سورة
اية:

وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ

تفسير بن كثير

يقول تعالى مبيناً أنه الخالق لكل شيء من الزروع والثمار والأنعام التي تصرف فيها هؤلاء المشركون بآرائهم الفاسدة، وقسموها وجزؤوها فجعلوا منها حراماً وحلالاً، فقال: { وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات} ، قال ابن عباس: { معروشات} مسموكات. وفي رواية: فالمعروشات ما عرش الناس، وغير معروشات ما خرج في البر والجبال من الثمرات، وعنه: معروشات ما عرش من الكرم، وغير معروشات ما لم يعرش من الكرم. وقال ابن جريج: { متشابهاً وغير متشابه} قال: متشابهاً في المنظر، وغير متشابه في المطعم، { كلوا من ثمره إذا أثمر} من رطبه وعنبه، وقوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده} قال بعضهم: هي الزكاة المفروضة. قال ابن عباس { وآتوا حقه يوم حصاده} : يعني الزكاة المفروضة يوم يكال ويعلم كيله ""وروي عن أنَس بن مالك وسعيد بن المسيب وهو قول طاووس وقتادة والحسن والضحاك""، وعنه قال: إن الرجل كان إذا زرع فكان يوم حصاده لم يخرج مما حصد شيئاً، فقال اللّه تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده} وذلك أن يعلم ما كيله وحقه من كل عشرة واحد وما يلقط الناس من سنبله، وقد روي عن جابر بن عبد اللّه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم أمر من كل جاذّ عشرة أوسق من التمر بقنو يعلق في المساجد للمساكين ""رواه أحمد وأبو داود، وقال ابن كثير: وإسناده قوي جيد"". وقال الحسن البصري: هي الصدقة من الحب والثمار، وقال آخرون: هو حق آخر سوى الزكاة، روى نافع عن ابن عمر في قوله: { وآتوا حقه يوم حصاده} قال: كانوا يعطون شيئاً سوى الزكاة. وقال مجاهد: إذا حضرك المساكين طرحت لهم منه، وعنه قال: عند الزرع يعطى القبضة، وعند الصرام يعطى القبضة، ويتركهم فيتبعون آثار الصرام، وقال سعيد بن جبير: كان هذا قبل الزكاة للمساكين القبضة والضغث لعلف دابته، وقال آخرون: هذا شيء كان واجباً، ثم نسخه اللّه بالعشر أو نصف العشر ""حكاه ابن جرير رحمه اللّه واختاره""، وقد ذم اللّه سبحانه الذين يصرمون ولا يتصدقون، كما ذكر عن أصحاب الجنة في سورة ن : { إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون * فطاف عليهم طائف من ربك وهم نائمون * فأصبحت كالصريم} أي كالليل المدلهم سوداء محترقة. وقوله تعالى: { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} قيل: معناه لا تسرفوا في الإعطاء فتعطوا فوق المعروف. قال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذّ نخلاً له فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليست له ثمرة، فأنزل اللّه تعالى: { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} ""رواه ابن جرير من حديث ثابت بن قيس""، وقال عطاء: نهوا عن السرف في كل شيء، وقال إياس بن معاوية: ما جاوزت به أمر اللّه فهو سرف، وقال السدي: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. وقال سعيد بن المسيب في قوله: { ولا تسرفوا} قال: لا تمنعوا الصدقة فتعصوا ربكم، والمختار عند ابن جرير قول عطاء: أنه نهى عن الإسراف في كل شيء، ولا شك أنه صحيح، لكن الظاهر واللّه أعلم من سياق الآية حيث قال تعالى: { كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا} أن يكون عائداً على الأكل أي لا تسرفوا في الأكل لما فيه من مضرة العقل والبدن، كقوله تعالى: { كلوا واشربوا ولا تسرفوا} الآية. وفي صحيح البخاري تعليقاً: (كلوا واشربوا والبسوا من غير إسراف ولا مخيلة)، وهذا من هذا، واللّه أعلم. وقوله عزَّ وجلَّ: { ومن الأنعام حمولة وفرشاً} أي وأنشأ لكم من الأنعام ما هو حمولة وما هو فرش، قيل: المراد بالحمولة ما يحمل عليه من الإبل، والفرش الصغار منها، روي عن ابن مسعود في قوله: { حمولة} ما حمل عليه من الإبل، { وفرشاً} الصغار من الإبل، قال ابن عباس: الحمولة هي الكبار، والفرش الصغار من الإبل، وكذا قال مجاهد. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: { ومن الأنعام حمولة وفرشاً} أما الحمولة فالإبل والخيل والبغال والحمير وكل شيء يحمل عليه، وأما الفرش فالغنم، واختاره ابن جرير، قال وأحسبه إنما سمي فرشاً لدنوه من الأرض، وقال الضحاك وقتادة: الحمولة الإبل والبقر، والفرش الغنم. وقال السدي: أما الحمولة فالإبل، وأما الفرش فالفصلان والعجاجيل والغنم، وما حمل عليه فهو حمولة. وقال ابن أسلم: الحمولة ما تركبون، والفرش ما تأكلون وتحلبون: شاة لا تحمل تأكلون لحمها وتتخذون من صوفها لحافاً وفرشاً، وهذا الذي قاله عبد الرحمن في تفسير هذه الآية الكريمة حسن ويشهد له قوله تعالى: { أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون * وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون} ، وقال تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين} إلى أن قال: { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين} ، وقال تعالى: { اللّه الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون} ، وقوله تعالى: { كلوا مما رزقكم اللّه} أي من الثمار والزروع والأنعام فكلها خلقها اللّه وجعلها رزقاً لكم، { ولا تتبعوا خطوات الشيطان} أي طريقه وأوامره كما اتبعها المشركون الذين حرموا ما رزقهم اللّه أي من الثمار والزروع افتراء على اللّه، { إنه لكم} أي إن الشيطان أيها الناس لكم { عدو مبين} أي بين ظاهر العداوة كما قال تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً} ، وقال تعالى: { يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة} الآية، وقال تعالى: { أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلاً} والآيات في هذا كثيرة في القرآن.

تفسير الجلالين

{ و } أنشأ { من الأنعام حمولة } صالحة للحمل عليها كالإبل الكبار { وفرشا } لا تصلح له كالإبل الصغار والغنم سميت فرشا لأنها كالفرش للأرض لدونها منها { كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان } طرائقه من التحريم والتحليل { إنه لكم عدوٌ مبين } بين العداوة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : وَأَنْشَأَ مِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا , مَعَ مَا أَنْشَأَ مِنْ الْجَنَّات الْمَعْرُوشَات وَغَيْر الْمَعْرُوشَات . وَالْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِل وَغَيْرهَا , وَالْفَرْش : صِغَار الْإِبِل الَّتِي لَمْ تُدْرِك أَنْ يُحْمَل عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ كِبَار الْإِبِل وَمَسَانّهَا ; وَالْفَرْش : صِغَارهَا الَّتِي لَا يُحْمَل عَلَيْهَا لِصِغَرِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10928 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه , فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : الْكِبَار مِنْ الْإِبِل ; وَفَرْشًا : الصِّغَار مِنْ الْإِبِل . * وَقَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْحَمُولَة هِيَ الْكِبَار , وَالْفَرْش : الصِّغَار مِنْ الْإِبِل . 10929 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْحَمُولَة : مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش : مَا لَمْ يَحْمِل . * وَبِهِ عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد : الْحَمُولَة : مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش : مَا لَمْ يَحْمِل . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَفَرْشًا } قَالَ : صِغَار الْإِبِل . - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه , فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : الْكِبَار , وَالْفَرْش : الصِّغَار . - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } الْحَمُولَة : مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش : هُنَّ الصِّغَار . - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه , أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش : الصِّغَار . قَالَ اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ مُحَمَّد , قَالَ شُعْبَة : إِنَّمَا كَانَ حَدَّثَنِي سُفْيَان عَنْ اِبْن إِسْحَاق . 10930 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : الْحَمُولَة مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْحَمُولَة مِنْ الْإِبِل , وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَمُولَة فَهُوَ الْفَرْش . 10931 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ , وَالْفَرْش : حَوَاشِيهَا , يَعْنِي صِغَارهَا . 10932 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنَا عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } فَالْحَمُولَة مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش , : صِغَار الْإِبِل , الْفَصِيل وَمَا دُون ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْمِل . وَيُقَال : الْحَمُولَة : مِنْ الْبَقَر وَالْإِبِل , وَالْفَرْش : الْغَنَم . وَقَالَ آخَرُونَ : الْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَغَيْر ذَلِكَ , وَالْفَرْش : الْغَنَم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10932 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } فَأَمَّا الْحَمُولَة : فَالْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير , وَكُلّ شَيْء يُحْمَل عَلَيْهِ ; وَأَمَّا الْفَرْش : فَالْغَنَم . 10934 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : الْحَمُولَة مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر , وَفَرْشًا : الْمَعْز وَالضَّأْن . 10935 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : أَمَّا الْحَمُولَة : فَالْإِبِل وَالْبَقَر . قَالَ : وَأَمَّا الْفَرْش : فَالْغَنَم . 10936 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , كَانَ غَيْر الْحَسَن يَقُول : الْحَمُولَة : الْإِبِل وَالْبَقَر , وَالْفَرْش : الْغَنَم . 10937 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } أَمَّا الْحَمُولَة : فَالْإِبِل . وَأَمَّا الْفَرْش : فَالْفُصْلَان وَالْعَجَاجِيل وَالْغَنَم , وَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ فَهُوَ حَمُولَة . 10938 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } الْحَمُولَة : الْإِبِل , وَالْفَرْش , الْغَنَم . 10939 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ , عَنْ الْحَسَن : { وَفَرْشًا } قَالَ : الْفَرْش : الْغَنَم . 10940 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : مَا تَرْكَبُونَ , وَالْفَرْش : مَا تَأْكُلُونَ وَتَحْلُبُونَ , شَاة لَا تَحْمِل , تَأْكُلُونَ لَحْمهَا , وَتَتَّخِذُونَ مِنْ أَصْوَافهَا لِحَافًا وَفَرْشًا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ الْحَمُولَة : هِيَ مَا حَمَلَ مِنْ الْأَنْعَام , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتهَا إِذَا حَمَلَتْ , لَا أَنَّهُ اِسْم لَهَا كَالْإِبِلِ وَالْخَيْل وَالْبِغَال ; فَإِذَا كَانَتْ إِنَّمَا سُمِّيَتْ حَمُولَة لِأَنَّهَا تَحْمِل , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون كُلّ مَا حَمَلَ عَلَى ظَهْره مِنْ الْأَنْعَام فَحَمُولَة , وَهِيَ جَمْع لَا وَاحِد لَهَا مِنْ لَفْظهَا , كَالرَّكُوبَةِ وَالْجَزُورَة . وَكَذَلِكَ الْفَرْش إِنَّمَا هُوَ صِفَة لِمَا لَطَفَ فَقَرُبَ مِنْ الْأَرْض جِسْمه , فَيُقَال لَهُ الْفَرْش . وَأَحْسَبهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَمْثِيلًا لَهَا فِي اِسْتِوَاء أَسْنَانهَا وَلُطْفهَا بِالْفَرْشِ مِنْ الْأَرْض , وَهِيَ الْأَرْض الْمُسْتَوِيَة الَّتِي يَتَوَطَّؤُهَا النَّاس . فَأَمَّا الْحُمُولَة بِضَمِّ الْحَاء : فَإِنَّهَا الْأَحْمَال , وَهِيَ الْحُمُول أَيْضًا بِضَمِّ الْحَاء . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْرهُ : وَأَنْشَأَ مِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا , مَعَ مَا أَنْشَأَ مِنْ الْجَنَّات الْمَعْرُوشَات وَغَيْر الْمَعْرُوشَات . وَالْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِل وَغَيْرهَا , وَالْفَرْش : صِغَار الْإِبِل الَّتِي لَمْ تُدْرِك أَنْ يُحْمَل عَلَيْهَا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ كِبَار الْإِبِل وَمَسَانّهَا ; وَالْفَرْش : صِغَارهَا الَّتِي لَا يُحْمَل عَلَيْهَا لِصِغَرِهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10928 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه , فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : الْكِبَار مِنْ الْإِبِل ; وَفَرْشًا : الصِّغَار مِنْ الْإِبِل . * وَقَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْحَمُولَة هِيَ الْكِبَار , وَالْفَرْش : الصِّغَار مِنْ الْإِبِل . 10929 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ أَبِي يَحْيَى , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْحَمُولَة : مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش : مَا لَمْ يَحْمِل . * وَبِهِ عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد : الْحَمُولَة : مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش : مَا لَمْ يَحْمِل . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَفَرْشًا } قَالَ : صِغَار الْإِبِل . - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ عَبْد اللَّه , فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : الْكِبَار , وَالْفَرْش : الصِّغَار . - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص , عَنْ اِبْن مَسْعُود فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } الْحَمُولَة : مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش : هُنَّ الصِّغَار . - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثَنَا شُعْبَة , عَنْ أَبِي إِسْحَاق , عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه , أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش : الصِّغَار . قَالَ اِبْن الْمُثَنَّى , قَالَ مُحَمَّد , قَالَ شُعْبَة : إِنَّمَا كَانَ حَدَّثَنِي سُفْيَان عَنْ اِبْن إِسْحَاق . 10930 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : قَالَ الْحَسَن : الْحَمُولَة مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْحَمُولَة مِنْ الْإِبِل , وَمَا لَمْ يَكُنْ مِنْ الْحَمُولَة فَهُوَ الْفَرْش . 10931 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ , وَالْفَرْش : حَوَاشِيهَا , يَعْنِي صِغَارهَا . 10932 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنَا عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } فَالْحَمُولَة مَا حَمَلَ مِنْ الْإِبِل , وَالْفَرْش , : صِغَار الْإِبِل , الْفَصِيل وَمَا دُون ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحْمِل . وَيُقَال : الْحَمُولَة : مِنْ الْبَقَر وَالْإِبِل , وَالْفَرْش : الْغَنَم . وَقَالَ آخَرُونَ : الْحَمُولَة : مَا حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَغَيْر ذَلِكَ , وَالْفَرْش : الْغَنَم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 10932 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } فَأَمَّا الْحَمُولَة : فَالْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحَمِير , وَكُلّ شَيْء يُحْمَل عَلَيْهِ ; وَأَمَّا الْفَرْش : فَالْغَنَم . 10934 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد اللَّه , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس : الْحَمُولَة مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر , وَفَرْشًا : الْمَعْز وَالضَّأْن . 10935 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : أَمَّا الْحَمُولَة : فَالْإِبِل وَالْبَقَر . قَالَ : وَأَمَّا الْفَرْش : فَالْغَنَم . 10936 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , كَانَ غَيْر الْحَسَن يَقُول : الْحَمُولَة : الْإِبِل وَالْبَقَر , وَالْفَرْش : الْغَنَم . 10937 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمِنْ الْأَنْعَام حَمُولَة وَفَرْشًا } أَمَّا الْحَمُولَة : فَالْإِبِل . وَأَمَّا الْفَرْش : فَالْفُصْلَان وَالْعَجَاجِيل وَالْغَنَم , وَمَا حُمِلَ عَلَيْهِ فَهُوَ حَمُولَة . 10938 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : ثَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } الْحَمُولَة : الْإِبِل , وَالْفَرْش , الْغَنَم . 10939 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ , عَنْ الْحَسَن : { وَفَرْشًا } قَالَ : الْفَرْش : الْغَنَم . 10940 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { حَمُولَة وَفَرْشًا } قَالَ : الْحَمُولَة : مَا تَرْكَبُونَ , وَالْفَرْش : مَا تَأْكُلُونَ وَتَحْلُبُونَ , شَاة لَا تَحْمِل , تَأْكُلُونَ لَحْمهَا , وَتَتَّخِذُونَ مِنْ أَصْوَافهَا لِحَافًا وَفَرْشًا . وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَال : إِنَّ الْحَمُولَة : هِيَ مَا حَمَلَ مِنْ الْأَنْعَام , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتهَا إِذَا حَمَلَتْ , لَا أَنَّهُ اِسْم لَهَا كَالْإِبِلِ وَالْخَيْل وَالْبِغَال ; فَإِذَا كَانَتْ إِنَّمَا سُمِّيَتْ حَمُولَة لِأَنَّهَا تَحْمِل , فَالْوَاجِب أَنْ يَكُون كُلّ مَا حَمَلَ عَلَى ظَهْره مِنْ الْأَنْعَام فَحَمُولَة , وَهِيَ جَمْع لَا وَاحِد لَهَا مِنْ لَفْظهَا , كَالرَّكُوبَةِ وَالْجَزُورَة . وَكَذَلِكَ الْفَرْش إِنَّمَا هُوَ صِفَة لِمَا لَطَفَ فَقَرُبَ مِنْ الْأَرْض جِسْمه , فَيُقَال لَهُ الْفَرْش . وَأَحْسَبهَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَمْثِيلًا لَهَا فِي اِسْتِوَاء أَسْنَانهَا وَلُطْفهَا بِالْفَرْشِ مِنْ الْأَرْض , وَهِيَ الْأَرْض الْمُسْتَوِيَة الَّتِي يَتَوَطَّؤُهَا النَّاس . فَأَمَّا الْحُمُولَة بِضَمِّ الْحَاء : فَإِنَّهَا الْأَحْمَال , وَهِيَ الْحُمُول أَيْضًا بِضَمِّ الْحَاء .' الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِين } . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَأَحَلَّ لَكُمْ ثَمَرَات حُرُوثِكُمْ وَغُرُوسكم وَلُحُوم أَنْعَامكُمْ , إِذْ حَرَّمَ بَعْض ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسهمْ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ , فَجَعَلُوا لِلَّهِ مَا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام نَصِيبًا , وَلِلشَّيْطَانِ مِثْله , فَقَالُوا : هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ , وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا . { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان } كَمَا اِتَّبَعَهَا بَاحِرُو الْبَحِيرَة وَمُسِيبُو السَّوَائِب , فَتُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ مِنْ طَيِّب رِزْق اللَّه الَّذِي رَزَقَكُمْ مَا حَرَّمُوهُ , فَتُطِيعُوا بِذَلِكَ الشَّيْطَان وَتَعْصُوا بِهِ الرَّحْمَن . كَمَا : 10941 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان } : لَا تَتَّبِعُوا طَاعَته هِيَ ذُنُوب لَكُمْ , وَهِيَ طَاعَة لِلْخَبِيثِ . إِنَّ الشَّيْطَان لَكُمْ عَدُوّ يَبْغِي هَلَاككُمْ وَصَدَّكُمْ عَنْ سَبِيل رَبّكُمْ , { مُبِين } قَدْ أَبَانَ لَكُمْ عُدْوَانه بِمُنَاصَبَتِهِ أَبَاكُمْ بِالْعَدَاوَةِ , حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْجَنَّة بِكَيْدِهِ وَخَدْعه , وَحَسَدًا مِنْهُ لَهُ وَبَغْيًا عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِين } . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّه أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ , فَأَحَلَّ لَكُمْ ثَمَرَات حُرُوثِكُمْ وَغُرُوسكم وَلُحُوم أَنْعَامكُمْ , إِذْ حَرَّمَ بَعْض ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسهمْ الْمُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ , فَجَعَلُوا لِلَّهِ مَا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام نَصِيبًا , وَلِلشَّيْطَانِ مِثْله , فَقَالُوا : هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ , وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا . { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان } كَمَا اِتَّبَعَهَا بَاحِرُو الْبَحِيرَة وَمُسِيبُو السَّوَائِب , فَتُحَرِّمُوا عَلَى أَنْفُسكُمْ مِنْ طَيِّب رِزْق اللَّه الَّذِي رَزَقَكُمْ مَا حَرَّمُوهُ , فَتُطِيعُوا بِذَلِكَ الشَّيْطَان وَتَعْصُوا بِهِ الرَّحْمَن . كَمَا : 10941 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَات الشَّيْطَان } : لَا تَتَّبِعُوا طَاعَته هِيَ ذُنُوب لَكُمْ , وَهِيَ طَاعَة لِلْخَبِيثِ . إِنَّ الشَّيْطَان لَكُمْ عَدُوّ يَبْغِي هَلَاككُمْ وَصَدَّكُمْ عَنْ سَبِيل رَبّكُمْ , { مُبِين } قَدْ أَبَانَ لَكُمْ عُدْوَانه بِمُنَاصَبَتِهِ أَبَاكُمْ بِالْعَدَاوَةِ , حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْجَنَّة بِكَيْدِهِ وَخَدْعه , وَحَسَدًا مِنْهُ لَهُ وَبَغْيًا عَلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ومن الأنعام حمولة وفرشا} عطف على ما تقدم. أي وأنشأ حمولة وفرشا من الأنعام. وللعلماء في الأنعام ثلاثة أقوال : أحدها : أن الأنعام الإبل خاصة؛ وسيأتي في { النحل} بيانه. الثاني : أن الأنعام الإبل وحدها، وإذا كان معها بقر وغنم فهي أنعام أيضا. الثالث : وهو أصحها قال أحمد بن يحيى : الأنعام كل ما أحله الله عز وجل من الحيوان. ويدل على صحة هذا قوله تعالى { أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم} [المائدة : 1] وقد تقدم. والحمولة ما أطاق الحمل والعمل؛ عن ابن مسعود وغيره. ثم قيل : يختص اللفظ بالإبل. وقيل : كل ما احتمل عليه الحي من حمار أو بغل أو بعير؛ عن أبي زيد، سواء كانت عليه الأحمال أو لم تكن. قال عنترة : ما راعني إلا حمولة أهلها ** وسط الديار تسف حب الحمحم وفعولة بفتح الفاء إذا كانت بمعنى الفاعل استوى فيها المؤنث والمذكر؛ نحو قولك : رجل فروقة وامرأة فروقة للجبان والخائف. ورجل صرورة وامرأة صرورة إذا لم يحجا؛ ولا جمع له. فإذا كانت بمعنى المفعول فرق بين المذكر والمؤنث بالهاء كالحلوبة والركوبة. والحمولة (بضم الحاء) : الأحمال. وأما الحمول (بالضم بلا هاء) فهي الإبل التي عليها الهوادج، كان فيها نساء أو لم يكن؛ عن أبي زيد. { وفرشا} قال الضحاك : الحمولة من الإبل والبقر. والفرش : الغنم. النحاس : واستشهد لصاحب هذا القول بقول { ثمانية أزواج} قال { فثمانية} بدل من قوله { حمولة وفرشا} . وقال الحسن : الحمولة الإبل. والفرش : الغنم. وقال ابن عباس : الحمولة كل ما حمل من الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير. والفرش : الغنم. وقال ابن زيد : الحمولة ما يركب، والفرش ما يؤكل لحمه ومحلب؛ مثل الغنم والفصلان والعجاجيل؛ سميت فرشا للطافة أجسامها وقربها من الفرش، وهي الأرض المستوية التي يتوطؤها الناس. قال الراجز : أورثني حمولة وفرشا ** أمشها في كل يوم مشا وقال آخر : وحوينا الفرش من أنعامكم ** والحمولات وربات الحجل قال الأصمعي : لم أسمع له بجمع. قال : ويحتمل أن يكون مصدرا سمي به؛ من قولهم : فرشها الله فرشا، أي بثها بثا. والفرش : المفروش من متاع البيت. والفرش : الزرع إذا فرش. والفرش : الفضاء الواسع. والفرش في رجل البعير : اتساع قليل، وهو محمود. وافترش الشيء أنبسط؛ فهو لفظ مشترك. وقد يرجع قوله تعالى { وفرشا} إلى هذا. قال النحاس : ومن أحسن ما قيل فيهما أن الحمولة المسخرة المذللة للحمل. والفرش ما خلقه الله عز وجل من الجلود والصوف مما يجلس ويتمهد. وباقي الآية قد تقدم.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 141 - 145

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وبعد أن تكلم سبحانه عن نعمه علينا في الزراعة ونعمه علينا في الماشية قال: { وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ } وهي الإبل والبقر والغنم، { حَمُولَةً } والحمولة هي التي تحمل، فيقال: " فلان حَمول " أي يتحمل كثيراً. والحق يقول:
{  وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَىٰ بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ ٱلأَنفُسِ... }
[النحل: 7]

والذي تحمله فوق ظهرها يسمى " حُمُولة ". ولذلك نقول عن السيارة التي تنتقل " حمولة كذا طن ". " ومن الأنعام حمولة وفرشاً ".

والإبل نحمل عليها الرحال، وكل متطلباتنا، و " فرشا " معناها: مقابل الحمولة. فالحمولة هي المشتدة التي تقوى على أن تحمل. وكل ما لا يستطيع الحمل لصغره، أو لأنه لم يعد لذلك، إذا ما نظرت إليه نظرة سطحية تجده وكأنه فارش للأرض. أو " ومن الأنعام حمولة "؛ وهي التي تحمل متاعكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس. " وفرشا " أي ومن ما تتخذون منه فرشاً بأن ننسج من وبره وصوفه وشعره ما نفرشه. { وَمِنَ ٱلأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } [الأنعام: 142]

وفي الحديث عن الأنعام، جاء بالحمولة والفرش ويأتي أيضاً بسيرة الأكل؛ لأننا نأكل لحمها وألبانها ومشتقات الألبان كلها، وهكذا تتعدد المنافع، فهي تحملنا ونأخذ من أصوافها وأوبارها وشعورها الفرش، والوبر وهو شعر الجمال، والصوف وهو شعر الغنم، وشعر الماعز يتميز بلمعة وانفصالية بين شعيراته.

ونلحظ أنه سبحانه قال في الآية الأولى: " كلوا " وفي الثانية: " كلوا "؛ لأن ذلك جاء بعد الكلام عما حرموه على أنفسهم من أرزاق الله في الأرض. فكان ولابد أن يؤكد هذا المعنى، ويوضح: إن الذي خلق هو الله، والذي كلف هو الله، فلا تأخذوا تحليلاً لشيء ولا تحريماً لشيء إلا ممن خلق وممن كلف.

{... كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ ٱلشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ }.

الشيطان هو الذي يوسوس لهم بالمخالفة لمنهج الله، وعداوة الشيطان ظاهرة. فإذا ماكنت العداوة سابقة، فقد أنزل آدم وحواء من رتبة الطاعة إلى رتبة المعصية وجرأهما على المخالفة فخرجا من الجنة، كان من الواجب أن نحتاطُ في قبول هذه الوسوسة.

ثم يفصل الحق لنا الأنعام التي نتخذها حمولة، أو نأخذ منها فرشاً فقال: { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مَّنَ ٱلضَّأْنِ.. }


www.alro7.net