سورة
اية:

إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ

تفسير بن كثير

لما ذكر أهل الضلالة الأشقياء، عطف بذكر الأبرار السعداء من الذين آمنوا بقلوبهم وصدقوا إيمانهم بأفعالهم، فعملوا الصالحات من جميع أنواع القربات وتركوا المنكرات، فأورثهم ذلك سكنى الدرجات العاليات في روضات الجنات، ولما ذكر تعالى أنه أضل أولئك وهدى هؤلاء قال: { إن اللّه يفعل ما يريد} . { من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ . وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد } قال ابن عباس: من كان يظن أن لن ينصر اللّه محمداً صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فليمدد بسبب أي بحبل { إلى السماء} أي سماء بيته، { ثم ليقطع} يقول: ثم ليختنق به، وقال عبد الرحمن بن زيد: { فليمدد بسبب إلى السماء} ، أي ليتوصل إلى بلوغ السماء فإن النصر إنما يأتي محمداً من السماء، { ثم ليقطع} ذلك عنه إن قدر على ذلك، وقول ابن عباس وأصحابه أولى وأظهر في المعنى وأبلغ في التهكم، فإن المعنى: من كان يظن أن اللّه ليس بناصر محمد وكتابه ودينه فليذهب فليقتل نفسه إن كان ذلك غائظه فإن اللّه ناصره لا محالة، قال اللّه تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدينا ويوم يقوم الأشهاد} الآية، ولهذا قال: { فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ} قال السدي: يعني من شأن محمد صلى اللّه عليه وسلم، وقال عطاء الخراساني: فلينظر هل يشفي ذلك ما يجد في صدره من الغيظ، وقوله: { وكذلك أنزلناه} أي القرآن { آيات بينات} أي واضحات في لفظها ومعناها حجة من اللّه على الناس، { وأن اللّه يهدي من يريد} أي يضل من يشاء ويهدي من يشاء، وله الحكمة التامة والحجة القاطعة في ذلك، { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} .

تفسير الجلالين

{ إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات } من الفروض والنوافل { جناتِ تجري من تحتها الأنهار إن الله يفعل ما يريد } من إكرام من يعطيه وإهانة من يعصيه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يُدْخِل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يُدْخِل الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّه فِي الدُّنْيَا , وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ فِيهَا { جَنَّات } يَعْنِي بَسَاتِين , { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي الْأَنْهَار مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ اللَّه يُدْخِل الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ اللَّه يُدْخِل الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمْ اللَّه فِي الدُّنْيَا , وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ فِيهَا { جَنَّات } يَعْنِي بَسَاتِين , { تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار } يَقُول : تَجْرِي الْأَنْهَار مِنْ تَحْت أَشْجَارهَا .' فَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ كَرَامَته أَهْل طَاعَته وَمَا شَاءَ مِنَ الْهَوَان أَهْل مَعْصِيَته .فَيُعْطِي مَا شَاءَ مِنْ كَرَامَته أَهْل طَاعَته وَمَا شَاءَ مِنَ الْهَوَان أَهْل مَعْصِيَته .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار} لما ذكر حال المشركين وحال المنافقين والشياطين ذكر حال المؤمنين في الآخرة أيضا. { إن الله يفعل ما يريد} أي يثيب من يشاء ويعذب من يشاء؛ فللمؤمنين الجنة بحكم وعده الصدق وبفضله، وللكافرين النار بما سبق من عدله؛ لا أن فعل الرب معلل بفعل العبيد.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الحج الايات 11 - 15

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

بعد أن تكلَّم الحق - سبحانه وتعالى - عن الكفار وأهل النار ومَنْ يعبدون الله على حَرْف، كان لا بُدَّ أنْ يأتيَ بالمقابل؛ لأن النفس عندها استعداد للمقارنة والتأمل في أسباب دخول النار، وفي أسباب دخول الجنة، وهذا أَجْدى في إيقاع الحجة.

ومن ذلك أيضاً قوله تعالى:
{  إِنَّ ٱلأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ }
[الانفطار: 13 - 14] وقوله تعالى:
{  فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيراً.. }
[التوبة: 82]

فذِكْر النعمة وحدها دون أنْ تقابلها النِّقْمة لا تُؤتِي الأثر المطلوب، لكن حينما تقابل النعمة بالنقمة وَسَلْب الضّر بإيجاب النفع فإنَّ كلاهما يُظهر الآخر؛ لذلك يقول تعالى:
{  فَمَن زُحْزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدْخِلَ ٱلْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ.. }
[آل عمران: 185] فإنْ آمنتَ لا تُزَحْزح عن النار فقط - مع أن هذه في حَدِّ ذاتها نعمة - لكن تُزَحْزح عن النار وتدخل الجنة.

والإيمان: عمل قلبي ومواجيد تطمئن بها النفس، لكن الإيمان له مطلوب: فأنت آمنتَ بالله، واطمأنَّ قلبك إلى أن الله هو الخالق الرازق واجب الوجود.. إلخ، فما مطلوب هذا الإيمان؟

مطلوب الإيمان أنْ تستمع لأوامره، لأنه حكيم، وتثق في قدرته لأنه قادر، وتخاف من بطشه لأنه جبار، ولا تيأس من بَسْطه لأنه باسط، ولا تأمن قبضه لأنه قابض.

لقد آمنتَ بكل هذه القضايا، فحين يأمرك بأمر فعليك أنْ تستحضر حيثيات هذا الأمر، وأنت واثق أن ربك عز وجل لم يأمرك ولم يَنْهَكَ من فراغ، إنما من خلال صفات الكمال فيه سبحانه، أو صفات الجلال والجبروت، فاستحضر في كُلِّ أعمالك وفي كُلِّ ما تأتي أو تدع هذه الصفات.

لذلك، جمعت الآية بين الإيمان والعمل الصالح: { إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ جَنَاتٍ.. } [الحج: 14]

وفي سورة العصر:
{  وَٱلْعَصْرِ * إِنَّ ٱلإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ.. }
[العصر: 1 - 3] ليس ذلك وفقط إنما أيضاً:
{  وَتَوَاصَوْاْ بِٱلْحَقِّ وَتَوَاصَوْاْ بِٱلصَّبْرِ }
[العصر: 3].

فالتواصي بالحق والصبر على الشدائد من الاستجابة لداعي الإيمان وثمرة من ثماره؛ لأن المؤمن سيتعرَّض في رحلة الحياة لفِتَن كثيرة قد تزلزله، وسيواجه سُخْرية واستهزاءً، وربما تعرَّض لألوان العذاب.

فعليه إذن - أنْ يتمسَّك بالحق ويتواصى به مع أخيه، وعليه أن يصبر، وأنْ يتواصى بالصبر مع إخوانه، ذلك لأن الإنسان قد تعرض له فترات ضَعف وخَوَر، فعلى القوي في وقت الفتنة أنْ ينصحَ الضعيف.

وربما تبدَّل هذا الحال في موقف آخر وأمام فتنة أخرى، فَمنْ أوصيْتَه اليوم بالصبر ربما يوصيك غداً، وهكذا يُثمِر في المجتمع الإيماني التواصي بالحق والتواصي بالصبر.

إذن: تواصَوْا؛ لأنكم ستتعرضون لِهزَّات ليست هزَّات شاملة جامعة، إنما هزَّات يتعرض لها البعض دون الآخر، فإنْ ضعُفْتَ وجدتَ من إخوانك مَنْ يُواسيك: اصبر، تجلَّد، احتسب.وإياك أنْ تُزحزحك الفتنة عن الحق، أو تخرج عن الصبر، وهذه عناصر النجاة التي ينبغي للمؤمنين التمسك بها: إيمان، وعمل صالح، وتواصٍ بالحق، وتواصٍ بالصبر.

وقوله سبحانه: { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ.. } [الحج: 14].

الجنات: هي الحدائق والبساتين المليئة بأنواع المتَّع: الزرع، والخضرة، والنضارة، والزهور، والرائحة الطيبة، وهذه كلها بنت الماء؛ لذلك قال { تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ.. } [الحج: 14] ومعنى: { مِن تَحْتِهَا.. } [الحج: 14] أن الماء ذاتيٌّ فيها، لا يأتيها من مكان آخر ربما ينقطع عنها، كما جاء في آية أخرى:
{  تَجْرِي تَحْتَهَا ٱلأَنْهَارُ.. }
[التوبة: 100].

ثم يقول سبحانه: { إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ.. } [الحج: 14] لأنه سبحانه لا يُعْجِزه شيء، ولا يعالج أفعاله كما يعالج البشر أفعالهم
{  إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }
[يس: 82] ولو تأملتَ هذه الآية لوجدتَ الشيء الذي يريده الله ويأمر بكونه موجوداً في الحقيقة، بدليل أن الله تعالى يخاطبه
{  يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ }
[يس: 82] فهو - إذن - كائن فعلاً، وموجود حقيقةً، والأمر هنا إنما هو لإظهاره في عالم المشاهدة.

ثم يقول سبحانه: { مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ.. }

.


www.alro7.net