سورة
اية:

وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ

تفسير بن كثير

يقول تعالى: { ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون} أي إنما أعذرنا إلى الثقلين بإرسال الرسل وإنزال الكتب لئلا يؤاخذ أحد بظلمه وهو لم تبلغه دعوة، ولكن أعذرنا إلى الأمم وما عذبنا أحد إلا بعد إرسال الرسل إليهم، كما قال تعالى: { وإن من قرية إلا خلا فيها نذير} ، وقوله: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً} ، وقال تعالى: { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا} والآيات في هذا كثيرة. قال ابن جرير: ويحتمل قوله تعالى: { بظلم} وجهين أحدهما : أي بظلم أهلها بالشرك ونحوه وهم غافلون، يقول: لم يكن يعاجلهم بالعقوبة حتى يبعث إليهم رسولاً ينبههم على حجج اللّه عليهم وينذرهم عذاب اللّه يوم معادهم، ولم يكن بالذي يؤاخذهم غفلة، فيقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير. والوجه الثاني : لم يكن ربك ليهلكهم دون التنبيه والتذكير بالرسل والآيات والعبر فيظلمهم بذلك، واللّه غير ظلام لعبيده، ثم شرع يرجح الوجه الأول ولا شك أنه أقوى واللّه أعلم، قال: وقوله تعالى: { ولكل درجات مما عملوا} أي ولكل عامل من طاعة اللّه أو معصيته مراتب ومنازل من عمله يبلغه إياها ويثيبه بها إن خيراً فخير وإن شراً فشر. قلت : ويحتمل أن يعود قوله: { ولكل درجات مما عملوا} أي من كافري الجن والإنس، أي لكل درجة في النار بحسبه، كقوله: { قال لكل ضعف} ، وقوله: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل اللّه زدناهم عذاباً فوق العذاب بما كانوا يفسدون} ، { وما ربك بغافل عما يعملون} قال ابن جرير: أي وكل ذلك من عملهم يا محمد بعلم من ربك يحصيها ويثبتها لهم عنده ليجازيهم عند لقائهم إياه ومعادهم إليه.

تفسير الجلالين

{ ولكل } من العاملين { درجات } جزاء { مما عملوا } من خير وشر { وما ربك بغافل عما يعملون } بالياء والتاء .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِكُلٍّ دَرَجَات مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِكُلِّ عَامِل فِي طَاعَة اللَّه أَوْ مَعْصِيَته مَنَازِلُ وَمَرَاتِبُ مِنْ عَمَلِهِ , يُبَلِّغهُ اللَّه إِيَّاهَا , وَيُثِيبهُ بِهَا , إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا . { وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِمْ يَا مُحَمَّد بِعِلْمٍ مِنْ رَبّك يُحْصِيهَا وَيُثْبِتُهَا لَهُمْ عِنْدَهُ لِيُجَازِيَهُمْ عَلَيْهَا عِنْد لِقَائِهِمْ إِيَّاهُ وَمَعَادِهِمْ إِلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلِكُلٍّ دَرَجَات مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْرُهُ : وَلِكُلِّ عَامِل فِي طَاعَة اللَّه أَوْ مَعْصِيَته مَنَازِلُ وَمَرَاتِبُ مِنْ عَمَلِهِ , يُبَلِّغهُ اللَّه إِيَّاهَا , وَيُثِيبهُ بِهَا , إِنْ خَيْرًا فَخَيْرًا وَإِنْ شَرًّا فَشَرًّا . { وَمَا رَبّك بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَكُلّ ذَلِكَ مِنْ عَمَلِهِمْ يَا مُحَمَّد بِعِلْمٍ مِنْ رَبّك يُحْصِيهَا وَيُثْبِتُهَا لَهُمْ عِنْدَهُ لِيُجَازِيَهُمْ عَلَيْهَا عِنْد لِقَائِهِمْ إِيَّاهُ وَمَعَادِهِمْ إِلَيْهِ .'

تفسير القرطبي

قوله تعالى { ولكل درجات مما عملوا} أي من الجن والإنس؛ كما قال في آية أخرى { أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين} [الأحقاف : 18] ثم قال { و لكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون} [الأحقاف : 19]. وفي هذا ما يدل على أن المطيع من الجن في الجنة، والعاصي منهم في النار؛ كالإنس سواء. وهو أصح ما قيل في ذلك فاعلمه. ومعنى { ولكل درجات} أي ولكل عامل بطاعة درجات في الثواب. ولكل عامل بمعصية دركات في العقاب. { وما ربك بغافل} أي ليس بلاه ولا ساه. والغفلة أن يذهب الشيء عنك لاشتغالك بغيره. { عما يعملون} قرأه ابن عامر بالتاء، الباقون بالياء.

الشيخ الشعراوي - فيديو


سورة الانعام الايات 131 - 136

تفسير خواطر محمد متولي الشعراوي

{ وَلِكُلٍّ } ، وجاءت بالتنوين أي لكلٍّ من الإِنس والجن درجات مما عملوا، فكأن الأعمال تتفاوت؛ فقد تكون في ظاهرها قوالب متحدة، لكن التفاوت إنما ينشأ بكثرة العمل، أو بإخلاص المقارف للعمل والمكتسب والفاعل له، فهناك من يخلص بكل طاقته، وهناك من يؤدي عمله بنصف إخلاص، ومسألة الإِخلاص هذه لا تحددها لوائح ولا قوانين إنما يحددها الحق سبحانه وتعالى، ولذلك يقول محمد صلى الله عليه وسلم مبلغاً عن رب العزة هذا الحديث القدسي: " الإِخلاصُ سر من سري استودعته قلب من أحببت من عبادي. "

إذن فمقاييس الإِخلاص لا يعرفها إلا ربنا سبحانه وتعالى، وعلى مقدار ذلك تكون الدرجات. وتكون الدرجات على مقدار ما يزيده العبد من جنس ما فرضه الله عليه؛ فالحق قد فرض صلوات خمساً، فيزيد العبد عشر ركعات في الليلة مثلاً. والله قد فرض الصيام شهراً، فيصوم العبد يومي الاثنين والخميس.

والذي يقف عند ما فرض الله يجازيه الله على إخلاصه في أداء ما عليه، وحينما سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن موقف الذي لا يؤدي إلا الفروض فقط، قال له: " أفلح إن صدق، " فالذي يزيد عما فرض الله من جنس ما فرض الله أشد فلاحاً. ولا يصل الإِنسان إلى المرتبة التي هي أشد فلاحاً إلا إذا كان في درجة أعلى، وكلمة { دَرَجَاتٌ } تفيد العُلّو، وكلمة " دركات " تفيد الهبوط، والحق لا يغفل عن ظاهر وباطن كل عمل لأي عبد.

ويقول سبحانه من بعد ذلك: { وَرَبُّكَ ٱلْغَنِيُّ ذُو ٱلرَّحْمَةِ.. }


www.alro7.net