سورة
اية:

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ

تفسير بن كثير

قال ابن مسعود رضي اللّه عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ هؤلاء الآيات: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئاً - إلى قوله - لعلكم تعقلون} . وقال الحاكم في مستدركه عن عبد اللّه بن خليفة قال: سمعت ابن عباس يقول: في الأنعام آيات محكمات هن أم الكتاب، ثم قرأ: { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} الآيات، وعن عبادة بن الصامت قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أيكم يبايعني على ثلاث) ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} حتى فرغ من الآيات.. (فمن أوفى فأجره على اللّه ومن انتقص منهن شيئاً فأدركه اللّه به في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخر إلى الآخرة فأمره إلى اللّه إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه) ""رواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه"". يقول تعالى لنبيه ورسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين عبدوا غير اللّه وحرموا ما رزقهم اللّه وقتلوا أولادهم، وكل ذلك فعلوه بآرائهم وتسويل الشياطين لهم { قل} لهم { تعالوا} أي هلموا وأقبلوا { أتل ما حرم ربكم عليكم} أي أقص عليكم وأخبركم بما حرم ربكم عليكم حقاً لا تخرصاً ولا ظناً، بل وحياً منه وأمراً من عنده { ألا تشركوا به شيئاً} وكأن في الكلام محذوفاً دل عليه السياق وتقديره: وأوصاكم { ألا تشركوا به شيئاً} ولهذا قال في آخر الآية: { ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} . وفي الصحيحين من حديث أبي ذر رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (أتاني جبريل فبشرني أنه من مات لا يشرك باللّه شيئاً من أمتك دخل الجنة، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، وإن شرب الخمر)؛ وفي بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام قال في الثالثة: (وإن رغم أنف أبي ذر)، فكان أبو ذر يقول بعد تمام الحديث: (وإن رغم أنف أبي ذر)، وفي بعض المسانيد والسنن عن أبي ذر قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني فإني أغفر لك على ما كان منك ولا أبالي، ولو أتيتني بقراب الأرض خطيئة أتيتك بقرابها مغفرة ما لم تشرك بي شيئاً، وإن أخطأت حتى تبلغ خطاياك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ، ولهذا شاهد في القرآن قال اللّه تعالى: { إن اللّه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ، وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود: (من مات لا يشرك باللّه شيئاً دخل الجنة) والآيات والأحاديث في هذا كثيرة جداً، وعن عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بسبع خصال: (ألا تشركوا باللّه شيئاً وإن حرقتم وقطعتم وصلّبتم) ""رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم""، وقوله تعالى: { وبالوالدين إحساناً} أي أوصاكم وأمركم بالوالدين إحساناً أي أن تحسنوا إليهم، كما قال تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً} ، واللّه تعالى كثيراً ما يقرن بين طاعته وبر الوالدين كما قال: { أن اشكر لي ولوالديك إليَّ المصير} ، فأمر بالإحسان إليهما وإن كانا مشركين بحسبهما، وقال تعالى: { وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا اللّه وبالوالدين إحساناً} والآيات في هذا كثيرة. وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه قال: سألت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها( قلت: ثم أيّ؟ قال: (بر الوالدين) قلت: ثم أيّ؟ قال: (الجهاد في سبيل اللّه)، قال ابن مسعود: حدثني بهن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ولو استزدته لزادني. وقوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم} لما أوصى تعالى بالوالدين والأجداد، عطف على ذلك الإحسان إلى الأبناء والأحفاد فقال تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} ، وذلك أنهم كانوا يقتلون أولادهم كما سولت لهم الشياطين ذلك، فكانوا يئدون البنات خشية العار، وربما قتلوا بعض الذكور خشية الافتقار، ولهذا ورد في الصحيحين من حديث عبد اللّه ابن مسعود رضي اللّه عنه أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل للّه نداً وهو خلقك) قلت: ثم أي؟ قال: (أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك)، قلت: ثم أي؟ قال: (أن تزاني حليلة جارك) ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : { والذين لا يدعون مع اللّه إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم اللّه إلا بالحق ولا يزنون} ""أخرجه الشيخان عن عبد اللّه بن مسعود""الآية. وقوله تعالى: { من إملاق} ، قال ابن عباس: هو الفقر أي ولا تقتلوهم من فقركم الحاصل، وقال في سورة الإسراء: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} أي لا تقتلوهم خوفاً من الفقر في الآجل، ولهذا قال هناك: { نحن نرزقهم وإياكم} فبدأ برزقهم للاهتمام بهم أي لا تخافوا من فقركم بسبب رزقهم فهو على اللّه وأما هنا فلما كان الفقر حاصلاً قال: { نحن نرزقكم وإياهم} لأنه الأهم هنا واللّه أعلم. وقوله تعالى: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} ، كقوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش ماظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق} . قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: { وذروا ظاهر الإثم وباطنه} وفي الصحيحين عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لا أحد أغير من اللّه من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن) وفي الصحيحين قال سعد بن عبادة لو رأيت مع امرأتي رجلاً لضربته بالسيف غير مصفح، فبلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال: (أتعجبون من غيرة سعد؟ فواللّه لأنا أغير من سعد، واللّه أغير مني، من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن)، وقوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم اللّه إلا بالحق} ، وهذا مما نص تبارك وتعالى على النهي عنه تأكيداً وإلا فهو داخل في النهي عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن، فقد جاء في الصحيحين عن ابن مسعود رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : (لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا اللّه وأني رسول اللّه إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)، وفي لفظ لمسلم: (والذي لا إله غيره لا يحل دم رجل مسلم) وذكره، وروى أبو داود والنسائي عن عائشة رضي اللّه عنها أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال زان محصن يرجم، ورجل قتل متعمداً فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام وحارب اللّه ورسوله فيقتل أو يصلب أو ينفى من الأرض) وعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه عنه أنه قال وهو محصور: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: (لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل بغير نفس) فواللّه ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بديني بدلاً منه بعد إذ هداني اللّه، ولا قتلت نفساً، فبم تقتلوني ""رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث حسن""؟ وقد جاء النهي والزجر والوعيد في قتل المعاهد وهو المستأمن من أهل الحرب، فروى البخاري عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما عن النبي صلى اللّه عليه وسلم مرفوعاً: (من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً) وعن أبي هريرة رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: (من قتل معاهداً له ذمة اللّه وذمة رسوله فقد أخفر بذمة اللّه فلا يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفاً) ""رواه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن صحيح"". وقوله: { ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون} أي هذا مما وصاكم به لعلكم تعقلون عن اللّه وأمره ونهيه.

تفسير الجلالين

{ قل تعالوا أتل } أقرأ { ما حرم ربكم عليكم أ } ن مفسرة { لا تشركوا به شيئا و } أحسنوا { بالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم } بالوأد { من } أجل { إملاق } فقر تخافونه { نحن نرزقكم وإياكم ولا تقربوا الفواحش } الكبائر كالزنا { ما ظهر منها وما بطن } أي علانيتها وسرها { ولا تقتلوا النفس التي حرَّم الله إلا بالحق } كالقود وحد الردة ورجم المحصن { ذلكم } المذكور { وصاكم به لعلكم تعقلون } تتدبرون .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مُحَرِّمُوهُ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَأَنْعَامهمْ , عَلَى مَا ذَكَرْت لَك فِي تَنْزِيلِي عَلَيْك : تَعَالَوْا أَيّهَا الْقَوْم أَقْرَأ عَلَيْكُمْ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ حَقًّا يَقِينًا , لَا الْبَاطِل , تَخَرُّصًا كَخَرْصِكُمْ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَالْفِرْيَة ظَنًّا , وَلَكِنْ وَحْيًا مِنْ اللَّه أَوْحَاهُ إِلَيَّ , وَتَنْزِيلًا أَنْزَلَهُ عَلَيَّ , أَلَّا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا مِنْ خَلْقه وَلَا تَعْدِلُوا بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا سِوَاهُ . { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } يَقُول : وَأَوْصَى بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا . وَحَذَفَ " أَوْصَى " وَأَمَرَ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ وَمَعْرِفَة السَّامِع بِمَعْنَاهُ , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ الْكِتَاب . وَأَمَّا " أَنْ " فِي قَوْله : { أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } فَرَفْع , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ , هُوَ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , كَانَ فِي قَوْله : { تُشْرِكُوا } وَجْهَانِ : الْجَزْم بِالنَّهْيِ , وَتَوْجِيهه " لَا " إِلَى مَعْنَى النَّهْي . وَالنَّصْب عَلَى تَوْجِيه الْكَلَام إِلَى الْخَبَر , وَنُصِبَ " تُشْرِكُوا " بِـ " أَلَّا " كَمَا يُقَال : أَمَرْتُك أَنْ لَا تَقُوم . وَإِنْ شِئْت جَعَلْت " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب رَدًّا عَلَى " مَا " وَبَيَانًا عَنْهَا , وَيَكُون فِي قَوْله : { تُشْرِكُوا } أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْ الْإِعْرَاب نَحْو مَا كَانَ فِيهِ مِنْهُ , وَ " أَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع , وَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ , أَتْلُ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف يَجُوز أَنْ يَكُون قَوْله { تُشْرِكُوا } نَصْبًا بِ " أَنْ لَا " , أَمْ كَيْف يَجُوز تَوْجِيه قَوْله : " أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ " , عَلَى مَعْنَى الْخَبَر , وَقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق } وَمَا بَعْد ذَلِكَ مِنْ جَزْم النَّهْي ؟ قِيلَ : جَازَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : { قُلْ إِنِّي أُمِرْت أَنْ أَكُون أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ } فَجَعَلَ " أَنْ أَكُون " خَبَرًا وَ " أَنْ " اِسْمًا , ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : حَجَّ وَأَوْصَى بِسُلَيْمَى الْأَعْبُدَا أَنْ لَا تَرَى وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدَا وَلَا يَزَلْ شَرَابُهَا مُبَرَّدَا فَجَعَلَ قَوْله " أَنْ لَا تَرَى " خَبَرًا , ثُمَّ عَطَفَ بِالنَّهْيِ , فَقَالَ : " وَلَا تُكَلِّمْ " , " وَلَا يَزَلْ " . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْعَادِلِينَ بِرَبِّهِمْ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , الزَّاعِمِينَ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مُحَرِّمُوهُ مِنْ حُرُوثِهِمْ وَأَنْعَامهمْ , عَلَى مَا ذَكَرْت لَك فِي تَنْزِيلِي عَلَيْك : تَعَالَوْا أَيّهَا الْقَوْم أَقْرَأ عَلَيْكُمْ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ حَقًّا يَقِينًا , لَا الْبَاطِل , تَخَرُّصًا كَخَرْصِكُمْ عَلَى اللَّه الْكَذِب وَالْفِرْيَة ظَنًّا , وَلَكِنْ وَحْيًا مِنْ اللَّه أَوْحَاهُ إِلَيَّ , وَتَنْزِيلًا أَنْزَلَهُ عَلَيَّ , أَلَّا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا مِنْ خَلْقه وَلَا تَعْدِلُوا بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام وَلَا تَعْبُدُوا شَيْئًا سِوَاهُ . { وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } يَقُول : وَأَوْصَى بِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا . وَحَذَفَ " أَوْصَى " وَأَمَرَ لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ وَمَعْرِفَة السَّامِع بِمَعْنَاهُ , وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى مِنْ الْكِتَاب . وَأَمَّا " أَنْ " فِي قَوْله : { أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } فَرَفْع , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ , هُوَ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ , كَانَ فِي قَوْله : { تُشْرِكُوا } وَجْهَانِ : الْجَزْم بِالنَّهْيِ , وَتَوْجِيهه " لَا " إِلَى مَعْنَى النَّهْي . وَالنَّصْب عَلَى تَوْجِيه الْكَلَام إِلَى الْخَبَر , وَنُصِبَ " تُشْرِكُوا " بِـ " أَلَّا " كَمَا يُقَال : أَمَرْتُك أَنْ لَا تَقُوم . وَإِنْ شِئْت جَعَلْت " أَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب رَدًّا عَلَى " مَا " وَبَيَانًا عَنْهَا , وَيَكُون فِي قَوْله : { تُشْرِكُوا } أَيْضًا مِنْ وَجْهَيْ الْإِعْرَاب نَحْو مَا كَانَ فِيهِ مِنْهُ , وَ " أَنْ " فِي مَوْضِع رَفْع , وَيَكُون تَأْوِيل الْكَلَام حِينَئِذٍ : قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ , أَتْلُ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف يَجُوز أَنْ يَكُون قَوْله { تُشْرِكُوا } نَصْبًا بِ " أَنْ لَا " , أَمْ كَيْف يَجُوز تَوْجِيه قَوْله : " أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ " , عَلَى مَعْنَى الْخَبَر , وَقَدْ عُطِفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق } وَمَا بَعْد ذَلِكَ مِنْ جَزْم النَّهْي ؟ قِيلَ : جَازَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ : { قُلْ إِنِّي أُمِرْت أَنْ أَكُون أَوَّل مَنْ أَسْلَمَ } فَجَعَلَ " أَنْ أَكُون " خَبَرًا وَ " أَنْ " اِسْمًا , ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : حَجَّ وَأَوْصَى بِسُلَيْمَى الْأَعْبُدَا أَنْ لَا تَرَى وَلَا تُكَلِّمْ أَحَدَا وَلَا يَزَلْ شَرَابُهَا مُبَرَّدَا فَجَعَلَ قَوْله " أَنْ لَا تَرَى " خَبَرًا , ثُمَّ عَطَفَ بِالنَّهْيِ , فَقَالَ : " وَلَا تُكَلِّمْ " , " وَلَا يَزَلْ " .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق نَحْنُ نَرْزُقكُمْ وَإِيَّاهُمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاق } وَلَا تَئِدُوا أَوْلَادَكُمْ فَتَقْتُلُوهُمْ مِنْ خَشْيَة الْفَقْر عَلَى أَنْفُسكُمْ بِنَفَقَاتِهِمْ , فَإِنَّ اللَّه هُوَ رَازِقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ , لَيْسَ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُمْ , فَتَخَافُوا بِحَيَاتِهِمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ الْعَجْز عَنْ أَرْزَاقهمْ وَأَقْوَاتهمْ . وَالْإِمْلَاق : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَمْلَقْت مِنْ الزَّاد , فَأَنَا أُمْلِق إِمْلَاقًا , وَذَلِكَ إِذَا فَنِيَ زَادُهُ وَذَهَبَ مَاله وَأَفْلَسَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10997 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق } الْإِمْلَاق : الْفَقْر , قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ خَشْيَة الْفَقْر . 10998 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق } أَيْ خَشْيَة الْفَاقَة . 10999 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق } قَالَ : الْإِمْلَاق : الْفَقْر . 11000 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { مِنْ إِمْلَاق } قَالَ : شَيَاطِينهمْ يَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يَئِدُوا أَوْلَادهمْ خِيفَة الْعَيْلَة . 11001 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { مِنْ إِمْلَاق } يَعْنِي : مِنْ خَشْيَة فَقْر . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق نَحْنُ نَرْزُقكُمْ وَإِيَّاهُمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاق } وَلَا تَئِدُوا أَوْلَادَكُمْ فَتَقْتُلُوهُمْ مِنْ خَشْيَة الْفَقْر عَلَى أَنْفُسكُمْ بِنَفَقَاتِهِمْ , فَإِنَّ اللَّه هُوَ رَازِقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ , لَيْسَ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُمْ , فَتَخَافُوا بِحَيَاتِهِمْ عَلَى أَنْفُسكُمْ الْعَجْز عَنْ أَرْزَاقهمْ وَأَقْوَاتهمْ . وَالْإِمْلَاق : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : أَمْلَقْت مِنْ الزَّاد , فَأَنَا أُمْلِق إِمْلَاقًا , وَذَلِكَ إِذَا فَنِيَ زَادُهُ وَذَهَبَ مَاله وَأَفْلَسَ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10997 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق } الْإِمْلَاق : الْفَقْر , قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ خَشْيَة الْفَقْر . 10998 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق } أَيْ خَشْيَة الْفَاقَة . 10999 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادكُمْ مِنْ إِمْلَاق } قَالَ : الْإِمْلَاق : الْفَقْر . 11000 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { مِنْ إِمْلَاق } قَالَ : شَيَاطِينهمْ يَأْمُرُونَهُمْ أَنْ يَئِدُوا أَوْلَادهمْ خِيفَة الْعَيْلَة . 11001 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : { مِنْ إِمْلَاق } يَعْنِي : مِنْ خَشْيَة فَقْر . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَا تَقْرَبُوا الظَّاهِر مِنْ الْأَشْيَاء الْمُحَرَّمَة عَلَيْكُمْ الَّتِي هِيَ عَلَانِيَة بَيْنكُمْ لَا تُنَاكِرُونَ رُكُوبهَا , وَالْبَاطِن مِنْهَا الَّذِي تَأْتُونَهُ سِرًّا فِي خَفَاء لَا تُجَاهِرُونَ بِهِ , فَإِنَّ كُلّ ذَلِكَ حَرَام . وَقَدْ قِيلَ . إِنَّمَا قِيلَ لَا تَقْرَبُوا مَا ظَهَرَ مِنْ الْفَوَاحِش وَمَا بَطَنَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْبِحُونَ مِنْ مَعَانِي الزِّنَا بَعْضًا . وَلَيْسَ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَدْفُوعٍ , غَيْر أَنَّ دَلِيل الظَّاهِر مِنْ التَّنْزِيل عَلَى النَّهْي عَنْ طَاهِر كُلّ فَاحِشَة وَبَاطِنهَا , وَلَا خَبَر يَقْطَع الْعُذْر بِأَنَّهُ عُنِيَ بِهِ بَعْض دُون جَمِيع , وَغَيْر جَائِز إِحَالَة ظَاهِر كِتَاب اللَّه إِلَى بَاطِن إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ الْآيَة خَاصّ الْمَعْنَى : 11002 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا : فَزَوَانِي الْحَوَانِيت , وَأَمَّا مَا بَطَنَ : فَمَا خَفِيَ . 11003 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَسْتَسِرُّونَ بِالزِّنَا , وَيَرَوْنَ ذَلِكَ حَلَالًا مَا كَانَ سِرًّا , فَحَرَّمَ اللَّه السِّرّ مِنْهُ وَالْعَلَانِيَة { مَا ظَهَرَ مِنْهَا } يَعْنِي : الْعَلَانِيَة { وَمَا بَطَنَ } يَعْنِي : السِّرّ . 11004 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قَالَ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يَرَوْنَ بِالزِّنَا بَأْسًا فِي السِّرّ وَيَسْتَقْبِحُونَهُ فِي الْعَلَانِيَة , فَحَرَّمَ اللَّه الزِّنَا فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11005 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } : سِرّهَا وَعَلَانِيَتهَا . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , نَحْوه . وَقَالَ آخَرُونَ : مَا ظَهَرَ نِكَاح الْأُمَّهَات وَحَلَائِل الْآبَاء , وَمَا بَطَنَ : الزِّنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11006 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قَالَ : مَا ظَهَرَ : جَمْع بَيْن الْأُخْتَيْنِ , وَتَزْوِيج الرَّجُل اِمْرَأَة أَبِيهِ مِنْ بَعْده ; وَمَا بَطَنَ : الزِّنَا . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 11007 - حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن زِيَاد الْعَطَّار الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الْبَلْخِيّ , قَالَ : ثَنَا تَمِيم بْن شَاكِر الْبَاهِلِيّ , عَنْ عِيسَى بْن أَبِي حَفْصَة , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قَالَ : مَا ظَهَرَ الْخَمْر , وَمَا بَطَنَ : الزِّنَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلَا تَقْرَبُوا الظَّاهِر مِنْ الْأَشْيَاء الْمُحَرَّمَة عَلَيْكُمْ الَّتِي هِيَ عَلَانِيَة بَيْنكُمْ لَا تُنَاكِرُونَ رُكُوبهَا , وَالْبَاطِن مِنْهَا الَّذِي تَأْتُونَهُ سِرًّا فِي خَفَاء لَا تُجَاهِرُونَ بِهِ , فَإِنَّ كُلّ ذَلِكَ حَرَام . وَقَدْ قِيلَ . إِنَّمَا قِيلَ لَا تَقْرَبُوا مَا ظَهَرَ مِنْ الْفَوَاحِش وَمَا بَطَنَ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَسْتَقْبِحُونَ مِنْ مَعَانِي الزِّنَا بَعْضًا . وَلَيْسَ مَا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ بِمَدْفُوعٍ , غَيْر أَنَّ دَلِيل الظَّاهِر مِنْ التَّنْزِيل عَلَى النَّهْي عَنْ طَاهِر كُلّ فَاحِشَة وَبَاطِنهَا , وَلَا خَبَر يَقْطَع الْعُذْر بِأَنَّهُ عُنِيَ بِهِ بَعْض دُون جَمِيع , وَغَيْر جَائِز إِحَالَة ظَاهِر كِتَاب اللَّه إِلَى بَاطِن إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ الْآيَة خَاصّ الْمَعْنَى : 11002 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } أَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا : فَزَوَانِي الْحَوَانِيت , وَأَمَّا مَا بَطَنَ : فَمَا خَفِيَ . 11003 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } كَانَ أَهْل الْجَاهِلِيَّة يَسْتَسِرُّونَ بِالزِّنَا , وَيَرَوْنَ ذَلِكَ حَلَالًا مَا كَانَ سِرًّا , فَحَرَّمَ اللَّه السِّرّ مِنْهُ وَالْعَلَانِيَة { مَا ظَهَرَ مِنْهَا } يَعْنِي : الْعَلَانِيَة { وَمَا بَطَنَ } يَعْنِي : السِّرّ . 11004 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قَالَ : كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة لَا يَرَوْنَ بِالزِّنَا بَأْسًا فِي السِّرّ وَيَسْتَقْبِحُونَهُ فِي الْعَلَانِيَة , فَحَرَّمَ اللَّه الزِّنَا فِي السِّرّ وَالْعَلَانِيَة . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11005 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } : سِرّهَا وَعَلَانِيَتهَا . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , نَحْوه . وَقَالَ آخَرُونَ : مَا ظَهَرَ نِكَاح الْأُمَّهَات وَحَلَائِل الْآبَاء , وَمَا بَطَنَ : الزِّنَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11006 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قَالَ : مَا ظَهَرَ : جَمْع بَيْن الْأُخْتَيْنِ , وَتَزْوِيج الرَّجُل اِمْرَأَة أَبِيهِ مِنْ بَعْده ; وَمَا بَطَنَ : الزِّنَا . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا : 11007 - حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن زِيَاد الْعَطَّار الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق الْبَلْخِيّ , قَالَ : ثَنَا تَمِيم بْن شَاكِر الْبَاهِلِيّ , عَنْ عِيسَى بْن أَبِي حَفْصَة , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } قَالَ : مَا ظَهَرَ الْخَمْر , وَمَا بَطَنَ : الزِّنَا . ' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ } يَعْنِي بِالنَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه قَتْلهَا : نَفْس مُؤْمِن أَوْ مَعَاهِد . وَقَوْله : { إِلَّا بِالْحَقِّ } يَعْنِي : بِمَا أَبَاحَ قَتْلهَا بِهِ مِنْ أَنْ تَقْتُل نَفْسًا فَتُقْتَل قَوَدًا بِهَا , أَوْ تَزْنِي وَهِيَ مُحْصَنَة فَتُرْجَم , أَوْ تَرْتَدّ عَنْ دِينهَا الْحَقّ فَتُقْتَل ; فَذَلِكَ الْحَقّ الَّذِي أَبَاحَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَتْل النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَتْلهَا بِهِ . { ذَلِكُمْ } يَعْنِي : هَذِهِ الْأُمُور الَّتِي عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا رَبُّنَا أَنْ لَا نَأْتِيه وَأَنْ لَا نَدَعهُ , هِيَ الْأُمُور الَّتِي أَوْصَانَا وَالْكَافِرِينَ بِهَا أَنْ نَعْمَل جَمِيعًا بِهِ . { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يَقُول : وَصَّاكُمْ بِذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ مَا وَصَّاكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } . يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : { قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } { وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ } يَعْنِي بِالنَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّه قَتْلهَا : نَفْس مُؤْمِن أَوْ مَعَاهِد . وَقَوْله : { إِلَّا بِالْحَقِّ } يَعْنِي : بِمَا أَبَاحَ قَتْلهَا بِهِ مِنْ أَنْ تَقْتُل نَفْسًا فَتُقْتَل قَوَدًا بِهَا , أَوْ تَزْنِي وَهِيَ مُحْصَنَة فَتُرْجَم , أَوْ تَرْتَدّ عَنْ دِينهَا الْحَقّ فَتُقْتَل ; فَذَلِكَ الْحَقّ الَّذِي أَبَاحَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَتْل النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ قَتْلهَا بِهِ . { ذَلِكُمْ } يَعْنِي : هَذِهِ الْأُمُور الَّتِي عَهِدَ إِلَيْنَا فِيهَا رَبُّنَا أَنْ لَا نَأْتِيه وَأَنْ لَا نَدَعهُ , هِيَ الْأُمُور الَّتِي أَوْصَانَا وَالْكَافِرِينَ بِهَا أَنْ نَعْمَل جَمِيعًا بِهِ . { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } يَقُول : وَصَّاكُمْ بِذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ مَا وَصَّاكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ .'

تفسير القرطبي

فيه أربع عشرة مسألة: الأولى: قوله تعالى { قل تعالوا أتل} أي تقدموا واقرءوا حقا يقينا كما أوحى إلى ربي، لا ظنا ولا كذبا كما زعمتم. ثم بين ذلك فقال { ألا تشركوا به شيئا} يقال للرجل : تعال، أي تقدم، وللمرأة تعالي، وللاثنين والاثنتين تعاليا، ولجماعة الرجال تعالوا، ولجماعة النساء تعالين؛ قال الله تعالى { فتعالين أمتعكن} [الأحزاب : 28]. وجعلوا التقدم ضربا من التعالي والارتفاع؛ لأن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعدا فقيل له تعال، أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم؛ واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي؛ قاله ابن الشجري. الثانية: قوله تعالى { ما حرم} الوجه في { ما} أن تكون خبرية في موضع نصب بـ { أتل} والمعنى : تعالوا أتل الذي حرم ربكم عليكم؛ فإن علقت { عليكم} { بحرم} فهو الوجه؛ لأنه الأقرب وهو اختيار البصريين. وإن علقته بـ { أتل} فجيد لأنه الأسبق؛ وهو اختيار الكوفيين؛ فالتقدير في هذا القول أتل عليكم الذي حرم ربكم. { ألا تشركوا} في موضع نصب بتقدير فعل من لفظ الأول، أي أتل عليكم ألا تشركوا؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك، ويحتمل أن يكون منصوبا بما في { عليكم} من الإغراء، وتكون { عليكم} منقطعة مما قبلها؛ أي عليكم ترك الإشراك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وألا تقتلوا أولادكم وألا تقربوا الفواحش. كما تقول : عليك شأنك؛ أي الزم شأنك. وكما قال { عليكم أنفسكم} [المائدة : 105] قال جميعه ابن الشجري. وقال النحاس : يجوز أن تكون { أن} في موضع نصب بد لا من { ما} ؛ أي أتل عليكم تحريم الإشراك. واختار الفراء أن تكون { لا} للنهي؛ لأن بعده { ولا} . الثالثة: هذه الآية أمر من الله تعالى لنبيه عليه السلام بأن يدعو جميع الخلق إلى سماع تلاوة ما حرم الله. وهكذا يجب على من بعده من العلماء أن يبلغوا الناس ويبينوا لهم ما حرم الله عليهم مما حل. قال الله تعالى { لتبيننه للناس ولا تكتمونه} [آل عمران : 187]. وذكر ابن المبارك : أخبرنا عيسى بن عمر عن عمرو بن مرة أنه حدثهم قال : قال ربيع بن خيثم لجليس له : أيسرك أن تؤتى بصحيفة من النبي صلى الله عليه وسلم لم يفك خاتمها؟ قال نعم. قال فاقرأ { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم} فقرأ إلى آخر الثلاث الآيات. وقال كعب الأحبار : هذه الآية مفتتح التوراة : (بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) الآية. وقال ابن عباس : هذه الآيات المحكمات التي ذكرها الله في سورة { آل عمران} أجمعت عليها شرائع الخلق، ولم تنسخ قط في ملة. وقد قيل : إنها العشر كلمات المنزلة على موسى. الرابعة: قوله تعالى { وبالوالدين إحسانا} الإحسان إلى الوالدين برهما وحفظهما وصيانتهما وامتثال أمرهما وإزالة الرق عنهما وترك السلطنة عليهما. و { إحسانا} نصب على المصدر، وناصبه فعل مضمر من لفظه؛ تقديره وأحسنوا بالوالدين إحسانا. الخامسة: قوله تعالى { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق} الإملاق الفقر : أي لا تئدوا من الموءودة - بناتكم خشية العيلة، فإني رازقكم وإياهم. وقد كان منهم من يفعل ذلك بالإناث والذكور خشية الفقر، كما هو ظاهر الآية. أملق أي افتقر. وأملقه أي أفقره؛ فهو لازم ومتعد. وحكى النقاش عن مؤرج أنه قال : الإملاق الجوع بلغة لخم. وذكر منذر بن سعيد أن الإملاق الإنفاق؛ يقال : أملق ماله بمعنى أنفقه. وذكر أن عليا رضي الله عنه قال لامرأته : أملقي من مالك ما شئت. ورجل ملق يعطي بلسانه ما ليس في قلبه. فالملق لفظ مشترك يأتي بيانه في موضعه. السادسة: وقد يستدل بهذا من يمنع العزل؛ لأن الوأد يرفع الموجود والنسل؛ والعزل منع أصل النسل فتشابها؛ إلا أن قتل النفس أعظم وزرا وأقبح فعلا؛ ولذلك قال بعض علمائنا : إنه يفهم من قوله عليه السلام في العزل : (ذلك الوأد الخفي) الكراهة لا التحريم وقال به جماعة من الصحابة وغيرهم. وقال بإباحته أيضا جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ لقوله عليه السلام : (لا عليكم ألا تفعلوا فإنما هو القدر) أي ليس عليكم جناح في ألا تفعلوا. وقد فهم منه الحسن ومحمد بن المثنى النهي والزجر عن العزل. والتأويل الأول أولى؛ لقوله عليه السلام : (إذا أراد الله خلق شيء لم يمنعه شيء). قال مالك والشافعي : لا يجوز العزل عن الحرة إلا بإذنها. وكأنهم رأوا الإنزال من تمام لذاتها، ومن حقها في الولد، ولم يروا ذلك في الموطوءة بملك اليمين، إذ له أن يعزل عنها بغير إذنها، إذ لا حق لها في شيء مما ذكر. السابعة: قوله تعالى { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن} نظيره { وذروا ظاهر الإثم وباطنه} [الأنعام : 120]. فقوله { ما ظهر} نهي عن جميع أنواع الفواحش وهي المعاصي. { وما بطن} ما عقد عليه القلب من المخالفة. وظهر وبطن حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء. و { ما ظهر} نصب على البدل من { الفواحش} . { وما بطن} عطف عليه. الثامنة: قوله تعالى { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} الألف واللام في { النفس} لتعريف الجنس؛ كقولهم : أهلك الناس حب الدرهم والدينار. ومثله { إن الإنسان خلق هلوعا} [المعارج : 19] ألا ترى قول سبحانه { إلا المصلين } ؟ وكذلك قوله { والعصر. إن الإنسان لفي خسر} [العصر : 1،2] لأنه قال { إلا الذين آمنوا} وهذه الآية نهي عن قتل النفس المحرمة، مؤمنة كانت أو معاهدة إلا بالحق الذي يوجب قتلها. قال رسول الله صلى : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ونفسه إلا بحقه وحسابهم على الله). وهذا الحق أمور : منها منع الزكاة وترك الصلاة؛ وقد قاتل الصديق مانعي الزكاة. وفي التنزيل { فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} [التوبة : 5] وهذا بين. وقال صلى الله عليه وسلم : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة). وقال عليه السلام : (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما). أخرجه مسلم. وروى أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى : (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به). وسيأتي بيان هذا في { الأعراف} . وفي التنزيل { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا} [المائدة : 33] الآية. وقال { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات : 9] الآية. وكذلك من شق عصا المسلمين وخالف إمام جماعتهم وفرق كلمتهم وسعى في الأرض فسادا بانتهاب الأهل والمال والبغي على السلطان والامتناع من حكمه يقتل. فهذا معنى قوله { إلا بالحق} . وقال عليه السلام : (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم لا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده ولا يتوارث أهل ملتين). وروى أبو داود والنسائي عن أبي بكر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (من قتل معاهدا في غير كنهه حرم الله عليه الجنة} . وفي رواية أخرى لأبي داود قال : (من قتل رجل من أهل الذمة لم يجد ريح الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما). في البخاري في هذا الحديث (وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما). خرجه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. التاسعة: قوله تعالى { ذلكم} إشارة إلى هذه المحرمات. والكاف والميم للخطاب، ولا حظ لهما من الإعراب. { وصاكم به لعلكم تعقلون} الوصية الأمر المؤكد المقدور. والكاف والميم محله النصب؛ لأنه ضمير موضوع للمخاطبة. وفي وصى ضمير فاعل يعود على الله. وروى مطر الوراق عن نافع عن ابن عمر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أشرف على أصحابه فقال : علام تقتلوني! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث رجل زنى بعد حصانة فعليه الرجم أو قتل عمدا فعليه القود أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل) فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي به، ولا ارتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسول، ذلكم الذي ذكرت لكم وصاكم به لعلكم تعقلون!

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 150 - 152


سورة الانعام الايات 151 - 152

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ننظر في هذه الآية فلا نجد شيئاً من المحرمات من الأطعمة التي بها قوام الحياة، ولكن نجد فيها محرمات التي إن اتبعناها نهدر القيم المعنوية التي هي مقومات الحياة الروحية، إنها مقومات الحياة من القيم { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ }.

والأداء القرآني هنا يأخذ لفظ " تعال " بفهم أعمق من مجرد الإِقبال، فكأن الحق يقول: أقبل عليّ إقبال من يريد التعالي في تلقي الأوامر. فأنت تقبل على أوامر الله لتعلوا وترتفع عن حضيض تشريع البشرية؛ فلا تأخذ قوانينك من حضيض تشريع البشر؛ لأن الشرط الواجب في المشرع ألاّ يكون مساويًّا لمن شرَّع له، وألاّ يكون منتفعاً ببعض ما شرَّع، وأن يكون مستوعباً فلا تغيب عنه قضية ولا يغفل عن شيء والمشرع من الخلق لا يشرع إلا بعد اكتمال عقله ونضجه. ولا يقدر أن يمنع نفسه من الانتفاع بالتشريع.

الرأسمالي - مثلاً - يشرع ليستفيد، والماركسي يشرِّع ليستفيد. وكل واحد يشرع وفي نفسه هوى، ومن بعد ذلك تعدّل التشريعات عندما نستبين أنها أصبحت لا تفي ولا تغطي أمور الحياة، فكأن المشرع الأول لقصور علمه غابت عنه حقائق فضحها المجتمع حين برزت القضايا، فنظر في قانونه فلم يجد شيئاً يغطي هذه القضايا، فيقول: نعدل القانون، ونستدرك. ومعنى استدراك القانون اي أن هناك ما جهله ساعة قنن.

إذن يشترط في المقنن ألاّ يكون مساويًّا للمُقَنن له، وألاّ تغيب عنه قضية من القضايا حتى لا يُسْتَدّرَك عليه، وألاّ يكون منتفعاً بالتشريع، ولا يوجد ذلك في بشر أبداً، فأوضح الحق: اتركوا حضيض التشريع البشري وارتفعوا إلى السماء لتأخذوا تقنينكم منها؛ فحين ينادي الله " تعالوْا " فمعناها ارتفعوا عن حضيض تقنين بشريتكم إلى الأعلى لتأخذوا منه تقنيانكم التي تحكم حركة حياتكم، فهو لا ينتفع بما شرع، بل أنتم الذين تنتفعون، ولأنه لا يغيب عنه شيء سبحانه، وهو خالق، هو أولى ان يشرع لكم. { قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } [الأنعام: 151]

" أتل " من التلاوة وهي القراءة { مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } اي ما جعله حراما.. أي يمتنع عليهم فعله، وسأقول لكم كل البلاغات بلاغاً بعد بلاغ. { أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً } [الأنعام: 151]

لقد جاء سبحانه بتحريم الشرك من خلال تركيب لغوي يؤكد علينا ألا نشرك به؛ فأنت ساعة تأتي لتلقى أوامر لمن ترأسه تقول له: استمع إلى ما أمنعك منه فاتبعه. ثم تبدأ في التفصيل، والحق هنا جاء بأول بند من المحرمات والمحظورات هو ألا نشرك به شيئاً. أي أتلو عليكم تحريم الشرك، فأول المحرمات الشرك، وعلينا أن نوحد الله، فكل نهى عن شيء أمر بمقابله وكل أمر بشيء نهى عن مقابله.وعلى ذلك فكل أمر يستلزم نهيًّا، وكل نهي يستلزم أمراً. فلا تلتبس عليكم الأوامر والنواهي. أو تكون " عليكم " منطقعة عما قبلها، أي عليكم ترك الشرك، وعليكم إحسانا بالوالدين، وألا تقتلوا أولادكم، وألاّ تقربوا الفواحش.. أي ألزموا ذلك.

ثم يقول سبحانه: { وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } وسبحانه يأمر هنا بتأكيد الإحسان إلى الوالدين؛ فهو أمر بإيجاب ويستلزم نهيا عن مقابله وهو عقوق الوالدين، أي لا تعقوهم. فعدم الإحسان إلى الوالدين يدخل فيما حرم الله. ثم يقول سبحانه: { وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلاَدَكُمْ مِّنْ إمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ.. } [الأنعام: 151]

أي استبقوا حياة أولادكم، فإن أدرتها من قبيل النهي فقل هو نهي عن قتل الأولاد، وإن أردتها من قبيل الإيجاب فقل: استبقوا الحياة. وقول: { مِّنْ إمْلاَقٍ } أي من فقر، فكأنهم كانوا فقراء، ومادام الإملاق موجوداً فشغل الإنسان برزق نفسه يسبق الانشغال برزق من يأتي بعده؛ فيا أهل الإملاق تذكروا أن الله يرزقكم ويرزق من سيأتي زيادة وهم الأولاد. ويقول سبحانه: { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.. } [الأنعام: 151]

وهذا نهي عن القرب، أي نهي عن الملابسات التي قد تؤدي إلى الفعل لا نهي عن الفعل فقط؛ فحينما أراد الله يحرم على آدم وعلى زوجه الشجرة قال:
{  وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ... }
[الأعراف: 19]

لأن القرب قد يغري بالأكل، وكذلك: { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ } أي لا تأتي إلى مقدمات الفواحش بأن تلقي نظرة أو تحدق النظر إلى محرمات غيرك، وكذلك المرأة التي تتبرج؛ إنها تقوم بالإقبال على مقدمات الفواحش، فإذا امتنعت عن المقدمات أمنت الفتنة والزلل؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه، ألا لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله تعالى في أرضه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ".

ويمنعك الحق: ألاّ تقرب، أي أبعد نفسك عن مظنة أن تستهويك الأشياء، مثلها مثل " اجتنب " تماماً، وسبحانه وتعالى يقول: { فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ.. } [الحج: 30] ويقول:
{  ...وَٱجْتَنِبُواْ قَوْلَ ٱلزُّورِ }
[الحج: 30] وهنا يقول تعالى: { وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ }.

وكل ما ظهر من الفواحش هو من أفعال الجوارح التي ترتكب الموبقات و { وَمَا بَطَنَ } هو من أفعال السرائر مثل الحقد، والغل، والحسد.

ويتابع سبحانه: { وَلاَ تَقْتُلُواْ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ.. } [الأنعام: 151]

وكلمة " النفس " يختلف الناس في معناها، ولا تطلق النفس إلا على التقاء الروح بالمادة، والروح في ذاتها خيّرة، والمادة في ذاتها خيرة مسبحة عابدة.
{  وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ... }
[الإسراء: 44]

وإذا التقت الروح بالمادة تقوم الحياة، فمعنى قتل النفس أن نفصل الروح عن المادة بهدم البنية وهذا غير الموت؛ لأن الله هو الذي يميت النفس، أما الإنسان به في الآية فستجد التعقل يعطيك التوازن في القرار، وقد ختم الحق الخمسة الأشياء فهو يقتل النفس إن هدم بنيتها. والذي وهب الحياة هو الله، فلا يسلب الحياة إلا هو. وبعد ذلك يشرع الله لنا أن نسلب الحياة قصاصاً، أو للزنا من الثيب المحصن رجلا أو امرأة، أو للردّة، فهذا قتل بحق، لكن سبحانه وتعالى يلعن من يهدم بنيان الله بغير الحق، والإِنسان بنيان الله فلا تعتدي عليه. ولذلك أمرنا الله بالقصاص من إنسان قتل إنساناً؛ حتى يحافظ كل واحد على حياة نفسه، وحين يحفظ الإِنسان كل نفس، فإنّه ينجو بنفسه ويسلم.

هكذا يأمر الحق بأن نقتل الثّيب، والثيب الزاني يطلق على الذكر والأنثى وهو من تزوج ودخل على زوجه وذاق كل منهما عسيلة الآخر وأفضى إليه، وكذلك المرتد، فنحن نحرص عى حرية الاعتقاد؛ بدليل أننا لا نقتل الكافر الأصلي لكفره، ولكن يجب على الإِنسان أن يفهم أن الدخول إلى الإيمان بالإسلام يقتضي أن يدرسه دراسة مستوفية مقنعة، وأن يعلم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين فإذا علم أن حياته رهن بأن يرجع عن هذا الدين، فلن يدخله إلا وهو مقتنع تمام الاقتناع. ونحن نحمي بالاختيار، فنعلن لكل من يقبل على الإِسلام ونحذره: إياك أن تدخل بظاهر القول دون فهم لمعنى الإِسلام لأنك لو دخلت ثم بعد ذلك ارتددت فسوف تقتل، ومادام الشيء ثمنه الحياة، فالواجب أن يحتاط الإِنسان الاحتياط الشديد. وفي ذلك أيضاً ثقة من أن الإِنسان إذا ما بحث في الأدلة فسيقتنع بأن له إلهاً حقا، ولكننا لا نقتل الكافر الأصلي.

إذن فقتل المرتد حماية لحزم الاختيار، فإِياك أن تدخل بدون روية؛ لأنك لو دخلت ثم ارتددت فسوف تقتل، وبذلك يصفي الحق المسألة تصفية لازمة بأن يعرض من يقبل على الإِسلام جميع الحجج على نفسه، ولا يدخل إلا بنية على هذا، ففي أي عقد يحاول الإِنسان أن يعرف التزاماته وأن تتضح أمامه هذه الالتزامات. ولا يدخل إلى الدين الدخول الأهوج، أو الدخول الأرعن، أو الدخول المتعجل. بل يلزمه أن يدخل بتؤدة وروية.

وفي الزواج يدخل الإِنسان بكلمة ويخرج بكلمة أيضا هي: " أنت طالق " ، ولذلك تحتاط المرأة، فمادامت قد عرفت أن بقاء زواجها رهن بكلمة فعليها أن تحرص ألا تضع هذا الحق إلا في يد أمينة عليه. وساعة أن يقول لها أبوها: اسمعي، إن لك أن تختاري الزوج الذي إن أحبك أكرمك، وإن كرهك لا يظلمك؛ لأن بكلمة منه تنتهي الحياة الزوجية.إذن فعلى المرأة أن تفكر في الإِنسان الأمين على هذه الكلمة.

ومع ذلك فهناك احتياط للغفلة؛ فالرجل يتزوج بكلمة واحدة، من مرة واحدة لكن في الطلاق هناك ثلاث مراحل؛ كرصيد للغفلة. فالرجل يتزوج المرأة بكلمة " زوّجتك نفسي أو يزوجها وليها ويكون القبول من الزوج وبهذا يتم الزواج ". لكن في الطلاق أباح الله لغفلة الرجل ولرعونته أن يطلق مرة، ثم يراجع هو من غير دخول أحد بينهما، ثم يطلق ثانية، ويراجعها، ولكن بعد الطلاق الثالث يجد التنبيه من الحق: لقد احتطنا لك برصيد من غفلتك. ولكن عندما تريدها زوجاً لك فلا يتم ذلك إلاّ أن تتزوج غيرك، وبعدها قد تعود أو تبقى مع من تزوجها. فاحتط جيداً للأمر الذي تدخل عليه، وللتعاقد الذي التزمت به. فإذا كان هذا هو الشأن في تعاقد الزواج، فما بالنا بالردّة؟ إنّنا نقتل المرتد، ولا نفعل به ذلك قبل أن يؤمن وقبل أن يعلن إيمانه وقبل الدخول في حيز المؤمنين، ليعلم أنه إن رجع عن الإِسلام فسيقتل, وهكذا يصعِّب الإِسلام الدخول إليه، ويحمي الاختيار في الوقت نفسه.

ويتابع سبحانه: { ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } [الأنعام: 151]

و " الوصية " لا تكون إلا للأمور المهمة التي لا تستقيم كالحياة إلا بالقيام بها، إنها في أمهات المسائل التي لا يصح أن نغفلها. ولذلك حين تنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لقد ظل ثلاثة وعشرين عاماً يستقبل من السماء ويناول أهل الأرض، ثم جاء في حجة الوداع وركّز كل مبادئ الدين في قوله تعالى: { ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }.

و " وصاكم " غير شرّع؛ فشرّع تأتي بكل التشريعات وما فيها من تفاصيل صغيرة، والوصية تضم أمهات المسائل في التشريع. والعقل يجب أن يسع المسألة من أولها إلى آخرها؛ فلو استعملت عقلك في كل منهي عنه، أو في كل مأمور به في الآية فستجد التعقيل يعطيك التوازن في القرار، وقد ختم الحق الخمسة الأشياء التي ذكرها في هذه الآية بـ { ذٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }. وهذه الأوامر متفق عليها في جميع الرسالات وفي جميع الأديان، ويسمونها: " الوصايا العشر ".

والأشياء الخمسة التي أوصى بها سبحانه هي:

* ألا تشركوا به شيئاً.

* وبالوالدين إحساناً.

* ولا تقتلوا أولادكم من إملاق.

* ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

* ولا تقتلوا النفس التي حرّم الله إلا بالحق.

فكان يجب أن يقول: ذلكم وصاكم بها، لكنه قال: { وَصَّاكُمْ بِهِ } ، فكأن أوامر الله ونواهيه أمر واحد متلازم تتمثل كلها في: التزام ما أمر الله به، واجتنب ما نهى الله عنه.وقوله سبحانه: { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } فكأن العقل لو خُليِّ ليبحث هذه الأشياء بحثاً مستقلاً عن منهج السماء لوجد أن ضرورة العيش على الأرض تتطلب وجود هذه الأشياء.

إذن، كيف نُعْصم من أهوائنا المتضاربة بعضها مع بعض؟. لابد أن يكون الإله واحداً حتى لا يتبع كل واحد منا هواه. إننا نعرف أن الأصل في الإنسان هو الأب والأم. لذلك وصى بالأصل في { وَبِٱلْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً } ، ووصى أننا لا نقتل الأولاد خشية الفقر؛ لأن الحياة تستمر بهم، وبعد ذلك لابد أن تكون الحياة نظيفة، طاهرة لجميع الأفراد، ولا تشوبها شائبة الدنس أبداً، ولا يتأتى ذلك إلا إذا تركنا الفواحش: ما ظهر منها وما بطن؛ لأننا نلاحظ أن كل الأولاد غير الشرعيين يُهْمَلون؛ فالحق سبحانه وتعالى يريد طهارة الأنسال في الحياة؛ حتى يتحمل كل واحد مسئولية نسله. ويكون محسوباً عليه أمام المجتمع، ويحذرنا سبحانه من أن نقتل النفس إلا بالحق؛ لأن النفس أصل استبقاء الحياة.

ثم يجيء الحق بعد ذلك في الآية التالية ليكمل الوصايا فيقول: { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ... }

لمسات بيانية - للدكتور / فاضل صالح السامرائي

ما الفرق بين الآيتين (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ (151) الانعام) (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ (31) الاسراء) من الناحية البيانية؟
هاتان الآيتان تكلّم فيهما القدامى كثيراً في أكثر المراجع وحتى المحدثين ذكروها.

الآية الأولى (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) الانعام) (من إملاق): أي من الفقر الواقع بهم يقتلونهم بسبب الفقر الواقع عليهم فلما كانوا مفتقرين فهم محتاجون للرزق لعيلوا أنفسهم ثم أولادهم لذا بدأ تعالى برزقهم هم أولاً لأنهم محتاجون ثم رزق أولادهم.
أما الآية الثانية (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) الاسراء) (خشية إملاق): هم ليسوا محتاجين الآن لكنهم يخشون الفقر ويخشون أن تكون تكاليف الأولاد ستؤثر عليهم وتودي بهم إلى الفقر لكنهم ليسوا مفتقرين الآن فقال تعالى نحن نرزقهم لماذا تخافون إذن؟ فبدأ برزق الأولاد أولاً حتى يبين لهم أن الأولاد لن يشاركونهم في رزقهم وإنما رزقهم معهم.


www.alro7.net