سورة
اية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى متوعدا على الفرار من الزحف بالنار لمن فعل ذلك { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا} أي تقاربتم منهم ودنوتم إليهم { فلا تولوهم الأدبار} أي تفرقوا وتتركوا أصحابكم، { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال} أي يفر بين يدي قرنه مكيدة ليريه أنه خاف منه، فيتبعه، ثم يكر عليه فلا بأس عليه في ذلك وهو قول سعيد بن جبير والسدي . وقال الضحاك أن يتقدم عن أصحابه ليرى غرة من العدو فيصيبها، { أو متحيزا إلى فئة} أي فر من ها هنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونهم ويعاونوه، فيجوز له ذلك، حتى لو كان في سريه ففر إلى أميره أو إلى الإمام الأعظم دخل في هذه الرخصة. قال الإمام أحمد عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما قال: كنت في سرية من سرايا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة ثم بتنا، ثم قلنا: لو عرضنا أنفسنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإذا كانت لنا توبة وإلا ذهبنا، فأتيناه قبل صلاة الغداة، فخرج فقال: (مَنْ القوم؟) فقلنا: نحن الفرارون، فقال: (لا، بل أنتم العكّارون أنا فئتكم وأنا فئة المسلمين) قال: فأتيناه حتى قبَّلنا يده. وقرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم هذه الآية: { أو متحيزا إلى فئة} ""رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه"". وقال أهل العلم: معنى قوله (العكارون): أي العرافون، وكذلك قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه في أبي عبيدة لما قُتل بأرض فارس لكثرة الجيش من المجوس فقال عمر: لو تحيز إليَّ لكنت له فئة، ويروى عنه أنا فئة كل مسلم. وقال الضحاك في قوله { أو متحيزا إلى فئة} : المتحيز الفار إلى النبي وأصحابه، وكذلك من فر اليوم إلى أميره أو أصحابه، فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب فإنه حرام وكبيرة من الكبائر، لما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال، قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: (اجتنبوا السبع الموبقات) قيل يا رسول اللّه وما هن؟ قال: (الشرك باللّه، والسحر، وقتل النفس التي حرم اللّه إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) ""أخرجه الشيخان عن أبي هريرة"". ولهذا قال تعالى: { فقد باء} أي رجع { بغضب من اللّه ومأواه} أي مصيره ومنقلبه يوم ميعاده { جهنم وبئس المصير} . وقال الإمام أحمد عن بشير بن معبد قال: أتيت النبي صلى اللّه عليه وسلم لأبايعه فاشترط عليَّ شهادة أن لا إله إلا اللّه، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن أقيم الصلاة، وأن أؤدي الزكاة، وأن أحج حجة الإسلام، وأن أصوم شهر رمضان، وأن أجاهد في سبيل اللّه؛ فقلت يا رسول اللّه أما اثنتان فواللّه لا أطيقهما: الجهاد، فإنهم زعموا أنه من ولى الدبر فقد باء بغضبٍ من اللّه، فأخاف إن حضرت ذلك خشعت نفسي وكرهت الموت. والصدقة، فواللّه مالي إلا غنيمة وعشر ذود هن رسل أهلي وحمولهم، فقبض رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يده ثم حرك يده ثم قال: (فلا جهاد ولا صدقة فبم تدخل الجنة إذا)؟ قلت: يا رسول اللّه أنا أبايعك، فبايعته عليهن كلهن ""أخرجه الإمام أحمد، قال ابن كثير: حديث غريب من هذا الوجه لم يخرجوه في الكتب الستة"". وقد ذهب ذاهبون إلى أن الفرار إنما كان حراما على الصحابة، لأن الجهاد كان فرض عين عليهم، وقيل: على الأنصار خاصة لأنهم بايعوا على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وقيل: المراد بهذه الآية أهل بدر خاصة يروى هذا عن عمرو ابن عباس وأبي هريرة وأبي سعيد ونافع والحسن البصري وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم . وحجتهم في هذا أنه لم تكن عصابة لها شوكة يفيئون إليها إلا عصابتهم تلك كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض)، ولهذا قال الحسن في قوله: { ومن يولهم يومئذ دبره} قال: ذلك يوم بدر، فأما اليوم فإن انحاز إلى فئة أو مصر فلا بأس عليه، وقال ابن المبارك عن يزيد بن أبي حبيب: أوجب اللّه تعالى لمن فر يوم بدر النار، قال: { ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله} ، فلما كان يوم أُحد بعد ذلك قال: { إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان} ، إلى قوله { ولقد عفا اللّه عنهم} ، ثم كان يوم حنين بعد ذلك بسبع سنين، قال: { ثم وليتم مدبرين ثم يتوب اللّه من بعد ذلك على من يشاء} . وعن أبي سعيد أنه قال في هذه الآية: { ومن يولهم يومئذ دبره} إنما أنزلت في أهل بدر، وهذا كله لا ينفي أن يكون الفرار من الزحف حراما على غير أهل بدر، وإن كان سبب نزول الآية فيهم، كما دل عليه حديث أبي هريرة المتقدم من أن الفرار من الزحف من الموبقات كما هو مذهب الجماهير، واللّه أعلم.

تفسير الجلالين

{ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا } أي مجتمعين كأنهم لكثرتهم يزحفون { فلا تولُّوهم الأدبار } منهزمين .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله { إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْقِتَال زَحْفًا } يَقُول : مُتَزَاحِفًا بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض , وَالتَّزَاحُف : التَّدَانِي وَالتَّقَارُب . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله { إِذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْقِتَال زَحْفًا } يَقُول : مُتَزَاحِفًا بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض , وَالتَّزَاحُف : التَّدَانِي وَالتَّقَارُب .' يَقُول : فَلَا تُوَلُّوهُمْ ظُهُوركُمْ فَتَنْهَزِمُوا عَنْهُمْ , وَلَكِنْ اُثْبُتُوا لَهُمْ فَإِنَّ اللَّه مَعَكُمْ عَلَيْهِمْ .يَقُول : فَلَا تُوَلُّوهُمْ ظُهُوركُمْ فَتَنْهَزِمُوا عَنْهُمْ , وَلَكِنْ اُثْبُتُوا لَهُمْ فَإِنَّ اللَّه مَعَكُمْ عَلَيْهِمْ .'

تفسير القرطبي

فيه سبع مسائل: الأولى: قوله تعالى: { زحفا} الزحف الدنو قليلا قليلا. وأصله الاندفاع على الألية؛ ثم سمي كل ماش في الحرب إلى آخر زاحفا. والتزاحف : التداني والتقارب؛ يقال : زحف إلى العدو زحفا. وازحف القوم، أي مشى بعضهم إلى بعض. ومنه زحاف الشعر، وهو أن يسقط بين الحرفين حرف فيزحف أحدهما إلى الآخر. يقول : إذا تدانيتم وتعاينتم فلا تفروا عنهم ولا تعطوهم أدباركم. حرم الله ذلك على المؤمنين حين فرض عليهم الجهاد وقتال الكفار. قال ابن عطية : والأدبار جمع دبر. والعبارة بالدبر في هذه الآية متمكنة الفصاحة؛ لأنها بشعة على الفار، ذامة له. الثانية: أمر الله عز وجل في هذه الآية ألا يولي المؤمنون أمام الكفار. وهذا الأمر مقيد بالشريطة المنصوصة في مثلي المؤمنين؛ فإذا لقيت فئة من المؤمنين فئة هي ضعف المؤمنين من المشركين فالفرض ألا يفروا أمامهم. فمن فر من اثنين فهو فار من الزحف. ومن فر من ثلاثة فليس بفار من الزحف، ولا يتوجه عليه الوعيد. والفرار كبيرة موبقة بظاهر القرآن وإجماع الأكثر من الأئمة. وقالت فرقة منهم ابن الماجشون في الواضحة : إنه يراعى الضعف والقوة والعدة؛ فيجوز على قولهم أن يفر مائة فارس من مائة فارس إذا علموا أن ما عند المشركين من النجدة والبسالة ضعف ما عندهم. وأما على قول الجمهور فلا يحل فرار مائة إلا مما زاد على، المائتين؛ فمهما كان في مقابلة مسلم أكثر من اثنين فيجوز الانهزام، والصبر أحسن. وقد وقف جيش مؤتة وهم ثلاثة آلاف في مقابلة مائتي ألف، منهم مائة ألف من الروم، ومائة ألف من المستعربة من لخم وجذام. قلت : ووقع في تاريخ فتح الأندلس، أن طارقا مولى موسى بن نصير سار في ألف وسبعمائة رجل إلى الأندلس، وذلك في رجب سنة ثلاث وتسعين من الهجرة؛ فالتقى وملك الأندلس لذريق وكان في سبعين ألف عنان؛ فزحف إليه طارق وصبر له فهزم الله الطاغية لذريق، وكان الفتح. قال ابن وهب : سمعت مالكا يسأل عن القوم يلقون العدو أو يكونون في محرس يحرسون فيأتيهم العدو وهم يسير، أيقاتلون أو ينصرفون فيؤذنون أصحابهم؟ قال : إن كانوا يقوون على قتالهم قاتلوهم، وإلا انصرفوا إلى أصحابهم فآذنوهم. الثالثة: واختلف الناس هل الفرار يوم الزحف مخصوص بيوم بدر أم عام في الزحوف كلها إلى يوم القيامة؟ فروي عن أبي سعيد الخدري أن ذلك مخصوص بيوم بدر، وبه قال نافع والحسن وقتادة ويزيد بن أبي حبيب والضحاك، وبه قال أبو حنيفة. وأن ذلك خاص بأهل بدر فلم يكن لهم أن ينحازوا، ولو انحازوا لانحازوا للمشركين، ولم يكن في الأرض يومئذ مسلمون غيرهم، ولا للمسلمين فئة إلا النبي صلى الله عليه وسلم؛ فأما بعد ذلك فإن بعضهم فئة لبعض. قال الكيا : وهذا فيه نظر؛ لأنه كان بالمدينة خلق كثير من الأنصار لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج ولم يكونوا يرون أنه قتال، وإنما ظنوا أنها العير؛ فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خف معه. ويروى عن ابن عباس وسائر العلماء أن الآية باقية إلى يوم القيامة. احتج الأولون بما ذكرنا، وبقوله تعالى: { يومئذ} فقالوا : هو إشارة إلى يوم بدر، وأنه نسخ حكم الآية بآية الضعف. وبقي حكم الفرار من الزحف ليس بكبيرة. وقد فر الناس يوم أحد فعفا الله عنهم، وقال الله فيهم يوم حنين { ثم وليتم مدبرين} [التوبة : 25] ولم يقع على ذلك تعنيف. وقال الجمهور من العلماء : إنما ذلك إشارة إلى يوم الزحف الذي يتضمنه قوله تعالى: { إذا لقيتم} . وحكم الآية باق إلى يوم القيامة بشرط الضعف الذي بينه الله تعالى في آية أخرى، وليس في الآية نسخ. والدليل عليه أن الآية نزلت بعد القتال وانقضاء الحرب وذهاب اليوم بما فيه. وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأكثر العلماء. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (اجتنبوا السبع الموبقات - وفيه - والتولي يوم الزحف) وهذا نص في المسألة. وأما يوم أحد فإنما فر الناس من أكثر من ضعفهم ومع ذلك عنفوا. وأما يوم حنين فكذلك من فر إنما انكشف عن الكثرة؛ على ما يأتي بيانه. الرابعة: قال ابن القاسم : لا تجوز شهادة من فر من الزحف، ولا يجوز لهم الفرار وإن فر إمامهم؛ لقوله عز وجل { ومن يولهم يومئذ دبره} الآية. قال : ويجوز الفرار من أكثر من ضعفهم، وهذا ما لم يبلغ عدد المسلمين اثني عشر ألفا؛ فإن بلغ اثني عشر ألفا لم يحل لهم الفرار وإن زاد عدد المشركين على الضعف؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم { ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة} فإن أكثر أهل العلم خصصوا هذا العدد بهذا الحديث من عموم الآية. قلت : رواه أبو بشر وأبو سلمة العاملي، وهو الحكم بن عبدالله بن خطاف وهو متروك. قالا : حدثنا الزهري عن أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (يا أكثم بن الجون اغز مع غير قومك يحسن خلقك وتكرم على رفقائك. يا أكثم بن الجون خير الرفقاء أربعة وخير الطلائع أربعون وخير السرايا أربعمائة وخير الجيوش أربعة آلاف ولن يؤتى اثنا عشر ألفا من قلة). وروي عن مالك ما يدل على ذلك من مذهبه وهو قوله للعمري العابد إذ سأله هل لك سعة في ترك مجاهدة من غير الأحكام وبدلها ؟ فقال : إن كان معك اثنا عشر ألفا فلا سعة لك في ذلك. الخامسة: فإن فر فليستغفر الله عز وجل. روى الترمذي عن بلال بن يسار بن زيد قال : حدثني أبي عن جدي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول { من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر الله له وإن كان قد فر من الزحف} . قال : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. السادسة: قوله تعالى { إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} التحرف : الزوال عن جهة الاستواء. فالمتحرف من جانب إلى جانب لمكايد الحرب غير منهزم؛ وكذلك المتحيز إذا نوى التحيز إلى فئة من المسلمين ليستعين بهم فيرجع إلى القتال غير منهزم أيضا. روى أبو داود عن عبدالله بن عمر أنه كان في سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فحاص الناس حيصة، فكنت فيمن حاص، قال : فلما برزنا قلنا كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب. فقلنا : ندخل المدينة فنتثبت فيها ونذهب ولا يرانا أحد. قال : فدخلنا فقلنا لو عرضنا أنفسنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كانت لنا توبة أقمنا، وإن كان غير ذلك ذهبنا. قال : فجلسنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل صلاة الفجر، فلما خرج قمنا إليه فقلنا، نحن الفرارون؛ فأقبل إلينا فقال { لا بل أنتم العكارون} قال : فدنونا فقبلنا يده. فقال : (أنا فئة المسلمين). قال ثعلب : العكارون هم العطافون. وقال غيره : يقال للرجل الذي يولي عند الحرب ثم يكر راجعا : عكر واعتكر. وروى جرير عن منصور عن إبراهيم قال : انهزم رجل من القادسية فأتى المدينة إلى عمر فقال : يا أمير المؤمنين، هلكت! فررت من الزحف. فقال عمر : أنا فئتك. وقال محمد بن سيرين : لما قتل أبو عبيدة جاء الخبر إلى عمر فقال : لو انحاز إلي لكنت له فئة، فأنا فئة كل مسلم. وعلى هذه الأحاديث لا يكون الفرار كبيرة؛ لأن الفئة هنا المدينة والإمام وجماعة المسلمين حيث كانوا. وعلى القول الآخر يكون كبيرة؛ لأن الفئة هناك الجماعة من الناس الحاضرة للحرب. هذا على قول الجمهور أن الفرار من الزحف كبيرة. قالوا : وإنما كان ذلك القول من النبي صلى الله عليه وسلم وعمر على جهة الحيطة على المؤمنين، إذ كانوا في ذلك الزمان يثبتون لأضعافهم مرارا. والله أعلم. وفي قوله { والتولي يوم الزحف} ما يكفي. السابعة: قوله تعالى: { فقد باء بغضب من الله} أي استحق الغضب. وأصل { باء} رجع وقد تقدم. { ومأواه جهنم} أي مقامه. وهذا لا يدل على الخلود؛ كما تقدم في غير موضع. وقد قال صلى الله عليه وسلم : (من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم غفر له وإن كان قد فر من الزحف).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانفال الايات 9 - 15


سورة الانفال الايات 15 - 19

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

ونعلم أن نداء الحق سبحانه وتعالى للمؤمنين بقوله: { يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } ، إما أن يكون بعدها أمر بمتعلق الإيمان ومطلوبه، وإما أن يكون بعدها الإيمان نفسه، ومثال ذلك قول الحق سبحانه وتعالى:
{  يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ }
[النساء: 136].

وبعضهم يقول: كيف ينادى مؤمنين ثم يقول لهم: " آمِنوا "؟، وهؤلاء المستفهمون لمْ يلتفتوا إلى أن الحق حين يكلم المؤمنين يعلم أنهم مؤمنون بالفعل، ولكن الأغيار في الاختيار قد تدعوهم إلى أن يتراخى البعض منهم عن مطلوبات الإيمان. و " آمنوا " الثانية معناها: أنشئوا دائما إيماناً جديداً أي مستمراً يتصل بالإيمان الحاضر والإيمان المستقبل، ليدوم لكم الإيمان.

فإذا كان ما بعد { يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } أمراً بمطلوب الإيمان، من حكم شرعي، أو عظة أخلاقية. يكون أمرها واقعاً، والمعنى: يا من آمنتم بي إلهاً قادراً حكيماً، ثقوا في كل ما آمركم به لأني لا آمركم بشيء فيه مصلحة لي؛ لأن صفات الكمال لي أزلية، فخلقي لكم لم ينشئ صفة كمال، فإن كلفتكم بشيء، فتكليفي لكم يعود عليكم بالنفع والمصلحة لكم، وضربنا المثل - ولله المثل الأعلى منزّه عن كل مثل - أنت تذهب إلى الطبيب بعد أن تتشاور مع أهلك وزملائك وتكون واثقاً بأن هذا هو الطبيب الذي ينفع في هذه الحالة التي تشكو منها، وساعة تذهب إليه يشخص لك المرض ويكتب لك الدواء، وسواء استخدمت الدواء أم لم تستخدمه فأنت حر وأثر ذلك يعود عليك وعود استعمالك الدواء لن يضر الطبيب شيئاً، بل أنت الذي تضر نفسك، كذلك منهج الله الذي جعله لصلاحية حركة الحياة. إن اتبعته وطبقته تنفع نفسك، وإن تركته فلم تطبقه فسوف تضر نفسك، ولذلك يقول المولى سبحانه وتعالى:
{  وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ }
[الكهف: 29].

إذن فالاختيار لك والله سبحانه وتعالى قد خلقك، وخلق الكون الذي يخدمك من قبل أن توجد، وأنت طارىء على هذا الكون، طارىء على الشمس وعلى القمر، وعلى الأرض، وعلى الجبال، وعلى الماء وعلى أي شيء في هذا الوجود. والذي خلق ما سبقك لا بد أن تكون له صفات الكمال المطلق. فهو سبحانه وتعالى قد خلق كل شيء بالحكمة والنظام، وما دامت له سبحانه وتعالى صفات الكمال المطلق المستوعبة، فهو لا يطلب منك بالتكاليف أن تنشىء له صفات كمال جديدة، وهو غني عنك. فإذا اقتنعت بالإيمان فلمصلحتك أنت، ولم يكلفْك إلا بالأحكام التي تصلح من حالك. وحيثية كل حكم هو تصديره بـ { يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ }.

إياك أن تبحث عن علة في الحكم؛ لأنك لو ذهبت إلى الحكم لعلته، لاشتركت مع غير المؤمنين، فالمؤمن - مثلا - حين سمع الأمر باجتناب الخمر، امتثل للحكم لأنه صادر من الله، من بعد ذلك عرف غير المؤمنين - بالتحليل العلمي - أن الخمر ضارة فامتنعوا عنها، فهل امتناعهم هو امتناع إيماني؟ لا.إذن فإن المؤمن يأخذ الأمر من الله عز وجل لا لعلة الأمر بل لمجرد أنه قد صدر من الله؛ لذلك يمتثل للأمر وينفذه.. فالمسلم يمتثل لأوامر الله ويؤدي العمل الصالح دون بحث أو تساؤل عن علته، فحين يقال - على سبيل المثال - إن من فوائد الصيام أن يذوق الغني ألم الجوع، ويعطف على الفقير، حين أسمع من يقول ذلك أقول له: قولك صحيح لأن فيه لمسة من فهم، لكن ماذا عن صوم الفقير الذي ليس عنده ما يعطيه لغيره، ألا يصوم أيضاً؟.

إن المؤمن يصوم لأن الأمر جاء من الله بالصيام. ومعظم أحكام الله تأتي مسبوقة بقوله: { يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ } ، أي: يا من آمنتم بي إلهاً أقبلوا عليّ، فإنكم إن بحثتم عن العلة، ثم نفذتم الحكم لعلته فأنتم غير مؤمنين بالإله الآمر والمشرع، لكنكم مؤمنون بعلة المأمور به، والله يريدك أن ترضخ له فقط، ولذلك يأمرك بأوامر وينهاك بنواهٍ، فأنت - مثلا - حين تحج بيت الله الحرام، تسلم على الحجر الأسود بأمر من الله، وقد تتيح لك الظروف أن تقبِّل هذا الحجر كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنت في كل ذلك لا ترضخ للحجر. بل للآمر الأعلى الذي بعث محمداً بحرب على الأصنام وعلى الأحجار، وأنت تتبع رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بمنتهى التسليم والإيمان، وتذهب بعد ذلك لترجم الأحجار التي هي رمز إبليس. وتفعل ذلك تسليماً لأوامر الله تعالى التي بلغتك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهنا يقول الحق تبارك وتعالى: { يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ } [الأنفال:15].

فما دمت قد آمنت بالإله، لا بد أن تدافع عن منهج الإله؛ لأن هذا أيضاً لمصلحتك؛ لأنك بإيمانك بالله أيها المؤمن ينتفع المجتمع كله بخيرك، ولن يأمرك سبحانه إلا بالخير، فلن تسرق، ولن تزني، ولن تشرب خمراً، ولن تعربد في الناس، ولن ترتشي، وبكل ذلك السلوك ينتفع المجتمع؛ لأن المجتمع يضار حين يوجد به فريق غير مهتدٍ. وأنت حين تقاتل لتفرض الكلمة الإيمانية هلى هؤلاء، فهذا يعود إلى مصلحتك، ولذلك فإن اتصافك بالإيمان لا يتحقق إلا إن عديته لغيرك، ومن حبك لنفسك، أن تعدى الإيمان بالقيم التي عندك إلى غيرك لتنتفع أنت بسلوك من يؤمن، وينتفع غيرك بسلوكك معه، ومن مصلحتك أن يؤمن الجميع.

وحين يكلفك الحق تبارك وتعالى بالجهاد في سبيل الله فأنت تفعل ذلك لصالحك.

{ يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحْفاً } [الأنفال: 15].وزحفاً مصدر زَحَف، والزحْف في الأصل هو الانتقال من مكان إلى مكان آخر بالنصف الأعلى من الجسم. وتقول: " الولد زحف " أي تحرك من مكانه بنقل يديه وشد بذلك بقية جسمه. كما نقول: " حبا ". أي استعمل الوركين والركبتين ليتحرك بجسده على الأرض، ثم نقول: " مشى " أي وقف على قدميه وسار، فتلك إذن مراحل تبدأ من زَحْف ثم حَبْو ثم مَشْى، والطفل يبدأ حركته الأولى بالزحف، بعد أن يتمكن من السيطرة على رأسه، ويمتلك القدرة على تحريكها بإرادته، ويقوى نصفه الأعلى، فيقعد، ثم يزحف، وبعد ذلك تقوى فخذاه فيحبو، ومن بعد ذلك تقوى الساقان فيمشي.

إذن قوة الطفل تبدأ من أعلى.

ولكن ما حكاية " زحفا " هنا في هذه الآية الكريمة؟ ولماذا لم يقل هًرْولوا إلى القتال؟. ونقول: إن الزحف هو انتقال كتلته لا ترى الناقل فيها، فمن يراها يظن أن الكتلة كلها تتحرك.

وكأن الحق تعالى يقصد: أريد منكم أن تتحركوا إلى الحرب كتلة واحدة متلاصقين تماماً فيظهر الأمر وكأنكم تزحفون. وزحفاً أصلها زاحفين، وقد عدل سبحانه وتعالى عن اسم الفاعل وجاء بالمصدر، مثلما نقول عن إنسان عادل: إنه إنسان عدل، أي أن عدله مجسم. ولذلك نجد الشاعر يقول عن الجيش الزاحف:
خميس بِشَرْقِ الأرضِ والغربِ زحفُه   وفي أذنِ الجوزاءِ منه زمازم
والخميس هو الجيش الجرار، ويريد الشاعر أن يصوّر الزحف كأنه كتلة واحدة متماسكة ومترابطة، بحيث لا تستطيع أن تميز حركة جندي من حركة جندي آخر، حتى ليخيّل إليك أن الكتلة كلها تسير معاً. ومن يريد أن يتأكد من ذلك ندعو الله أن يكتب له الحج ويصعد إلى الدور الثاني من الحرم المكي الشريف ويرى الطائفين، ويجدهم ملتحمين جميعاً كأنهم كتلة واحدة تسير، ولذلك سمّوها " السيل ".

و " سالت بأعناق المطي الأباطح "

مَثلُهم مثل السيل في تدفقه لا تفرق فيه نقطة عن أخرى.

والحق تبارك وتعالى يوضح لنا هنا أن لقاء الكفار يجب أن يكون زحفاً أي كتلة واحدة متماسكة، فيصيب المشهد الكافرين بالرعب حين يرون هذه الكتلة الضخمة التي لا يفرق أحد بين أعضائها، وهكذا تكون المواجهة الحقيقية.

ويواصل الحق سبحانه وتعالى التنبيه فيقول:

{ فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ } [الأنفال: 15].

أي لا تعطوهم ظهوركم، وهو سبحانه وتعالى في آية أخرى يقول:
{  وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ }
[المائدة: 21].

ويريد الله أن يعطي صورة بشعة في أذن القوم؛ لأن " الأدبار " جمع " دبر " والدبر مفهوم أنه الخلف ويقابله القُبُل، وهذا تحذير لك من أن تمكن عدوك من ظهرك أي دبرك، لأن هذا أمر مستهجن، ولذلك نجد الإمام عليا - كرّم الله وجهه - يرد على من قالوا له إن درعك له صدار وليس له ظِهار، أي مغطى من الصدر، وليس له ظهر. وهنا يقول الإمام على رضي الله عنه: " ثكلتني أمي إن مكّنت عدوي من ظهري " ، وكأن شهامة وشجاعة الإمام تحمله على أنه يترك ظهره من غير وقاية.

وفي قول الحق جل وعلا { فَلاَ تُوَلُّوهُمُ ٱلأَدْبَارَ } تحذير من الفرار من مواجهة العدو.

ويقول سبحانه وتعالى بعد ذلك: { وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَىٰ فِئَةٍ... }


www.alro7.net