سورة
اية:

قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ ۚ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: قد خسر الذين فعلوا هذه الأفاعيل في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا فخسروا أولادهم بقتلهم وضيقوا عليهم في أموالهم فحرموا أشياء ابتدعوها من تلقاء أنفسهم، وأما في الآخرة فيصيرون إلى أسوأ المنازل بكذبهم على اللّه وافترائهم، كقوله تعالى: { إن الذين يفترون على اللّه الكذب لا يفلحون * متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين والمائة من سورة الأنعام: { قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم وحرموا ما رزقهم اللّه افتراء على اللّه قد ضلوا وما كانوا مهتدين} ""رواه البخاري في المناقب وأخرجه ابن مردويه في تفسير هذه الآية"".

تفسير الجلالين

{ قد خسر الذين قتلوا } بالتخفيف والتشديد { أولادهم } بالوأد { سفها } جهلا { بغير علم وحرَّموا ما رزقهم الله } مما ذكر { افتراء على الله قد ضلوا وما كانوا مهتدين } .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادهمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّه اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَدْ هَلَكَ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرونَ عَلَى رَبّهمْ الْكَذِب , الْعَادِلُونَ بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , الَّذِينَ زَيَّنَ لَمْ شُرَكَاؤُهُمْ قَتْل أَوْلَادهمْ , وَتَحْرِيم مَا حَرَّمْت عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالهمْ , فَقَتَلُوا طَاعَة لَهَا أَوْلَادهمْ , وَحَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّه لَهُمْ , وَجَعَلَهُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ أَنْعَامهمْ سَفَهًا مِنْهُمْ , يَقُول : فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ جَهَالَة مِنْهُمْ بِمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ , وَنَقْص عُقُول , وَضَعْف أَحْلَام مِنْهُمْ , وَقِلَّة فَهُمْ بِعَاجِلِ ضُرّه وَآجِل مَكْرُوهه مِنْ عَظِيم عِقَاب اللَّه عَلَيْهِ لَهُمْ . { اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه } يَقُول : تَكْذِيبًا عَلَى اللَّه وَتَخَرُّصًا عَلَيْهِ الْبَاطِل . { قَدْ ضَلُّوا } يَقُول : قَدْ تَرَكُوا مَحَجَّة الْحَقّ فِي فِعْلهمْ ذَلِكَ , وَزَالُوا عَنْ سَوَاء السَّبِيل . { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } يَقُول : وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلُو ذَلِكَ عَلَى هُدًى وَاسْتِقَامَة فِي أَفْعَالهمْ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَ قَبْل ذَلِكَ , { وَلَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } لِلصَّوَابِ فِيهَا وَلَا مُوَفَّقِينَ لَهُ . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّه خَبَرهمْ فِي هَذِهِ الْآيَات , مِنْ قَوْله : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام نَصِيبًا } الَّذِينَ كَانُوا يَبْحَرُونَ الْبَحَائِر , وَيَسِيبُونَ السَّوَائِب , وَيَئِدُونَ الْبَنَات . كَمَا : 10862 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة , قَوْلُهُ : { الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم } قَالَ : نَزَلَتْ فِيمَنْ يَئِد الْبَنَات مِنْ رَبِيعَة وَمُضَر , كَانَ الرَّجُل يَشْتَرِط عَلَى اِمْرَأَتِهِ أَنْ تَسْتَحْيِي جَارِيَة وَتَئِد أُخْرَى , فَإِذَا كَانَتْ الْجَارِيَة الَّتِي تُوأَد غَدَا الرَّجُل أَوْ رَاحَ مِنْ عِنْد اِمْرَأَته وَقَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ رَجَعْت إِلَيْك وَلَمْ تَئِدِيهَا ! فَتَخُدّ لَهَا فِي الْأَرْض خَدًّا , وَتُرْسِل إِلَى نِسَائِهَا فَيَجْتَمِعْنَ عِنْدهَا , ثُمَّ يَتَدَاوَلْنَهَا , حَتَّى إِذَا أَبْصَرَتْهُ رَاجِعًا دَسَّتْهَا فِي حُفْرَتِهَا , ثُمَّ سَوَّتْ عَلَيْهَا التُّرَاب . 10863 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , ثُمَّ ذَكَرَ مَا صَنَعُوا فِي أَوْلَادهمْ وَأَمْوَالهمْ , فَقَالَ : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّه } . 10864 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادهمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم } فَقَالَ : هَذَا صَنِيع أَهْل الْجَاهِلِيَّة , كَانَ أَحَدهمْ يَقْتُل اِبْنَته مَخَافَة السِّبَاء وَالْفَاقَة وَيَغْذُو كَلْبه . وَقَوْله : { وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّه } . . . الْآيَة , وَهُمْ أَهْل الْجَاهِلِيَّة جَعَلُوا بَحِيرَة وَسَائِبَة وَوَصِيلَة وَحَامِيًا , تَحَكُّمًا مِنْ الشَّيَاطِين فِي أَمْوَالهمْ . 10865 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : إِذَا سَرَّك أَنْ تَعْلَم جَهْل الْعَرَب , فَاقْرَأْ مَا بَعْد الْمِائَة مِنْ سُورَة الْأَنْعَام , قَوْله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادهمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم } . . . الْآيَة . وَكَانَ أَبُو رَزِين يَتَأَوَّل قَوْله : { قَدْ ضَلُّوا } أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ قَدْ ضَلُّوا قَبْل هَؤُلَاءِ الْأَفْعَال مِنْ قَتْل الْأَوْلَاد وَتَحْرِيم الرِّزْق الَّذِي رَزَقَهُمْ اللَّه بِأُمُورٍ غَيْر ذَلِكَ . 10866 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبَى رَزِين , فِي قَوْله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ } . . . إِلَى قَوْله : { قَدْ ضَلُّوا } قَالَ : قَدْ ضَلُّوا قَبْل ذَلِكَ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادهمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّه اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : قَدْ هَلَكَ هَؤُلَاءِ الْمُفْتَرونَ عَلَى رَبّهمْ الْكَذِب , الْعَادِلُونَ بِهِ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام , الَّذِينَ زَيَّنَ لَمْ شُرَكَاؤُهُمْ قَتْل أَوْلَادهمْ , وَتَحْرِيم مَا حَرَّمْت عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالهمْ , فَقَتَلُوا طَاعَة لَهَا أَوْلَادهمْ , وَحَرَّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّه لَهُمْ , وَجَعَلَهُ لَهُمْ رِزْقًا مِنْ أَنْعَامهمْ سَفَهًا مِنْهُمْ , يَقُول : فَعَلُوا مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ جَهَالَة مِنْهُمْ بِمَا لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ , وَنَقْص عُقُول , وَضَعْف أَحْلَام مِنْهُمْ , وَقِلَّة فَهُمْ بِعَاجِلِ ضُرّه وَآجِل مَكْرُوهه مِنْ عَظِيم عِقَاب اللَّه عَلَيْهِ لَهُمْ . { اِفْتِرَاء عَلَى اللَّه } يَقُول : تَكْذِيبًا عَلَى اللَّه وَتَخَرُّصًا عَلَيْهِ الْبَاطِل . { قَدْ ضَلُّوا } يَقُول : قَدْ تَرَكُوا مَحَجَّة الْحَقّ فِي فِعْلهمْ ذَلِكَ , وَزَالُوا عَنْ سَوَاء السَّبِيل . { وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } يَقُول : وَلَمْ يَكُنْ فَاعِلُو ذَلِكَ عَلَى هُدًى وَاسْتِقَامَة فِي أَفْعَالهمْ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَ قَبْل ذَلِكَ , { وَلَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } لِلصَّوَابِ فِيهَا وَلَا مُوَفَّقِينَ لَهُ . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّه خَبَرهمْ فِي هَذِهِ الْآيَات , مِنْ قَوْله : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْث وَالْأَنْعَام نَصِيبًا } الَّذِينَ كَانُوا يَبْحَرُونَ الْبَحَائِر , وَيَسِيبُونَ السَّوَائِب , وَيَئِدُونَ الْبَنَات . كَمَا : 10862 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عِكْرِمَة , قَوْلُهُ : { الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم } قَالَ : نَزَلَتْ فِيمَنْ يَئِد الْبَنَات مِنْ رَبِيعَة وَمُضَر , كَانَ الرَّجُل يَشْتَرِط عَلَى اِمْرَأَتِهِ أَنْ تَسْتَحْيِي جَارِيَة وَتَئِد أُخْرَى , فَإِذَا كَانَتْ الْجَارِيَة الَّتِي تُوأَد غَدَا الرَّجُل أَوْ رَاحَ مِنْ عِنْد اِمْرَأَته وَقَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي إِنْ رَجَعْت إِلَيْك وَلَمْ تَئِدِيهَا ! فَتَخُدّ لَهَا فِي الْأَرْض خَدًّا , وَتُرْسِل إِلَى نِسَائِهَا فَيَجْتَمِعْنَ عِنْدهَا , ثُمَّ يَتَدَاوَلْنَهَا , حَتَّى إِذَا أَبْصَرَتْهُ رَاجِعًا دَسَّتْهَا فِي حُفْرَتِهَا , ثُمَّ سَوَّتْ عَلَيْهَا التُّرَاب . 10863 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثَنَا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , ثُمَّ ذَكَرَ مَا صَنَعُوا فِي أَوْلَادهمْ وَأَمْوَالهمْ , فَقَالَ : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّه } . 10864 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادهمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم } فَقَالَ : هَذَا صَنِيع أَهْل الْجَاهِلِيَّة , كَانَ أَحَدهمْ يَقْتُل اِبْنَته مَخَافَة السِّبَاء وَالْفَاقَة وَيَغْذُو كَلْبه . وَقَوْله : { وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّه } . . . الْآيَة , وَهُمْ أَهْل الْجَاهِلِيَّة جَعَلُوا بَحِيرَة وَسَائِبَة وَوَصِيلَة وَحَامِيًا , تَحَكُّمًا مِنْ الشَّيَاطِين فِي أَمْوَالهمْ . 10865 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : إِذَا سَرَّك أَنْ تَعْلَم جَهْل الْعَرَب , فَاقْرَأْ مَا بَعْد الْمِائَة مِنْ سُورَة الْأَنْعَام , قَوْله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادهمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْم } . . . الْآيَة . وَكَانَ أَبُو رَزِين يَتَأَوَّل قَوْله : { قَدْ ضَلُّوا } أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ قَدْ ضَلُّوا قَبْل هَؤُلَاءِ الْأَفْعَال مِنْ قَتْل الْأَوْلَاد وَتَحْرِيم الرِّزْق الَّذِي رَزَقَهُمْ اللَّه بِأُمُورٍ غَيْر ذَلِكَ . 10866 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ أَبَى رَزِين , فِي قَوْله : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ } . . . إِلَى قَوْله : { قَدْ ضَلُّوا } قَالَ : قَدْ ضَلُّوا قَبْل ذَلِكَ . '

تفسير القرطبي

أخبر بخسرانهم لوأدهم البنات وتحريمهم البحيرة وغيرها بعقولهم؛ فقتلوا أولادهم سفها خوف الإملاق، وحجروا على أنفسهم في أموالهم ولم يخشوا الإملاق؛ فأبان ذلك عن تناقض رأيهم. قلت : إنه كان من العرب من يقتل ولده خشية الإملاق؛ كما ذكر الله عز وجل في غير هذا الموضع. وكان منهم من يقتله سفها بغير حجة منهم في قتلهم؛ وهم ربيعة ومضر، وكانوا يقتلون بناتهم لأجل الحمية. ومنهم من يقول : الملائكة بنات الله؛ فألحقوا البنات بالبنات. وروي أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يزال مغتما بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مالك تكون محزونا)؟ فقال : يا رسول الله، إن أذنبت ذنبا في الجاهلية فأخاف ألا يغفره الله لي وإن أسلمت! فقال له : (أخبرني عن ذنبك). فقال : يا رسول الله، إني كنت، من الذين يقتلون بناتهم، فولدت لي بنت فتشفعت إلى امرأتي أن أتركها فتركتها حتى كبرت وأدركت، وصارت من أجمل النساء فخطبوها؛ فدخلتني الحمية ولم يحتمل قلبي أن أزوجها أو أتركها في البيت بغير زوج، فقلت للمرأة : إني أريد أن أذهب إلى قبيلة كذا وكذا في زيارة أقربائي فابعثيها معي، فسرت بذلك وزينتها بالثياب والحلي، وأخذت علي المواثيق بألا أخونها، فذهبت بها إلى رأس بئر فنظرت في البئر ففطنت الجارية أني أريد أن ألقيها في البئر؛ فالتزمتني وجعلت تبكي وتقول : يا أبت! إيش تريد أن تفعل بي! فرحمتها، ثم نظرت في البئر فدخلت علي الحمية، ثم التزمتني وجعلت تقول : يا أبت لا تضيع أمانة أمي؛ فجعلت مرة أنظر في البئر ومرة أنظر إليها فأرحمها، حتى غلبني الشيطان فأخذتها وألقيتها في البئر منكوسة، وهي تنادي في البئر : يا أبت، قتلتني. فمكثت هناك حتى انقطع صوتها فرجعت. فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وقال : (لو أمرت أن أعاقب أحدا بما فعل في الجاهلية لعاقبتك).

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 136 - 141

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وجْه الخسران أنهم لم يلتفتوا إلى أن الله يرزقهم ويرزق أبناءهم أيضاً، ولعلك أيها الأب قتلت ولداً، كنت ستعيش أنت في رحاب رزقه، وكثيراً ما يكون البعض من الأولاد صاحب رزق وفير، ويقال عن مثل هذا الابن: إن وجهه وجه الخير والسعد والبركة، فمن يوم أن وُلد ولد معه الخير، وذلك حتى لا يتأبى الإنسان على عطاء الله؛ لأنك حين تتأبى على عطاء الله تحرم نفسك العطاء فيما تظنه غير عطاء، وهذا خسران كبير.

إننا نلحظ أن العرب كانوا في بيئة تستجيب وتلبي الصريخ، فساعد يصرخ من في شدة نزلت به واستنجد، يجد من ينقذه، والأولى بالنجدة أهل الرجل وأولاده. والمثال على ذلك ما حدث من جد رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما ذهب ليحفر البئر، وجاءت قريش ووقفت له حتى لا يحفر. فقال: لو أن لي عشرة أبناء سأضحي بواحد منهم. إذن فكثرة الأولاد في هذه المسائل تعطي العزوة وتكثر الصريخ، ولا يفعل ذلك إلا المفطور على النجدة.

وإن قتلت ابناً خوفاً من الفقر فقد تخسر رزقاً قد يكون في طي من تقتل من الذرية، وفوق ذلك تفقد مباهج الشأن أو العزوة أو الآل. أو على الأقل أنهم قد خسروا الا أنهم عاكسوا مرادات الله في الإيجاد بالإنجاب. { قَدْ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوۤاْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ.. } [الأنعام: 140]

و { سَفَهاً } تعني طيشاً، وحمقاً، وجهلاً. {..وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفْتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } [الأنعام: 140]

وهم حين يحرمون على أنفسهم ما رزقهم الله من الأنعام، فهم أهل حمق وضلال وخسران فلو تركوها لانتفعوا منها في حمل أثقالهم أو فيما تدره من لبن، أو في أكل لحمها. إنهم بحمقهم وجهلهم قد خسروا كثيراً، وهم مع ذلك فعلوا ما فعلوا بكذب متعمد على الله، وهم قد ضلوا ولم يكونوا أهلاً للهداية، وكان يكفي أن يصفهم بقوله: { قَدْ ضَلُّواْ }؛ لكنه أضاف: { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } لأن الضلال هو عدم الذهاب إلى المقصد الموصل للغاية، وقد يكون ذلك عن جهل بالطريق، لكن الحق سبحانه رسم لهم طريق الحق فآثروا الذهاب إلى الضلال مع وجود طريق الحق.

ويقول سبحانه بعد ذلك: { وَهُوَ ٱلَّذِيۤ أَنشَأَ.. }


www.alro7.net