سورة
اية:

وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ ۚ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { وربك} يا محمد { الغني} أي عن جميع خلقه من جميع الوجوه، وهم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، { ذو الرحمة} أي وهو مع ذلك رحيم بهم كما قال تعالى: { إن اللّه بالناس لرؤوف رحيم} { إن يشأ يذهبكم} أي إذا خالفتم أمره، { ويستخلف من بعدكم ما يشاء} أي قوماً آخرين أي يعملون بطاعته، { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} أي هو قادر على ذلك سهل عليه يسير لديه كما أذهب القرون الأولى وأتى بالذي بعدها، كذلك هو قادر على إذهاب هؤلاء والإتيان بآخرين كما قال تعالى: { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين وكان اللّه على ذلك قديراً} ، وقال تعالى: { إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على اللّه بعزيز} ، وقال تعالى: { وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} ، وقوله تعالى: { إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين} أي أخبرهم يا محمد أن الذي يوعدون به من أمر المعاد كائن لا محالة، { وما أنتم بمعجزين} أي ولا تعجزون اللّه، بل هو قادر على إعادتكم وإن صرتم تراباً رفاتاً وعظاماً هو قادر لا يعجزه شيء، وقال ابن أبي حاتم في تفسيرها عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال: (يا بني آدم إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى، والذي نفسي بيده إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين) وقوله تعالى: { قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون} هذا تهديد شديد ووعيد أكيد، أي استمروا على طريقتكم وناحيتكم إن كنتم تظنون أنكم على هدى فأنا مستمر على طريقتي ومنهجي، كقوله: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون وانتظروا إنا منتظرون} ، قال ابن عباس: { على مكانتكم} ناحيتكم، { فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون} أي أتكون لي أو لكم؟ وقد أنجز اللّه موعده لرسوله صلوات اللّه عليه، فإنه تعالى مكنه في البلاد، وحكّمه في نواصي مخالفيه من العباد، وفتح له مكة، وأظهره على من كذبه من قومه وعاده وناوأه، واستقر أمره على سائر جزيرة العرب، وكل ذلك في حياته، ثم فتحت الأمصار والأقاليم بعد وفاته في أيام خلفائه رضي اللّه عنهم أجمعين كما قال اللّه تعالى: { كتب اللّه لأغلبن أنا ورسلي إن اللّه قوي عزيز} ، وقال: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة وسوء الدار} ، وقال تعالى: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون} ، وقال تعالى إخباراً عن رسله: { فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد} ، وقال تعالى: { وعد اللّه الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} الآية، وقد فعل اللّه ذلك بهذه الأمة المحمدية وله الحمد والمنة أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً.

تفسير الجلالين

{ وربُّك الغني } عن خلقه وعبادتهم { ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم } يا أهل مكة بالإهلاك { ويستخلف من بعدكم ما يشاء } من الخلق { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين } أذهبهم ولكنه أبقاكم رحمة لكم .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَبُّك الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَرَبُّك يَا مُحَمَّد الَّذِي أَمَرَ عِبَاده بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَأَثَابَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَاقَبَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَة , الْغَنِيُّ عَنْ عِبَادِهِ , الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِمَا أَمَرَ وَنَهَاهُمْ عَمَّا نَهَى , وَعَنْ أَعْمَالِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ , وَهُمْ الْمُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ , لِأَنَّهُ بِيَدِهِ حَيَاتُهُمْ وَمَمَاتُهُمْ وَأَرْزَاقُهُمْ وَأَقْوَاتُهُمْ وَنَفْعُهُمْ وَضَرُّهُمْ , يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَلَمْ أَخْلُقْهُمْ يَا مُحَمَّد وَلَمْ آمُرْهُمْ بِمَا أَمَرْتهمْ بِهِ وَأَنْهَهُمْ عَمَّا نَهَيْتهمْ عَنْهُ , لِحَاجَةٍ لِي إِلَيْهِمْ وَلَا إِلَى أَعْمَالِهِمْ , وَلَكِنْ لِأَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِي وَأُثِيبَهُمْ عَلَى إِحْسَانِهِمْ إِنْ أَحْسَنُوا , فَإِنِّي ذُو الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ . وَأَمَّا قَوْله : { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ } فَإِنَّهُ يَقُول : إِنْ يَشَأْ رَبُّك يَا مُحَمَّد الَّذِي خَلَقَ خَلْقَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ { يُذْهِبْكُمْ } يَقُول : يُهْلِك خَلْقَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَلَقَهُمْ مِنْ وَلَدِ آدَم { وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ } يَقُول : وَيَأْتِ بِخَلْقٍ غَيْرِكُمْ , وَأُمَمٍ سِوَاكُمْ يَخْلُفُونَكُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِكُمْ , يَعْنِي : مِنْ بَعْدِ فَنَائِكُمْ وَهَلَاكِكُمْ . { كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } كَمَا أَحَدَثكُمْ وَابْتَدَعَكُمْ مِنْ بَعْد خَلْق آخَرِينَ كَانُوا قَبْلكُمْ . وَمَعْنَى " مِنْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع : التَّعْقِيب , كَمَا يُقَال فِي الْكَلَام أَعْطَيْتُك مِنْ دِينَارك ثَوْبًا , بِمَعْنَى : مَكَان الدِّينَار ثَوْبًا , لَا أَنَّ الثَّوْب مِنْ الدِّينَار بَعْض , كَذَلِكَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ : { كَمَا أَنْشَأَكُمْ } لَمْ يُرَدْ بِإِخْبَارِهِمْ هَذَا الْخَبَر أَنَّهُمْ أُنْشِئُوا مِنْ أَصْلَاب قَوْم آخَرِينَ , وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُمْ أُنْشِئُوا مَكَان خَلْق خَلْف قَوْم آخَرِينَ قَدْ هَلَكُوا قَبْلهمْ . وَالذُّرِّيَّة مِنْ قَوْل الْقَائِل : ذَرَأَ اللَّه الْخَلْق , بِمَعْنَى خَلَقَهُمْ فَهُوَ يَذَرُهُمْ , ثُمَّ تُرِكَ الْهَمْزَة فَقِيلَ : ذَرَا اللَّه , ثُمَّ أَخْرَجَ الْفُعِّيلَة بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلَى مِثَال الْعُلِّيَّة . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " مِنْ ذَرِيئَة قَوْم آخَرِينَ " عَلَى مِثَال فَعِيلَة . وَعَنْ آخَر أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَمِنْ ذُرْيَة " عَلَى مِثَال عُلْيَة . وَالْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا الْقُرَّاء فِي الْأَمْصَار : { ذُرِّيَّة } بِضَمِّ الذَّال وَتَشْدِيد الْيَاء عَلَى مِثَال عُلِّيَّة . وَقَدْ بَيَّنَّا اِشْتِقَاق ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هَهُنَا . وَأَصْل الْإِنْشَاء : الْإِحْدَاث , يُقَال : قَدْ أَنْشَأَ فُلَان يُحْدِث الْقَوْم , بِمَعْنَى : اِبْتَدَأَ وَأَخَذَ فِيهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَرَبُّك الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَرَبُّك يَا مُحَمَّد الَّذِي أَمَرَ عِبَاده بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَأَثَابَهُمْ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَاقَبَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَة , الْغَنِيُّ عَنْ عِبَادِهِ , الَّذِينَ أَمَرَهُمْ بِمَا أَمَرَ وَنَهَاهُمْ عَمَّا نَهَى , وَعَنْ أَعْمَالِهِمْ وَعِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ , وَهُمْ الْمُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ , لِأَنَّهُ بِيَدِهِ حَيَاتُهُمْ وَمَمَاتُهُمْ وَأَرْزَاقُهُمْ وَأَقْوَاتُهُمْ وَنَفْعُهُمْ وَضَرُّهُمْ , يَقُول عَزَّ ذِكْره : فَلَمْ أَخْلُقْهُمْ يَا مُحَمَّد وَلَمْ آمُرْهُمْ بِمَا أَمَرْتهمْ بِهِ وَأَنْهَهُمْ عَمَّا نَهَيْتهمْ عَنْهُ , لِحَاجَةٍ لِي إِلَيْهِمْ وَلَا إِلَى أَعْمَالِهِمْ , وَلَكِنْ لِأَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِرَحْمَتِي وَأُثِيبَهُمْ عَلَى إِحْسَانِهِمْ إِنْ أَحْسَنُوا , فَإِنِّي ذُو الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ . وَأَمَّا قَوْله : { إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ } فَإِنَّهُ يَقُول : إِنْ يَشَأْ رَبُّك يَا مُحَمَّد الَّذِي خَلَقَ خَلْقَهُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّاهُ { يُذْهِبْكُمْ } يَقُول : يُهْلِك خَلْقَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ خَلَقَهُمْ مِنْ وَلَدِ آدَم { وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ } يَقُول : وَيَأْتِ بِخَلْقٍ غَيْرِكُمْ , وَأُمَمٍ سِوَاكُمْ يَخْلُفُونَكُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِكُمْ , يَعْنِي : مِنْ بَعْدِ فَنَائِكُمْ وَهَلَاكِكُمْ . { كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } كَمَا أَحَدَثكُمْ وَابْتَدَعَكُمْ مِنْ بَعْد خَلْق آخَرِينَ كَانُوا قَبْلكُمْ . وَمَعْنَى " مِنْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع : التَّعْقِيب , كَمَا يُقَال فِي الْكَلَام أَعْطَيْتُك مِنْ دِينَارك ثَوْبًا , بِمَعْنَى : مَكَان الدِّينَار ثَوْبًا , لَا أَنَّ الثَّوْب مِنْ الدِّينَار بَعْض , كَذَلِكَ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِقَوْلِهِ : { كَمَا أَنْشَأَكُمْ } لَمْ يُرَدْ بِإِخْبَارِهِمْ هَذَا الْخَبَر أَنَّهُمْ أُنْشِئُوا مِنْ أَصْلَاب قَوْم آخَرِينَ , وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُمْ أُنْشِئُوا مَكَان خَلْق خَلْف قَوْم آخَرِينَ قَدْ هَلَكُوا قَبْلهمْ . وَالذُّرِّيَّة مِنْ قَوْل الْقَائِل : ذَرَأَ اللَّه الْخَلْق , بِمَعْنَى خَلَقَهُمْ فَهُوَ يَذَرُهُمْ , ثُمَّ تُرِكَ الْهَمْزَة فَقِيلَ : ذَرَا اللَّه , ثُمَّ أَخْرَجَ الْفُعِّيلَة بِغَيْرِ هَمْزٍ عَلَى مِثَال الْعُلِّيَّة . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " مِنْ ذَرِيئَة قَوْم آخَرِينَ " عَلَى مِثَال فَعِيلَة . وَعَنْ آخَر أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " وَمِنْ ذُرْيَة " عَلَى مِثَال عُلْيَة . وَالْقِرَاءَة الَّتِي عَلَيْهَا الْقُرَّاء فِي الْأَمْصَار : { ذُرِّيَّة } بِضَمِّ الذَّال وَتَشْدِيد الْيَاء عَلَى مِثَال عُلِّيَّة . وَقَدْ بَيَّنَّا اِشْتِقَاق ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته هَهُنَا . وَأَصْل الْإِنْشَاء : الْإِحْدَاث , يُقَال : قَدْ أَنْشَأَ فُلَان يُحْدِث الْقَوْم , بِمَعْنَى : اِبْتَدَأَ وَأَخَذَ فِيهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { وربك الغني} أي عن خلقه وعن أعمالهم. { ذو الرحمة} أي بأوليائه وأهل طاعته. { إن يشأ يذهبكم} بالإماتة والاستئصال بالعذاب. { ويستخلف من بعدكم ما يشاء} أي خلقا آخر أمثل منكم وأطوع. { كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين} والكاف في موضع نصب، أي يستخلف من بعدكم ما يشاء استخلافا مثل ما أنشأكم، ونظيره { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين} [النساء : 133]. { وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم} [محمد : 38]. فالمعنى يبدل غيركم مكانكم، كما تقول : أعطيتك من دينارك ثوبا.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 131 - 136

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

وهنا يحنننا الله سبحانه وتعالى إلى عبادته، وإلى تكاليفه؛ يحنننا إلى فضيلة الطاعة، وكل ذلك لمصلحتنا وهذا مطلق الربوبية الرحيمة، فيحسن لنا الجزاء، ويفخم لنا فيه لنعمل لصالحنا نحن؛ لأن كل أعمالنا- كما قلنا- لا تزيد في ملك الله قدر جناح بعوضة، وكل معصياتنا لا تنتقص من ملك الله قدر جناح بعوضة؛ لأن الله بكل صفات الكمال خلقنا، ولم نزده نحن شيئاً. لقد أوجد الدنيا من عدم، وفرق بين الصفة القائمة بذات الله، وإيجاد متعلق الصفة. فالله خالق؛ والله رحمن، والله رحيم، والله قهار، وسبحانه رحمن ورحيم وقهار وخالق حتى قبل أن يبرز ويظهر ما يخلقه؛ لأنه بصفة الخالق فيه خلق، وهو رزاق قبل أن يخلق المرزوق، فالصفة موجودة فيه قائمة به، وبهذه الصفة رزق، وبوجود هذه الصفات فيه يقول للشيء كن فيكون، وله هذا الكون كله، وهو غني عن العباد وله كل الملك، وكذلك خلق التوبة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " لَلَّهُ أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة. " { وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ } [الأنعام: 133]

إذن فالخلق مستمر الإيجاد من العدميات وهو دليل على أن صفة الخالقية موجودة.
وما آدم في منطق العقل واحد   ولكنه عند القياس أو ادم
فالكون كله من أول آدم موجود، وكل الكون المسخر لآدم كخليفة في الأرض خاضع لله، فإن شاء اذهب الخلق وأتى بخلق جديد. ويقول الحق بعد ذلك: { إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ.. }


www.alro7.net