سورة
اية:

ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۖ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ۗ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ ۖ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ

تفسير بن كثير

هذا بيان لجهل العرب قبل الإسلام فيما كانوا حرموا من الأنعام، وجعلوها أجزاء وأنواعاً بحيرة وسائبة ووصيلة وغير ذلك من الأنواع التي ابتدعوها في الأنعام والزروع والثمار، فبين تعالى أنه أنشأ جنات معروشات وغير معروشات، وأنه أنشأ من الأنعام حمولة وفرشاً، ثم بين أصناف الأنعام، وأنه تعالى لم يحرم شيئاً من ذلك ولا شيئاً من أولادها بل كلها مخلوقة لبني آدم أكلاً وركوباً وحمولة وحلباً وغير ذلك من وجوه المنافع، كما قال: { وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج} الآية، وقوله تعالى: { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} رد عليهم في قولهم: { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} الآية، وقوله تعالى: { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} أي أخبروني عن يقين كيف حرم اللّه عليكم ما زعمتم تحريمه من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ونحو ذلك، قال ابن عباس: يقول لم أحرم من ذلك شيئاً، { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} يعني هل يشتمل الرحم إلا على ذكر أو أنثى فلم تحرمون بعضاً وتحلون بعضاً؟ { نبئوني بعلم إن كنتم صادقين} يقول تعالى: كله حلال، وقوله تعالى: { أم كنتم شهداء إذ وصاكم اللّه بهذا} تهكم بهم فيما ابتدعوه وافتروه على اللّه من تحريم ما حرموه من ذلك، { فمن أظلم ممن افترى على اللّه كذباً ليضل الناس بغير علم} أي لا أحد أظلم منه، { إن اللّه لا يهدي القوم الظالمين} وأول من دخل في هذه الآية عمرو بن لحي بن قمعة لأنه أول من غيّر دين الأنبياء، وأول من سيّب السوائب، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي، كما ثبت ذلك في الصحيح.

تفسير الجلالين

{ ثمانية أزواج } أصناف بدل من حمولة وفرشا { من الضأن } زوجين { اثنين } ذكر وأنثى { ومن المعَز } بالفتح والسكون { اثنين قل } يا محمد لمن حرم ذكور الأنعام تارة وإناثها أخرى ونسب ذلك إلى الله { آلذكرين } من الضأن والمعز { حرم } الله عليكم { أم الأنثيين } منهما { أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين } ذكرا كان أو أنثى { نَبِّئوني بعلم } عن كيفية تحريم ذلك { إن كنتم صادقين } فيه المعنى من أين جاء التحريم ؟ فإن كان من قبل الذكورة فجميع الذكور حرام أو الأنوثة فجميع الإناث، أو اشتمال الرحم فالزوجان، فمن أين التخصيص ؟ والإستفهام للإنكار .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وَهَذَا تَقْرِيع مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَان مِنْ عَبَدَة الْأَصْنَام الَّذِي بَحَرُوا الْبَحَائِر وَسَيَّبُوا السَّوَائِب وَوَصَلُوا الْوَصَائِل , وَتَعْلِيم مِنْهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , الْحُجَّة عَلَيْهِمْ فِي تَحْرِيمهمْ مَا حَرَّمُوا مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّات مَعْرُوشَات وَغَيْر مَعْرُوشَات } وَمِنْ الْأَنْعَام أَنْشَأَ حَمُولَة وَفَرْشًا . ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْحَمُولَة وَالْفَرْش , فَقَالَ : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } وَإِنَّمَا نُصِبَ الثَّمَانِيَة , لِأَنَّهَا تَرْجَمَة عَنْ الْحَمُولَة وَالْفَرْش وَبَدَل مِنْهَا ; كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَمِنْ الْأَنْعَام أَنْشَأَ ثَمَانِيَة أَزْوَاج ; فَلَمَّا قَدَّمَ قَبْل الثَّمَانِيَة الْحَمُولَة وَالْفَرْش بَيَّنَ ذَلِكَ بَعْد , فَقَالَ : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى { مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } فَذَلِكَ أَرْبَعَة , لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الضَّأْن زَوْج , فَالْأُنْثَى مِنْهُ زَوْج الذَّكَر , وَالذَّكَر مِنْهُ زَوْج الْأُنْثَى , وَكَذَلِكَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْز وَمِنْ سَائِر الْحَيَوَان ; فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { ثَمَانِيهِ أَزْوَاج } كَمَا قَالَ : { وَمِنْ كُلّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } 51 49 لِأَنَّ الذَّكَر زَوْج الْأُنْثَى وَالْأُنْثَى زَوْج الذَّكَر , فَهُمَا زَوْجَانِ كَانَا اِثْنَيْنِ فَهُمَا زَوْجَانِ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا لِيَسْكُن إِلَيْهَا } 7 189 وَكَمَا قَالَ : { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } 33 37 . وَكَمَا : 10942 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ } ذَكَر وَأُنْثَى , { وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ } ذَكَر وَأُنْثَى , { وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ } ذَكَر وَأُنْثَى . وَيُقَال لِلِاثْنَيْنِ : هُمَا زَوْج كَمَا قَالَ لَبِيد : مِنْ كُلّ مَحْفُوف يُظِلّ عِصِيّه زَوْج عَلَيْهِ كِلَّة وَقِرَامهَا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه مِنْ هَذِهِ الثِّمَار وَاللُّحُوم , وَارْكَبُوا هَذِهِ الْحَمُولَة أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان فِي تَحْرِيم مَا حَرَّمَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَة بِغَيْرِ أَمْرِي إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ . قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَرَّمُوا مَا حَرَّمُوا مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام , اِتِّبَاعًا لِلشَّيْطَانِ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مُحَرِّمُونَ مِنْ ذَلِكَ : { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ } رَبّكُمْ أَيّهَا الْكَذَبَة عَلَى اللَّه مِنْ الضَّأْن وَالْمَعْز , فَإِنَّهُمْ إِنْ اِدَّعَوْا ذَلِكَ وَأَقَرُّوا بِهِ , كَذَّبُوا أَنْفُسهمْ وَأَبَانُوا جَهْلهمْ , لِأَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا : يُحَرِّم الذَّكَرَيْنِ مِنْ ذَلِكَ , أَوْجَبُوا تَحْرِيم كُلّ ذَكَرَيْنِ مِنْ وَلَد الضَّأْن وَالْمَعْز , وَهُمْ يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ الذُّكْرَان مِنْهَا وَظُهُورهَا , وَفِي ذَلِكَ فَسَاد دَعْوَاهُمْ وَتَكْذِيب قَوْلهمْ . { أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } فَإِنَّهُمْ إِنْ قَالُوا : حَرَّمَ رَبُّنَا الْأُنْثَيَيْنِ , أَوْجَبُوا تَحْرِيم لُحُوم كُلّ أُنْثَى مِنْ وَلَد الضَّأْن وَالْمَعْز عَلَى أَنْفُسهمْ وَظُهُورهَا , وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا تَكْذِيب لَهُمْ , وَدَحْض دَعْوَاهُمْ أَنَّ رَبّهمْ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , إِذْ كَانُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ بَعْض ذَلِكَ وَظُهُوره . { أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } يَقُول : أَمْ حَرَّمَ مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ , يَعْنِي أَرْحَام أُنْثَى الضَّأْن وَأُنْثَى الْمَعْز ; فَلِذَلِكَ قَالَ : أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ . وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا لَوْ أَقَرُّوا بِهِ فَقَالُوا : حَرَّمَ عَلَيْنَا مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ , بُطُول قَوْلهمْ وَبَيَان كَذِبِهِمْ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ذُكُور الضَّأْن وَالْمَعْز وَإِنَاثهَا أَنْ يَأْكُلُوا لُحُومهَا أَوْ يَرْكَبُوا ظُهُورهَا , وَقَدْ كَانُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِبَعْضِ ذُكُورهَا وَإِنَاثهَا , وَ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } نَصْب عَطْفًا بِهَا عَلَى " الْأُنْثَيَيْنِ " . { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ } يَقُول : قُلْ لَهُمْ : خَبِّرُونِي بِعِلْمٍ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ , أَيّ ذَلِكَ حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ وَكَيْف حَرَّمَ , { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فِيمَا تَنْحَلُونَهُ رَبّكُمْ مِنْ دَعْوَاكُمْ وَتُضِيفُونَهُ إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمكُمْ . وَإِنَّمَا هَذَا إِعْلَام مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ أَنَّ كُلّ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ وَأَضَافُوهُ إِلَى اللَّه , فَهُوَ كَذِب عَلَى اللَّه , وَأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّم شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا اِتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ خُطُوَات الشَّيْطَان , وَخَالَفُوا أَمْرَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10943 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } . . . الْآيَة , إِنَّ كُلّ هَذَا لَمْ أُحَرِّم مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى . 10944 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } قَالَ : سَلْهُمْ { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } : أَيْ لَمْ أُحَرِّم مِنْ هَذَا شَيْئًا . { بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فَذَكَرَ مَنْ الْإِبِل وَالْبَقَر نَحْو ذَلِكَ . 10945 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } فِي شَأْن مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ الْبَحِيرَة . 10946 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } قَالَ : هَذَا فِي شَأْن مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ الْبَحَائِر وَالسُّيَّب . قَالَ اِبْن جُرَيْج : يَقُول : مِنْ أَيْنَ حَرَّمْت هَذَا مِنْ قِبَل آلذَّكَرَيْنِ أَمْ مِنْ قِبَل الْأُنْثَيَيْنِ , أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ ؟ وَإِنَّهَا لَا تَشْتَمِل إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى , فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ التَّحْرِيم ؟ فَأَجَابُوا هُمْ : وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . 10947 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَر اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ } , يَقُول : أَنْزَلْت لَكُمْ ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ هَذَا الَّذِي عَدَّدْت ذَكَر وَأُنْثَى , فَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمْت عَلَيْكُمْ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ ؟ يَقُول : أَيْ مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ مَا تَشْتَمِل إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى , فَمَا حَرَّمَتْ عَلَيْكُمْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى مِنْ الثَّمَانِيَة , إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا مِنْ أَجْل مَا حَرَّمُوا مِنْ الْأَنْعَام . 10948 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنْ الْحَسَن : { أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } قَالَ : مَا حَمَلَتْ الرَّحِم . 10949 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } قَالَ : هَذَا لِقَوْلِهِمْ : { مَا فِي بُطُون هَذِهِ الْأَنْعَام خَالِصَة لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّم عَلَى أَزْوَاجنَا } . قَالَ : وَقَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } قَالَ : الْأَنْعَام : هِيَ الْإِبِل وَالضَّأْن وَالْمَعْز , هَذِهِ الْأَنْعَام الَّتِي قَالَ اللَّه ثَمَانِيَة أَزْوَاج . قَالَ : وَقَالَ فِي قَوْله : { هَذِهِ أَنْعَام وَحَرْث حِجْر } نَحْتَجِرها عَلَى مَنْ نُرِيد وَعَمَّنْ نُرِيد , وَقَوْله : { وَأَنْعَام حُرِّمَتْ ظُهُورهَا } قَالَ : لَا يَرْكَبهَا أَحَد , { وَأَنْعَام لَا يَذْكُرُونَ اِسْم اللَّه عَلَيْهَا } فَقَالَ : { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } أَيْ هَذَيْنِ حَرَّمَ عَلَى هَؤُلَاءِ , أَيْ أَنْ تَكُون لِهَؤُلَاءِ حِلًّا وَعَلَى هَؤُلَاءِ حَرَامًا . 10950 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } يَعْنِي : هَلْ تَشْتَمِل الرَّحِم إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى , فَهُمْ يُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَيُحِلُّونَ بَعْضًا ؟ . 10951 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَزْوَاج , { وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَحْر اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } يَقُول : لَمْ أُحَرِّم شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول : كُلّه حَلَال . وَالضَّأْن : جَمْع لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , وَقَدْ يُجْمَع الضَّأْن : الضَّئِين وَالضِّئِين , مِثْل الشَّعِير وَالشِّعِير , كَمَا يُجْمَع الْعَبْد عَلَى عَبِيد وَعِبِيد . وَأَمَّا الْوَاحِد مِنْ ذُكُوره فَضَائِن , وَالْأُنْثَى ضَائِنَة , وَجَمْع الضَّائِنَة : ضَوَائِن , وَكَذَلِكَ الْمَعْز جَمْع عَلَى غَيْر وَاحِد , وَكَذَلِكَ الْمِعْزَى ; وَأَمَّا الْمَاعِز , فَجَمْعه مَوَاعِز . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } وَهَذَا تَقْرِيع مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْعَادِلِينَ بِهِ الْأَوْثَان مِنْ عَبَدَة الْأَصْنَام الَّذِي بَحَرُوا الْبَحَائِر وَسَيَّبُوا السَّوَائِب وَوَصَلُوا الْوَصَائِل , وَتَعْلِيم مِنْهُ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ , الْحُجَّة عَلَيْهِمْ فِي تَحْرِيمهمْ مَا حَرَّمُوا مِنْ ذَلِكَ , فَقَالَ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّات مَعْرُوشَات وَغَيْر مَعْرُوشَات } وَمِنْ الْأَنْعَام أَنْشَأَ حَمُولَة وَفَرْشًا . ثُمَّ بَيَّنَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْحَمُولَة وَالْفَرْش , فَقَالَ : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } وَإِنَّمَا نُصِبَ الثَّمَانِيَة , لِأَنَّهَا تَرْجَمَة عَنْ الْحَمُولَة وَالْفَرْش وَبَدَل مِنْهَا ; كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام : وَمِنْ الْأَنْعَام أَنْشَأَ ثَمَانِيَة أَزْوَاج ; فَلَمَّا قَدَّمَ قَبْل الثَّمَانِيَة الْحَمُولَة وَالْفَرْش بَيَّنَ ذَلِكَ بَعْد , فَقَالَ : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى { مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } فَذَلِكَ أَرْبَعَة , لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْ الْأُنْثَيَيْنِ مِنْ الضَّأْن زَوْج , فَالْأُنْثَى مِنْهُ زَوْج الذَّكَر , وَالذَّكَر مِنْهُ زَوْج الْأُنْثَى , وَكَذَلِكَ ذَلِكَ مِنْ الْمَعْز وَمِنْ سَائِر الْحَيَوَان ; فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { ثَمَانِيهِ أَزْوَاج } كَمَا قَالَ : { وَمِنْ كُلّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } 51 49 لِأَنَّ الذَّكَر زَوْج الْأُنْثَى وَالْأُنْثَى زَوْج الذَّكَر , فَهُمَا زَوْجَانِ كَانَا اِثْنَيْنِ فَهُمَا زَوْجَانِ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجهَا لِيَسْكُن إِلَيْهَا } 7 189 وَكَمَا قَالَ : { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ } 33 37 . وَكَمَا : 10942 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ } ذَكَر وَأُنْثَى , { وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ } ذَكَر وَأُنْثَى , { وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ } ذَكَر وَأُنْثَى . وَيُقَال لِلِاثْنَيْنِ : هُمَا زَوْج كَمَا قَالَ لَبِيد : مِنْ كُلّ مَحْفُوف يُظِلّ عِصِيّه زَوْج عَلَيْهِ كِلَّة وَقِرَامهَا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه مِنْ هَذِهِ الثِّمَار وَاللُّحُوم , وَارْكَبُوا هَذِهِ الْحَمُولَة أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان فِي تَحْرِيم مَا حَرَّمَ هَؤُلَاءِ الْجَهَلَة بِغَيْرِ أَمْرِي إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ . قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَرَّمُوا مَا حَرَّمُوا مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام , اِتِّبَاعًا لِلشَّيْطَانِ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام الَّذِينَ زَعَمُوا أَنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مُحَرِّمُونَ مِنْ ذَلِكَ : { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ } رَبّكُمْ أَيّهَا الْكَذَبَة عَلَى اللَّه مِنْ الضَّأْن وَالْمَعْز , فَإِنَّهُمْ إِنْ اِدَّعَوْا ذَلِكَ وَأَقَرُّوا بِهِ , كَذَّبُوا أَنْفُسهمْ وَأَبَانُوا جَهْلهمْ , لِأَنَّهُمْ إِذَا قَالُوا : يُحَرِّم الذَّكَرَيْنِ مِنْ ذَلِكَ , أَوْجَبُوا تَحْرِيم كُلّ ذَكَرَيْنِ مِنْ وَلَد الضَّأْن وَالْمَعْز , وَهُمْ يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ الذُّكْرَان مِنْهَا وَظُهُورهَا , وَفِي ذَلِكَ فَسَاد دَعْوَاهُمْ وَتَكْذِيب قَوْلهمْ . { أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } فَإِنَّهُمْ إِنْ قَالُوا : حَرَّمَ رَبُّنَا الْأُنْثَيَيْنِ , أَوْجَبُوا تَحْرِيم لُحُوم كُلّ أُنْثَى مِنْ وَلَد الضَّأْن وَالْمَعْز عَلَى أَنْفُسهمْ وَظُهُورهَا , وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا تَكْذِيب لَهُمْ , وَدَحْض دَعْوَاهُمْ أَنَّ رَبّهمْ حَرَّمَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ , إِذْ كَانُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِلُحُومِ بَعْض ذَلِكَ وَظُهُوره . { أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } يَقُول : أَمْ حَرَّمَ مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ , يَعْنِي أَرْحَام أُنْثَى الضَّأْن وَأُنْثَى الْمَعْز ; فَلِذَلِكَ قَالَ : أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ . وَفِي ذَلِكَ أَيْضًا لَوْ أَقَرُّوا بِهِ فَقَالُوا : حَرَّمَ عَلَيْنَا مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ , بُطُول قَوْلهمْ وَبَيَان كَذِبِهِمْ , لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّه حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ذُكُور الضَّأْن وَالْمَعْز وَإِنَاثهَا أَنْ يَأْكُلُوا لُحُومهَا أَوْ يَرْكَبُوا ظُهُورهَا , وَقَدْ كَانُوا يَسْتَمْتِعُونَ بِبَعْضِ ذُكُورهَا وَإِنَاثهَا , وَ " مَا " الَّتِي فِي قَوْله : { أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } نَصْب عَطْفًا بِهَا عَلَى " الْأُنْثَيَيْنِ " . { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ } يَقُول : قُلْ لَهُمْ : خَبِّرُونِي بِعِلْمٍ ذَلِكَ عَلَى صِحَّتِهِ , أَيّ ذَلِكَ حَرَّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ وَكَيْف حَرَّمَ , { إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فِيمَا تَنْحَلُونَهُ رَبّكُمْ مِنْ دَعْوَاكُمْ وَتُضِيفُونَهُ إِلَيْهِ مِنْ تَحْرِيمكُمْ . وَإِنَّمَا هَذَا إِعْلَام مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ أَنَّ كُلّ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي ذَلِكَ وَأَضَافُوهُ إِلَى اللَّه , فَهُوَ كَذِب عَلَى اللَّه , وَأَنَّهُ لَمْ يُحَرِّم شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ , وَأَنَّهُمْ إِنَّمَا اِتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ خُطُوَات الشَّيْطَان , وَخَالَفُوا أَمْرَهُ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10943 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } . . . الْآيَة , إِنَّ كُلّ هَذَا لَمْ أُحَرِّم مِنْهُ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى . 10944 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } قَالَ : سَلْهُمْ { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } : أَيْ لَمْ أُحَرِّم مِنْ هَذَا شَيْئًا . { بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } فَذَكَرَ مَنْ الْإِبِل وَالْبَقَر نَحْو ذَلِكَ . 10945 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } فِي شَأْن مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ الْبَحِيرَة . 10946 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج } قَالَ : هَذَا فِي شَأْن مَا نَهَى اللَّه عَنْهُ مِنْ الْبَحَائِر وَالسُّيَّب . قَالَ اِبْن جُرَيْج : يَقُول : مِنْ أَيْنَ حَرَّمْت هَذَا مِنْ قِبَل آلذَّكَرَيْنِ أَمْ مِنْ قِبَل الْأُنْثَيَيْنِ , أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ ؟ وَإِنَّهَا لَا تَشْتَمِل إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى , فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ التَّحْرِيم ؟ فَأَجَابُوا هُمْ : وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ . 10947 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَر اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ } , يَقُول : أَنْزَلْت لَكُمْ ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ هَذَا الَّذِي عَدَّدْت ذَكَر وَأُنْثَى , فَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمْت عَلَيْكُمْ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ ؟ يَقُول : أَيْ مَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ مَا تَشْتَمِل إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى , فَمَا حَرَّمَتْ عَلَيْكُمْ ذَكَرًا وَلَا أُنْثَى مِنْ الثَّمَانِيَة , إِنَّمَا ذَكَرَ هَذَا مِنْ أَجْل مَا حَرَّمُوا مِنْ الْأَنْعَام . 10948 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثَنَا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي رَجَاء , عَنْ الْحَسَن : { أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } قَالَ : مَا حَمَلَتْ الرَّحِم . 10949 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } قَالَ : هَذَا لِقَوْلِهِمْ : { مَا فِي بُطُون هَذِهِ الْأَنْعَام خَالِصَة لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّم عَلَى أَزْوَاجنَا } . قَالَ : وَقَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } قَالَ : الْأَنْعَام : هِيَ الْإِبِل وَالضَّأْن وَالْمَعْز , هَذِهِ الْأَنْعَام الَّتِي قَالَ اللَّه ثَمَانِيَة أَزْوَاج . قَالَ : وَقَالَ فِي قَوْله : { هَذِهِ أَنْعَام وَحَرْث حِجْر } نَحْتَجِرها عَلَى مَنْ نُرِيد وَعَمَّنْ نُرِيد , وَقَوْله : { وَأَنْعَام حُرِّمَتْ ظُهُورهَا } قَالَ : لَا يَرْكَبهَا أَحَد , { وَأَنْعَام لَا يَذْكُرُونَ اِسْم اللَّه عَلَيْهَا } فَقَالَ : { آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } أَيْ هَذَيْنِ حَرَّمَ عَلَى هَؤُلَاءِ , أَيْ أَنْ تَكُون لِهَؤُلَاءِ حِلًّا وَعَلَى هَؤُلَاءِ حَرَامًا . 10950 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَام الْأُنْثَيَيْنِ } يَعْنِي : هَلْ تَشْتَمِل الرَّحِم إِلَّا عَلَى ذَكَر أَوْ أُنْثَى , فَهُمْ يُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَيُحِلُّونَ بَعْضًا ؟ . 10951 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { ثَمَانِيَة أَزْوَاج مِنْ الضَّأْن اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْز اِثْنَيْنِ } فَهَذِهِ أَرْبَعَة أَزْوَاج , { وَمِنْ الْإِبِل اِثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَحْر اِثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ } يَقُول : لَمْ أُحَرِّم شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } يَقُول : كُلّه حَلَال . وَالضَّأْن : جَمْع لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه , وَقَدْ يُجْمَع الضَّأْن : الضَّئِين وَالضِّئِين , مِثْل الشَّعِير وَالشِّعِير , كَمَا يُجْمَع الْعَبْد عَلَى عَبِيد وَعِبِيد . وَأَمَّا الْوَاحِد مِنْ ذُكُوره فَضَائِن , وَالْأُنْثَى ضَائِنَة , وَجَمْع الضَّائِنَة : ضَوَائِن , وَكَذَلِكَ الْمَعْز جَمْع عَلَى غَيْر وَاحِد , وَكَذَلِكَ الْمِعْزَى ; وَأَمَّا الْمَاعِز , فَجَمْعه مَوَاعِز .'

تفسير القرطبي

فيه ثلاث مسائل: الأولى: قوله تعالى { ثمانية أزواج} { ثمانية} منصوب بفعل مضمر، أي وأنشأ { ثمانية أزواج} ؛ عن الكسائي. وقال الأخفش سعيد : هو منصوب على البدل من { حمولة وفرشا} . وقال الأخفش علي بن سليمان : يكون منصوبا { بكلوا} ؛ أي كلوا لحم ثمانية أزواج. ويجوز أن يكون منصوبا على البدل من { ما} على الموضع. ويجوز أن يكون منصوبا بمعنى كلوا المباح { ثمانية أزواج من الضأن اثنين} . ونزلت الآية في مالك بن عوف وأصحابه حيث قالوا { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} فنبه الله عز وجل نبيه والمؤمنين بهذه الآية على ما أحله لهم؛ لئلا يكونوا بمنزلة من حرم ما أحله الله تعالى. والزوج خلاف الفرد؛ يقال : زوج أو فرد. كما يقال : خسا أو زكا، شفع أو وتر. فقول { ثمانية أزواج} يعني ثمانية أفراد. وكل فرد عند العرب يحتاج إلى آخر يسمى زوجا، فيقال للذكر زوج وللأنثى زوج. ويقع لفظ الزوج للواحد وللاثنين؛ يقال هما زوجان، وهما زوج؛ كما يقال : هما سيان وهما سواء. وتقول : اشتريت زوجي حمام. وأنت تعني ذكرا وأنثى. الثانية: قوله تعالى { من الضأن اثنين} أي الذكر والأنثى. والضأن : ذوات الصوف من الغنم، وهي جمع ضائن. والأنثى ضائنة، والجمع ضوائن. وقيل : هو جمع لا واحد له. وقيل في جمعه : ضئين؛ كعبد وعبيد. ويقال فيه ضئين. كما يقال في شعير : شعير، كسرت الضاد اتباعا. وقرأ طلحة بن مصرف { من الضأن اثنين} بفتح الهمزة، وهي لغة مسموعة عند البصريين. وهو مطرد عند الكوفيين في كل ما ثانيه حرف حلق. وكذلك الفتح والإسكان في المعز. وقرأ أبان بن عثمان { من الضأن اثنان ومن المعز اثنان} رفعا بالابتداء. وفي حرف أبي. { ومن المعز اثنين} وهي قراءة الأكثر. وقرأ ابن عامر وأبو عمرو بالفتح. قال النحاس : الأكثر في كلام العرب المعز والضأن بالإسكان. ويدل على هذا قولهم في الجمع : معيز؛ فهذا جمع معز. كما يقال : عبد وعبيد. قال امرؤ القيس : ويمنحها بنو شمجى بن جرم ** معيزهم حنانك ذا الحنان ومثله ضأن وضئين. والمعز من الغنم خلاف الضأن، وهي ذوات الأشعار والأذناب القصار، وهو اسم جنس، وكذلك المعز والمعيز والأمعوز والمعزى. وواحد المعز ماعز؛ مثل صاحب وصحب وتاجر وتجر. والأنثى ماعزة وهي العنز، والجمع مواعز. وأمعز القوم كثرت معزاهم. والمعاز صاحب المعزى. قال أبو محمد الفقعسي يصف إبلا بكثرة اللبن ويفضلها على الغنم في شدة الزمان : يكلن كيلا ليس بالممحوق ** إذ رضي المعاز باللعوق والمعز الصلابة من الأرض. والأمعز : المكان الصلب الكثير الحصى؛ والمعزاء أيضا. واستمعز الرجل في أمره : جد. { قل آلذكرين حرم} منصوب { بحرم} . { أم الأنثيين} عطف عليه. وكذا { أما اشتملت} . وزيدت مع ألف الوصل مدة للفرق بين الاستفهام والخبر. ويجوز حذف الهمزة لأن { أم} تدل على الاستفهام. كما قال : تروح من الحي أم تبتكر الثالثة: قال العلماء : الآية احتجاج على المشركين في أمر البحيرة وما ذكر معها. وقولهم { ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا} . فدلت على إثبات المناظرة في العلم؛ لأن الله تعالى أمر نبيه عليه السلام بأن يناظرهم، ويبين لهم فساد قولهم. وفيها إثبات القول بالنظر والقياس. وفيها دليل بأن القياس إذا ورد عليه النص بطل القول به. ويروى { إذا ورد عليه النقض} ؛ لأن الله تعالى أمرهم بالمقايسة الصحيحة، وأمرهم بطرد علتهم. والمعنى : قل لهم إن كان حرم الذكور فكل ذكر حرام. وإن كان حرم الإناث فكل أنثى حرام. وأن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني من الضأن والمعز، فكل مولود حرام، ذكرا كان أو أنثى. وكلها مولود فكلها إذًا حرام لوجود العلة فيها، فبين انتقاض علتهم وفساد قولهم؛ فأعلم الله سبحانه أن ما فعلوه من ذلك افتراء عليه { نبئوني بعلم} أي بعلم إن كان عندكم، من أين هذا التحريم الذي افتعلتموه؟ ولا علم عندهم؛ لأنهم لا يقرءون الكتب. والقول في { ومن الإبل اثنين} وما بعده كما سبق { أم كنتم شهداء} أي هل شاهدتم الله قد حرم هذا. ولما لزمتهم الحجة أخذوا في الافتراء فقالوا : كذا أمر الله. فقال الله تعالى { فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم} بين أنهم كذبوا؛ إذ قالوا ما لم يقم عليه دليل.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 141 - 145

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وكلمة { أَزْوَاجٍ } ، جمع زوج، و " الزوج " يطلق على الشيء معه ما يقارنه مثل " زوج النعل " ، ونحن في أعرافنا نأخذها على الاثنين، لكنها في الأصل تطلق على الواحد ومعه ما يقارنه، إلا أنه إذا لم يكن هناك فارق بين الاثنين بحيث لا يتم الانتفاع بأحدهما إلا مع الآخر ولكن لا تميز لأحدهما على الآخر كالجورب مثلا، ففي مثل هذا نستسمح اللغة في أن نسمي الاثنين زوجا، لكن إذا كان هناك خلاف بين الاثنين لا نقول على الاثنين: زوج.

والذكر والأنثى من البشر، صحيح أنهما يقترنان في أن كل واحد منهما إنسان، لكن للذكر مهمة وللأنثى مهمة مختلفة. أما الجوارب فكل " فردة " منها نضعها في أي قدم لأنه فارق بينهما، إذن كلمة " زوج " تطلق ويراد بها الشيء الواحد الذي معه ما يقارنه. والحق يقول:
{  ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ... }
[البقرة: 35]

وكلمة " زوج " هنا أطلقت على حواء؛ فآدم زوج وحواء زوج، والحق هو القائل:
{  وَأَنَّهُ خَلَقَ ٱلزَّوْجَيْنِ ٱلذَّكَرَ وَٱلأُنثَىٰ }
[النجم: 45]

ولم يقل عن الاثنين: إنهما " زوج " و إلا لقال: خلق الزوج الذكر والأنثى. إذن فكلمة " زوج " تطلق على واحد معه ما يقارنه، مثلها كمثل كلمة " توأم " وهي لا تقال للاثنين، بل تقال لواحد معه آخر. لكن الاثنين يقال لهما: توأمان. { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ ٱثْنَيْنِ وَمِنَ ٱلْمَعْزِ ٱثْنَيْنِ } [الأنعام: 143]

و " من الضأن اثنين " أي ذكرها وأنثاها فتسمى الذكر كبشا والأنثى " نعجة ". ومن المعز اثنين، والذكر نسميه " تيساً " ، والأنثى نسميها " عنزة " ، وبذلك يكون معنا أربعة، ومن هنا نفهم أن الزوج مدلوله فرد ومعه ما يقارنه.

{... قُلْ ءَآلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلأُنثَيَيْنِ أَمَّا ٱشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ ٱلأُنثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [الأنعام: 143]

ومادمتم أنتم تحرمون وتحللون، وتقولون: إن هذا من عند الله فقولوا لنا أحرّم الذكرين أم حرّم الأنثيين؟ ولا يجدون جواباً؛ لأنه سبحانه لا حرّم هذا ولا حرّم ذاك، ولذلك أبرزت المسألة إبراز الاستفهام، والشيء إذا أبرز الاستفهام فمعناه أنه أمر مقرر بحيث إذا سألت الخصم لا يقول إلا ما تتوقعه، واسمه السؤال أو الاستفهام التقريري. ويقول الحق: { نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } أي أخبروني بعلم ذلك في التحريم إن كنتم أهل صدق؛ لأنكم لستم أهلاً للتحريم، إنما يحرم ويحلل من خلق وشرع. فإن كان عندكم علم قولوا لنا هذا العلم.

ثم يأتي الحق بخبر الأربعة الباقية من الأنعام فيقول: { وَمِنَ ٱلإِبْلِ ٱثْنَيْنِ... }


www.alro7.net