَهُود . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . 11086 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَرَّقُوا دِينهمْ } قَالَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى 11087 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينهمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَأَمَّا قَوْلُهُ : { فَرَّقُوا دِينَهُمْ } فَيَقُول : تَرَكُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا . 1 11088 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينهمْ وَكَانُوا شِيَعًا } وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود وَالنَّصَارَى اِخْتَلَفُوا قَبْل أَنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ فَتَفَرَّقُوا , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد أَنْزَلَ اللَّه : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } . 11089 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْلِهِ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } يَعْنِي : الْيَهُود وَالنَّصَارَى . 11090 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا حُسَيْن بْن عَلِيّ , عَنْ شَيْبَان , عَنْ قَتَادَة : " فَارَقُوا دِينَهُمْ " قَالَ : هُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَقَالَ آخَرُونَ : عُنِيَ بِذَلِكَ : أَهْل الْبِدَع مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة الَّذِينَ اِتَّبَعُوا مُتَشَابِه الْقُرْآن دُون مُحْكَمِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11091 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ طَاوُس , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ } قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي هَذِهِ الْأُمَّة . 11092 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ لَيْث , عَنْ طَاوُس , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا } قَالَ : هُمْ أَهْل الضَّلَالَة . 11093 - حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عَمْرو السُّكُونِيّ , قَالَ : ثَنَا بَقِيَّة بْن الْوَلِيد , قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ عَبَّاد بْن كَثِير , قَالَ : ثَنِي لَيْث , عَنْ طَاوُس , عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَة : " { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } وَلَيْسُوا مِنْك , هُمْ أَهْل الْبِدَع وَأَهْل الشُّبُهَات وَأَهْل الضَّلَالَة مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة " . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بَرِيء مِمَّنْ فَارَقَ دِينه الْحَقّ , وَفَرَّقَهُ , وَكَانُوا فِرَقًا فِيهِ وَأَحْزَابًا شِيَعًا , وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمْ وَلَا هُمْ مِنْهُ ; لِأَنَّ دِينه الَّذِي بَعَثَهُ اللَّه بِهِ هُوَ الْإِسْلَام دِين إِبْرَاهِيم الْحَنِيفِيَّة كَمَا قَالَ لَهُ رَبّه وَأَمَرَهُ أَنْ يَقُول : { قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم دِينًا قِيَمًا مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ } فَكَانَ مَنْ فَارَقَ دِينه الَّذِي بُعِثَ بِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مُشْرِك وَوَثَنِيّ وَيَهُودِيّ وَنَصْرَانِيّ وَمُتَحَنِّف مُبْتَدِع قَدْ اِبْتَدَعَ فِي الدِّين مَا ضَلَّ بِهِ عَنْ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم وَالدِّين الْقَيِّم , مِلَّة إِبْرَاهِيم الْمُسْلِم , فَهُوَ بَرِيء مِنْ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُحَمَّد مِنْهُ بَرِيء , وَهُوَ دَاخِل فِي عُمُوم قَوْله : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } . وَأَمَّا قَوْله : { لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرهمْ إِلَى اللَّه } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة عَلَى نَبِيّ اللَّه بِالْأَمْرِ بِتَرْكِ قِتَال الْمُشْرِكِينَ قَبْل وُجُوب فَرْض قِتَالهمْ , ثُمَّ نَسَخَهَا الْأَمْر بِقِتَالِهِمْ فِي سُورَة بَرَاءَة , وَذَلِكَ قَوْله : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11094 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : قَوْله : { لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه } لَمْ يُؤْمَر بِقِتَالِهِمْ , ثُمَّ نُسِخَتْ , فَأُمِرَ بِقِتَالِهِمْ فِي سُورَة بَرَاءَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِعْلَامًا مِنْ اللَّه لَهُ أَنَّ مِنْ أُمَّته مَنْ يُحْدِث بَعْده فِي دِينه ; وَلَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ , لِأَنَّهَا خَبَر لَا أَمْر , وَالنَّسْخ إِنَّمَا يَكُون فِي الْأَمْر وَالنَّهْي . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11095 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِك بْن مِغْوَل , عَنْ عَلِيّ بْن الْأَقْمَر , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , أَنَّهُ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } ثُمَّ يَقُول : بَرِيء نَبِيّكُمْ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ . 11096 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي وَابْن إِدْرِيس وَأَبُو أُسَامَة وَيَحْيَى بْن آدَم , عَنْ مَالِك بْن مِغْوَل , بِنَحْوِهِ . 11097 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا شُجَاع أَبُو بَدْر , عَنْ عَمْرو بْن قَيْس الْمَلَأ , قَالَ : قَالَتْ أُمّ سَلَمَة : لِيَتَّقِ اِمْرُؤُ أَنْ لَا يَكُون مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَيْء ! ثُمَّ قَرَأَتْ : { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } قَالَ عَمْرو بْن قَيْس : قَالَهَا مَرَّة الطَّيِّب وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَال : إِنَّ قَوْله : { لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء } إِعْلَام مِنْ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مِنْ مُبْتَدِعَة أُمَّتِهِ الْمُلْحِدَة فِي دِينه بَرِيءٌ , وَمِنْ الْأَحْزَاب مِنْ مُشْرِكِي قَوْمه وَمِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَلَيْسَ فِي إِعْلَامه ذَلِكَ مَا يُوجِب أَنْ يَكُون نَهَاهُ عَنْ قِتَالِهِمْ ; لِأَنَّهُ غَيْر مُحَال أَنَّ فِي الْكَلَام : لَسْت مِنْ دِين الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِي شَيْء فَقَاتِلْهُمْ , فَإِنَّ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّه فِي أَنْ يَتَفَضَّل عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ , فَيَتُوب عَلَيْهِ , وَيُهْلِك مِنْ أَرَادَ إِهْلَاكه مِنْهُمْ كَافِرًا , فَيَقْبِض رُوحه , أَوْ يَقْتُلهُ بِيَدِك عَلَى كُفْره , ثُمَّ يُنَبِّئهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ عِنْد مَقْدَمهمْ عَلَيْهِ . وَإِذْ كَانَ غَيْر مُسْتَحِيل اِجْتِمَاع الْأَمْر بِقِتَالِهِمْ , وَقَوْله : { لَسْت مِنْهُمْ فِي شَيْء إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه } وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَة دَلِيل وَاضِح عَلَى أَنَّهَا مَنْسُوخَة وَلَا وَرَدَ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة عَنْ الرَّسُول خَبَر , كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يُقْضَى عَلَيْهَا بِأَنَّهَا مَنْسُوخَة حَتَّى تَقُوم حُجَّة مُوجِبَة صِحَّة الْقَوْل بِذَلِكَ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا مِنْ أَنَّ الْمَنْسُوخ هُوَ مَا لَمْ يَجُزْ اِجْتِمَاعه وَنَاسِخه فِي حَال وَاحِدَة فِي كِتَابنَا كِتَاب " اللَّطِيف عَنْ أُصُول الْأَحْكَام " . وَأَمَّا قَوْله : { إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّه } فَإِنَّهُ يَقُول : أَنَا الَّذِي إِلَيَّ أَمْر هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَارَقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا , وَالْمُبْتَدِعَة مِنْ أُمَّتك الَّذِينَ ضَلُّوا عَنْ سَبِيلك , دُونَك وَدُون كُلّ أَحَد ; إِمَّا بِالْعُقُوبَةِ إِنْ أَقَامُوا عَلَى ضَلَالَتهمْ وَفُرْقَتهمْ دِينهمْ فَأُهْلِكهُمْ بِهَا , وَإِمَّا بِالْعَفْوِ عَنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ عَلَيْهِمْ وَالتَّفَضُّل مِنِّي عَلَيْهِمْ . { ثُمَّ يُنَبِّئهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ } يَقُول : ثُمَّ أُخْبِرهُمْ فِي الْآخِرَة عِنْد وُرُودهمْ عَلَيَّ يَوْم الْقِيَامَة بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ; فَأُجَازِي كُلًّا مِنْهُمْ بِمَا كَانُوا فِي الدُّنْيَا يَفْعَلُونَ , الْمُحْسِن مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ وَالْمُسِيء بِالْإِسَاءَةِ . ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا مَبْلَغ جَزَائِهِ مَنْ جَازَى مِنْهُمْ بِالْإِحْسَانِ أَوْ بِالْإِسَاءَةِ , فَقَالَ : { مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْر أَمْثَالهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ } .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن الذين فرقوا دينهم} قرأه حمزة والكسائي { فارقوا} بالألف، وهي قراءة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه؛ من المفارقة والفراق. على معنى أنهم تركوا دينهم وخرجوا عنه. وكان علي يقول : والله ما فرقوه ولكن فارقوه. وقرأ الباقون بالتشديد؛ إلا النخعي فإنه قرأ { فرقوا} مخففا؛ أي آمنوا ببعض وكفروا ببعض. والمراد اليهود والنصارى في قول مجاهد وقتادة والسدي والضحاك. وقد وصفوا بالتفرق؛ قال الله تعالى { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} [البينة : 4]. وقال { ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله} [النساء : 150]. وقيل : عنى المشركين، عبد بعضهم الصنم وبعضهم الملائكة. وقيل : الآية عامة في جميع الكفار. وكل من ابتدع وجاء بما لم يأمر الله عز وجل به فقد فرق دينه. وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية { إن الذين فرقوا دينهم} هم أهل البدع والشبهات، وأهل الضلالة من هذه الأمة. وروي بقية بن الوليد حدثنا شعبة بن الحجاج حدثنا مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة : (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا إنما هم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، يا عائشة إن لكل صاحب ذنب توبة غير أصحاب البدع وأصحاب الأهواء ليس لهم توبة وأنا بريء منهم وهم منا برآء). وروى ليث بن أبي سليم عن طاوس عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ { إن الذين فارقوا دينهم} . { وكانوا شيعا} فرقا وأحزابا. وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض فهم شيع. { لست منهم في شيء} فأوجب براءته منهم؛ وهو كقوله عليه السلام : (من غشنا فليس منا) أي نحن برآء منه. وقال الشاعر : إذا حاولت في أسد فجورا ** فإني لست منك ولست مني أي أنا أبرأ منك. وموضع { في شيء} نصب على الحال من المضمر الذي في الخبر؛ قاله أبو علي. وقال الفراء هو على حذف مضاف، المعنى لست من عقابهم في شيء، وإنما عليك الإنذار. قوله تعالى { إنما أمرهم إلى الله} تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 157 - 162

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

هذه الآية تشرح الآية التي سبقت خواطرنا عنها، وهي قوله الحق:
{  وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَٱتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
[الأنعام: 153]

والذين فرقوا دينهم نسوا أن الدين إنما جاء ليجمع لا ليفرق، والدين جاء ليوحد مصدر الأمر والنهي في الأفعال الأساسية فلا يحدث بيننا وبين بعضنا أي خلاف، بل الخلاف يكون في المباحات فقط؛ إن فعلتها فأهلاً وسهلاً، وإن لم تفعلها فأهلاً وسهلاً، ومالم يرد فيه أفعل ولا تفعل؛ فهو مباح.

إذن الذين يفرقون في الدين إنما يناقضون منهج السماء الذي جاء ليجمع الناس على شيء واحد؛ لتتساند حركات الحياة في الناس ولا تتعاند، وإذا كان لك هوى، وهذا له هوى، وذلك له هوى فسوف تتعاند الطاقات، والمطلوب والمفروض أن الطاقات تتساند وتتعاضد.

والشيع هم الجماعة التي تتبع أمراً، هذا الأمر يجمعهم ولو كان ضلالا.

وهناك تشيع لمعنى نافع وخير، وهناك تشيع لعكس ذلك، والتشيع على إطلاقه هو أن تجنمع جماعة على أمر، سواء أكان هذا الأمر خيراً أم شرا. { إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ... } [الأنعام: 159]

إذن هم بعيدون عن منهجك يا محمد، ولا يصح أن ينسبوا إلى دينك؛ لأن الإسلام جاء لإثبات القيم للوجود مثل الماء لإثبات حياة الوجود. ونعرف أن الماء لا يأخذ لوناً ولا طعماً ولا رائحة، فإن أخذ لوناً أو طعماً أو رائحة فهو يفقد قيمته كماء صاف. وكذلك الإسلام إن أخذ لوناً، وصار المسلمون طوائف؛ فهذا أمر يضر الدين، وعلينا أن نعلم أن الإسلام لون واحد. {...إِنَّمَآ أَمْرُهُمْ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } [الأنعام: 159]

إن شاء سبحانه عاجلهم بالهزيمة أو بالعذاب، وإن شاء آجلهم إلى يوم القيامة.

ويقول الحق بعد ذلك: { مَن جَآءَ بِٱلْحَسَنَةِ... }


www.alro7.net